إيـدا سـتـاوت ومـدرسـة الـبـنـيـن الأمـريـكـيـة في بـغـداد بـيـن 1924 و1947

sabahalnassery بـيـن دجـلـة والـفـرات مـدونـة الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

living-240

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

لـم يـكـن في بـدايـة حـيـاة إيـدا دونـغـيـس سـتـاوت  Staudt Ida Donges مـا يـوحي بـالـمـغـامـرة الّـتي سـتـقـوم بـهـا في الـشّـرق : فـتـح مـدرسـة أمـريـكـيـة لـلـبـنـيـن في بـغـداد مـع زوجـهـا وإدارتـهـا مـا يـقـارب الـرّبـع قـرن، فـقـد تـخـرّجـت إيـدا مـن مـعـهـد في مـديـنـة صـغـيـرة في الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة، والـتـقـت بـكـالـفـن سـتـوات Staudt Calvin الّـذي كـان قـد تـخـرّج مـن Franklin and Marshall College في1900، ثـمّ مـن حـلـقـة لانـكـسـتـر الـلاهـوتـيـة في 1903، وهي الـسّـنـة الّـتي تـزوجـهـا فـيـهـا. وسـافـرا إلى شـيـكـاغـو الّـتي حـصـلـت إيـدا مـنـهـا عـلى بـكـالـوريـوس في الـفـلـسـفـة ونـال مـنـهـا زوجـهـا شـهـادة الـدّكـتـوراه. وقـد مـارس الـدّكـتـور سـتـاوت الـتّـدريـس وعـمـل كـرجـل ديـن في نـفـس الـوقـت إلى عـام 1914. وعـنـدمـا انـدلـعـت الـحـرب انـخـرط فـيـهـا كـمـعـلـم ومـسـؤول ديـني.

وبـعـد أن انـتـهـت الـحـرب سـافـرت إيـدا وزوجـهـا إلى بـيـروت ودرّسـا مـن 1919 إلى 1922. درّس الـدّكـتـور سـتـاوت في الـجـامـعـة الأمـريـكـيـة وفي مـعـهـد ديـني ، بـيـنـمـا درّسـت زوجـتـه في  The Americain Girls School.

وفي 1924 قـبـلـت إيـدا مـع…

View original post 4٬101 more words

Advertisements

الـعـرب وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد

قرقر

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

الـقـسـم الأوّل : بـدايـة ظـهـور الـعـرب في الـنّـصـوص الآشـوريـة :

تـأتي مـعـرفـتـنـا بـتـاريـخ الـعـرب في الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد خـاصـة مـن الـنّـصـوص الآشـوريـة والـبـابـلـيـة الـحـديـثـة الّـتي كـانـت تـسـتـعـمـل الـلـغـة الأكّـديـة (بـالـلـهـجـتـيـن الـبـابـلـيـة والآشـوريـة) والـمـسـجـلـة بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة. وقـد وجـد الـمـنـقـبـون كـثـيـراً مـن الـحـولـيـات الـمـلـكـيـة الّـتي كـانـت تـسـجّـل الأحـداث الـمـهـمـة لـكـلّ سـنـة مـن سـنـوات حـكـم مـلـوكـهـا مـكـتـوبـة عـلى ألـواح طـيـنـيـة أو مـنـقـوشـة عـلى الألـواح الـحـجـريـة الّـتي كـانـت تـغـطي جـدران قـصـورهـم. كـمـا وجـدوا نـصـوصـاً إداريـة مـهـمّـة وخـاصـة وثـائـق الـعـهـود الّـتي بـرمـوهـا مـع جـيـرانـهـم أو الـضّـرائـب الّـتي فـرضـوهـا عـلـيـهـم وجـبـوهـا مـنـهـم.

وقـبـل أن نـبـدأ بـالـكـلام عـن الـعـرب في الـنّـصـوص الآشـوريـة والـبـابـلـيـة  أودّ أن أذكـر الـقـارئ بـأنّ الـلـغـة الأكّـديـة (الـبـابـلـيـة ــ الآشـوريـة) لا تـفـرّق في كـتـابـتـهـا الـمـسـمـاريـة بـيـن الـتّـاء والـثّـاء والـطـاء فـهي تـكـتـبـهـا كـلّـهـا بـالـتّـاء، كـمـا أنّـهـا لا تـفـرّق بـيـن الـدّال والـذّال ولا بـيـن الـهـمـزة والـعـيـن، ولـيـس فـيـهـا ضـاد ولا ظـاء، مـمـا يـجـعـل إيـجـاد الـلـفـظ الـصّـحـيـح لـلأسـمـاء الـعـربـيـة الـمـذكـورة فـيـهـا شـديـد الـصّـعـوبـة. ويـمـكـن إذن إيـجـاد نـفـس هـذه الأسـمـاء مـكـتـوبـة بـطـريـقـة مـخـتـلـفـة في دراسـات أخـرى.

أوّل ذكـر لـلـعـرب في الـتّـاريـخ :

ظهـرت كـلـمـة “العـربي” لأوّل مـرّة  في الـتّـاريـخ  في نـصّ  لـلـمـلـك الآشـوري سـلـمـان أصـر الـثّـالـث يـفـتـخـر فـيـه بـانـتـصـاره سـنـة  853 قـبـل الـمـيـلاد في معـركـة قـرقـر عـلى تـحـالـف “مـلـوك” مـنـاطـق غــرب نهـر الـفـرات. وكـان مـن بـيـنـهـم  جـنـدبُ “العـربي” الّـذي شـارك بـألـف جـمـل يـركـبـهـا ألـف مـقـاتـل.  والـنّـص مـنـقـوش عـلى مـسـلّـة حـجـريـة تـدعى بـ “حـجـر كُـرخ ” مـحـفـوظـة في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن.

مـعـركـة قـرقـر:

وقـعـت مـعـركـة قـرقـر سـنـة 853 قـبـل الـمـيـلاد، قـرب قـريـة قـرقـر في وادي نـهـر الـكـلـب في سـوريـا. وكـان الـمـلـك الآشـوري سـلـمـان أصـر الـثّـالـث قـد أراد الـوصـول إلى مـا لـم يـسـتـطـع أبـوه الـمـلـك آشـور نـاصـربـال تـحـقـيـقـه، أي الـسّـيـطـرة عـلى شـمـال سـوريـا ومـنـطـقـة سـيـلـيـسـيـا. وبـدأ بـتـعـزيـز سـيـطـرتـه عـلى شـمـال الـفـرات الّـذي شـيّـد فـيـه عـدداً مـن الـحـصـون، ثـمّ جـمـع جـيـشـاً جـرّاراً سـيّـره إلى سـوريـا ومـنـطـقـة سـيـلـيـسـيـا. ووصـل جـيـشـه إلى وسـط سـوريـا، وهـنـاك لاقى قـوّات كـلّ مـمـالـك الـمـنـطـقـة الّـتي اجـتـمـعـت لـقـتـالـه.

ويـسـجـل الـنّـصّ الّـذي أمـر سـلـمـان أصـر الـثّـالـث بـنـقـشـه بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة عـن مـعـركـة قـرقـر أعـداد الـمـقـاتـلـيـن في صـفـوف قـوّات الـمـمـالـك الـصّـغـيـرة الـمـعـاديـة ولـكـنّـهـا لـم تـذكـر أعـداد الـجـنـود الآشـوريـيـن. ويـمـكـنـنـا أن نـتـصـوّر أنّـهـم كـانـوا عـلى الأقـل بـنـفـس كـثـرة أعـدائـهـم. كـمـا ذكـر مـؤلـفـو سـفـر الـمـلـوك في الـتّـوراة أعـداداً مـخـتـلـفـة. وكـانـت غـالـبـيـة جـنـود الآشـوريـيـن مـن الـمـشـاة، وكـان بـيـنـهـم أعـداد كـبـيـرة مـن الـرّمـاة تـحـمـيـهـم صـفـوف مـن حـامـلي الـرّمـاح الـمـدرعـيـن والـمـحـتـمـيـن بـالـتّـروس. وكـان في الـجـيـش خـيّـالـة، وعـربـات ثـقـيـلـة يـركـبـهـا ثـلاثـة أو أربـعـة مـن الـجـنـود وتـجـرّهـا أربعـة خـيـول تـهـجـم عـلى خـطـوط الأعـداء لـتـفـتـح فـيـهـا ثـغـرات. أمّـا قـوّات الـتّـحـالـف الّـتي واجـهـتـهـم فـقـد بـعـثـتـهـا مـمـالـك مـتـنـافـسـة كـانـت تـتـقـاتـل في مـا بـيـنـهـا قـبـل أن يـجـمـعـهـا الـخـطـر الـمـشـتـرك : قـوات حـداد إدري مـلـك دمـشـق الآرامي، وإرحـولـيـني مـلـك حـمـاه، وأشـعـب مـلـك إسـرائـيـل، وجِـنـدبُ مـلـك الـعـرب إلى جـانـب قـوّات الـمـدن الـفـنـيـقـيـة : أوسـنُ وجـبـيـل وعـرقـا وشـيـانُ، وكـتـيـبـة مـصـريـة. وكـانـت أعـداد جـنـودهـم تـتـنـاسـب مـع قـدرات كــلّ مـنـهـم  وإمـكـانـيـاتـه. ولا شـكّ في أنّ الـنّـصّ بـالـغ في أهـمـيـتـهـا لـيـزيـد مـن قـيـمـة انـتـصـاره عـلـيـهـا.

ولـم يـذكـر الـنّـقـش ولا الـحـولـيـات الـمـلـكـيـة كـيـف جـرت الـمـعـركـة، ولـكـنّ حـولـيـات سـلـمـان أصـر الـثّـالـث تـذكـر أنّـه انـتـصـر عـلى أربـعـة عـشـر ألـف جـنـدي. ونـعـرف مـنـهـا أنّ قـوّات الآشـوريـيـن انـسـحـبـت مـن الـمـنـطـقـة بـعـد الـمـعـركـة، ولـم تـحـاصـر عـواصـم الـمـمـالـك الّـتي تـحـالـفـت ضـدّهـا. وتـذكـر الـنّـصـوص الآشـوريـة عـدداً مـن الـمـنـاوشـات في الـسّـنـوات الـتّـالـيـة وبـعـض هـجـمـات آشـوريـة عـلى مـدن الـمـتـحـالـفـيـن ضـدّهـم.

ومـازال الـبـاحـثـون يـتـنـاقـشـون في مـعـنى كـلـمـة “عـربي” في هـذا الـنّـصّ : هـل تـعـني  مـن كـان يـنـتـمي إلى أٌقـوام مـخـتـلـفـة عـن سـائـر الأقـوام الـسّـامـيـة لـهـم لـغـتـهـم الـخـاصـة وتـركـيـبـاتـهـم الـسّـيـاسـيـة والإجـتـمـاعـيـة الـخـاصـة بـهـم، أم تـعـني مـن يـنـتـمى إلى قـبـائـل الـرّحـل مـهـمـا كـانـت لـغـتـه وانـتـمـاؤه الـقـومي.

الآشـوريـون والـعـرب :

وكـان الآشـوريـون يـحـرسـون الـحـدود الـجـنـوبـيـة الـغـربـيـة لـدولـتهـم  ويـراقـبـونـهـا بـحـذر، فـقـد كـانـت بـلاد الـعـرب تـلامـس حـدودهـم: تـبـدأ في الـبـاديـة غـرب الـفـرات. وكـان الـعـرب إمّـا أعـرابـاً بـدواً يـتـنـقّـلـون مـع قـطـعـانـهـم ، أو تـجّـاراً يـتـنـقـلـون لـبـيـع وشـراء الـبـضـائـع في  قـوافـل أو مـسـلـحـيـن يـحـمـون الـقـوافـل أو مـزارعـيـن أو رعـاة في واحـات واسـعـة مـثـل تـدمـر وتـيـمـاء و دومـة الـجـنـدل (دومـاتـو بـالـلـغـة الأكّـديـة) وديـدان (وادي الـعـلا). وكـانـت هـذه الـواحـات مـراكـز ديـنـيـة أيـضـاً يـلـتـقي فـيـهـا الـبـدو والـحـضـر في الأعـيـاد. ويـبـدو أنّ تـيـمـاء كـانـت مـركـز عـبـادة سـيـن، إلـه الـشّـمـس، بـيـنـمـا كـانـت أتّـر سـمـيـن (أتّـر الـسّـمـاوات) أهـمّ آلـهـة دومـة الـجـنـدل. وكـان الآشـوريـيـون يـشـبـهـون أتّـر سـمـيـن بـعـشـتـار.

وكـان مـن مـارسـوا الـتّـجـارة مـن الـعـرب قـد دخـلـوا في الـهـلال الـخـصـيـب مـنـذ الـقـرن الـثّـامـن ق. م. وأقـام بـعـضـهـم فـيـه. وكـانـت قـوافـلـهـم قـوافـل جـمـال، وبـهـذا امـتـازوا عـلى بـاقي تـجّـار الـشّـرق الأدنى الّـذيـن لـم يـكـونـوا يـمـتـلـكـون إلّا الـحـمـيـر. وهي حـيـوانـات أقـلّ مـقـاومـة مـن الـجـمـال وأقـلّ تـحـمّـلاً لـقـسـاوة الـبـيـئـة والـطّـقـس. وكـانـت أعـداد الـجـمـال في قـوافـلـهـم تـصـل في بـعـض الأحـيـان إلى 300 جـمـل يـصـحـبـهـا مـا يـقـارب هـذ الـعـدد مـن الـرّجـال. وكـانـوا يـتـاجـرون بـسـلـع ثـمـيـنـة : مـنـتـوجـات الـيـمـن مـن عـطـور وبـخـور ولـبـان، كـمـا كـانـوا يـتـاجـرون بـالـصّـوف الـمـصـبـوغ بـالأرجـوان وبـالـحـديـد والـبـلـق الألـبـاتـري وكـلّ مـا كـانـت حـيـاة الـتّـرف والـبـذخ شـرقي الـفـرات، في آشـور وبـابـل، تـحـتـاج إلـيـه. يـشـتـرونـهـا في مـصـر ويـوصـلـونـهـا بـأقـصـر الـطّـرق وأسـرعـهـا مـن الـبـحـر الأحـمـر إلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن. وكـانـت هـذه الـطّـريـق طـويـلـة في الـبـدايـة : يـمـرّون بـداخـل مـنـاطـق الـهـلال الـخـصـيـب الـمـأهـولـة بـالـسّـاكـنـيـن ويـجـتـازون أكـثـر مـن 1800 كـلـم. ثـمّ اخـتـصـروهـا إلى أقـلّ مـن نـصـفـهـا عـنـدمـا سـلـكـوا طـريـق دمـشـق إلى الـفـرات مـروراً بـتـدمـر. ثـمّ دفـعـهـم إقـدامـهـم إلى سـلـوك طـريـقـيـن جـنـوبـيـتـيـن : تـنـطـلـق أولاهـمـا مـن الـبـحـر الأحـمـر إلى تـيـمـاء ثـمّ دومـة الـجـنـدل وتـصـل إلى بـلاد بـابـل ، بـيـنـمـا تـتـجـه الـثّـانـيـة إلى يـثـرب ثـمّ حـائـل لـتـصـل مـبـاشـرة إلى أور في بـلاد سـومـر.

وكـانـت الـقـوافـل تـجـتـاز الـصّـحـراء في ظـروف شـديـدة الـقـسـوة مـع أنّـهـا كـانـت تـتـحـاشى الأشـهـر الّـتي تـشـتـدّ فـيـهـا الـحـرارة. وكـانـت تـسـيـر ابـتـداءً مـن كـانـون الأوّل وتـتـوقـف بـعـد شـهـرآذار. كـمـا كـانـت عـرضـة لـلـنّـهـب والـسّـلـب والـهـلاك. وكـان الـتّـجـار يـدفـعـون أحـيـانـاً مـكـوسـاً لـلآشـوريـيـن لـيـمـرّوا في الـمـنـاطـق الّـتي يـحـكـمـونـهـا. وتـذكـر حـولـيـات الـمـلـك الآشـوري تـغـلـت فـلـيـسـر الـثّـالـث أنّـه اسـتـلـم مـن مـمـلـكـة سـبـأ ومـن قـبـائـل شـمـال جـزيـرة الـعـرب جـمـالاً وأنـواعـاً مـن الـتّـوابـل والـعـطـور. وكـانـوا يـعـتـمـدون عـلى أنـفـسـهـم في حـمـايـة قـوافـلـهـم عـنـدمـا لـم تـعـد هـذه الـمـنـاطـق تـحـت سـيـطـرة الآشـوريـيـن ولـم يـعـد هـنـاك قـوّات تـحـمـيـهـا.

وكـان بـعـض هـؤلاء الـعـرب قـد اسـتـوطـنـوا في بـلاد بـابـل مـنـذ الـقـرن الـثّـامـن قـبـل الـمـيـلاد. مـنـهـم مـن كـانـوا يـزرعـون الأرض ومـنـهـم مـن كـانـوا يـبـيـعـون الـسّـلـع الّـتي تـجـلـبـهـا الـقـوافـل أو يـتـاجـرون بـهـا مـع مـدن غـرب الـجـزيـرة الـعـربـيـة.

أمّـا الأعـراب الـرّحـل فـقـد كـانـوا بـعـيـديـن تـمـام الـبـعـد عـن حـيـاة الـمـتـحـضـريـن. وقـد تـفـنـن كـتّـاب الآشـوريـيـن ونـحّـاتـوهـم في إظـهـارغـرابـة حـيـاة هـؤلاء الأعـراب وعـاداتـهـم. فـالـمـقـاطـع الّـتي خـصـصـهـا لـهـم كـتّـاب الـدّيـوان  في الـنّـصـوص الـرّسـمـيـة تـعـدّ مـن بـيـن أجـمـل مـا كـتـبـوا ، والـمـنـحـوتـات الـجـداريـة الّـتي تـروي حـروب الآشـوريـيـن ضـدّهـم كـانـت تـغـطي جـدران قـاعـة كـامـلـة في قـصـر الـمـلـك آشـوربـانـيـبـال في نـيـنـوى. ويـمـكـنـنـا أن نـفـهـم دهـشـة الآشـوريـيـن مـن عـادات هـؤلاء الأعـراب ومـن تـقـالـيـدهـم ، فـقـد كـانـوا يـعـيـشـون في خـيـام، وبـعـض قـبـائـلـهـم تـحـكـمـهـا مـلـكـات يـصـطـحـبـن مـعـهـنّ أصـنـام آلـهـتـهـنّ في تـنـقـلاتـهـنّ. ورغـم أنّ الآشـوريـيـن كـانـوا يـعـرفـون جـيـرانـهـم الأعـراب مـعـرفـة جـيّـدة ، أحـسـن بـكـثـيـر مـمـا كـانـوا يـعـرفـون أقـوام أنـضـولـيـا مـثـلاً، فـهـم لـم يـنـتـبـهـوا لـمـا كـان يـجـري مـنـذ نـهـايـة الـقـرن الـثّـامـن قـبـل الـمـيـلاد، أي تـقـدم الـعـرب نـحـو عـدّة مـنـاطـق في نـفـس الـوقـت، فـقـد وسـعـوا أمـاكـن تـنـقّـلـهـم نـحـو دمـشـق ونـحـو تـدمـر ونـحـو شـرق الأردن. ولـم يـكـن هـذا الـتّـوسـع في نـظـر الآشـوريـيـن إلّا غـزوات نـهـب كـانـت تـجـري بـعـيـداً عـنـهـم، في أطـراف دولـتـهـم . ولـم يـنـتـبـهـوا إلى أنّ حـركـة الـتّـوسّـع تـلـك كـانـت حـركـة عـمـيـقـة الـتّـجـذر انـطـلـقـت مـن جـنـوب الـجـزيـرة الـعـربـيـة واخـتـرقـتـهـا بـكـامـلـهـا، ولـم يـنـتـبـهـوا إلى أهـمـيـة الـغـنـائـم الّـتي اكـتـسـبـوهـا في تـقـدّمـهـم في الـمـنـاطـق الّـتي تـغـلّـبـواعـلـيـهـا.

الـقـسـم الـثّـاني : الـعـرب في الـحـولـيـات الـمـلـكـيـة الآشـوريـة  :

عرب 8

رأيـنـا في الـقـسـم الأوّل مـن هـذا الـبـحـث كـيـف ظهـرت كـلـمـة “العـربي” لأوّل مـرّة في الـتّـاريـخ  في نـصّ  لـلـمـلـك الآشـوري سـلـمـان أصـر الـثّـالـث في سـنـة  853. وسـنـتـكـلّـم في هـذا الـقـسـم عـن عـلاقـات الـعـرب بـالآشـوريـيـن في الـقـرنـيـن الـثّـامـن والـسّـابـع قـبـل الـمـيـلاد خـلال حـكـم تـجـلـت فـلـيـسـر الـثّـالـث وسـرجـون الـثّـاني وسـنـحـاريـب  وعـسـرحـدون.

وأودّ أن أذكـر الـقـارئ هـنـا مـرّة ثـانـيـة بـأنّ الـلـغـة الأكّـديـة (الـبـابـلـيـة ــ الآشـوريـة) لا تـفـرّق في كـتـابـتـهـا الـمـسـمـاريـة بـيـن الـتّـاء والـثّـاء والـطـاء فـهي تـكـتـبـهـا كـلّـهـا بـالـتّـاء، كـمـا أنّـهـا لا تـفـرّق بـيـن الـدّال والـذّال ولا بـيـن الـهـمـزة والـعـيـن، ولـيـس فـيـهـا ضـاد ولا ظـاء. كـمـا أنّ الـجـيـم تـلـفـظ  فـيـهـا دائـمـاً مـثـل الـجـيـم الـمـصـريـة في (يـا جـدع) أو الـقـاف الـبـغـداديـة في (قـلـبي) مـمـا يـجـعـل إيـجـاد الـلـفـظ الـصّـحـيـح لـلأسـمـاء الـمـذكـورة فـيـهـا شـديـد الـصّـعـوبـة. ويـمـكـن إذن إيـجـاد نـفـس هـذه الأسـمـاء مـكـتـوبـة بـطـرق مـخـتـلـفـة : تـجـلـت أو تـغـلـت أو تـقـلـت مـثـلاً.

تـجـلـت فـلـيـسـر الـثّـالـث : (إسـمـه بـالآشـوريـة : تـوكـولـتي أبِـل إشّـارا ، حـكـم بـيـن 745 و 727 قـبـل الـمـيـلاد).

تـوسّـعـت الـدّولـة الآشـوريـة تـوسـعـاً كـبـيـراً نـحـو الغـرب في الـقـرن الـثّـامـن قـبـل الـمـيـلاد، وهـكـذا ازداد ظهـور العـرب في الـنّـصـوص الآشــوريـة بـازديـاد عـلاقـاتهـم بهـم. ونجـد في 738  قـبـل الـمـيـلاد، بـيـن مـن دفـع الـضّـرائـب لـلـمـلـك الآشـوري تـجـلـت فـلـيـسر الـثّـالـث  “زبـيـبـة ، مـلـكـة العـرب”.

كـمـا تـذكـر أجـزاء مـن لـوح مـهـشّـم مـن نـفـس الـفـتـرة أنّ الـمـلـك الآشـوري اسـتـولى، بـعـد أن قـمـع تـمـرداً  ضـدّه، عـدة أراضي مـن بـيـنـهـا مـضـارب إديـبي إلـو (عـديـبي عـلـو؟) الـعـربي.

وبـعـد أربـع سـنـوات مـن ذلـك، نـقـرأ في نـصّ آشــوري أنّ “شــمـسـي مـلـكـة العـرب” كـانـت قـد “نـكـثـت عـهـدهـا [الّـذي أقـسـمـت عـلـيـه] أمـام [الإلـه] شـمـش” وتـحـالـفـت ضـدّ الآشــوريـيـن مـع  صـور ودمـشـق وإسـرائـيـل. وقـد هـربـت ناجـيـة بـنـفـسـهـا بعـد انـتـصـار الجـيـش الآشــوري عـلى قـوّات الـتّحالـف.

ويـذكـر الـمـلـك في الـنّـصّ  :”أمّـا شـمـسي، مـلـكـة الـعـرب في تـلّ سـقـوري، فـقـد قـتـلـتُ 9400 مـن مـقـاتـلـيـهـا ، وأسـرت مـائـة ألـف مـن رجـالـهـا، وأخـذت 30،000 مـن جـمـالـهـا و20،000 رأس مـن قـطـعـانـهـا، و5000 حِـقّ مـلـيـئـة بـالـتّـوابـل، وأخـذت آلـهـتـهـا ومـمـتـلـكـاتـهـا. ولـكي تـنـجـو بـنـفـسـهـا هـربَـت إلى الـبـاديـة مـثـل أتـان. وأشـعـلـتُ الـنّـار في مـا بـقي مـن خـيـامـهـا. وشـمـسي الّـتي ارتـعـبـت مـن قـوة سـلاحي جـاءت إلى آشـور ووقـفـت بـيـن يـديَّ وجـلـبـت لي مـعـهـا الـبـعـران والـنّـوق وصـغـار الإبـل. وعـيّـنـتُ مـسـؤولاً (قـيـفـو) لـيـشـرف عـلـيـهـا، وجـاء عـشـرة آلاف مـقـاتـل يـركـعـون أمـامي ويـقـبـلـون قـدمَيَّ : أقـوام مـسـع وتـيـمـاء وسـبـأ وحـيّـافـة وبـدانـو وخـطّي وإدبـا أيـلـو (عـدبـا عـيـلـو) مـن الـبـلاد الّـتي تـغـرب عـلـيـهـا الـشّـمـس”.

سـلّـمـت شـمـسي نـفـسـهـا إذن لـلـمـلـك الآشــوري فـعـفـا عـنهـا وأبـقـاهـا مـلـكـة عـلى العـرب ولـكـن تحـت إشــراف مســؤول آشــوري. ويـظـهـر مـن الـغـنـائـم الّـتي أخـذهـا تـغـلـت فـلـيـسـر مـن شـمـسي والّـتي صـارت مـن نـصـيـب ابـنـه ولـيـد الـعـهـد سـرجـون، أنّ مـمـتـلـكـاتـهـا لـم تـكـن تـأتـيـهـا مـن مـراعـيـهـا فـقـط وإنّـمـا مـن مـشـاركـتـهـا في تـجـارة الـقـوافـل. كـمـا يـدلّ قـرار الـمـلـك الآشـوري بـإبـقـاء شـمـسي “مـلـكـة عـلى الـعـرب” رغـم تـمـرداتـهـا عـلى رغـبـتـه في أنّ تـسـتـمـر تـجـارة الـقـوافـل الّـتي كـانـت تـمـرّ بـأراضي دولـتـه وفي تـحـاشي أن تـؤثـر الإضـطـرابـات عـلـيـهـا.

كـمـا أنّ سـيـاسـة الآشـوريـيـن كـانـت في اسـتـعـمـال الـعـرب مـثـل قـبـيـلـة عـدبي عـيـلـو لـيـحـرسـوا لـهـم بـعـض حـدودهـم، وقـد عـيّـن شـيـخـهـم “حـارسـاً (أتـوتـو)” لـحـدود جـنـوب غـرب فـلـسـطـيـن، أي الـحـدود مـع مـصـر.

ونـجـد في قـوائـم أسـمـاء الـبـدو في نـصـوص زمـن تـجـلـت فـلـيـسـر: قـبـائـل مـسـع (أو مـسـعـة) وتـيـمـاء وسـبـأ وحـفـا (أو خـفـا ) وبَـدانـا وحـطـيـطـا (أو خـطـيـطـا) وإدبـا إيـلا (أو عـدبي عـيـلا).

سـرجـون الـثّـاني :

وبعـد عـدّة ســنـوات ، نـقـرأ في نـصّ لـلـمـلـك ســرجـون الـثّـاني (إسـمـه بـالآشـوريـة : شَـرو كـيـن، أي الـمـلـك الـشّـرعي أو الـمـلـك الـحـق. حـكـم مـن 721 إلى  705 ق. م.) يـعـود إلى الـسّـنـة الـخـامـسـة مـن حـكـمـه أي 716 ق. م. عـن انـتـصـاره عـلى  أقـوام ثـمـود  وعـبـاديـدي  ومـرسـيـمـاني  وعـفـه  “مـن الـعـرب الّـذيـن يـسـكـنـون أمـاكـن بـعـيـدة مـن الـبـاديـة”، ونـفى مـن نـجـا مـنـهـم مـن الـقـتـل إلى فـلـسـطـيـن. كـمـا ذكـر نـفـس الـنّـصّ أنّـه اسـتـلـم ضـرائـب مـن فـرعـون مـصـر ومـن شـمـسي، مـلـكـة الـعـرب، ومـن مـلـك ســبـأ.

ونـحـن لا نـعـرف إلّا الـقـلـيـل عـن الـتّـنـظـيـم الـسّـيـاسي لـلـعـرب في ذلـك الـزّمـن. ونـعـرف مـثـلاً أنّـهـم كـانـوا يـنـتـمـون إلى قـبـائـل، وأنّ هـذه الـقـبـائـل كـانـت تـتـجـمّـع أحـيـانـاً تـحـت رئـاسـة شـيـخ واحـد. وكـانـت قـبـائـل قِـدَر الـمـجـمـوعـة الـرّئـيـسـيـة لـلـعـرب في سـوريـا وشـمـال جـزيـرة الـعـرب. كـمـا ذكـرت الـنّـصـوص قـبـائـل ثـمـود وبـنـيـوت ومـسـع الّـتي كـانـت مـضـاربـهـا بـيـن تـيـمـاء ودومـة الـجـنـدل. وتـسـمي الـنّـصـوص رؤسـاءهـم “مـلـوكـاً”، وكـان لـهـم كـمـا رأيـنـا “مـلـكـات”. وربّـمـا كـانـت “الـمـلـكـات”  كـاهـنـات أيـضـاً.

ونـجـد في قـوائـم أسـمـاء الـبـدو في نـصـوص زمـن سـرجـون الـثّـاني : قـبـائـل حَـيـافـا و ثـمـودي وإبـادي (عـبـادي) ومـرسـيـمـاني. وتـذكـر نـصـوص زمـن الـمـلـك سـرجـون : “شـيـخ (نـسـيـكـو) مـديـنـة لَـبَـن” رئـيـس إحـدى هـذه الـقـبـائـل الّـذي كـان مـسـؤولاً عـن وادي العـريـش وعـن بـدو سـيـنـاء. كـمـا تـذكـر الـمـسـلّـة الّـتي وجـدت في مـوقـع نـمـرود أنّ “نـاس مـصـر والـعـرب” ارتـعـبـوا عـنـدمـا سـمـعـوا بـانـتـصـارات سـرجـون الـثّـاني الـبـطـولـيـة ، وربّـمـا دلّـنـا ذلـك عـلى أنّ بـعـض الـعـرب في الـقـرن الـثّـامـن قـبـل الـمـيـلاد كـانـوا قـد اسـتـقـرّوا في سـيـنـاء.

سـنحـاريـب :

وقـد كـان سـنـحـاريـب، إبـن الـمـلـك سـرجـون الـثّـاني (إسـمـه بـالآشـوريـة : سـيـن أخي إربـا ، حـكـم مـن سـنـة 705 إلى سـنـة 681 قـبـل الـمـيـلاد) يـعـامـل الـعـرب بـنـفـس الـطّـريـقـة الّـتي كـان يـعـامـل بـهـا كـلّ أقـوام أطـراف دولـتـه : يـفـاوضـهـم ويـتـفـاهـم مـعـهـم عـنـدمـا يـسـتـطـيـع ذلـك. ويـلـجـأ إلى الـعـنـف والـقـوّة إذا اسـتـدعى الأمـر ذلـك.

ولـكـنّ طـبـيـعـة الـعـلاقـات بـيـن الآشـوريـيـن والـعـرب تـغـيّـرت عـنـدمـا حـدثـت اضـطـرابـات في بـابـل وأصـبـحـت مـصـدر هـمّ الآشـوريـيـن الـرّئـيـسي. وكـان الـعـرب قـد تـحـالـفـوا مـع الـمـتـمـرديـن (الّـذيـن نـصـبـوا الــكـلـداني مـيـروداخ بـالَـدان الـثّـاني مـلـكـاً عـلى بـابـل) ضـدّ الآشـوريـيـن. وقـد قـاد سـنـحـاريـب أولى حـمـلاتـه الـعـسـكـريـة في 703 ق. م. ضـدّ تـمـرّد الـكـلـدانـيـيـن ورئـيـسـهـم مـيـروداخ بـالـدان في بـابـل، والّـذيـن كـان يـسـانـدهـم جـيـش عـيـلامي. وبـعـد أن هـرب مـيـروداخ بـالـدان وانـتـصـر سـنـحـاريـب عـلـيـهـم وفـتـح بـابـل وخـرّبـهـا سـنـة 689 ق. م. أسـر عـدداً مـن قـادة الـتّـمـرّد ومـن بـيـنـهـم  “بـاسـقـانـو شـقـيـق يـاتـيـعي، مـلـكـة الـعـرب”. وهـذه هي الـمـرّة الأولى الّـتي يـذكـر فـيـهـا نـصّ آشـوري جـمـاعـة مـن الـعـرب في بـابـل.

عرب 10

وقـد بـعـث مـلـك سـبـأ كـربـيـئـل لـسـنـحـاريـب بـعـد انـتـصـاره عـلى بـابـل عـطـوراً وأحـجـار كـريـمـة. وقـد أودعـهـا سـنـحـاريـب في أسـاس بـنـاء مـعـبـد رأس الـسّـنـة الـجـديـد الّـذي أمـر بـتـشـيـيـده في مـديـنـة آشـور.

وبـعـد نـهـايـة سـرد حـمـلـة سـنـحـاريـب الـثّـامـنـة (691 ق. م.) ذكـرت الـحـولـيـات مـطـاردة قـوّات آشـوريـة لـمـجـمـوعـة مـن أعـراب الـبـاديـة يـقـودهـا خـزعـل “مـلـك قِـدَر”، وتـعـلـهـونُ  “مـلـكـة الـعـرب”. وقـد انـتـصـرت عـلـيـهـم وطـاردتـهـم حـتّى أدومـاتـو (دومـة الـجـنـدل) في شـمـال جـزيـرة الـعـرب. وبـعـثـت تـعـلـهـونُ أسـيـرة إلى بـلاد آشـور مـع كـلّ الـغـنـائـم الّـتي نـهـبـت مـن عـشـيـرتـهـا ومـن بـيـنـهـا أصـنـام آلـهـة الـعـرب. أمّـا خـزعـل فـقـد احـتـفـظ بـسـلـطـتـه ولـكـن عـلى شـرط أن يـدفـع ضـريـبـة فـادحـة لـلآشـوريـيـن.

ولـم تـكـن لـلآشـوريـيـن هـذه الـعـلاقـات الـمـتـوتـرة إلّا مـع بـعـض الـعـرب، أمّـا بـعـضـهـم الآخـر فـقـد أدركـوا أن مـصـالـحـهـم وخـاصـة الـتّـجـاريـة مـنـهـا تـجـبـرهـم عـلى تـقـبّـل سـيـطـرة الـمـلـوك الآشـوريـيـن، سـلاطـيـن جـزء كـبـيـر مـن الـعـالـم في ذلـك الـزّمـن. ونـجـد في الـنّـصـوص الإداريـة الآشـوريـة ذكـراً لـهـدايـا بـعـثـهـا سـكـان واحـة تـيـمـاء مـثّـلاً.  وكـانـت سـيـاسـة الآشـوريـيـن عـامـة تـهـدف إلى إدخـال الـعـرب تـحـت سـيـطـرتـهـم لـمـراقـبـتـهـم أوّلاً وكـذلـك لـجـذب قـوافـلـهـم الـتّـجـاريـة نـحـو الـمـوانئ الـتّـابـعـة لـهـم.

عـسـر حـدون :

وتـقـصّ عـلـيـنـا حـولـيـات الـمـلـك عـسـر حـدون، إبـن الـمـلـك سـنـحـاريـب (إسـمـه بـالآشـوريـة : آشـور أخـا إدّيـنـا. حـكـم مـن 680 إلى 669 ق. م.) تـكـمـلـة مـا حـدث لـخـزعـل “مـلـك قِـدَر” ، فـقـد رجـا خـزعـل الـمـلـك الآشـوري أن يـعـيـد لـه أصـنـام آلـهـتـه الّـتي كـان سـنـحـاريـب قـد نـقـلـهـا إلى آشـور. وقـد اسـتـجـاب عـسـر حـدون لـطـلـبـه عـلى شـرط أن يـزيـد مـن الـضّـريـبـة الّـتي كـان يـدفـعـهـا لـلـمـلـك. وبـعـد مـوت خـزعـل، حـوالي سـنـة 677 ق.م. وافـق الـمـلـك الآشـوري عـلى تـعـيـيـن ابـنـه يـوثـع خـلـفـاً لـه. وبـالـمـقـابـل أضـاف يـوثـع عـلى الـضـريـبـة الّـتي كـان يـدفـعـهـا أبـوه : ” عـشـر (مـيـنـا) مـن الـذّهـب و 1000 مـن الأحـجـار الـكـريـمـة وخـمـسـيـن جـمـلاً وألـف حـقّ مـن الـجـلـد مـلـيـئـة بـالـتّـوابـل”. وقـد سـاعـد الـمـلـك الآشـوري يـوثـع بـن خـزعـل عـلى الإنـتـصـار عـلى مـنـافـسـيـه وإقـرار سـلـطـتـه. ويـذكـر نـصّ يـعـود تـاريـخ كـتـابـتـه إلى سـنـة 673 ق. م. تـمـرد عـوابـو وحـلـفـائـه مـن عـرب كـالـيـشُ عـلى سـلـطـة يـوثـع بـن خـزعـل، وقـمـع يـوثـع لـلـتـمـرد بـمـسـاعـدة الآشـوريـيـن. ولـكـنّ يـوثـع تـمـرد عـلى الـمـلـك الآشـوري بـدلاً مـن الإعـتـراف لـه بـجـمـيـلـه. وهـرب أمـام الـقـوات الآشـوريـة الّـتي سـارت نـحـوه سـنـة 669 ق.م. وأخـذت مـن جـديـد “آلـهـة الـعـرب”  ومـن بـيـنـهـا أتـر سـمـايـن إلى مـديـنـة نـيـنـوى ، ورهـنـت فـيـهـا إلى أن أعـادهـا لـهـم بـعـد ذلـك آشـوربـانـيـبـال بـن عـسـر حـدون.

وتـذكّـر نـصـوص آشـوريـة سـجّـلـت في أيّـار 676 ق. ك. أنّ الـمـلـك عـسـرحـدون فـرض تـروبـة (الّـتي تـسـمـيـهـا بـعـض نـسـخ هـذه الـنّـصـوص تـبـوعـة) الّـتي كـانـت قـد تـربّـت في بـلاط نـيـنـوى “مـلـكـة  عـلى الـعـرب”، وبـعـثـهـا إلى أدومـاتـو (دومـة الـجـنـدل) مـع أصـنـام آلـهـة الـعـرب الّـتي أرجـعـهـا لـهـم.

كـمـا تـذكـر الـحـولـيـات لـنـفـس الـعـام حـمـلـة عـسـرحـدون ضـدّ أرض بـازو الّـتي يـعـتـقـد كـثـيـر مـن الـبـاحـثـيـن أنّـهـا تـقـع في بـاديـة الـعـرب ويـقـرّبـون كـلـمـة بـازو مـن بـاصـو الّـتي تـعـني “الـرّمـل”. وتـصـفـهـا الـنّـصـوص الآشـوريـة بـأنّـهـا : “فـلاة قـاحـلـة، تـغـطـيـهـا الأمـلاح، لا مـاء فـيـهـا”، وأنّـهـا : “عـلى مـسـيـرة 140 بـيـرو (1500 كـلـم.) تـغـطـيـهـا الـرّمـال والأشـواك والـصّـخـور الـقـاطـعـة، وتـغـطي 20 بـيـرو مـنـهـا ثـعـابـيـن وعـقـارب بـأعـداد الـنّـمـال”. وكـان حـكّـام هـذه الـفـلـوات : يـافَـع ولـيـالي وقـيـسُ وأكـبـرُ (أغـبـرُ). وطـبـعـاً فـقـد انـتـصر عـلـيـهـم الـمـلـك وأدخـلـهـم في طـاعـتـه.

وسـار عـسـرحـدون سـنـة 671 ق. م. إلى مـصـر لـفـتـحـهـا، وكـان أوّل مـلـك آسـيـوي يـخـتـرق الـبـحـر الأحـمـر نـحـو أفـريـقـيـا. وقـد طـلـب مـن “عـرب الـغـرب” أي الّـمـقـيـمـيـن في مـا وراء وادي الـعـريـش أن يـسـاعـدوا جـيـشـه لاخـتـراق صـحـراء سـيـنـاء.

ويـذكـر الـنّـقـش الآشـوري الّـذي سـجـل وقـائـع هـذه الـحـمـلـة عـلى لـسـان الـمـلـك : “عـنـدمـا أوحى ربّي آشـور لـعـرّافـه أن يـجـيـب عـلى طـلـبي [لـفـتـح مـصـر]، إبـتـهـج فـؤادي. ومـدّني كـلّ مـلـوك الـعـرب بـجـمـال حـمّـلـت عـلـيـهـا قِـرب الـمـاء”.

ورغـم أنّـه لـيـس في الـنّـص تـفـاصـيـل عـن أعـداد الـجـمـال وقِـرب الـمـاء فـيـمـكـنـنـا أن نـتـصـوّر مـدى أهـمـيـة مـسـاعـدة الـعـرب لـلـجـيـش الآشـوري بـتـقـريـبـهـا مـن مـا حـدث في حـمـلـتـيـن عـسـكـريـتـيـن حـديـثـتـيـن : أولاهـمـا مـسـيـرة جـيـش الـجـنـرال الـفـرنـسي نـابـلـيـون بـونـابـرت مـن مـصـر إلى فـلـسـطـيـن في شـبـاط 1799 خـلال حـمـلـتـه عـلى مـصـر، وثـانـيـتـهـمـا مـسـيـرة الـجـيـش الـعـثـمـاني نـحـو قـنـاة الـسّـويـس في كـانـون الـثّـاني 1915. وقـد وجـد الـبـاحـثـون أنّ سـدّ حـاجـات ألـف جـنـدي مـن الـطّـعـام والـشّـراب لـمـدّة ثـلاثـة أيّـام يـتـطـلّـب عـلى الأقـل حـمـولـة مـائـتي جـمـل. ويـنـبـغي أن يـضـاف إلى ذلـك مـتـطـلـبـات الـخـيـل الّـتي هي أضـعـاف مـا يـحـتـاجـه الـرّجـال.

ويـبـدو أنّ سـنـحـاريـب، والـد عـسـر حـدون كـان قـد أنـشـأ قـوّات مـن الـعـرب ألـحـقـهـا بـجـيـشـه بـعـد حـمـلـتـه ضـدّ عـرب أدومـاتـو (دومـة الـجـنـدل). ولـهـذا أسـمـاه الـمـؤرخ الإغـريـقي هـيـرودوت (الّـذي زار بـلاد مـا بـيـن الـنـهـريـن في الـقـرن الـخـامـس قـبـل الـمـيـلاد) بـ”سـنـحـاريـب، مـلـك الـعـرب والآشـوريـيـن”. ويـمـكـن أن يـفـسّـر هـذا مـسـاعـدة الـعـرب لـلـجـيـش الآشـوري الـجـرّار عـلى اخـتـراق صـحـراء سـيـنـاء، وهـو حـدث لـم يـسـبـق لـه نـظـيـر، وإن تـجـدد بـعـد ذلـك في حـمـلـة آشـوربـانـيـبـال الـثّـاني بـن عـسـرحـدون، وفي حـمـلـة الـمـلـك الـفـارسي الأخـمـيـني قـمـبـيـز بـن كـورش الـكـبـيـر ضـدّ مـصـر، وهـو مـا سـنـراه في الـقـسـم الـثّـالـث مـن هـذا الـبـحـث.

الـقـسـم الـثـالـث : الـعـرب في زمـن آشـوربـانـيـبـال :

عرب وآشوريون 1

رأيـنـا في الـقـسـم الأوّل مـن هـذا الـبـحـث كـيـف ظهـرت كـلـمـة “العـربي” لأوّل مـرّة في الـتّـاريـخ  في نـصّ  لـلـمـلـك الآشـوري سـلـمـان أصـر الـثّـالـث في سـنـة  853 قـبـل الـمـيـلاد، وتـكـلّـمـنـا في الـقـسـم الـثّـاني عـن عـلاقـات الـعـرب بـالآشـوريـيـن في الـقـرنـيـن الـثّـامـن والـسّـابـع قـبـل الـمـيـلاد خـلال حـكـم تـجـلـت فـلـيـسـر الـثّـالـث وسـرجـون الـثّـاني وسـنـحـاريـب  وعـسـرحـدون. وسـنـتـكـلّـم في هـذا الـقـسـم عـن الـعـرب والآشـوريـيـن في زمـن الـمـلـك آشـوربـانـيـبـال.

آشـوربـانـيـبـال :

خـلـف آشـوربـانـيـبـال أبـاه عـسـر حـدون عـلى الـعـرش في 669 ق. م. (حـكـم مـن 669 إلى 627 ق. م.) ولـكـن ذكـر أخـبـار الـعـرب في الـحـولـيـات الـمـلـكـيـة لـم يـبـدأ إلّا في 649 ق. م. أي بـعـد عـشـريـن عـامـاً مـن اعـتـلائـه الـعـرش.

وقـد رأيـنـا كـيـف لـم يـنـتـبـه الآشـوريـون لـمـا كـان يـجـري مـنـذ نـهـايـة الـقـرن الـثّـامـن قـبـل الـمـيـلاد، أي تـقـدم الـعـرب نـحـو عـدّة مـنـاطـق مـن الـهـلال الـخـصـيـب في نـفـس الـوقـت. فـقـد وسـعـوا أمـاكـن تـنـقّـلـهـم نـحـو دمـشـق ونـحـو تـدمـر ونـحـو شـرق الأردن. ولـم يـكـن هـذا الـتّـوسـع في نـظـر الآشـوريـيـن إلّا غـزوات نـهـب كـانـت تـجـري بـعـيـداً عـنـهـم، في أطـراف دولـتـهـم . ولـم يـنـتـبـهـوا إلى أنّ حـركـة الـتّـوسّـع تـلـك كـانـت حـركـة عـمـيـقـة الـتّـجـذر انـطـلـقـت مـن جـنـوب الـجـزيـرة الـعـربـيـة واخـتـرقـتـهـا بـكـامـلـهـا، ولـم يـنـتـبـهـوا إلى أهـمـيـة الـغـنـائـم الّـتي اكـتـسـبـهـا الـعـرب في تـقـدّمـهـم في الـمـنـاطـق الّـتي تـغـلّـبـوا عـلـيـهـا.

ومـرّت سـنـوات طـويـلـة قـبـل أن يـدرك الآشـوريـون أنّ هـؤلاء الأعـراب لـم يـأتـوا لـلـغـزو فـقـط ثـمّ يـنـسـحـبـون إلى الـبـاديـة، بـل كـانـوا قـبـائـل كـامـلـة تـتـقـدم في الأراضي الّـتي كـانـت تـحـت سـلـطـة الـمـلـك الآشـوري يـسـبـقـهـا مـقـاتـلـون يـشـقّـون لـهـا الـطّـريـق.

وعـنـدهـا بـدأ جـنـود الآشـوريـيـن وحـلـفـاءهـم الـمـؤابـيـيـن يـقـاتـلـوهـم لـيـوقـفـوا تـقـدّمـهـم. وكـانـوا إذا مـا انـتـصـروا عـلـيـهـم لا يـكـتـفـون بـأسـر مـقـاتـلـيـهـم والإسـتـيـلاء عـلى الـجـمـال الّـتي يـقـاتـلـون عـلـيـهـا ، وإنـمـا كـانـوا يـتـابـعـون مـلـكـهـم الـمـغـلـوب لأخـذ : “آلـهـتـه وامـرأتـه وعـائـلـتـه ورجـال قـبـيـلـتـه وحـمـيـره وإبـلـه وغـنـمـه”.

ومـع ذلـك نـجـحـت حـمـلات هـؤلاء الـعـرب في تـقـلـيـص سـيـطـرة الآشـوريـيـن عـلى مـنـاطـق غـرب الـفـرات، فـبـيـنـمـا وصـلـت مـمـتـلـكـات سـنـحـاريـب، جـدّ آشـوربـانـيـبـال إلى دومـة الـجـنـدل ، لـم يـسـتـطـع حـفـيـده آشـوربـانـيـبـال إلّا أن يـقـاتـلـهـم لـلـدّفـاع عـن مـنـاطـق هـاجـمـوهـا تـبـعـد عـن دومـة الـجـنـدل بـأكـثـر مـن 500 كـلـم. نـحـو الـشّـمـال. ونـصـبـت قـبـائـل قِـدَر مـضـاربـهـا عـلى الـحـدود الـشّـرقـيـة لـمـمـلـكـة مـؤاب (الّـتي كـانـت تـقـع شـرق الـبـحـر الـمـيّـت) الـمـحـالـفـة لـلآشـوريـيـن. وكـانت هـذه الـقـبـائـل في طـريـقـهـا لـلـتّـحـضّـر مـثـل جـيـرانـهـا الّـذيـن تـحـضّـروا مـنـذ قـرون عـديـدة.

HEZ-2563681 - © - Werner Forman Archive

أمّـا في داخـل الـبـاديـة فـقـد تـحـالـفـت عـدّة قـبـائـل حـول الإلـه أتّـر سـمـايـن (أتـر الـسّـمـوات). وكـانـت الـحـولـيـات الآشـوريـة تـسـتـعـمـل كـلـمـة “الـعـشـيـرة” لـنـعـت هـذا الـتّـجـمـع الّـذي كـان يـشـبـه نـواة لـتـشـكـيـل دولـة. وهـو نـوع مـن الـتّـحـالـف يـحـتـرم سـلـطـة كـلّ شـيـخ مـن شـيـوخ الـقـبـائـل الّـتي تـشـكّـلـه عـلى قـومـه. ويـقـسـم كـلّ واحـد مـنـهـم عـلى طـاعـة إلـه مـشـتـرك، ويـرفـض طـاعـة واحـد مـنـهـم يـسـتـولي عـلى الـرّئـاسـة. ورغـم أنّ الـنّـحـاتـيـن الآشـوريـيـن صـوّروا هـؤلاء الأعـراب شـبـه عـراة لا تـحـيـط خـصـورهـم إلّا قـطـع قـمـاش، فـهـم لـم يـكـونـوا في الـحـقـيـقـة فـقـراء مـحـتـاجـيـن، فـقـد اسـتـطـاعـوا في زمـن عـسـر حـدون، والـد آشـوربـانـيـبـال أن يـدفـعـوا كـلّ عـام ضـريـبـة مـقـدارهـا عـشـرة أرطـال مـن الـذّهـب وألـف حـجـر (لا نـعـرف هـل كـانـت كـلّـهـا كـريـمـة) وألـف كـيـس مـن الـتّـوابـل وخـمـسـيـن جـمـلاً. ودفـعـوا فـوق ذلـك لابـنـه آشـوربـانـيـبـال كُـحـلاً وحـمـيـراً.

وقـد كـان سـنـحـاريـب، جـدّ آشـوربـانـيـبـال يـعـامـل الـعـرب بـنـفـس الـطّـريـقـة الّـتي كـان يـعـامـل بـهـا كـلّ أقـوام أطـراف دولـتـه : يـفـاوضـهـم ويـتـفـاهـم مـعـهـم عـنـدمـا يـسـتـطـيـع ذلـك. ويـلـجـأ إلى الـعـنـف والـقـوّة إذا اسـتـدعى الأمـر ذلـك. وعـنـدمـا خـلـف عـسـرحـدون أبـاه سـنـحـاريـب عـامـلـهـم مـثـلـمـا عـامـلـهـم أبـوه مـن قـبـلـه، ولـكـنّـه حـاول أن يـصـالـحـهـم ويـسـالـمـهـم مـا اسـتـطـاع إلى ذلـك سـبـيـلا، رغـبـة في إحـلال الـسّـلام في دولـتـه مـن جـهـة، واحـتـيـاجـاً لـجـمـالـهـم مـن جـهـة أخـرى لـيـسـاعـدوه في عـبـور سـيـنـاء لـفـتـح مـصـر. وقـد “أرجـع لـهـم إلـهـتـهـم الّـتي أخـذت مـنـهـم في الـبـاديـة”. وكـان يـرجـو أن تـبـاركـه “آلـهـة الـبـلاد الّـتي لـمـست أرض مـعـابـدهـا الأقـدام.”

ثـمّ اسـتـمـرّ آشـوربـانـيـبـال في إقـامـة عـلاقـات تـفـاهـم مـع مـمـلـكـة الـعـرب الـقِـدَريـيـن. وكـمـا فـعـل أبـوه فـقـد أرجـع لـهـم صـنـم إلـهـهـم أتـر، ثـمّ عـقـد مـعـاهـدة مـع رئـيـسـهـم  يـوثــع يـعـتـرف لـه فـيـهـا بـأنّـه “مـلـك الـعـرب”. وبـالـمـقـابـل، طـلـب آشـوربـانـيـبـال مـن يـوثـع أن يـتـكـفّـل بـحـفـظ الأمـن في بـاديـة شـرق نـهـر الأردن لـحـسـاب الآشـوريـيـن. واسـتـمـرّت هـذه الـعـلاقـات الـطّـيـبـة حـوالي خـمـس عـشـرة سـنـة قـبـل أن تـتـدهـور.

وتـتـكـلّـم الـنّـصـوص الـمـلـكـيـة الآشـوريـة عـن الـخـلافـات بـيـن الآشـوريـيـن والـمـؤابـيـيـن والـبـابـلـيـيـن والـعـرب. ولا شـكّ في أنّ لـهـذه الـنّـصـوص قـيـمـة لا تـقـدّر فـهـي تـسـرد أحـداثـاً شـهـدهـا الـكـتّـاب عـنـد وقـوعـهـا. ولـكـنّـهـم لاقـوا صـعـوبـات في صـيـاغـتـهـا أدبـيـاً فـقـد خـلـطـوا بـيـن أسـمـاء أجـنـبـيـة لـم يـتـعـودوا عـلى لـفـظـهـا وكـتـبـوهـا بـطـريـقـة يـصـعـب فـهـمـهـا في بـعـض الأحـيـان. ولـم يـتـسـاءل الآشـوريـون، كـعـادتـهـم عـن رأي الآخـريـن بـهـم ولا حـتّى عـن أسـبـاب تـصـرفـاتـهـم ودوافـعـهـا. وإذا مـا قـرأنـا الـنّـصـوص الآشـوريـة نـتـصـور مـن خـلالـهـا أنّ تـصـرفـات شـيـوخ الـعـرب لـيـس لـهـا أسـبـاب مـعـقـولـة أو مـنـطـقـيـة بـل هي تـقـلّـبـات عـشـوائـيـة لا يـمـكـن لأحـد أن يـتـنـبـأ بـهـا ولـهـذا لا يـنـبـغي أن يـحـسـب لـهـا حـسـاب. ويـصـعـب عـلـيـنـا أن نـتـقـبـل وجـهـة الـنّـظـر هـذه ، لأنـنـا نـعـرف مـثـلاً أنّ الـعـرب الأنـبـاط كـانـوا تـجّـاراً أذكـيـاء يـعـرفـون مـصـالـحـهـم ، ولا يـمـكـن أن يـتـصـرفـوا إلّا بـتـعـقـل مـع دولـة يـعـرفـون مـدى قـوّتـهـا وتـسـلـطـهـا.

وقـد نـتـج عـن قـلّـة مـعـرفـة الآشـوريـيـن بـجـيـرانـهـم أن قـامـوا ضـدّ الأعـراب بـحـمـلات عـسـكـريـة بـلـغـت الـذّروة في عـنـفـهـا. ولـكـنّ هـذه الـحـمـلات خـفّـت وقـلّـت ابـتـداءً مـن سـنـة 651 ق. م. وأصـبـحـت لـمـدة سـبـع سـنـوات بـعـدهـا هـامـشـيـة وقـصـيـرة ومـتـقـطّـعـة. ووجـه الآشـوريـون حـمـلاتـهـم خـلال تـلـك الـسّـنـوات نـحـو جـبـهـتـيـن : الـحـدود الـشّـرقـيـة لـمـمـلـكـة مـؤاب، ثـمّ جـنـوب دمـشـق وتـدمـر.

الـعـرب وتـمـرّد شـمـش شُـم أوكـيـن في بـابـل :

نـذكّـر الـقـارئ هـنـا إلى أنّـه بـعـد أن تـوفي الـمـلـك عـسـرحـدون ارتـقى ابـنـه آشـوربـانـيـبـال عـلى عـرش آشـور. وكـان أخـوه شـمـش شُـم أوكـيـن الأكـبـر مـنـه سـنّـاً قـد نـحي عـن الـعـرش، فـعـيّـنـه آشـوربـانـيـبـال مـلـكـاً عـلى بـابـل. وفي 650 ق. م. أعـلـن شـمـش شُـم أوكـيـن في بـابـل تـمـرده عـلى أخـيـه مـلـك آشـور. وبـعـث آشـوربـانـيـبـال جـيـشـاً لـيـقـمـع الإنـفـصـال.

وقـد قـاتـل الآشـوريـون الـعـرب عـلى جـبـهـتـيـن : الأولى أمـام بـابـل، فـقـد هـزمـت الـقـوّات الآشـوريـة كـتـيـبـة مـن الـعـرب كـان عـلى رأسـهـا أبي يـثـع وأيـامـو إبـنـا طـيـعـري لـمـنـعـهـا مـن الـوصـول لـمـسـانـدة الـمـتـمـرديـن. وقـد هـرب مـن نـجـا مـن مـقـاتـلـيـهـا إلى بـابـل. ثـمّ حـاولـوا الـخـروج مـن الـمـديـنـة الـمـحـاصـرة بـعـد أن حـلّـت بـهـا الـمـجـاعـة ولـكـنّ الآشـوريـيـن هـزمـوهـم مـن جـديـد. ولـم يـبـق لأبي يـثـع إلّا أن يـهـرب إلى نـيـنـوى لـيـطـلـب الـعـفـو مـن الـمـلـك الآشـوري آشـوربـانـيـبـال. وصـفـح عـنـه الـمـلـك وعـيّـنـه “مـلـكـاً عـلى الـعـرب” في مـكـان يـوثـع بـن خـزعـل.

عرب 3

عرب 1

أمّـا الـجـبـهـة الـثّـانـيـة فـكـانـت عـلى حـدود دولـة الآشـوريـيـن الـغـربـيـة، فـقـد أثـارت غـزوات الـعـرب الـقِـدَريـيـن لـبـلاد مـؤاب غـضـبـهـم. وكـان إلى جـانـب يـوثـع “مـلـك الـعـرب” شـيـخ آخـر لـقـبـيـلـة مـن الـقِـدريـيـن اسـمـه عـمّـولادي. ويـذكـر نـصّ آشـوري أنّ رجـال يـوثـع “لـم يـنـوا عـن غـزو الـغـرب، ولـكـنّ [الـقـوّات الآشـوريـة] قـطـعـت رؤوس كـلّ الـعـرب الـمـتـمـرديـن … وأشـعـلـت الـنّـار في خـيـامـهـم وأحـرقـتـهـا”. ونـجـا يـوثـع بـنـفـسـه والـتّـجـأ إلى بـلاد الأنـبـاط. بـيـنـمـا تـوصّـل مـلـك مـؤاب إلى أسـر عـمّـولادي. كـمـا أسـرت عـديـة،”مـلـكـة الـعـرب”، الّـتي ربّـمـا كـانـت زوجـة يـوثـع. وقـد بـعـث الـمـؤابـيـون بـعـمّـولادي “مـكـبـل الـيـديـن والـقـدمـيـن بـالـحـديـد” كـهـديـة انـتـصـار إلى بـلاط نـيـنـوى.

ولـقـد ظـلّ الأنـبـاط إلى ذلـك الـحـيـن بـعـيـديـن عـن شـؤون الـدّولـة الآشـوريـة لا يـتـدخـلـون فـيـهـا. وكـان تـجّـارهـا يـشـاركـون فـقـط في تـجـارة الـعـرب وإن كـنّـا لا نـعـرف مـدى هـذه الـمـشـاركـة، ولـكـنّ بـعـض الـنّـصـوص تـذكـر وجـود بـعـض الـتّـجّـار الـنّـبـطـيـيـن في بـابـل في الـقـرن الـسّـابـع قـبـل الـمـيـلاد.

وقـد اقـتـربـت قـوّات الآشـوريـيـن والـمـؤابـيـيـن مـن وادي الأنـبـاط عـنـدمـا طـاردت الأعـراب، فـسـارع مـلـك الأنـبـاط نـطـنـو ( أو نـنـط في بـعـض الـنّـصـوص) لـيـقـتـرح مـفـاوضـات سـلـمـيـة مـع قـوّاد هـذه الـقـوّات تـحـاشـيـاً لـلأضـرار الّـتي يـمـكـن أن تـصـيـب مـمـلـكـتـه مـن ذلـك.

وقـد اعـتـبـر آشـوربـانـيـبـال مـبـادرة الـمـلـك نـطـنـو دلـيـلاً عـلى مـدى هـيـبـة مـمـلـكـة آشـور الّـتي امـتـدت خـشـيـتـهـا إلى كـلّ أرجـاء الـبـسـيـطـة، وذكـر أنّ مـلـك الأنـبـاط  :  “بـعـث لي بـرسـول لـيـسـأل عـن صـحـتي ويـقـبّـل قـدميَّ ويـقـسـم لي بـإخـلاصـه في الـطّـاعـة ويـرجـوني أن أتـقـبّـل خـدمـاتـه”. وكـان نـنـطُ  يـدفـع ضـريـبـة سـنـويـة لـلآشـوريـيـن. وقـد فـضّـل الـمـلـك الـنّـبـطي هـذا الـخـضـوع لـيـبـعـد عـن مـمـلـكـتـه خـطـر أن تـهـاجـمـهـا الـقـوّات الآشـوريـة، ولـهـذا أسـاء اسـتـقـبـال يـوثـع، مـلـك الـعـرب الـقِـدَريـيـن الـهـارب مـن مـطـاردة الآشـوريـيـن وحـلـفـائـهـم. ويـروى أنّـه قـال لـه : “وهـل يـمـكـنـني أن أتـمـرّد عـلى بـلاد آشـور؟ وهـل كـنـت قـبـلـت، لـو كـنـت في مـكـاني، أن تـجـيـرني مـنـهـم؟ “.

وبـعـد هـرب مـلـك الـقـدريـيـن : ” إدّعى ابـن أخـيـه (وكـان اسـمـه يـوثـع أيـضـاً هـو الآخـر) أنّـه مـلـك الـعـرب …وجـاء إلى نـيـنـوى” يـعـلـن خـضـوعـه ويـطـلـب أن يـقـبـل تـعـيـيـنـه. وقـد اعـتـقـد آشـوربـانـيـبـال أنّ الإلـه آشـور أفـقـد هـذا الـفـتى يـوثـع عـقـلـه، وإلّا فـكـيـف سـوّلـت لـه نـفـسـه أن يـتـصـرف هـذا الـتّـصـرف الـجـنـوني!  أولـيـس تـعـيـيـن الـمـلـوك وقـفـاً عـلى آلـهـة آشـور وظـلّـهـم عـلى الأرض، أي مـلـك آشـور لا يـشـاركـهـم في ذلـك مـشـارك ؟ ورغـم أنّ الـمـلـك الآشـوري لـم يـعـتـرف لـيـوثـع بـأيـة أحـقـيـة لـطـلـب الـسّـلـطـة إلّا أنّـه لـم يـقـتـلـه وتـركـه حـيّـاً.

حـرب آشـوربـانـيـبـال الـثّـانـيـة ضـدّ الـعـرب :

Arabes 1

رأيـنـا كـيـف هـرب أبي يـثـع إلى نـيـنـوى يـطـلـب الـعـفـو مـن الـمـلـك الآشـوري ، وكـيـف عـيّـنـه آشـوربـانـيـبـال “مـلـكـاً عـلى الـعـرب”.ولـكـن هـذا لـم يـمـنـع أبي يـثـع مـن خـيـانـة عـهـده والـتّـفـاهـم مـع نـطـنـو، مـلـك الأنـبـاط : “وجـمـعـوا قـوّاتـهـم لـيـهـجـمـوا عـلى الـحـدود”. وقـد شـاركـت قـوّات نـبـطـيـة مـع رجـال أبي يـثـع في الـبـدايـة، ثـمّ مـع رجـال يـوثـع (الـعـم) في هـجـمـات عـلى دمـشـق وتـدمـر.

وكـان ردّ الآشـوريـيـن عـلـيـهـم في غـايـة الـعـنـف، وبـدأوا ضـدّهـم حـربـاً كـان الـهـدف مـنـهـا مـحـقـهـم عـن بـكـرة أبـيـهـم. ووجـهـوا الـهـجـوم الأوّل ضـدّ أبي يـثـع، والـثّـاني ضـدّ يـوثـع بـن خـزعـل (الـعـم)(1). واخـتـار الآشـوريـون لـهـجـومـهـم فـصـل الـجـفـاف، مـن مـنـتـصـف الـشّـهـر الـخـامـس، أيّـار إلى مـنـتـصـف الـشّـهـر الـسّـادس، حـزيـران. ثـمّ أعـادوا الـكـرّة مـن مـنـتـصـف الـشّـهـر الـسّـابـع، تـمّـوز إلى مـنـتـصـف الـشّـهـر الـثّـامـن، آب. ونـلاحـظ أنّ قـوّاتـهـم ارتـاحـت شـهـراً، ربّـمـا في دمـشـق.

ونـحـن نـعـرف أنّ الأعـراب لا يـتـنـقّـلـون في هـذه الـفـتـرة، وأنّـهـم يـظـلّـون مـع جـمـالـهـم وغـنـمـهـم قـرب آبـار الـمـاء، مـمـا يـدلّ عـلى مـعـرفـة الآشـوريـيـن الـدّقـيـقـة بـحـيـاة الأعـراب. وقـد انـتـفـعـوا بـهـذه الـمـعـرفـة لـيـسـتـطـيـعـوا قـطـع دابـرهـم.

عرب وآشوريون 3

ونـصّ الـنّـقـش الآشـوري الّـذي يـروي هـذه الـحـرب طـويـل ومـلئ بـالـوجـوه الـبـلاغـيـة والـمـحـسـنـات الـبـديـعـيـة، يـروي فـيـه آشـوربـانـيـبـال بـصـيـغـة الـمـتـكـلّـم أحـداث الـمـعـارك كـمـا لـو كـان قـد شـارك فـيـهـا بـنـفـسـه : “وقـد أحـطـتُ بـعـشـيـرة أتّـر سـمـايـن وبـقِـدّريي مـلـك الـعـرب […] وأجـبـرتـهـم عـلى الـسّـيـر في طـريـق دمـشـق ومـعـهـم مـا كـانـوا يـمـلـكـون. وبـعـد شـهـر، تـركـت دمـشـق ، وفي جـبـل حـوكـورنـة، وهـو حـصـن لا يـقـهـر، قـهـرت عـشـيـرة أبي يـثـع […] وكـسـرت شـوكـتـهـم وغـزوتـهـم. وقـبـضـت عـلى أبي يـثـع […] حـيّـاً. وهـرب الـجـبـنـاء مـنـهـم خـوفـاً مـن سـيـفي والـتـجـأوا إلى جـبـل حـوكـورنـة الّـذي لا يـمـكـن دخـولـه. فـوضـعـت رجـالي أمـام الآبـار والـيـنـابـيـع وحـرمـتـهـم مـن الـمـاء الّـذي لا حـيـاة بـدونـه. وصـار لـمـاء الـشّـرب عـنـدهـم ثـمـن لا يـقـدّر، وتـسـاقـطـوا مـوتى مـن عـطـش يـحـرق أمـعـاءهـم. ولـم يـعـد لأحـدهـم إلّا شـقّ بـطـن جـمـل وشـرب الـدّم والـمـاء وحـتّى صـديـد الـقـروح لـيـروي عـطـشـه. ومـن هـؤلاء الّـيـن دخـلوا الـجـبـل والـتـجـأوا إلـيـه لـم يـنـج أحـد، ولـم يـهـرب صـفـيـق مـنـهـم مـن قـبـضـتي : هـصـرتـهـم جـمـيـعـاً في مـلـجـأهـم”.  “أمّـا يـوثـع وأعـرابـه […] فـقـد تـفـرّقـوا أمـام سـيـف ربّي آشـور، وهـربـوا مـن قـدّامـه. وضـيّـق عـلـيـهـم الـجـبّـار الإلـه ـ الـلـهـب […] فـالـتـهـمـوا لـحـوم أطـفـالـهـم مـن الـجـوع […] ولـحـوم صـغـار إبـلـهـم وصـغـار حـمـيـرهـم وصـغـار الـغـنـم الّـتي تـرضـع أمـهـاتـهـا سـبـع مـرّات ولا يـأتـيـهـا الـحـلـيـب مـن أضـرعـهـا […]. وعـشـتـار أربـيـل، الإلـهـة الـلابـسـة نـاراً والـحـامـلـة بـرقـاً رمـت بـالـلـهـب عـلى بـلاد الـعـرب […] ورأى رجـال يـوثـع هـجـمـات سـيـوف آشـور وعـشـتـار […] فـثـاروا ضـدّه. وارتـعـب يـوثـع فـهـرب مـن الـبـيـت الّـذي كـان قـد الـتـجـأ إلـيـه”.

Arabes 5

وقـد أسـر الآشـوريـون يـوثـع وأخـذوه إلى نـيـنـوى. وكـمـا كـانـوا قـد فـعـلـوا بـابـن أخـيـه مـن قـبـلـه فـقـد عـرضـوه لـلـنّـاس أمـام بـوابـة مـن بـوابـات الـمـديـنـة. وهـكـذا أخـضـع آشـوربـانـيـبـال كـلّ رؤسـاء الـعـرب وعـشـائـرهـم، وأفـسـد عـلى كـثـيـر مـن الأعـراب طـريـقـة حـيـاتـهـم ، فـلـم يـعـد بـإمـكـان مـن نـجـا مـن الإبـادة أن يـسـتـمـرّوا في تـنـقـلّـهـم بـعـد أن أبـيـدت جـمـالـهـم الّـتي كـانـوا يـعـتـمـدون عـلـيـهـا في حـيـاتـهـم. وصـارت الـبـاديـة خـلاءً لا يـسـكـنـهـا إلّا الـقـلـيـل، وفـلاة تـحـمي حـدود الـدّولـة الآشـوريـة.

وقـد نـجـا بـلاط الأنـبـاط مـن الـتّـدمـيـر، واعـتـرف رؤسـاؤهـم بـأخـطـائـهـم في الـتّـدخـل مـع الأعـراب في شـؤون آشـور، وتـنـازل مـلـكـهـم بـالـعـرش لابـنـه واخـتـار الـمـنـفى. وأدار الـمـلـك الـجـديـد ظـهـره لـحـلـفـاء أبـيـه الـمـغـضـوب عـلـيـهـم ، وأقـسـم بـالإخـلاص لآشـوربـانـيـبـال.

ونـحـن لا نـعـرف شـيـئـاً عـن مـوقـف الـقـبـائـل الـعـربـيـة ولا عـن تـصـرفـاتـهـا في الأحـداث الّـتي جـرت بـيـن 626 و 612 ق. م. والّـتي أدّت إلى سـقـوط الإمـبـراطـوريـة الآشـوريـة تـحـت ضـربـات الـمـيـديـيـن وحـلـفـائـهـم الـبـابـلـيـيـن ، ثـمّ تـأسـيـس الـدّولـة الـبـابـلـيـة الـحـديـثـة.

وبـعـد سـقـوط الـدّولـة الآشـوريـة في الـقـرن الـسّـابـع قـبـل الـمـيـلاد، ظـهـرت في الـقـرن الـتّـالي مـنـطـقـة عـربـيـة شـمـالـيـة في مـنـطـقـة الـجـزيـرة بـيـن دجـلـة والـفـرات، وتـمـتـعـت بـاسـتـقـلالـهـا حـتّى الـفـتـرة الـبـارثـيـة في الـقـرن الـثّـالـث ق. م.

الـحـولـيـات الـمـلـكـيـة الـبـابـلـيـة الـحـديـثـة :

نـجـد في الـحـولـيـات الـمـلـكـيـة الـبـابـلـيـة الـحـديـثـة أنّ نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني ، بـعـد أن فـشـلـت حـمـلـتـه ضـدّ مـصـر سـنـة 601 ق. م. ، قـام بـهـجـمـات ضـدّ قـبـائـل عـربـيـة لـيـرفـع مـن مـعـنـويـات جـنـوده. وقـد حـقـق بـهـذه الـمـنـاوشـات هـدفـيـن آخـريـن : أوّلـهـمـا كـسـب جـنـوده لـغـنـائـم أنـسـتـهـم هـزيـمـتـهـم ، والـثّـاني تـأمـيـن دفـاع لـمـؤخـرة جـيـشـه حـتّى يـسـتـطـيـع الـشّـروع في حـمـلـتـه ضـدّ فـلـسـطـيـن.

أمّـا نـبـونـيـد (حـكـم مـن 556 إلى 539 ق. م.) آخـر مـلـوك الـدّولـة الـبـابـلـيـة الـحـديـثـة فـلـم يـشـبـه حـكـمـه حـكـم أحـد مـن سـابـقـيـه. فـقـد تـرك في الـسّـنـة الـخـامـسـة مـن مـلـكـيـتـه لابـنـه بـعـل تـزار أن يـحـكـم بـدلاً عـنـه في بـابـل، بـيـنـمـا قـاد هـو بـنـفـسـه أهـمّ حـمـلات فـتـرة حـكـمـه مـتـوجّـهـاً إلى شـمـال جـزيـرة الـعـرب. وبـعـد أن قـتـل “مـلـك” تـيـمـاء وأبـاد قـطـعـان الـقـبـائـل الأخـرى في الـمـنـطـقـة لـيـخـضـعـهـم لـسـيـطـرتـه، إسـتـقـرّ عـشـر سـنـوات في واحـة تـيـمـاء، واسـتـعـبـد سـكـانـهـا لـيـشـيـدوا لـه قـصـراً ويـحـيـطـون الـواحـة بـالأسـوار. ومـا زالـت آثـار الـقـصـر الّـذي سـكـنـه فـيـهـا واضـحـة لـلـعـيـان. وقـد اسـتـولى نـبـونـيـد في تـلـك الـفـتـرة عـلى عـدد مـن الـواحـات بـاتـجـاه الـجـنـوب ، وكـان مـن بـيـنـهـا يـثـرب. ومـا زال الـبـاحـثـون يـتـنـاقـشـون في أسـبـاب تـرك نـبـونـيـد لـبـابـل وإقـامـتـه الـطّـويـلـة بـعـيـداً عـنـهـا.

ومـهـمـا يـكـن فـقـد نـتـج عـن ذلـك أنّ الـبـابـلـيـيـن سـيـطـروا في تـلـك الـفـتـرة عـلى الـجـزء الأوسـط مـن طـريـق الـعـطـور والـتّـوابـل الّـذي كـان يـربـط الـهـنـد والـيـمـن بـالـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسِّـط.

الـعـرب تـحـت سـلـطـة الـدّولـة الـفـارسـيـة الإخـمـيـنـيـة :

عـنـدمـا أخـذ الـمـلـك الـفـارسـي كـورش “الـكـبـيـر” مـديـنـة بـابـل، وأسـقـط الـدّولـة الـبـابـلـيـة الـحـديـثـة الّـتي كـانـت آخـر دول بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، أنـشـأ دولـة إخـمـيـنـيـة امـتـدّت عـلى مـنـاطـق واسـعـة مـن الـشّـرق ودامـت مـا يـقـارب الـقـرنـيـن. ونـحـن لا نـعـرف الـكـثـيـر عـن أحـوال الـعـرب في تـلـك الـفـتـرة.

ويـخـبـرنـا الـمـؤرّخ الـيـونـاني هـيـرودوت الّـذي زار بـابـل حـوالي نـصـف قـرن بـعـد سـقـوطـهـا أنّ شـرق مـصـر، بـيـن الـنّـيـل والـبـحـر الأحـمـر، كـان يـسـكـنـه الـعـرب. وكـشـفـت الـتّـنـقـيـبـات عـن مـعـبـد في تـلّ الـمـسـخـوتـة في شـرق الـدّلـتـا يـعـود لـتـلـك الـفـتـرة وجـدت فـيـه صـحـون وطـاسـات عـلـيـهـا كـتـابـات آرامـيـة تـذكـر أسـمـاءً مـصـريـة وعـربـيـة لأنـاس نـذروهـا لـلإلـهـة الـلات، ومـن بـيـنـهـم مـلـك مـن مـلـول قِـدَر.

وعـنـدمـا عـبـر الـمـلـك الـفـارسي الإخـمـيـني قـمـبـيـز  الـبـاديـة في طـريـقـه لـفـتـح مـصـر، إعـتـمـد عـلى الـعـرب لـمـدّه بـالـجـمـال وقِـرَب الـمـاء.

ــــــــــــــــــــــ

(1) مـازال الـمـخـتـصـون يـتـنـاقـشـون عـن يـوثـع و ويـثـع هـل هـمـا صـيـغـتـان لـنـفـس الإسـم أم شـخـصـان مـخـتـلـفـان، وعـن يـوثـع بـن خـزعـل ويـوثـع بـن بـيـردادة. وتـجـدون دراسـة واضـحـة ومـفـصـلـة عـن ذلـك في مـقـال Pamela Gerardi  الّـذي تـجـدونـه عـلى الـشّـبـكـة الـعـنـكـبـوتـيـة تـحـت عـنـوان :

THE ARAB CAMPAIGNS OF ASSURBANIPAL:SCRIBAL RECONSTRUCTION OF THE PAST.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

شـارع الـرّشـيـد كـمـا رأتـه مـاري بـاركـر في 1930

وجـدت في مـجـمـوعـة مـقـتـنـيـات  The Prichard/ Hicks  فيGreenway   (إنـكـلـتـرة) (1) لـوحـة  لـمـاري بـاركـر Mary W. Parker (والّـتي كـان اسـمـهـا مـاري سـمـيـث  Mary Smith  قـبـل زواجـهـا )  رسـمـتـهـا  في 1930 ، وعـنـوانـهـا : الـشّـارع الـجـديـد في بـغـداد  New Street, Baghdad . والـشّـارع الـجـديـد كـمـا نـعـرف هـو شـارع الـرّشـيـد. والـلـوحـة واسـعـة الـمـقـايـيـس نـسـبـيـاً : 80  × 94 سـنـتـم.

وكـلّ مـا نـعـرفـه عـن مـاري بـاركـر هـو أنّـهـا ولـدت في مـديـنـة  بـري Bury في مـقـاطـعـة  Lancashire  سـنـة 1904، أي أنّـهـا كـانـت في الـسّـادسـة والـعـشـريـن مـن عـمـرهـا عـنـدمـا رسـمـت الـلـوحـة في بـغـداد. ونـجـد لـهـا لـوحـة أخـرى في مـتـحـف  UCL Art Museum ، عـنـوانـهـا : صـورة رجـل عـجـوز مـلـتـحي  Portrait of a Bearded Old Man. وربّـمـا دلّـنـا هـذا عـلى أنّ الـفـنـانـة درسـت في Slade School of Fine Art  في لـنـدن ، لأنّ هـذا الـمـتـحـف وثـيـق الـصّـلـة بـمـجـمـوعـة مـقـتـنـيـات الـمـدرسـة الـفـنّـيـة.

artist; (c) Greenway; Supplied by The Public Catalogue Foundation

وفي هـذه الـلـوحة جـمـعـت الـرّسّـامـة في نـفـس الـمـكـان وفي نـفـس الـوقـت كـلّ الـمـشـاهـد الـغـريـبـة عـلـيـهـا الّـتي رأتـهـا في شـوارع بـغـداد : نـاس يـنـامـون عـلى الأرصـفـة أو يـصـلّـون أو يـأكـلـون، ورجـال يـلـبـسـون الـعـمـامـة أو الـغـتـرة أو الـيـشـمـاغ والـعـقـال  أو”الـجـراويـة” أو الـسّـدارة أو الـفـيـنـة (الـطّـربـوش)، ونـسـاء مـعـصّـبـات (يـحـطـن رؤوسـهـنّ بـالـعـصـبـة) مـتـلـفـعـات بـالـسّـواد (رغـم أنّ الـمـرأتـيـن في “الـعـربـانـة” تـعـرضـان سـيـقـانـهـنّ الـعـاريـة لـلـمـارّة)، أو يـحـمـلـن عـلى رؤوسـهـنّ صـحـونـاً أو أكـيـاس، وصـبـيـان يـحـمـلـون سـعـف نـخـيـل.

والـشّـارع مـلئ بـجـمـوع تـعـبـره أو تـسـيـر في وسـطـه مـع “الـعـربـانـات” والـدّراجـات الـهـوائـيـة وعـربـات الـبـاعـة والـحـمـيـر وحـيـوانـات أخـرى مـثـل الـمـاعـز والـكـلاب (عـلى يـسـار الـلـوحـة). ونـلاحـظ لافـتـات بـالإنـكـلـيـزيـة، وحـتّى بـائـع “الـدّونـدرمـة” كـتـب عـلى عـربـتـه (Ices cream ). كـمـا نـلاحـظ الـسّـريـر عـلى سـطـح الـبـنـايـة وبـجـانـبـه كـرسي.

وإذا تـمـعـنّـا الـنّـظـر خـلـف “الـعـربـانـة” نـجـد امـرأة ورجـلاً أوربـيـيـن يـنـظـران إلى الـمـشـهـد. ونـتـسـاءل : هـل هـمـا الـرّسّـامـة وزوجـهـا يـنـظـران في داخـل الـلـوحـة إلى مـا في الـلـوحـة ؟

ـــــــــــــــــــــ

(1) صـنّـفـت الـلـوحـة في جـرد National Trust Inventory  تـحـت رقـم  119408.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

رسـوم وأعـمـال طـبـاعـيـة عـن الـعـراق في سـرد رحـلـة ولـيـام بـيـري فـوغ

عربستان

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

لـم تـكـن بـدايـة حـيـاة الأمـريـكي ولـيـام بـيـري فـوغ  William Perry FOGG  تـوحي بـمـا سـيـنـجـزه بـعـد ذلـك ، فـقـد اشـتـغـل بـعـد أن أنـهى دراسـتـه في تـجـارة الـخـزف ثـمّ أصـبـح رجـل أعـمـال. ولـم يـشـرع في رحـلـتـه حـول الـعـام إلّا بـعـد أن بـلـغ سـنّ الـثّـانـيـة والأربـعـيـن في عـام 1868. وقـد قـادتـه رحـلـتـه إلى الـشّـرق الأقـصى، وكـان أوّل أمـريـكي يـسـافـر في داخـل الـيـابـان. وقـد نـشـرت الـرّسـائـل الّـتي كـتـبـهـا  مـن الـيـابـان والـصّـيـن والـهـنـد ومـصـر خـلال رحـلـتـه هـذه في كـتـاب صـدر عـام 1872: Round the World Letters . وقـد اسـتـوحى الـكـاتـب الـفـرنـسي جـول فـيـرن Jules Verne  شـخـصـيـة فـيـلـيـاس فـوغ Phileas FOGG  بـطـل روايـتـه :  “حـول الـعـالـم في ثـمـانـيـن يـومـاً  Le Tour du monde en quatre-vingts jours ” الّـتي نـشـرهـا في 1873، مـن شـخـصـيـة ولـيـام بـيـري فـوغ.

وفي كـانـون الـثّـاني مـن عـام 1874، تـرك ولـيـام بـيـري فـوغ  الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة لـيـبـدأ رحـلـتـه “إلى بـغـداد وبـلاد الـفـرس”. ووصـل إلى لـنـدن في مـنـتـصـف الـشّـهـر، ثـمّ عـبـر بـحـر الـمـانـش إلى فـرنـسـا. وركـب في مـيـنـاء مـرسـيـلـيـا في جـنـوب فـرنـسـا بـاخـرة عـبـرت بـه الـبـحـر الـمـتـوسّـط إلى الإسـكـنـدريـة. وبـعـد أن زار مـصـر ركـب بـاخـرة مـن بـورسـعـيـد إلى حـيـفـا وأكـمـل طـريـقـه إلى الـقـدس. وبـعـد أن زارهـا واطّـلـع عـلى مـعـالـمـهـا عـاد إلى حـيـفـا ، ومـنـهـا نـزل نـحـو الـبـحـر الأحـمـر مـارّاً بـقـنـاة الـسّـويـس (الّـتي كـانـت قـد افـتـتـحت خـمـس سـنـوات قـبـل ذلـك)، ومـرّ بـجـدة الّـتي زارهـا ثـمّ زار عـدن. ومـن عـدن دار حـول جـنـوب جـزيـرة الـعـرب لـيـذهـب إلى مـسـقـط ، ثـمّ عـبـر إلى “بـلاد الـفـرس” كـمـا كـانـت إيـران تـسـمى في ذلـك الـزّمـن.

وقـد وصـل ولـيـام بـيـري فـوغ  عـلى مـتـن سـفـيـنـة بـخـاريـةإلى الـبـصـرة عـن طـريـق الـمـحـمـرة.

فوغ 2

وسـنـتـبـعـه في رحـلـتـه عـن طـريـق كـتـابـه الّـذي نـشـره عـنـهـا بـعـد ذلـك. وهـو يـذكـر أنّ سـكـان الـبـصـرة كـانـوا “حـوالي 15 ألـفـاً. خـلـيـط مـن الأتـراك والـعـرب والـفـرس والأرمـن والـيـهـود”. وكـان يـحـكـمـهـا مـوظـف تـركي عـيّـنـه والي بـغـداد الـعـثـمـاني.

وتـرك الـبـصـرة عـلى مـتـن بـاخـرة كـانـت تـنـقـل الـمـسـافـريـن بـيـن الـبـصـرة وبـغـداد عـلى دجـلـة، وكـان اسـمـهـا  London.

فوغ 3

ويـتـكـلّـم عـن مـرورهـم بـالـعـزيـر،

ويـخـصـص مـقـاطـع طـويـلـة لـزيـارتـه لـطـاق كـسـرى الّـذي وضـع في كـتـابـه عـمـلاً طـبـاعـيـاً مـأخـوذاً عـن صـورة لـه تـظـهـره كـامـلاَ قـبـل أن يـنـهـدم جـانـبـه الأيـسـر.

فوغ 4

وقـبـل أن يـتـكـلّـم عـن بـغـداد ، خـصـص الـفـصـل الـسّـادس عـشـر مـن كـتـابـه والّـذي أسـمـاه “خـلـفـاء بـغـداد” لـيـشـرح لـلـقـرّاء تـاريـخ الـمـديـنـة مـنـذ تـأسـيـسـهـا في زمـن الـمـنـصـور وإلى زمـن زيـارتـه لـهـا.

ويـذكـر ولـيـام بـيـري فـوغ  أنّـه وصـل بـغـداد في الـوقـت الـمـثـالي : في فـجـر يـوم ربـيـعي. وكـان قـد مـرّ في جـنـوبـهـا بـغـابـات نـخـيـل وبـسـاتـيـن نـارنـج وأشـجـار فـواكـه أخـرى تـفـتّـح نـوّارهـا. ورأى مـآذن جـوامـع بـغـداد تـرتـفـع  فـوق رؤوس نـخـيـلـهـا، وتـأمّـل دوراً صـغـيـرة تـطـلّ عـلى دجـلـة تـتـلامـع في حـدائـقـهـا الـصـغـيـرة أزهـار مـتـنـوعـة الألـوان في ضـوء الـشّـمـس الـعـذبـة. ورأى في الـنّـهـر قـفـفـاً وأكـلاكـاً وقـوارب مـن أنـواع مـتـعـددة. وبـعـد أن وصـف الـمـديـنـة تـكـلّـم عـن كـسـوف شـمـس حـدث عـنـدمـا كـان فـيـهـا وكـيـف خـرج الـنّـاس إلى الـطّـرقـات يـطـلـقـون الـنّـار ويـقـرعـون عـلى الـقـدور والـمـقـالي وهـم يـصـرخـون بـأنـاشـيـد لـم يـفـهـمـهـا.

فوغ 7

وتـكـلّـم عـن الأسـواق والـمـقـاهي وعـن حـكـومـة بـغـداد وزيـارتـه لـلـوالي الـعـثـمـاني رديـف بـاشـا.

فوغ 8

كـمـا تـكـلّـم عـن الـمـسـيـحـيـيـن وكـنـائـسـهـم وعـن الـيـهـود، وعـن مـبـاني بـغـداد

فوغ 6

 

فوغ 13

وأسـوارهـا.

فوغ 9

وقـد قـام ولـيـام بـيـري فـوغ  بـرحـلـة إلى مـوقـع مـديـنـة بـابـل الـقـديـمـة ، ومـرّ بـكـربـلاء ووصـف مـعـالـمـهـا. وقـد اعـتـبـر ، عـنـدمـا زار بـابـل أنّ خـرائـب زقـورة بـيـرس نـمـرود هي بـقـايـا بـرج بـابـل.

فوغ 10

ووضـع في كـتـابـه رسـمـاً تـقـريـبـيـاً لأسـد بـابـل ،

فوغ 11

واعـتـبـره يـمـثّـل الأسـطـورة الـتّـوراتـيـة “دانـيـال في حـفـرة الأسـود”.

وذهـب ولـيـام بـيـري فـوغ  ولـيـام بـيـري فـوغ  إلى الـمـوصـل لـيـزور نـيـنـوى  ويـتـأمّـل آثـارهـا . وقـد خـصـص فـصـلاً كـامـلاً مـن كـتـابـه لـلـكـلام عـن الـمـوقـع وعـن الـحـضـارة الآشـوريـة والـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة، وكـذلـك عـن الإكـتـشـافـات الأثـريـة وخـاصـة عـن اكـتـشـاف جـورج سـمـيـث عـام 1872 لـلألـواح الـطّـيـنـيـة الّـتي تـروي قـصـة الـطّـوفـان.

ثـمّ عـاد في الـفـصـل الـتّـالي إلى لـقـائـه بـبـاشـا بـغـداد لـيـودعـه قـبـل أن يـتـرك الـمـديـنـة. واغـتـنـم الـفـرصـة لـيـتـكـلّـم عـن قـصـر الـبـاشـا وخـيـلـه وعـن سـابـقـه مـدحـت بـاشـا ومـا كـان قـد حـقـقـه مـن إصـلاحـات وخـاصـة إصـدار جـريـدة بـالـتّـركـيـة والـعـربـيـة. وخـصـص الـفـصـل الـتّـالي لـلـكـلام عـن الـطّـقـس في بـغـداد وحـرّ صـيـفـهـا وكـيـف يـنـزل الـبـغـداديـون إلى الـسّـراديـب في الـنّـهـار ويـصـعـدون إلى الـسّـطـوح في الـلـيـل، وعـن أشـيـاء كـثـيـرة أخـرى مـثـل الـضّـوضـاء في الـطّـرقـات وحـيـاة الـمـقـيـم الـبـريـطـاني

فوغ 12

وعـن كـرم الـبـغـداديـيـن وحـسـن ضـيـافـتـهـم… إلـخ. ثـمّ عـاد ولـيـام بـيـري فـوغ عـلى مـتـن الـبـاخـرة Dijleh  مـن بـغـداد إلى الـبـصـرة. وتـكـلّـم في كـتـابـه عـن الـطّـقـس في الـبـصـرة وعـن سـفـرة قـام بـهـا بـالـمـشـحـوف لـصـيـد الـخـنـازيـر الـوحـشـيـة،

arabistanorlando00fogguoft_0342

وعـن لـقـائـه بـجـمـاعـة مـن الـبـدو.

arabistanorlando00fogguoft_0345

وتـرك ولـيـام بـيـري فـوغ الـبـصـرة عـلى مـتـن بـاخـرة عـادت بـه إلى أوربـا. ووصـل إلى لـنـدن يـحـمـل مـجـمـوعـة مـن الـصّـور الّـتي كـان قـد الـتـقـطـهـا إنـكـلـيـزي الـتـقى بـه في بـغـداد. وقـد طـلـب فـوغ مـن حـرفي إنـكـلـيـزي أن يـرسـمـهـا لـه ويـحـفـرهـا عـلى الـمـعـدن ويـطـبـعـهـا. وعـنـدمـا نـشـر سـرد رحـلـتـه إلى الـشـرق عـام 1875 في لـنـدن تـحـت عـنـوان : ” عـربـسـتـان أو “بـلاد ألـف لـيـلـة ولـيـلـة” وهي رحـلات عـبـر مـصـر وجـزيـرة الـعـرب وبـلاد الـفـرس نـحـو بـغـداد  Arabistan: or, The land of “The Arabian nights”. Being travels through Egypt, Arabia, and Persia, to Bagdad ” وضـع هـذه الـرّسـوم فـيـه.

عربستان 2

وأعـيـد نـشـر الـكـتـاب في الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة عـام 1877، بـعـد أن عـاد فـوغ إلـيـهـا. وفـيـهـا تـوفي عـام 1909.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

مـعـرض إسـتـعـادي لـلـفـنّـان الـمـسـتـشـرق بـنـجـامـن كـونـسـتـان في فـرنـسـا وكـنـدا

co 1

بـعـد أن سـقـط الـفـنّـان الـفـرنـسي بـنـجـامـن كـونـسـتـان Benjamin CONSTANT

في غـيـاهـب الـنّـسـيـان  لـعـقـود طـويـلـة، أقـام مـتـحـف الـفـنـون الـجـمـيـلـة (بـمـشـاركـة مـتـحـف الأوغـسـطـيـنـيـيـن) في مـديـنـة تـولـوز، في جـنـوب فـرنـسـا مـعـرضـاً اسـتـعـاديـاً لـه مـن نـهـايـة عـام 2014 إلى بـدايـة 2015. ثـمّ انـتـقـل الـمـعـرض إلى مـديـنـة مـونـتـريـال في كـنـدا وسـيـبـقى في مـتـحـف فـنـونـهـا الـجـمـيـلـة إلى نـهـايـة شـهـر أيّـار مـن هـذا الـعـام.

وكـان يـنـجـامـن كـونـسـتـان، الّـذي ولـد سـنـة 1845، قـد درس في مـدرسـة الـفـنـون الـجـمـيـلـة في مـديـنـة تـولـوز قـبـل أن يـدخـل في بـوزار بـاريـس.

رحـلـة إلى الـمـغـرب :

وفي 1872، وكـان في الـسّـابـعـة والـعـشـريـن مـن عـمـره، سـافـر إلى الـمـغـرب. وعـنـدمـا وصـل إلى مـيـنـاء طـنـجـة كـتـب : “هـذه هي مـديـنـة أحـلامي ! الـضّـوء والـبـيـاض والإشـعـاع ــ هـذا هـو الـشّـرق. وهـنـاك مـواضـيـع لـلـوحـات في كـلّ مـكـان. هـذه لـيـسـت مـديـنـة وإنّـمـا مـتـحـف. وأيـنـمـا يـولي الـمـرء وجـهـه، ولـولـم يـتـحـرّك مـن مـكـانـه فـثـمّ أربـعـة أو خـمـسـة أو سـتّـة مـواضـيـع تـجـذبـه وتـسـحـره، وتـقـنـعـه بـأن يـحـاول رسـمـهـا لـتـكـون مـن بـيـن روائـع أعـمـالـه”.

ومـع ذلـك فـلـم تـكـن هـذه الـمـواضـيـع جـديـدة عـلـيـه فـقـد رسـمـهـا قـبـلـه كـثـيـر مـن الـفـنـانـيـن مـنـذ أن شـارك الـرّسّـامـون في حـمـلـة الـجـنـرال الـفـرنـسي نـابـلـيـون بـونـابـرت عـلى مـصـر في 1798، وصـاحـبـوه إلى فـلـسـطـيـن في 1799، ثـمّ عـادوا إلى فـرنـسـا بـرسـومـهـم ولـوحـاتـهـم “الـشّـرقـيـة”، ونـقـلـهـا عـنـهـم فـنّـانـون مـشـهـورون مـثـل غـرو Gros وجـيـروديـه Girodet نـفّـذوا في مـراسـمـهـم الـبـاريـسـيـة لـوحـات تـمـجّـد نـابـلـيـون بـونـابـرت وحـمـلـتـه. كـمـا صـاحـب عـدد مـن الـرّسّـامـيـن الـجـيـش الـفـرنـسي إلى الـجـزائـر لاحـتـلالـهـا في عـام 1830 وإدخـالـهـا في الإمـبـراطـوريـة الـفـرنـسـيـة والـهـيـمـنـة عـلى شـمـال أفـريـقـيـا مـن الـمـغـرب إلى تـونـس.

وفي 1832 سـافـر الـفـنـان الـشّـهـيـر أوجـيـن دولاكـروا Delaroix  إلى الـمـغـرب ثـمّ مـرّ بـالـجـزائـر قـبـل أن يـعـود إلى فـرنـسـا بـمـجـمـوعـة رسـوم وتـخـطـيـطـات نـفّـذ عـنـهـا عـدداً مـن لـوحـاتـه “الـشّـرقـيـة”. ثـمّ سـافـر بـعـده إلى شـمـال أفـريـقـيـا فـنـانـون آخـرون مـثـل شـاسـيـريـو Chassériau وجـيـروم Gérome .وكـانـت نـتـيـجـة كـلّ هـذا هـوس بـ”الـشّـرق” اسـتـمـرّ عـقـوداً طـويـلـة.

ونـلاحـظ أنّ يـنـجـامـن كـونـسـتـان تـبـع في تـنـقـلاتـه في بـلاد الـمـغـرب (الّـتي بـقي فـيـهـا ثـمـانـيـة عـشـر شـهـراً) خـطى أوجـيـن دولاكـروا الّـذي سـبـقـه بـأربـعـيـن سـنـة والّـذي كـان قـد تـنـقّـل فـيـهـا عـدّة أشـهـر بـصـحـبـة وفـد دبـلـومـاسي فـرنـسي. ورغـم أنّ بـنـجـامـن كـونـسـتـان اسـتـطـاع هـو الآخـر مـصـاحـبـة وفـد رسـمي إلى داخـل الـبـلاد فـهـو لـم يـسـتـطـع الاخـتـلاط بـأهـل الـبـلـد لـيـشـاركـهـم في حـيـاتـهـم الـيـومـيـة. ومـع أنّـه نـفّـذ كـثـيـراً مـن الـرّسـوم عـلى الـطـبـيـعـة فـهـي تـبـقى أعـمـالاً تـسـتـوحي الـمـخـيـلـة الـجـمـاعـيـة الأوربـيـة في أحـلامـهـا عـن “الـشّـرق” لـلانـعـتـاق مـن أنـظـمـة مـجـتـمـعـاتـهـا الـصّـارمـة وطـقـسـهـا الـمـعـتـم الـمـبـتـل الـبـرودة ، وكـذلـك لـلـتـنـفـيـس عـن رغـبـاتـهـا الـمـكـبـوتـة.  فـمـع أنّ الـفـنّـان كـان يـرسـم الـمـواضـيـع الّـتي كـانـت أمـام عـيـنـيـه إلّا أنّـه كـان يـضـفي عـلـيـهـا كـلّ مـا رسـخ في أعـمـاقـه مـن صـور الـغـرب عـن “الـشّـرق”. فـقـد تـعـلّـم مـنـذ طـفـولـتـه أنّ الـشّـرق مـخـيـف : حـكـامـه مـسـتـبـدون وسـكـانـه شـديـدو الـعـنـف ونـسـاؤه مـوضـع شـهـوات شـبـقـيـة لا يـردعـهـا رادع !   فـيـتـقـاسـمـه إنـجـذاب إلى سـحـر الـشّـرق وخـوف مـنـه في نـفـس الـوقـت. ونـرى هـذا خـاصـة في الـلـوحـات “الـتّـاريـخـيـة”  الـواسـعـة الـمـقـايـيـس مـثـل لـوحـة “دخـول مـحـمـد الـفـاتـح  إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة” (سـبـعـة أمـتـار في خـمـسـة) والّـتي صـوّر فـيـهـا الأتـراك كـمـا لـو كـانـوا مـغـاربـة وألـبـسـهـم مـلابـسـهـم، co 2

وفي لـوحـة “بـعـد الـنّـصـر في قـصـر الـحـمـراء” co 4

أو ” يـوم الـتّـشـيـيـع” co 7 co 6 co 5co 7الّـتي يـصـوّر جـثـة مـمـدودة قـبـل دفـنـهـا.

ولـم يـكـن “الـشّـرق” عـنـده، كـمـا لـم يـكـن عـنـد مـعـاصـريـه، واحـداً مـن الإتـجـاهـات الأربـعـة الّـذي يـشـيـر إلى مـوضـع شـروق الـشّـمـس، بـل مـنـطـقـة مـن الـجـغـرافـيـا الـخـيـالـيـة الـجـمـاعـيـة الّـتي لا عـلاقـة لـهـا بـمـنـاطـق الـكـرة الأرضـيـة، فـيـكـفـيـنـا أن نـنـظـر إلى خـارطـة الـعـالـم لـنـرى أنّ الـجـزائـر تـقـع جـنـوب فـرنـسـا لا شـرقـهـا، أمّـا الـمـغـرب فـهـو في جـنـوب غـربـهـا !

ومـع ذلـك نـجـد في بـعـض لـوحـات بـنـجـامـن كـونـسـتـان تـصـويـراً يـكـاد يـكـون واقـعـيـاً (أي مـوضـوعـيـاً) لـلـنّـاس الـبـسـطـاء في دروب مـدن الـمـغـرب وأسـواقـهـا. ولـكـنـنـا لا نـسـتـطـيـع إلّا أن نـلاحـظ في لـوحـاتـه مـثـلـمـا في لـوحـات غـيـره مـن الـفـنّـانـيـن ” الـمـسـتـشـرقـيـن” تـنـفـيـذاً أكـاديـمـيـاً شـديـد الـدّقـة بـطـريـقـة مـتـواضـع عـلـيـهـا، تـبـدو تـقـلـيـداً حـرفـيـاً لـلـطّـبـيـعـة، مـمـلّـة في نـقـلـهـا لـكـلّ الـتّـفـاصـيـل والـدّقـائـق والـجـزئـيـات، ومـتـعـبـة في إعـادتـهـا وتـكـرارهـا، لا تـجـديـد فـيـهـا ولا ابـتـكـار.

co 8co 9co 8 bco 10co 11co 13co 12

بـعـد الـمـرحـلـة الإسـتـشـراقـيـة :

وبـعـد أن اجـتـاحـت مـوجـة “الإسـتـشـراق” الـفـنّ الـغـربي لـعـقـود طـويـلـة،  إنـحـسـرت في ثـمـانـيـنـات الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر. وتـحـوّل بـنـجـامـن كـونـسـتـان إلى رسـم صـور الأشـخـاص. ولـقـد رسـم صـور أهـم شـخـصـيـات زمـانـه ومـن بـيـنـهـم فـيـكـتـوريـا، مـلـكـة بـريـطـانـيـا والـبـابـا لـيـون الـثّـالـث عـشـر. وحـصـل عـلى الـمـدالـيـة الـذّهـبـيـة في صـالـون بـاريـس لـعـام 1896 عـن لـوحـتـه : “إبـني”، أي سـتّـة أعـوام فـقـط قـبـل وفـاتـه في 1902، ولـم يـكـن قـد تـجـاوز الـسّـابـعـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـره.

إيـدا سـتـاوت ومـدرسـة الـبـنـيـن الأمـريـكـيـة في بـغـداد بـيـن 1924 و1947

living-240

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

لـم يـكـن في بـدايـة حـيـاة إيـدا دونـغـيـس سـتـاوت  Staudt Ida Donges مـا يـوحي بـالـمـغـامـرة الّـتي سـتـقـوم بـهـا في الـشّـرق : فـتـح مـدرسـة أمـريـكـيـة لـلـبـنـيـن في بـغـداد مـع زوجـهـا وإدارتـهـا مـا يـقـارب الـرّبـع قـرن، فـقـد تـخـرّجـت إيـدا مـن مـعـهـد في مـديـنـة صـغـيـرة في الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة، والـتـقـت بـكـالـفـن سـتـوات Staudt Calvin الّـذي كـان قـد تـخـرّج مـن Franklin and Marshall College في1900، ثـمّ مـن حـلـقـة لانـكـسـتـر الـلاهـوتـيـة في 1903، وهي الـسّـنـة الّـتي تـزوجـهـا فـيـهـا. وسـافـرا إلى شـيـكـاغـو الّـتي حـصـلـت إيـدا مـنـهـا عـلى بـكـالـوريـوس في الـفـلـسـفـة ونـال مـنـهـا زوجـهـا شـهـادة الـدّكـتـوراه.

وقـد مـارس الـدّكـتـور سـتـاوت الـتّـدريـس وعـمـل كـرجـل ديـن في نـفـس الـوقـت إلى عـام 1914. وعـنـدمـا انـدلـعـت الـحـرب انـخـرط فـيـهـا كـمـعـلـم ومـسـؤول ديـني.

وبـعـد أن انـتـهـت الـحـرب سـافـرت إيـدا وزوجـهـا إلى بـيـروت ودرّسـا مـن 1919 إلى 1922. درّس الـدّكـتـور سـتـاوت في الـجـامـعـة الأمـريـكـيـة وفي مـعـهـد ديـني، بـيـنـمـا درّسـت زوجـتـه في  The Americain Girls School.

وفي 1924 قـبـلـت إيـدا مـع زوجـهـا Calvin  مـهـمـة فـتـح مـدرسـة أمـريـكـيـة لـلـبـنـيـن في بـغـداد The Americain School for Boys . وكـانـت في الـتّـاسـعـة والأربـعـيـن مـن عـمـرهـا ، فـقـد ولـدت في 1875.  ودامـت الـمـغـامـرة ثـلاث وعـشـريـن سـنـة (إلى عـام 1947) زارا فـيـهـا أمـاكـن كـثـيـرة مـن الـعـراق فـقـد نـزلا عـن طـريـق دجـلـة إلى الـبـصـرة، وزارا كـربـلاء والـنّـجـف وصـعـدا إلى كـردسـتـان وتـجـولا في الـبـاديـة لـلـقـاء الـبـدو.

وقـد بـدأت إيـدا بـكـتـابـة ذكـريـاتـهـا عـن الـعـراق بـعـد رجـوعـهـا إلى الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة وأكـمـلـتـهـا في 1951(وكـانـت في الـسّـادسـة والـسّـبـعـيـن مـن عـمـرهـا) أي قـبـل سـنـة مـن وفـاتـهـا (في 1952) ولـكـنّ نـصّـهـا لـم يـنـشـر إلّا في 2012 تـحـت عـنـوان : الـعـيـش في بـغـداد الـرّومـانـسـيـة : مـذكّـرات أمـريـكـيـة عـن الـتـدريـس والـسّـفـر في الـعـراق مـن 1924 إلى 1947 Living in Romantic Baghdad: An American Memoir of Teaching and Travel in Iraq, 1924-1947.Edited by John Joseph, New York, Syracuse University Press 2012.

وفي عـنـوان الـكـتـاب إشـارة إلى مـقـطـع مـن روايـة أجـاثـا كـريـسـتي : “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن  Murder in Mesopotamia” الّـتي نـجـد في بـدايـتـهـا راويـة الـقـصـة جـالـسـة في صـالـة فـنـدق Tigris palace Hotel تـكـتـب لـصـديـقـة لـهـا : “لا يـمـكـنـك أن تـتـصـوري الـوسـاخـة والـفـوضى في بـغـداد. وهي لـيـسـت رومـانـسـيـة romantic إطـلاقـاً كـمـا يـمـكـنـك أن تـتـخـيـلـيـهـا مـن قـراءة ألـف لـيـلـة ولـيـلـة !”. وعـنـوان كـتـاب إيـدا سـتـاوت يـرد عـلى هـذا الـحـكـم الـقـاسي ويـفـنّـده ويـوحي بـحـبـهـا لـهـذه الـمـديـنـة الّـتي عـاشـت فـيـهـا حـوالي ربـع قـرن.

ويـبـدأ الـكـتـاب بـمـقـدمـة الـنّـاشـر جـون جـوزيـف الّـذي كـان مـن بـيـن تـلامـيـذ إيـدا في الـمـدرسـة الأمـريـكـيـة في بـغـداد، وتـخـرّج مـنـهـا في1941، ثـمّ درّس فـيـهـا في الـسّـنـوات الأربـع الـتّـالـيـة. وبـعـد أن عـاد إلى الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة درس في Franklin and Marshall College. وبـعـد تـخـرجـه درّس تـاريـخ الـشّـرق الأوسـط سـبـع وعـشـريـن سـنـة.

وهـو يـذكـر أنّ الـمـدرسـة أغـلـقـت في حـزيـران 1950 لـسـوء إدارة مـن أدارهـا بـعـد إيـدا وزوجـهـا، ويـذكـر قـول الـدكـتـور سـتـاوت إنّ مـسـؤولي الـجـمـعـيـة  “بـعـثـوا إلى بـغـداد رجـلاً خـرّب في سـنـة واحـدة مـا شـيـدنـاه في ثـلاث وعـشـريـن سـنـة”. وقـد حـاول الـدّكـتـور سـتـاوت إعـادة فـتـح الـمـدرسـة في بـغـداد، ولـكـنّـه لـم يـفـلـح في ذلـك. وتـوفي في نـيـسـان 1951. وقـد اسـتـمـرّ حـنـيـن إيـدا لـبـغـداد حـتّى نـهـايـة حـيـاتـهـا. تـوفـيـت إيـدا في بـيـت ابـن أخـيـهـا في بـدايـة 1952 تـاركـة في صـنـدوق مـن الـورق الـمـقـوى مـا كـانـت قـد احـتـفـظـت بـه مـن ذكـريـات بـغـداد، ومـخـطـوطـة كـتـابـهـا. وقـد بـقي الـصّـنـدوق مـهـمـلاً في زاويـة مـن الـبـيـت حـتّى عـام 2006،عـنـدمـا تـرك ابـن أخـيـهـا وزوجـتـه بـيـتـهـمـا إلى دار عـجـزة. وقـد أعـطـيـا الـصّـنـدوق لـلـجـمـعـيـة الـتّـاريـخـيـة لـكـنـيـسـتـهـمـا. ولأنّ هـذه الـجـمـعـيـة لـم تـكـن تـهـتـم لا مـن قـريـب ولا مـن بـعـيـد بـبـغـداد، فـلـم تـعـرف مـاذا يـمـكـنـهـا أن تـفـعـل بـهـذه الـهـديـة حـتّى سـمـع مـسـؤول الأرشـيـفـات فـيـهـا بـجـون جـوزيـف واتـصـل بـه لـيـعـطـيـه الـمـخـطـوطـة.

ونـجـد في الـكـتـاب مـعـلـومـات لا تـعـد ولا تـحـصى عـن عـلاقـة أيـدا وزوجـهـا الـيـومـيـة بـتـلامـيـذهـمـا وبـعـوائـل تـلامـيـذهـمـا وبـجـالـيـاتـهـم. وكـان كـثـيـر مـن هـؤلاء الـتّـلامـيـذ يـأتـون مـن مـنـاطـق مـخـتـلـفـة مـن الـعـراق فـقـد كـان في الـمـدرسـة قـسـم داخـلي. وقـد سـاعـدهـمـا كـلّ هـؤلاء الـنّـاس الّـذيـن تـعـرفـا عـلـيـهـم عـلى الـسّـفـر في انـحـاء الـعـراق وزيـارة أمـاكـن لا يـمـكـن لـلـسّـائـح الـعـادي أن يـتـعـرّف عـلـيـهـا. ونـجـد بـيـن عـنـاويـن فـصـول الـكـتـاب : “الـوصـول إلى بـغـداد في 1924″، “الـمـغـامـرة الـتّـربـويـة”، “حـيـاة الـمـدرسـة”، “بـغـداد في الـمـاضي والـحـاضـر”، “الـحـدائـق والـدّور والأعـيـاد”، “الـزّواج”، “سـفـرات حـول الـمـديـنـة”، “رؤيـة بـغـداد مـن دجـلـة”، “نـحـو الـبـصـرة عـن طـريـق دجـلـة”، “زيـارة مـدن الـشّـيـعـة الـمـقـدّسـة”، “في بـلاد الأكـراد”، “قـبـائـل الـبـدو”، “رجـال الـدّولـة الـعـراقـيـون”، “قـصّـة الـنّـفـط”، “حـركـة 1941″، “بـغـداد الـمـتـغـيّـرة الّـتي لا تـتـغـيّـر”.

الـوصـول إلى بـغـداد :

تـتـكـلّـم إيـدا في الـفـصـل الأوّل مـن كـتـابـهـا عـن تـعـلّـقـهـا مـنـذ سـنـوات دراسـتـهـا بـتـاريـخ الـعـراق الـقـديـم : ” تـعـلّـمـت مـن الـمـعـهـد الّـذي درسـت فـيـه حـبّ الـتّـاريـخ، وخـاصـة تـاريـخ الـعـالـم الـقـديـم. وقـد وجـدت عـلى هـامـش كـتـابي الـمـدرسي لـلـتّـاريـخ جـمـلـة كـنـت قـد كـتـبـتـهـا عـنـدمـا درسـنـا تـاريـخ بـابـل : ” أتـسـاءل أيـن سـأكـون بـعـد عـشـر سـنـوات؟”. وأنـا أتـسـاءل الآن عـمّـا دفـعـني لـكـتـابـة هـذه  الـجـمـلـة في ذلـك الـحـيـن. وعـنـدمـا تـقـدّمـت في حـيـاتي الـدّراسـيـة، إكـتـسـبـت مـعـرفـة أوسـع بـالـشّـرق  الأوسـط وخـاصـة بـبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الّـتي تـسـمى الـعـراق في أيّـامـنـا هـذه. وبـدأت أدرك مـكـانـة  هـذه الـبـلاد وأهـمـيـتـهـا في تـاريـخ الـعـالـم، وتـوضّـح في ذهـني ثـراء مـاضي الـعـراق الّـذي لا يـكـاد الـعـقـل أن يـتـصـوّره، وعـرفـت أنّ الـسّـتـة آلاف سـنـة الّـتي تـشـكـل الـتّـاريـخ الـمـكـتـوب لـلـعـالـم جـرى  نـصـفـهـا الأوّل هـنـا، فـهي مـهـد الـحـضـارة وفـيـهـا وصـلـت الـحـضـارة أوج مـجـدهـا.

وقـد بـهـرني مـوقـع الـعـراق الـجـغـرافي : مـكـانـة الـبـلـد الاسـتـراتـيـجـيـة وإمـكـانـيـاتـهـا في الـمـسـتـقـبـل لـتـنـمـيـة إنـتـاج الـنّـفـط ولـتـنـمـيـة الـزّراعـة. وعـنـدمـا وصـلـت سـنّ الـبـلـوغ كـامـرأة شـغـلـت ذهـني هـاتـيـن الـمـسـألـتـيـن: أن يـسـتـمـر هـذا الـمـاضي الـبـعـيـد عـنّي حـاضـراً في حـيـاتي الـنّـفـسـيـة، وإدراكي الـواضح لـمـكـانـة بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن وأهـمـيـتـهـا في الـمـسـتـقـبـل. وبـالـنّـتـيـجـة كـان مـجـرى الأمـور الـطّبـيـعي يـجـذبـني لـلـذّهـاب إلى الـمـكـان الّـذي اشـتـقـت إلـيـه في صـبـاي ومـطـلـع  شـبـابي لـلـعـيـش والـعـمـل فـيـه، وهـو مـا وجـهـني إلـيـه تـفـكـيـري بـعـد ذلـك. وكـان شـيـئـاً مـدهـشـاً أن أصـل إلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن بـصـحـبـة زوجي في ربـيـع 1924. كـانـت مـفـاجـأة لـم أتـوقّـعـهـا، حـدثـت بـسـرعـة تـشـبـه مـا يـحـدث في الـرّوايـات، فـقـد اخـتـارونـا لـنـفـتـح مـؤسـسـة مـدرسـيـة فـيـهـا. وكـان شـيـئـاً عـجـيـبـاً أن نـعـيـش فـيـهـا مـا يـقـارب الـرّبـع قـرن وأن نـعـمـل في مـديـنـة بـغـداد الـمـشـبّـعـة بـالـتّـاريـخ والأسـاطـيـر. كـانـت بـابـل دائـمـاً أقـرب لي مـن بـغـداد، ومـع ذلـك فـقـد بـدأت مـديـنـة ألـف لـيـلـة ولـيـلـة تـتـقـرّب إليّ خـلال الـسّـنـوات الـثّـلاث الّـتي قـضـيـنـاهـا في بـيـروت قـبـل أن نـصـل إلى مـديـنـة الـحـكـايـات، فـقـد كـان زوجي يـدرّس في جـامـعـة بـيـروت الأمـريـكـيـة. وفي يـوم مـن الأيّـام ذهـبـنـا بـسـيـارات في سـفـرة جـامـعـيـة إلى تـدمـر في الـصّـحـراء، ويـبـدو أنّـهـا كـانـت أوّل سـفـرة بـالـسّـيـارات قـام بـهـا مـسـافـر إلى مـديـنـة زنـوبـيـا الّـتي كـانـت في الـمـاضي مـحـطـة مـهـمـة لـقـوافـل الـجـمـال. ووقـفـت في وسـط هـذه الـخـرائـب الـرّائـعـة الـجـمـال، في وسـط الـمـمـر الـطّـويـل الـمـحـاط بـصـفـيـن مـن الأعـمـدة الـعـالـيـة، ثـمّ اسـتـدرت نـحـو الـشّـرق وقـلـت : “بـغـداد في هـذا الإتـجـاه، لـقـد قـطـعـنـا نـصـف الـطّـريـق [ إلـيـهـا ]، فـلـمـاذا لا نـكـمـلـه؟ ” ومـا أسـعـدنـا لأنّ الله اسـتـجـاب لـدعـائـنـا. فـبـعـد عـامـيـن مـن مـغـامـرة سـفـرنـا إلى تـدمـر وجـدنـا أنـفـسـنـا، ويـا لـدهـشـتـنـا ! في بـغـداد.

كـان ذلـك في أواخـر آذار 1924، في حـوالي الـسّـادسـة مـسـاءً عـنـدمـا نـزلـنـا مـن الـقـطـار الّـذي أقـلّـنـا مـن الـبـصـرة إلى بـغـداد. وبـعـد وصولـنـا، أدرنـا أنـظـارنـا حـولـنـا نـتـسـاءل عـن أي نـوع مـن الـعـربـات سـيـنـقـلـنـا إلى الـمـديـنـة فـرأيـنـا عـدداً مـن الـعـربـانـات arabanas’  أمـام كـلّ واحـدة مـنـهـا حـصـانـان تـنـتـظـر الـمـسـافـريـن. وحـشـرنـا أنـفـسـنـا في واحـدة مـنـهـا …هـا قـد انـتـهـت رحـلـتـنـا الـطّـويـلـة عـبـرالـمـحـيـط الـهـنـدي ووصلـنـا إلى مـقـصـدنـا. وسـرنـا بـلـهـفـة شـديـدة نـحـو مـقـامـنـا الـجـديـد. كـانـت مـحـطـة الـقـطـار في طـرف الـمـديـنـة الـخـارجي، يـربـطـهـا بـالـجـزء الـرّئـيـسي مـن بـغـداد طـريـق عـريـضـة أصـبـحـت الآن شـارعـاً جـمـيـلاً عـريـضـاً. وتـوصـل هـذه الـطّـريـق إلى جـسـر قـوارب أطـلـق عـلـيـه اسـم مـود لـتـكـريـم الـجـنـرال الـبـريـطـاني الّـذي حـرر الـمـنـطـقـة مـن الأتـراك. وكـان عـلى جـانـبي الـطّـريـق حـدائـق تـفـتـحـت فـيـهـا في هـذا الـفـصـل مـن الـسّـنـة أوراد وقـنـب وجـنـجـل عـريـضة الأوراق وخـطـمـيـات وزهـورأخـرى، بـيـنـمـا رفـعـت الـنّـخـيـل الأبـديـة جـبـاهـهـا الـعـالـيـة نـحـو الـسّـمـاء. وقـرب الـنّـهـر كـانـت مـقـاهي في الـهـواء الـطّـلـق تـطـل ّعـلى نـهـر دجـلـة، وكـانـت مـلـيـئـة بـالـرّجـال، ولـكـن بـالـرّجـال فـقـط ، يـجـلـسـون ويـشـربـون بـهـيـبـة قـهـوة مـن فـنـاجـيـن بـالـغـة الـصّـغـر وعـلى وجـوهـهـم جـدّيـة ووقـار أو يـدخـنـون نـرجـيـلات طـويـلـة نـحـيـلـة تـبـقـبـق … أو يـلـعـبـون الـطّـاولـة.

وإن لـم نـرالـنّـسـاء في الـمـقـاهي فـقـد رأيـنـاهـنّ عـلى الـجـسـرالّـذي كـان يـبـدو مـن بـعـيـد مـثـل حـديـقـة أزهـار، تـتـمـاوج فـيـه كـتـل مـن ألـوان مـتـنـوعـة مـتـلامـعـة تـتـحـرك، وفي وسـط الألـوان يـتـبـارق الـذّهـب ! فـقـد خـرجـت الـنّـسـاء الـمـسـيـحـيـات والـيـهـوديـات مـن أحـواش بـيـوتـهـنّ الـخـانـقـة لـشـم الـهـواء Shamm al-hawa  (Smell the air). ولـيـس لـلـنّـسـاء الـمـسـلـمـات هـذه الـحـرّيـة، فـهـنّ دائـمـاً مـعـصـبـات بـالـسّـواد حـيـنـمـا يـخـرجـن إلى الـشّـارع. وكـلّ هـؤلاء الـنّـسـاء، حـتّى عـلى الـجـسـر مـتـلـفـعـات مـن أعـلى رؤوسـهـن إلى أطـراف أقـدامـهـنّ بـحـريـر ثـقـيـل (الإزارات أوالـعـبـاءات izars or abayas الّـتي تـحـاك في بـغـداد بـتـنـوعـات ألـوان مـخـتـلـفـة ). ولا يـرتـدي الإزارات إلّا الـمـتـزوّجـات مـن الـمـسـيـحـيـات والـيـهـوديـات، وهي بـألـوان صـافـيـة، لـهـا حـواشٍ بـديـعـة مـن ألـوان عـمـيـقـة مـخـتـلـفـة طـرّزت بـخـيـوط مـن الـذّهـب. وأغـلـب الألـوان عـلـيـهـا مـسـحـة مـن الـبـاسـتـيـل : سـكّـريـة كـريـمـيـة أو خـزامـيـة أو ورديـة أو زرقـاء. أمّـا الـبـنـات الـلاتي لـم يـتـزوجـن بـعـد فـيـلـبـسـن عـبـاءات بـلا أردان تـنـحـدر مـن فـوق رءوسـهـنّ. وهي أيـضـاً مـتـنـوعـة الألـوان، ولـكـنـهـا تـحـاك قـطـعـة واحـدة كـامـلـة. وكـلّ هـذه الـمـلابـس لـم نـعـد نـجـدهـا الآن إلّا في الـذّكـريـات. وكـانـت في ذلـك الـزّمـن جـمـيـلـة مـلـيـئـة بـالألـوان، تـضـفي بـهـجـة عـلى الـمـديـنـة الـرّتـيـبـة الألـوان فـهي مـبـنـيّـة بـطـابـوق الـصّـلـصـال : لـون تـراب الـصّـحـراء.

واجـتـازت الـعـربـانـة بـنـا الـجـسـر. مـا أوسـع مـا كـان عـرض دجـلـة في ذلـك الـزّمـان ! كـان نـهـراً عـظـيـمـاً في أرض عـطشى. أعـظـم بـكـثـيـر مـمـا كـنـت أتـصـوره، ولـم تـخـيـب شـواطـئـه آمـالي. وقـد شـيّـدت شـرفـات الـمـنـازل الـمـطـلّـة عـلى الـنّـهـر بـأقـرب مـا يـمـكـن مـن الـمـاء بـعـد أن حـسـب حـسـاب الـفـيـاضـانـات الّـتي يـمـكـن لـلـمـيـاه أن تـعـلـو فـيـهـا. ورأيـنـا خـلـفـهـا الـمـنـائـر بـطـابـوقـهـا الأزرق الـمـزجـج تـرفـع رؤوسـهـا في زرقـة الـسّـمـاء الـصّـافـيـة. ورأيـنـا في الـنّـهـر أنـواعـاً مـن الـمـراكـب : قـفـف guffas   مـسـتـديـرة قـديـمـة قِـدم الـزّمـن، تـشـبـه الـقـفـة الّـتي وضـعـت أمّ مـوسى ابـنـهـا فـيـهـا، تـصـنـع مـن عـيـدان طـلـيـت بـالـقـار مـن خـارجـهـا، ومـهـيـلات mahailas   أنـيـقـة الأشـرعـة، وقـوارب كـثـيـرة مـصـطـفّـة و زوارق. ورغـم أنـنـا لـم نـخـطـط بـعـنـايـة لـدخـولـنـا إلى بـغـداد، ولـم نـحـدد الـيـوم والـسّـاعـة خـوفـاً مـن أن تـفـسـد عـلـيـنـا انـطـبـاعـاتـنـا الأولى مـاكـنّـا قـد تـصـورنـاه عـن عـظـمـة هـذه الـمـديـنـة في الـمـاضي، ورغـم ذلـك فـلـم يـكـن مـن الـمـمـكـن أن يـكـون وصـولـنـا إلـيـهـا أكـثـر اكـتـمـالاً : غـابـات الـنّـخـيـل والـحـدائـق والـبـسـاتـيـن وجـمـاعـات الـرّجـال في الـمـقـاهي وتـضـاربـات الألـوان عـلى الـجـسـر والـمـنـائـر بـطـابـوقـهـا الأزرق الـمـزجـج والـشّـرفـات الـمـطـلّـة عـلى الـنّـهـر، ومـراكـب الـنّـهـر، ونـهـر دجـلـة الـنّـبـيـل نـفـسـه … كـلّ هـذا كـان لـه نـكـهـة شـرقـيـة حـقـيـقـيـة.

وكـان كـلّ مـا اسـتـطـلـعـتـه مـن الـعـربـانـة arabana’  ذلـك الـمـسـاء عـجـيـبـاً ومـخـتـلـفـاً عـمّـا كـنـت قـد اعـتـدت رؤيـتـه. كـان عـالـمـاً لـم يـؤثـر عـلـيـه الـغـرب بـعـد … ولـنـقـل إنّـه لـم يـكـن قـد مـسّـه إلّا بـالـكـاد وبـأطـراف أنـامـلـه. وأحـسـسـت أنـني كـنـت في أعـمـاقي قـريـبـة مـن هـذا الـعـالـم الـقـديـم وأتـجـاوب مـعـه. وأدركـت حـالاً أنـني سـاحـبّـه وسـأسـعـد بـالـتّـأقـلـم مـعـه.

وعـنـدمـا وصـلـنـا إلى الـفـنـدق الـصّـغـيـر الّـذي كـان عـلى قـاب قـوسـيـن مـن الـجـسـر وعـلى بـعـد خـطـوات مـن الـشّـارع الـرّئـيـسي ، إجـتـاحـني فـجـأة إحـسـاس غـريـب : هـل أنـني حـقـيـقـة أنـا نـفـسي الّـتي وصـلـت إلى بـغـداد، أم أبـدلـت نـفـسي مـؤقـتـاً بـشـخـص آخـر لـلـقـيـام بـهـذه الـتّـجـربـة والـمـغـامـرة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن ؟ أو هـل أنّ قـربي الـفـكـري مـن هـذه الـبـلاد في شـبـابي تـحـوّل بـقـدرة قـادرإلى حـقـيـقـة خـادعـة ؟ هـل يـمـكـن أن أكـون حـقّـاً في هـذا الـبـلـد الّـذي لـم يـفـتـر اهـتـمـامي بـه مـنـذ صـبـاي والّـذي تـعـمّـقـت عـظـمـتـه الـمـاضـيـة عـبـرسـنيّ حـيـاتي ؟ كـنـت قـد تـابـعـت مـجـرى الـنّـهـريـن الـعـظـيـمـيـن، دجـلـة والـفـرات الـلـذيـن وهـبـا الـحـيـاة لـهـذه الأرض، زمـنـاً طـويـلاً قـبـل أن تـبـصـرهـمـا عـيـنـاي. وكـانـت عـيـنـاي قـد تـفـحـصـتـا طـويـلاً صـور قـصـور بـابـل ونـيـنـوى ، وتـعـجـبـتُ وأعـجـبـت إعـجـابـاً شـديـداً بـالألـبـاب الّـتي تـصـورتـهـا وخـطـطـتـهـا وخـرجـت مـنـهـا هـذه الـتّـشـيـيـدات الـمـذهـلـة. ولـم يـكـن في الـفـنـدق الـصّـغـيـر الّـذي أقـمـنـا فـيـه فـتـرة مـن الـزّمـن شـئ مـن الـسّـحـر، ولـو كـان إيـحـاءً طـفـيـفـاً. ومـن الـمـؤكّـد أنّ الـجـنّ لـم يـشـيـدوه كـقـصـر لأمـيـر رغـم أنّ اسـمـه Palace . وكـان في الـحـقـيـقـة مـكـانـاً عـاديـاً. وعـنـدمـا ارتـقـيـت سـلّـمـه الـمـخـتـلـف الـدّرجـات طـولاً وعـرضـاً وددت أن أسـمـو إلى أعـلى مـا يـمـكـنـني، ولـكـنّي أجـبـرت عـلى الـهـبـوط نـحـو الأرض الـصّـلـدة، وعـنـدمـا وقـفـت عـلـيـهـا تـلاشى كـلّ شـكّ في أنـني كـنـت هـنـا أنـا نـفـسي”.

ثـمّ تـعـود إيـدا إلى الـوراء لـتـسـرد عـلـيـنـا رحـلـتـهـا مـع زوجـهـا إلى الـعـراق :

“وصـلـنـا إلى الـعـراق عـن طـريـق الـمـحـيـط الـهـادي، وتـوقـفـنـا في كـلـكـتـا ثـمّ عـبـرنـا الـهـنـد بـالـقـطـارإلى بـومـبـاي. كـان ذلـك في شـهـر آذار، وكـانـت الـهـنـد حـارّة الـرّطـوبـة. وعـنـدمـا تـكـلّـمـت عـن ذلـك مـع ضـابـط جـاء لـيـزورنـا في مـقـصـورتـنـا في الـقـطـار، إسـتـغـربـت لأنّـه ذكـر أنّـه لا يـعـرف إلّا مـنـطـقـة واحـدة أشـدّ حـرارة مـن الـهـنـد، وعـنـدمـا تـسـاءلـت أيـن يـمـكـن أن تـكـون، جـاءني جـوابـه مـذهـلاً : “الـعـراق !”. كـانـت تـلـك ولا شـك ضـربـة عـنـيـفـة أصـابـتـني. وقـد سـلّـيـنـا أنـفـسـنـا بـأمـل أن يـكـون قـد أخـطـأ فـيـمـا قـال، وبـطـريـقـة مـا فـقـد كـان قـد أخـطـأ فـيـمـا قـال: صـحـيـح أنّ درجـات الـحـرارة في الـعـراق تـرتـفـع عـالـيـاً، ولـكـن لأنّـهـا حـرارة جـافّـة، يـمـكـن لـلـمـرء أن يـتـحـمّـلـهـا بـسـهـولـة أكـثـر. ولـحـسـن الـحـظ فـقـد ثـبـت اعـتـقـادي بـاعـتـدال الـطّـقـس في الـعـراق خـلال سـفـرتـنـا مـن بـومـبـاي. كـنّـا في بـدايـة الـرّبـيـع، وكـان الـمـحـيـط الـهـنـدي في أفـضـل فـصـولـه، وكـذّب الـخـلـيـج مـا اشـتـهـر عـنـه بـانّـه جـهـنـم الـحـمـراء ، كـمـا كـان شـطّ الـعـرب في أحـسـن أحـوالـه.  كـانـت غـابـات الـنّـخـيـل تـمـتـدّ عـلى شـاطـئـيـه ، وكـانـت بـخـضـرتـهـا الـعـمـيـقـة تـزيّـن جـوانـب الـنّـهـر وتـضـفي عـلـيـه سـحـراً شـديـداً. نـزلـنـا مـن الـسّـفـيـنـة في الـبـصـرة، ومـشـيـنـا عـلى تـربـة بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـعـمـيـقـة الـقـدم في الـتّـاريـخ. لـم يـكـن وصـولـنـا مـيـمـونـاً مـن جـانـب الـطّـقـس فـقـط ، ولـكـن أيـضـاً لأنّ الـمـجـلـس الـتّـأسـيـسي افـتـتـح أولى جـلـسـاتـه في بـغـداد في نـفـس الـيـوم ، وجـمـع مـائـة نـائـب لـيـنـظّـمـوا أعـمـال إصـدار دسـتـور لـلـعـراق. وقـد جـاءت الـمـصـادفـة مـن أنـنـا أبـحـرنـا مـن بـومـبـاي عـدّة أيّـام قـبـل الـمـوعـد الـمـحـدد. وكـانـت الـمـقـصـورة الّـتي سـافـرنـا فـيـهـا قـد حـجـزت لـلأغـا خـان، رئـيـس الإسـمـاعـيـلـيـة، ولـكـن لأنّ والـدتـه سـقـطـت مـريـضـة فـقـد ألـغى الـحـجـز قـبـيـل إبـحـار الـسّـفـيـنـة ، وحـصـلـنـا عـلى الـمـقـصـورة. كـان الـقـطـارالّـذي أقـلّـنـا مـن الـبـصـرة إلى بـغـداد يـمـرّ وسـط الأرض الّـتي بـدأت فـيـهـا الـحـضـارة الـبـشـريـة. ورغـم أنّ هـذه الـمـنـطـقـة صـارت الآن صـحـراء في أغـلـبـهـا ، فـهي تـلـحّ عـلـيـنـا لـنـعـتـرف لـهـا بـمـاضـيـهـا الـعـظـيـم وبـمـا يـديـن لـهـا الـعـالـم بـأجـمـعـه مـنـذ تـلـك الأزمـان. لا يـمـكـن لـشئ أن يـقـلـل مـن أهـمـيـة تـاريـخ بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن ، ومـا زالـت آثـارهـا تـشـهـد عـلى مـجـدهـا، وهي بـقـايـا لـمـا كـان في الـمـاضي إنـجـازات هـائـلـة. وبـدت لي هـذه الـفـيـافي تـسـخـر مـن الـسّـائـريـن فـيـهـا وتـهـزأ مـنـهـم كـمـا لـو كـانـت تـقـول لـهـم : “هـل مـا زالـت لـديـكـم الـقـدرة عـلى بـنـاء بـابـل جـديـدة أو كـيـش أخـرى أومـدن تـشـبـه مـا كـانـت عـلـيـه الـوركـاء أو أور ؟ “. وبـيـنـمـا كـانـت قـائـمـة الـمـدن الـشّـهـيـرة والـحـضـارات الـعـظـيـمـة تـتـتـابـع في ذهـني كـان الـقـطـار يـتـقـدّم نـحـو عـاصـمـة الـعـراق …لا عـاصـمـة الـخـلـفـاء، بـل بـغـداد أيّـامـنـا هـذه”.

الـسّـكـن في دار بـغـداديـة :

وشـغـلـنـا أنـفـسـنـا إسـبـوعـيـن في اكـتـشـاف الـمـديـنـة. وبـيـنـمـا كـنّـا نـقـيـم في الـ Palace  Hotel الّـذي لا يـنـاسـبـه اسـمـه، حـذّرنـا الـنّـاس مـن أنّ هـذا الـطّـقـس الّـذي يـشـبـه طـقـس الـجـنّـة لـن يـدوم طـويـلاً. وخـفّ فـضـولـنـا بـعـد فـتـرة مـن الـزّمـن، وحـان الـوقـت لـنـنـظّـم عـمـلـنـا، فـبـدأنـا أوّلاً بـطـلـب الـنّـصـيـحـة عـن نـوع الـدّار الّـتي نـحـتـاجـهـا ، والّـتي كـنّـا نـودّ أن يـكـون فـيـهـا قـلـيـل مـن وسـائـل الـرّاحـة، ولا يـمـكـن لـلـقـارئ أن يـتـصـوّر إلى أيّـة دار انـتـقـلـنـا ! كـانـت الـدّار وسـط حيّ الـنّـصـارى الـشّـديـد الإزدحـام، وكـانـت قـد شـيّـدت ، كـكـلّ دور ذلـك الـزّمـان ، حـول حـوش مـفـتـوح ، ولـكـنّـهـا كـانـت تـفـتـقـر إلى مـرافـق كـثـيـرة ، وكـانـت تـكـتـفي بـالـقـلـيـل لـتـسـتـطـيـع أن تـتـقـوقـع عـلى نـفـسـهـا احـتـمـاءً مـن شـدّة الـحـرّ الّـذي بـدأ يـتـقـدّم بـخـطة واسـعـة. كـلّ دار في بـغـداد تـقـريـبـاً تـمـتـلـك سـردابـاً serdab ، وهي غـرفـة تـحـت مـسـتـوى الـحـوش تـنـخـفـض فـيـهـا درجـات الـحـرارة. وقـبـل أن تـصـل الـمـراوح الـكـهـربـائـيـة كـان الـسّـرداب الـمـلـجـأ الـوحـيـد مـن الـقـيـظ . ولـكـنّ دارنـا لـلأسـف لـم يـكـن فـيـهـا سـرداب ، ولـم يـكـن فـيـهـا تـحـت الأرض إلّا الـمـطـبـخ الّـذي كـان بـلا نـافـذة، ولـم يـكـن فـيـه إلّا مـوقـد فـحـم  حـقـيـر وثـقـب في أرضـيـتـه لـيـسـيـل فـيـه الـمـاء. وقـد بـذلـت كـل ّ مـا كـان بـوسـعي لـنـسـتـطـيـع الـعـيـش في هـذه الـدّار عـنـدمـا بـدأت درجـات الـحـرارة تـتـقـافـز صـاعـدة، ولـكـنّي فـشـلـت، وكـاد هـذا أن يـحـطّـمـني. وفي حـزيـران 1924، وضـعـت دار كـبـيـرة تـطـلّ عـلى الـنّـهـر تـحـت تـصـرّفـنـا مـؤقّـتـاً وكـانـت داراً قـد شـيّـدت لـراحـة سـاكـنـيـهـا. وتـمـتّـعـنـا بـهـا تـمـام الـتّـمـتـع، وفـيـهـا بـدأنـا حـيـاتـنـا الـبـغـداديـة بـدايـة حـقـيـقـيـة. كـنّـا نـنـزل وسـط الـنّـهـار إلى سـرداب مـنـعـش الـبـرودة ، وكـنّـا نـجـد في الـمـسـاء راحـة وسـحـراً في الـجـلـوس في الـشّـرفـة أمـام الـنّـهـر نـتـأمّـل الأضـواء تـنـبـض فـوق جـسـرالـقـوارب وعـلى ضـفـتي دجـلـة الـمـظـلـلـة ، وكـنّـا نـنـام الـلـيـل عـلى الـسّـطـح تـحـت سـمـاء عـمـيـقـة الـزّرقـة مـطـعـمـة بـالـنّـجـوم. وكـانـت أوّل هـديـة نـتـلـقـاهـا في الـصّـبـاح رؤيـة الـنّـهـر عـنـدمـا تـلـمـس أولى أشـعـة الـشّـمـس أبـنـيـة الـصّـوب الـمـقـابـل. وكـان في الـدّار خـادمـان : طـبّـاخ هـنـدي مـن غـوا ، وخـادمـة مـن أصـل عـربي شـديـدة الـنّـحـول، وعـلى رأسـهـا عـصـبـة شـديـدة الـضّـخـامـة حـتّى كـنـت أخـاف عـلـيـهـا أن تـتـمـايـل سـاقـطـة تـحـت ثـقـلـهـا. شـيّـدت الـدّورالـكـبـيـرة في بـغـداد لـيـكـون فـيـهـا خـدم، فـلـم يـكـن في الـمـديـنـة طـرق مـبـلّـطـة عـنـدمـا وصـلـنـاهـا ، ولا تـسـقـط زخـات مـطـر لـتـنـظّـفـهـا ، مـمـا يـجـعـل الـتّـنـظـيـف حـاجـة ضـروريـة. وكـان الـمـطـبـخ في الـطّـابـق الأرضي في حـيـن أنّ غـرفـة الـطّـعـام في الـطّـابـق، والـسّـقـف عـالٍ جـدّاً. وفي بـلـد عـلـيـك أن تـسـاوم فـيـه حـتّى لـشـراء بـصـلـة ، لا يـمـكـن لامـرأة أجـنـبـيـة أن تـتـسـوّق لـعـائـلـتـهـا إلّا إذا أحـسـنـت الـلـغـة وكـان لـهـا كـثـيـر مـن الـوقـت والـصّـبـر. وكـان تـدريـسي في دارأخـرى (غـيـر تـلـك الّـتي كـنّـا نـسـكـنـهـا ) تـهـيـئـة مـمـتـازة لـتـنـمـيـة مـدرسـتـنـا عـلى أسـس مـتـيـنـة ، وأعـدّني لأخـذ قـرارات حـازمـة”.

وقـد سـمـعـت إيـدا بـأنّ : “داراً كـبـيـرة فـرغـت قـرب نـادي الـضّـبّـاط الـبـريـطـانـيـيـن، في حيّ حـديـث مـن الـمـديـنـة، تـحـيـطـهـا غـابـات الـنّـخـيـل، وعـنـدمـا زرتـهـا حـلـت لـعـيـنيّ فـأجـرتـهـا حـالاً و بـلا تـردد. وبـانـتـقـالـنـا إلـيـهـا في الـخـريـف بـدأت حـيـاتـنـا الـعـمـلـيـة حـقّـاً. وكـانـت الـدّار تـنـاسـب تـمـامـاً مـا نـريـد، وإن اعـتـبـر الـبـعـض أنّـهـا بـعـيـدة عـن مـركـز الـمـديـنـة، وقـد أصـبـحـت الآن في وسـط الـمـديـنـة لـشـدّة مـا تـوسـعـت بـغـداد وامـتـدّت. وكـانـت داراً كـبـيـرة فـيـهـا 20 غـرفـة واسـعـة حـول حـوش مـفـتـوح، أمـامـهـا شـرفـات عـريـضـة. وعـلى واحـدة مـن هـذه الـشّـرفـات يـمـكـن لـ 300 ولـد أن يـجـلـسـوا ، وكـنّـا نـعـقـد فـيـهـا اجـتـمـاعـاتـنـا في الـصّـبـاح، وفـيـهـا كـانـت تـجـري بـعـض الـنّـشـاطـات الـمـدرسـيـة. وكـان في الـدّار أيـضـاً سـراديـب مـعـقـودة الـسّـقـوف، وكـانـت غـرفـهـا عـالـيـة الـسّـقـوف ولـهـذا قـررنـا أنّ سـعـتـهـا تـكـفي لاتـخـاذهـا سـكـنّـاً لـنـا ومـدرسـة لـتـلامـيـذنـا. وقـد أحـسـسـت بـنـفـسي سـيّـدة مـن الـطّـبـقـة الـعـلـيـا وأنـا أتـمـخـتـر في أنـحـاء هـذا الـقـصـر qasr . وأنـا أعـتـقـد حـقّـاً أنّـهـا غـيّـرتـني وأجـبـرتـني عـلى أن أتـصـرف حـسـب مـا يـتـطـلـبـه مـنّي الـسّـكـن في قـصـر. فـفي هـذه الـدّار الـكـبـيـرة يـمـتـلئ الـمـرء هـيـبـةً فـيـتـصـرّف بـهـيـبـة. وقـد أضـفى عـليّ ذلـك، وأنـا الـبـسـيـطـة الأصـل، مـظـهـرسـيـادة كـنـت أحـتـاج إلـيـه لإدارة الـمـدرسـة. وقـد قـال لي صـديـق في يـوم مـن الأيّـام : “أنـتِ لـن تـغـيّـري الـشّـرق، ولـكـنّ الـشّـرق سـيـغـيـرك!”. ولـم يـكـن هـذا صـحـيـحـاً تـمـامـاً ، فـقـد جـاء الـتّـغـيـيـر مـن الـجـانـبـيـن.

وكـان في وسـط الـحـوش الـمـفـتـوح حـديـقـة مـثـمـنـة الأضـلاع تـنـتـصـب فـيـه أشـجـار وتـتـفـتـح فـيـهـا زهـور. وكـان زوجي يـسـمـيـهـا بـالـغـابـة لأنّ شـجـرة زيـتـون مـدّت أغـصـانـهـا في كـلّ الإتـجـاهـات بـجـانـب شـجـرتي نـارنـج وشـجـرتي دفـلى تـزهـر واحـدة أزهـاراً حـمـراء، والأخـرى أزهـاراً بـيـضـاء. وكـان فـيـهـا أيـضـاً نـخـلـة، ولـفـتـرة مـن الـزّمـن كـان فـيـهـا شـجـرة مـوز تـتـفـتـح أوراقـهـا الـواسـعـة سـاحـرة الـمـلـمـس. وخـلال تـلـك الـسّـنـوات كـان الـجـلـوس فـيـهـا في الأمـسـيـات مـريـحـاً ومـنـعـشـاً،وكـان زوجي يـسـمـيـهـا : “غـابـة الـبـيـت”. وكـان لـهـذا “الـقـصـر” الـمـهـيـب قـصّـة مـدهـشـة، فـقـد اسـتـعـمـلـه الـبـريـطـانـيـون نـاديـاً لـضـبّـاطـهـم. وكـان الإيـطـالـيـون قـد اتـخـذوه قـنـصـلـيـة لـهـم، ووجـدنـا بـقـايـا عـلـمـهـم عـلى الـسّـطـح حـيـنـمـا أجّـرنـا الـقـصـر، وخـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى إخـتـارتـه الـقـيـادة الألـمـانـيـة مـقـرّاً لـهـا. وغـالـبـاً مـا حـذرونـا مـن أنّ شـبـح الـجـنـرال فـون ديـر غـولـتـز كـان يـتـجـوّل في أنـحـائـه”.

والـحـقـيـقـة أنّ مـا ذكـرتـه إيـدا هـنـا تـنـقـصـه الـدّقـة. فـفـون ديـر غـولـتـز Von der Goltz الّـذي تـكـلّـمـت عـنـه لـم يـكـن جـنـرالاً عـنـدمـا وصـل إلى بـغـداد بـل مـارشـالاً (أي مـشـيـراً)، وهـو لـم يـكـن تـحـت أوامـر الـقـيـادة الـعـلـيـا لـلـقـوات الألـمـانـيـة وإنّـمـا كـان يـعـمـل في الـقـوات الـعـثـمـانـيـة. وهـذه قـصـتـه مـخـتـصـرة: وصـل غـولـتـز إلى الاسـتـانـة في 1883 لـيـعـمـل مـسـتـشـاراً عـسـكـريـاً عـنـد الـسّـلـطـان عـبـد الـحـمـيـد الـثّـاني، ثـمّ عـيّـن مـديـراً عـامـاً لـلـمـدارس الـعـسـكـريـة الـعـثـمـانـيـة ، وحـصـل عـلى رتـبـة بـاشـا، ولـهـذا يـدعى بـغـولـتـز بـاشـا. وفي 1898، عـاد إلى ألـمـانـيـا ورقّي إلى رتـبـة مـارشـال في الـجـيـش الألـمـاني، وأحـيـل عـلى الـتّـقـاعـد في 1911. وبـعـد أن انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى عـاد إلى الإسـتـانـة في 1915 وعـيّـن مـسـتـشـاراً عـسـكـريـاً مـن جـديـد. وقـد عـهـد إلـيـه أنـور بـاشـا بـالـجـيـش الـخـامـس الـعـثـمـاني. وسـار غـولـتـز بـاشـا بـالـجـيـش الـخـامـس إلى جـنـوب بـغـداد وأوقـف تـقـدّم الـقـوات الـبـريـطـانـيـة الّـتي كـان يـقـودهـا طـاونـزنـد Charles Townshend نـحـو بـغـداد، وحـاصـرهـم في كـوت الإمـارة. وفي 1916، أصـيـب فـون ديـر غـولـتـز بـالـتّـيـفـوئـيـد ومـات مـنـه في بـغـداد. ودفـن في مـقـبـرة الـجـنـود الألـمـان في الـبـاب الـشّـرقي.

الـمـدرسـة :

1grit_10_20_18

كـتـبـت إيـد سـتـاوت أنـهـا تـوصـلـت مـع زوجـهـا إلى فـتـح صـفـوف لـلـبـنـات إلى جـانـب صـفـوف الـبـنـيـن: “لـقـد بُـعـثـنـا إلى بـغـداد لـنـفـتـح فـيـهـا مـؤسـسـة تـربـويـة ونـديـرهـا تـحـت إشـراف “الإرسـالـيـات الـمـتّـحـدة لـبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن United Missions in Mesopotamia”، وهي تـجـمّـع لـثـلاث إرسـالـيـات (تـبـشـيـريـة). وقـد اشـتـغـلـنـا تـحـت إشـرافـهـا حـوالي اثـنـتي عـشـرة سـنـة، ثـمّ أدرنـاهـا بـعـد ذلـك وحـدنـا، مـن غـيـر مـسـاعـدات مـاديـة مـن أيّـة جـهـة كـانـت. وكـانـت مـعـجـزة أن نـعـادل مـيـزانـيـتـنـا عـامـاً بـعـد عـام، وقـد كـانـت الـمـيـزانـيـة تـتـضـمّـن مـصـاريـف عـيـشـنـا وإيـجـار الـدّار والـبـنـايـات الّـتي نـسـتـعـمـلـهـا. وفي الـبـدايـة ، أي عـنـد وصـولـنـا إلى بـغـداد ذهـبـنـا إلى وزارة الـمـعـارف، وأخـبـروا زوجي فـيـهـا أنّ الـحـكـومـة الّـتي تـشـكّـلـت مـنـذ فـتـرة قـصـيـرة لـم تـصـدر بـعـد قـوانـيـنـاً تـنـظّـم فـيـهـا نـشـاطـات الـمـدارس الأجـنـبـيـة أو تـقـدّم لـهـا مـسـاعـدات مـاديـة. وبـانـتـظـار أن تـصـدر مـثـل هـذه الـقـوانـيـن فـقـد نـصـحـوا زوجي بـالإنـتـفـاع مـن قـانـون تـركي كـان مـا زال سـائـداً وكـان قـد شُـرّع لـصـالـح الـجـالـيـة الـبـروتـسـتـانـتـيـة يـخـوّل لـنـا فـتـح مـدرسـة لـلـبـنـات أيـضـاً. وهـكـذا فـتـحـنـا مـدرسـة لـلـبـنـات ولـكـن بـصـورة بـسـيـطـة جـدّاً، فـلـم يـكـن لـديـنـا الإمـكـانـيـات الـكـافـيـة حـتّى لـشـراء الأثـاث. وكـان هـذا يـعـني أن نـسـتـعـمـل غـرف سـكـنـنـا كـقـاعـات دروس. وقـد قـدّرت أنـني لـن أسـتـطـيـع الإعـتـنـاء بـأكـثـر مـن عـشـريـن بـنـتـاً. وعـنـدمـا فـتـحـنـا الـمـدرسـة في الـخـريـف قـبـلـنـا عـشـريـن بـنـتـاً فـقـط وشـرعـنـا بـتـسـجـيـل الـطّـلـبـات الأخـرى عـلى قـائـمـة انـتـظـار. وأمـام الإلـحـاح الـمـسـتـمـر لـقـبـول بـنـات أخـريـات أُجـبـرت عـلى اسـتـعـمـال غـرفـة فـارغـة في الـدّار وقـبـلـت عـشـريـن تـلـمـيـذة أخـرى”. “وكـانـت فـتـرات الـدّروس تـمـتـدّ إلى الـظـهـر تـقـريـبـاً. وكـنـت غـالـبـاً مـا أدرّس الـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة. وكـنـت أجـهـد نـفـسي في نـفـس الـوقـت في تـعـلّـم الـعـربـيـة. ومـا أشـدّ مـا وددت أن أتـعـلّـمـهـا بـنـفـس الـسّـرعـة الّـتي كـان تـلامـيـذي يـتـعـلّـمـون بـهـا الإنـكـلـيـزيـة. وقـد تـوصّـل بـعـض الـمـتـخـرجـيـن مـن مـدرسـتـنـا إلى إتـقـان الإنـكـلـيـزيـة كـلامـاً وقـراءة وكـتـابـة إلى حـدّ أنّـهـم عـنـدمـا يـذهـبـون إلى إنـكـلـتـرة أو أمـريـكـا يـتـعـجـب الـنّـاس لـذلـك أشـدّ الـعـجـب ويـثـيـلـون عـلـيـنـا الـثّـنـاء. وكـانـت ذروة سـعـادتي أن أدرّسـهـم الأدب الإنـكـلـيـزي”. وكـانـت تـقـرأ عـلـيـهـم أشـعـار تـيـنـسـون ومـسـرحـيـات شـكـسـبـيـر.

وتـكـتـب إيـدا : “وكـان مـوقـع غـرفـة نـومـنـا في الـدّار يـسـمـح لي أن أراقـب وأنـا أمـام بـابـهـا كـلّ قـاعـات الـدّروس حـول الـحـوش. وكـانـت الـقـاعـات خـلال الـدّروس تـبـقى مـفـتـوحـة الـنّـوافـذ والأبـواب، وأسـتـطـيـع أن أسـمـع وأرى مـا يـجـري فـيـهـا”. “ومـن أسـعـد ذكـريـاتي في تـلـك الـسّـنـوات قـيـامي بـمـهـمـة الـمـسـؤولـة عـن الـمـكـتـبـة. وكـانـت الـمـكـتـبـة مـفـخـرة لـنـا، بـدأنـاهـا بـبـعـض كـتـبـنـا الـخـاصـة الّـتي وضـعـنـاهـا فـيـهـا”.وتـذكـر أنّـهـم اشـتـروا بـعـد ذلـك صـنـاديـق مـلـيـئـة بـالـكـتـب الـمـسـتـعـمـلـة. ” وكـان لـمـدرسـتـنـا الـرّيـادة في الإسـتـعـانـة بـمـعـلـمـات لـتـدريـس الأولاد، وهـو شئ كـان جـديـداً في هـذه الـمـنـاطـق مـن الـعـالـم. وقـد دهـش الـجـمـيـع أمـام الـنّـجـاح الّـذي حـقـقـتـه الـمـعـلـمـات في تـدريـسـهـنّ”. نـشـاطـات الـمـدرسـة : كـتـبـت إيـدا سـتـاوت : “والّـذي مـيّـز مـدرسـتـنـا هـو نـشـاطـاتـهـا الـمـتـعـددة واهـتـمـامـهـا بـمـا كـان يـجـري حـولـهـا”. “وكـانـت الـدّار مـكـانـاً مـنـاسـبـاً لـحـفـلات وعـروض مـسـرحـيـة. وفي الأمـسـيـات الّـتي يـمـلأ ضـوء الـقـمـر فـيـهـا الـحـوش تـتـحـول الـدّار إلى مـسـرح شـكـسـبـيـري. ونـعـدّ خـشـبـتـه تـحـت الـشّـرفـة ويـمـتـلئ الـحـوش والـشّـرفــات بـالـمـتـفـرجـيـن الّـذيـن يـنـتـظـرون بـدايـة الـعـرض. وكـانـت الـمـسـرحـيـات تـمـثـل بـالـعـربـيـة وبـالإنـكـلـيـزيـة. وفي الـحـوش كـان بـعـض الـلاجـئـيـن الـرّوس يـقـيـمـون حـفـلات عـزف مـوسـيـقـيـة”.

وكـتـبـت إيـدا في مـقـطـع آخـر : “وقـد قـدمـت عـدّة عـروض مـخـتـلـفـة في الـحـوش الـواسـع، ثـمّ عـلى خـشـبـة كـنّـا نـنـصـبـهـا في الأمـسـيـات في سـاحـة ألـعـاب الأولاد. وكـانـت مـسـرحـيـات بـالإنـكـلـيـزيـة والـعـربـيـة تـعـرض عـلـيـهـا، كـمـا كـانـت تـقـام مـبـاريـات خـطـابـيـة بـالإنـكـلـيـزيـة والـعـربـيـة…”. “وكـانـت حـفـلات الـتّـخـرّج تـمـثّـل ذروة فـعـالـيـاتـنـا، والـحـفـلـة الّـتي بـقـيـت في ذاكـرتي أكـثـر مـن غـيـرهـا كـانـت الأولى الّـتي نـظـمـنـاهـا فـقـد كـان مـدعـو الـشّـرف فـيـهـا جـمـيـل الـزّهـاوي وهـو مـن أكـبـر شـعـراء الـعـالـم الـعـربي. وكـانـت شــهـرتـه تـتـجـاوز حـدود الـعـراق إلى سـوريـا ومـصـر. وقـد كـان عـضـواً في مـجـلـس الأعـيـان في ذلـك الـزّمـن. وقـد شـرّفـنـا بـقـبـول دعـوتـنـا، فـقـصـائـده يـقـرأهـا الـتّـلامـيـذ ويـنـشـدونـهـا في كـلّ مـدارس الـبـلـدان الـعـربـيـة. وفي كـلّ مـرّة نـظـمـنـا فـيـهـا قـراءات لـنـصـوص عـربـيـة كـان الـتّـلامـيـذ يـخـتـارون دائـمـاً مـن بـيـن الـنّـصـوص بـعـض قـصـائـد الـزّهـاوي.

وعـنـدمـا وصـل الـزّهـاوي لـم نـرَ في جـسـده الـهـش الـنّـحـيـل مـا يـوحي بـمـا في داخـلـه مـن روح مـتّـقـدة. وعـنـدمـا بـدأ يـنـشـد بـدا كـقـائـد حـازم كـمـنـت قـوتـه في أعـمـاقـه فـاهـتـزّ جـسـده وتـحـرك ذراعـاه وارتـفـع صـوتـه وانـخـفـض مـتـابـعـاً مـشـاعـره وأحـاسـيـسـه. وكـان قـد نـظـم قـصـيـدة خـصـيـصـاً لـهـذه الـمـنـاسـبـة، أنـشـدهـا بـحـمـاس وبـوجـد شـعـري طـافـح جـعـل الـحـاضـريـن يـتـمـايـلـون نـشـوةً عـلى إيـقـاع الأبـيـات ويـرددون مـعـه بـانـبـهـار كـلـمـاتـهـا. وكـانـوا يـهـتـفـون : ” عـال ! عـال ! Aal ! Aal” لـتـجـاوبـهـا بـعـمـق مـع أحـاسـيـسـهـم. وعـنـدمـا انـتـهى وجـلـس هـبّ الـحـاضـرون يـصـفـقـون تـصـفـيـقـاً يـصـمّ الآذان، ونـشـرت الـصّـحـف الـمـحـلـيـة الـقـصـيـدة بـأكـمـلـهـا”. وقـد حـاولـت إيـدا أن تـتـرجـم لـقـارئـهـا الأمـريـكي مـا فـهـمـتـه مـن مـعـنى الـقـصـيـدة أو مـا شـرحـه لـهـا الآخـرون : “كـانـت بـغـداد تـحـمـل نـبـراس الـعـلـوم، ولـكـن الـنّـور خـبـا، وتـأتـون الآن يـا أهـل الـغـرب لـتـقـودونـا في سـبـل الـعـلـم”.

حـفـل إزاحـة الـسّـتـار عـن تـمـثـال الـمـلـك فـيـصـل :

تـذكـر إيـدا سـتـاوت في كـلامـهـا عـن عـام 1933 أنّ تـمـثـال الـمـلـك فـيـصـل الأوّل مـمـتـطـيـاً صـهـوة حـصـانـه :

“نـصـب وسـط سـاحـة دائـريـة عـلى تـقـاطـع شـارع سُـمّي بـاسـمـه وآخـر بـاسـم أخـيـه الـمـلـك عـلي. وكـان الـنّـحـات إيـطـالـيـاً والـتّـمـثـال مـن روائـع أعـمـالـه يُـظـهـر هـيـبـه أوّل مـلـوك الـعـراق ونـبـلـه”. والـنّـحـات الإيـطـالي الّـذي لم تـذكـر الـكـاتـبـة اسـمـه كـان بـيـتـرو كـانـونـيـكـا Pietro Canonica  وقـد اسـتـغـرق إنـجـاز الـتّـمـثـال عـامـاً ونـصـف، ونـصـب في الـصّـالـحـيـة، في جـانـب الـكـرخ. وقـد ظـلّ هـذا الـتّـمـثـال مـنـتـصـبـاً في وسـط بـغـداد قـرب تـمـثـال الـجـنـرال مـود حـتّى أسـقـطـتـه الـجـمـوع الـثّـائـرة في 14 تـمّـوز 1958 وحـطّـمـتـه. وأعـادت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة في 1987 طـلـبـهـا لـنـحـت الـتّـمـثـال مـن جـديـد مـن تـصـمـيـمـه الأوّلي الّـذي بـقي في مـحـتـرف الـفـنّـان في رومـا، ونـصـبـتـه في مـكـانـه الـسّـابـق في الـصـالـحـيـة. كـمـا أنـجـز بـيـتـرو كـانـونـيـكـا تـمـثـالاً مـن الـبـرونـز لـعـبـد الـمـحـسـن الـسّـعـدون نـصـب في سـاحـة الـنّـصـر. وصـدرت إرادة مـلـكـيـة في عـام 1933 بـمـنـح بـيـتـرو كـانـونـيـكـا وسـام الـرّافـديـن مـن الـدّرجـة الـثّـالـثـة. وتـكـمـل الـكـاتـبـة : “وقـد نـصـب الـتّـمـثـال الـبـرونـزي الـمـهـيـب الّـذي يـمـثـلـه بـالـمـلابـس الـعـربـيـة عـلى قـاعـدة عـالـيـة مـن الـرّخـام”.

ونـلاحـظ هـنـا أنّ الـذّاكـرة خـانـتـهـا فـقـد كـان الـتّـمـثـال مـن الـصّـخـر. وقـد خـلـطـت بـيـنـه وبـيـن تـمـثـال عـبـد الـمـحـسـن الـسّـعـدون الّـذي كـان بـرونـزيـاً.

ثـمّ تـسـتـمـر: “ولأنّ الـتّـمـثـال كـان في تـقـاطـع شـارعـيـن دائـمي الإزدحـام فـقـد كـان كـثـيـر مـن الـنّـاس يـمـرّون يـومـيـاً أمـامـه. وكـان وجـه الـمـلـك نـحـو الـغـرب، نـحـو مـحـطّـة الـقـطـار والـطّـريـق الـقـادمـة مـن الـبـاديـة ونـحـو الـمـطـار، فـلـم يـكـن لـلـقـادم إلى بـغـداد إلّا أن يـمـرّ بـه. وكـان هـذا ولا شـكّ أحـسـن مـا يـمـكـن أن يـسـتـقـبـل بـه الـواصـل إلى الـمـديـنـة. وغـادرنـا دارنـا مـبـكـراً ذلـك الـصّـبـاح، وسـرعـان مـا وصـلـنـا وسـط ازدحـام الـسّـيـارات الّـتي كـانـت تـعـبـر عـلى جـسـر مـود الّـذي كـانـت الـسّـاحـة والـتّـمـثـال قـربـه. ووجـدنـا الـمـقـاعـد الـمـخـصـصـة لـنـا في أحـسـن مـوقـع لـرؤيـة مـراسـيـم الـحـفـل ولـســمـاعـهـا. وكـنّـا في مـواجـهـة الـتّـمـثـال، وكـان خـلـفـه مـحـامـل الـرّايـات الـمـتـعـددة الألـوان. وقـد عـزفـت الـجـوقـة الـعـسـكـريـة بـمـلابـسـهـا الـبـيـضـاء والـسّـكّـريـة قـطـعـاً مـوسـيـقـيـة في انـتـظـار بـدء الـحـفـل. وقـدّم لـنـا الـخـدم “الـشّـربـت sherbet” الـمـنـعـش الـبـرودة. وفي الـتّـاسـعـة والـنّـصـف بـالـضـبـط وصـل رئـيـس الـوزراء مـع الـوزراء وبـدأ الـحـفـل. وبـيـنـمـا كـان رئـيـس الـوزراء يـلـقي خـطـابـه قـاطـعـتـه تـصـفـيـقـات حـمـاسـيـة لأنّ الـنّـاس الـمـتـجـمـعـيـن رأوا إحـدى الـطّـائـرات الـعـراقـيـة تـنـطـلـق إلى الأمـام ثـمّ تـعـود إلى الـوراء فـوق رؤوسـهـم. وبـعـد نـهـايـة الـخـطـاب أزيـح الـسّـتـار بـبـطء بـيـنـمـا كـانـت الـجـوقـة تـعـزف الـنّـشـيـد الـمـلـكي وانـتـصـب رجـال الـحـرس الـمـلـكي يـحـيـون الـمـلـك. وكـان يـنـبـغي أن يـسـقـط الـغـطـاء الّـذي كـان يـخـفي الـتّـمـثـال بـسـلـك يُـسـحـب بـالـضـغـط عـلى زر كـهـربـائي، ولـكـنّ عـطـبـاً جـعـلـه يـسـقـط فـوق رأس الـحـصـان.

ت 1

وكـان جـمـيـل الـزّهـاوي قـد نـظـم قـصـيـدة بـهـذه الـمـنـاسـبـة، ولـكـن لـتـدهـور حـالـتـه الـصّـحـيـة ولـتـعـبـه فـقـد أنـشـدهـا جـالـسـاً. ومـع ذلـك فـقـد بـثّ حـمـاسـه طـاقـة حـامـيـة في جـسـده الـضّـعـيـف دفـعـه لـلـنّـهـوض مـن كـرسـيـه مـراراً. وقـد أجـاب الـحـاضـرون عـلى عـواطـفـه الـحـمـاسـيـة بـعـواصـف مـن الـتّـصـفـيـق. وكـانـت تـلـك آخـر مـرّة ألـقى فـيـهـا أكـبـر شـعـراء الـعـراق قـصـيـدة أمـام حـفـل شـامـل. وعـزفـت الـجـوقـة الـمـوسـيـقى، وتـفـرّقـت الـجـمـوع مـلـقـيـة بـنـظـرة وراءهـا عـلى أوّل تـمـاثـيـل الـعـراق الـمـهـمّـة”.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

مرحباً بـالقـرّاء الأعزّاء

يـسـعـدني أن أقـدّم لـكـم مـوقـعي الّـذي أنـشـر فـيـه مـقـالات عـن تـاريـخ الـعـراق الـثّـقـافي مـنـذ بـدايـات حـضـارات مـا بـيـن الـنّـهـريـن في الألـف الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد وإلى أيّـامـنـا هـذه.

كـمـا يـسـعـدني أن أدعـوكـم لـزيـارة مـدونـتي “الـمِـلـوَنـة” الـمـخـصـصـة لـتـاريـخ الـفـن الـعـراقي : http://almilwana.blogspot.fr/2014_03_01_archive.html