إيـدا سـتـاوت ومـدرسـة الـبـنـيـن الأمـريـكـيـة في بـغـداد بـيـن 1924 و1947

living-240

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

لـم يـكـن في بـدايـة حـيـاة إيـدا دونـغـيـس سـتـاوت  Staudt Ida Donges مـا يـوحي بـالـمـغـامـرة الّـتي سـتـقـوم بـهـا في الـشّـرق : فـتـح مـدرسـة أمـريـكـيـة لـلـبـنـيـن في بـغـداد مـع زوجـهـا وإدارتـهـا مـا يـقـارب الـرّبـع قـرن، فـقـد تـخـرّجـت إيـدا مـن مـعـهـد في مـديـنـة صـغـيـرة في الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة، والـتـقـت بـكـالـفـن سـتـوات Staudt Calvin الّـذي كـان قـد تـخـرّج مـن Franklin and Marshall College في1900، ثـمّ مـن حـلـقـة لانـكـسـتـر الـلاهـوتـيـة في 1903، وهي الـسّـنـة الّـتي تـزوجـهـا فـيـهـا. وسـافـرا إلى شـيـكـاغـو الّـتي حـصـلـت إيـدا مـنـهـا عـلى بـكـالـوريـوس في الـفـلـسـفـة ونـال مـنـهـا زوجـهـا شـهـادة الـدّكـتـوراه.

وقـد مـارس الـدّكـتـور سـتـاوت الـتّـدريـس وعـمـل كـرجـل ديـن في نـفـس الـوقـت إلى عـام 1914. وعـنـدمـا انـدلـعـت الـحـرب انـخـرط فـيـهـا كـمـعـلـم ومـسـؤول ديـني.

وبـعـد أن انـتـهـت الـحـرب سـافـرت إيـدا وزوجـهـا إلى بـيـروت ودرّسـا مـن 1919 إلى 1922. درّس الـدّكـتـور سـتـاوت في الـجـامـعـة الأمـريـكـيـة وفي مـعـهـد ديـني، بـيـنـمـا درّسـت زوجـتـه في  The Americain Girls School.

وفي 1924 قـبـلـت إيـدا مـع زوجـهـا Calvin  مـهـمـة فـتـح مـدرسـة أمـريـكـيـة لـلـبـنـيـن في بـغـداد The Americain School for Boys . وكـانـت في الـتّـاسـعـة والأربـعـيـن مـن عـمـرهـا ، فـقـد ولـدت في 1875.  ودامـت الـمـغـامـرة ثـلاث وعـشـريـن سـنـة (إلى عـام 1947) زارا فـيـهـا أمـاكـن كـثـيـرة مـن الـعـراق فـقـد نـزلا عـن طـريـق دجـلـة إلى الـبـصـرة، وزارا كـربـلاء والـنّـجـف وصـعـدا إلى كـردسـتـان وتـجـولا في الـبـاديـة لـلـقـاء الـبـدو.

وقـد بـدأت إيـدا بـكـتـابـة ذكـريـاتـهـا عـن الـعـراق بـعـد رجـوعـهـا إلى الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة وأكـمـلـتـهـا في 1951(وكـانـت في الـسّـادسـة والـسّـبـعـيـن مـن عـمـرهـا) أي قـبـل سـنـة مـن وفـاتـهـا (في 1952) ولـكـنّ نـصّـهـا لـم يـنـشـر إلّا في 2012 تـحـت عـنـوان : الـعـيـش في بـغـداد الـرّومـانـسـيـة : مـذكّـرات أمـريـكـيـة عـن الـتـدريـس والـسّـفـر في الـعـراق مـن 1924 إلى 1947 Living in Romantic Baghdad: An American Memoir of Teaching and Travel in Iraq, 1924-1947.Edited by John Joseph, New York, Syracuse University Press 2012.

وفي عـنـوان الـكـتـاب إشـارة إلى مـقـطـع مـن روايـة أجـاثـا كـريـسـتي : “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن  Murder in Mesopotamia” الّـتي نـجـد في بـدايـتـهـا راويـة الـقـصـة جـالـسـة في صـالـة فـنـدق Tigris palace Hotel تـكـتـب لـصـديـقـة لـهـا : “لا يـمـكـنـك أن تـتـصـوري الـوسـاخـة والـفـوضى في بـغـداد. وهي لـيـسـت رومـانـسـيـة romantic إطـلاقـاً كـمـا يـمـكـنـك أن تـتـخـيـلـيـهـا مـن قـراءة ألـف لـيـلـة ولـيـلـة !”. وعـنـوان كـتـاب إيـدا سـتـاوت يـرد عـلى هـذا الـحـكـم الـقـاسي ويـفـنّـده ويـوحي بـحـبـهـا لـهـذه الـمـديـنـة الّـتي عـاشـت فـيـهـا حـوالي ربـع قـرن.

ويـبـدأ الـكـتـاب بـمـقـدمـة الـنّـاشـر جـون جـوزيـف الّـذي كـان مـن بـيـن تـلامـيـذ إيـدا في الـمـدرسـة الأمـريـكـيـة في بـغـداد، وتـخـرّج مـنـهـا في1941، ثـمّ درّس فـيـهـا في الـسّـنـوات الأربـع الـتّـالـيـة. وبـعـد أن عـاد إلى الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة درس في Franklin and Marshall College. وبـعـد تـخـرجـه درّس تـاريـخ الـشّـرق الأوسـط سـبـع وعـشـريـن سـنـة.

وهـو يـذكـر أنّ الـمـدرسـة أغـلـقـت في حـزيـران 1950 لـسـوء إدارة مـن أدارهـا بـعـد إيـدا وزوجـهـا، ويـذكـر قـول الـدكـتـور سـتـاوت إنّ مـسـؤولي الـجـمـعـيـة  “بـعـثـوا إلى بـغـداد رجـلاً خـرّب في سـنـة واحـدة مـا شـيـدنـاه في ثـلاث وعـشـريـن سـنـة”. وقـد حـاول الـدّكـتـور سـتـاوت إعـادة فـتـح الـمـدرسـة في بـغـداد، ولـكـنّـه لـم يـفـلـح في ذلـك. وتـوفي في نـيـسـان 1951. وقـد اسـتـمـرّ حـنـيـن إيـدا لـبـغـداد حـتّى نـهـايـة حـيـاتـهـا. تـوفـيـت إيـدا في بـيـت ابـن أخـيـهـا في بـدايـة 1952 تـاركـة في صـنـدوق مـن الـورق الـمـقـوى مـا كـانـت قـد احـتـفـظـت بـه مـن ذكـريـات بـغـداد، ومـخـطـوطـة كـتـابـهـا. وقـد بـقي الـصّـنـدوق مـهـمـلاً في زاويـة مـن الـبـيـت حـتّى عـام 2006،عـنـدمـا تـرك ابـن أخـيـهـا وزوجـتـه بـيـتـهـمـا إلى دار عـجـزة. وقـد أعـطـيـا الـصّـنـدوق لـلـجـمـعـيـة الـتّـاريـخـيـة لـكـنـيـسـتـهـمـا. ولأنّ هـذه الـجـمـعـيـة لـم تـكـن تـهـتـم لا مـن قـريـب ولا مـن بـعـيـد بـبـغـداد، فـلـم تـعـرف مـاذا يـمـكـنـهـا أن تـفـعـل بـهـذه الـهـديـة حـتّى سـمـع مـسـؤول الأرشـيـفـات فـيـهـا بـجـون جـوزيـف واتـصـل بـه لـيـعـطـيـه الـمـخـطـوطـة.

ونـجـد في الـكـتـاب مـعـلـومـات لا تـعـد ولا تـحـصى عـن عـلاقـة أيـدا وزوجـهـا الـيـومـيـة بـتـلامـيـذهـمـا وبـعـوائـل تـلامـيـذهـمـا وبـجـالـيـاتـهـم. وكـان كـثـيـر مـن هـؤلاء الـتّـلامـيـذ يـأتـون مـن مـنـاطـق مـخـتـلـفـة مـن الـعـراق فـقـد كـان في الـمـدرسـة قـسـم داخـلي. وقـد سـاعـدهـمـا كـلّ هـؤلاء الـنّـاس الّـذيـن تـعـرفـا عـلـيـهـم عـلى الـسّـفـر في انـحـاء الـعـراق وزيـارة أمـاكـن لا يـمـكـن لـلـسّـائـح الـعـادي أن يـتـعـرّف عـلـيـهـا. ونـجـد بـيـن عـنـاويـن فـصـول الـكـتـاب : “الـوصـول إلى بـغـداد في 1924″، “الـمـغـامـرة الـتّـربـويـة”، “حـيـاة الـمـدرسـة”، “بـغـداد في الـمـاضي والـحـاضـر”، “الـحـدائـق والـدّور والأعـيـاد”، “الـزّواج”، “سـفـرات حـول الـمـديـنـة”، “رؤيـة بـغـداد مـن دجـلـة”، “نـحـو الـبـصـرة عـن طـريـق دجـلـة”، “زيـارة مـدن الـشّـيـعـة الـمـقـدّسـة”، “في بـلاد الأكـراد”، “قـبـائـل الـبـدو”، “رجـال الـدّولـة الـعـراقـيـون”، “قـصّـة الـنّـفـط”، “حـركـة 1941″، “بـغـداد الـمـتـغـيّـرة الّـتي لا تـتـغـيّـر”.

الـوصـول إلى بـغـداد :

تـتـكـلّـم إيـدا في الـفـصـل الأوّل مـن كـتـابـهـا عـن تـعـلّـقـهـا مـنـذ سـنـوات دراسـتـهـا بـتـاريـخ الـعـراق الـقـديـم : ” تـعـلّـمـت مـن الـمـعـهـد الّـذي درسـت فـيـه حـبّ الـتّـاريـخ، وخـاصـة تـاريـخ الـعـالـم الـقـديـم. وقـد وجـدت عـلى هـامـش كـتـابي الـمـدرسي لـلـتّـاريـخ جـمـلـة كـنـت قـد كـتـبـتـهـا عـنـدمـا درسـنـا تـاريـخ بـابـل : ” أتـسـاءل أيـن سـأكـون بـعـد عـشـر سـنـوات؟”. وأنـا أتـسـاءل الآن عـمّـا دفـعـني لـكـتـابـة هـذه  الـجـمـلـة في ذلـك الـحـيـن. وعـنـدمـا تـقـدّمـت في حـيـاتي الـدّراسـيـة، إكـتـسـبـت مـعـرفـة أوسـع بـالـشّـرق  الأوسـط وخـاصـة بـبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الّـتي تـسـمى الـعـراق في أيّـامـنـا هـذه. وبـدأت أدرك مـكـانـة  هـذه الـبـلاد وأهـمـيـتـهـا في تـاريـخ الـعـالـم، وتـوضّـح في ذهـني ثـراء مـاضي الـعـراق الّـذي لا يـكـاد الـعـقـل أن يـتـصـوّره، وعـرفـت أنّ الـسّـتـة آلاف سـنـة الّـتي تـشـكـل الـتّـاريـخ الـمـكـتـوب لـلـعـالـم جـرى  نـصـفـهـا الأوّل هـنـا، فـهي مـهـد الـحـضـارة وفـيـهـا وصـلـت الـحـضـارة أوج مـجـدهـا.

وقـد بـهـرني مـوقـع الـعـراق الـجـغـرافي : مـكـانـة الـبـلـد الاسـتـراتـيـجـيـة وإمـكـانـيـاتـهـا في الـمـسـتـقـبـل لـتـنـمـيـة إنـتـاج الـنّـفـط ولـتـنـمـيـة الـزّراعـة. وعـنـدمـا وصـلـت سـنّ الـبـلـوغ كـامـرأة شـغـلـت ذهـني هـاتـيـن الـمـسـألـتـيـن: أن يـسـتـمـر هـذا الـمـاضي الـبـعـيـد عـنّي حـاضـراً في حـيـاتي الـنّـفـسـيـة، وإدراكي الـواضح لـمـكـانـة بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن وأهـمـيـتـهـا في الـمـسـتـقـبـل. وبـالـنّـتـيـجـة كـان مـجـرى الأمـور الـطّبـيـعي يـجـذبـني لـلـذّهـاب إلى الـمـكـان الّـذي اشـتـقـت إلـيـه في صـبـاي ومـطـلـع  شـبـابي لـلـعـيـش والـعـمـل فـيـه، وهـو مـا وجـهـني إلـيـه تـفـكـيـري بـعـد ذلـك. وكـان شـيـئـاً مـدهـشـاً أن أصـل إلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن بـصـحـبـة زوجي في ربـيـع 1924. كـانـت مـفـاجـأة لـم أتـوقّـعـهـا، حـدثـت بـسـرعـة تـشـبـه مـا يـحـدث في الـرّوايـات، فـقـد اخـتـارونـا لـنـفـتـح مـؤسـسـة مـدرسـيـة فـيـهـا. وكـان شـيـئـاً عـجـيـبـاً أن نـعـيـش فـيـهـا مـا يـقـارب الـرّبـع قـرن وأن نـعـمـل في مـديـنـة بـغـداد الـمـشـبّـعـة بـالـتّـاريـخ والأسـاطـيـر. كـانـت بـابـل دائـمـاً أقـرب لي مـن بـغـداد، ومـع ذلـك فـقـد بـدأت مـديـنـة ألـف لـيـلـة ولـيـلـة تـتـقـرّب إليّ خـلال الـسّـنـوات الـثّـلاث الّـتي قـضـيـنـاهـا في بـيـروت قـبـل أن نـصـل إلى مـديـنـة الـحـكـايـات، فـقـد كـان زوجي يـدرّس في جـامـعـة بـيـروت الأمـريـكـيـة. وفي يـوم مـن الأيّـام ذهـبـنـا بـسـيـارات في سـفـرة جـامـعـيـة إلى تـدمـر في الـصّـحـراء، ويـبـدو أنّـهـا كـانـت أوّل سـفـرة بـالـسّـيـارات قـام بـهـا مـسـافـر إلى مـديـنـة زنـوبـيـا الّـتي كـانـت في الـمـاضي مـحـطـة مـهـمـة لـقـوافـل الـجـمـال. ووقـفـت في وسـط هـذه الـخـرائـب الـرّائـعـة الـجـمـال، في وسـط الـمـمـر الـطّـويـل الـمـحـاط بـصـفـيـن مـن الأعـمـدة الـعـالـيـة، ثـمّ اسـتـدرت نـحـو الـشّـرق وقـلـت : “بـغـداد في هـذا الإتـجـاه، لـقـد قـطـعـنـا نـصـف الـطّـريـق [ إلـيـهـا ]، فـلـمـاذا لا نـكـمـلـه؟ ” ومـا أسـعـدنـا لأنّ الله اسـتـجـاب لـدعـائـنـا. فـبـعـد عـامـيـن مـن مـغـامـرة سـفـرنـا إلى تـدمـر وجـدنـا أنـفـسـنـا، ويـا لـدهـشـتـنـا ! في بـغـداد.

كـان ذلـك في أواخـر آذار 1924، في حـوالي الـسّـادسـة مـسـاءً عـنـدمـا نـزلـنـا مـن الـقـطـار الّـذي أقـلّـنـا مـن الـبـصـرة إلى بـغـداد. وبـعـد وصولـنـا، أدرنـا أنـظـارنـا حـولـنـا نـتـسـاءل عـن أي نـوع مـن الـعـربـات سـيـنـقـلـنـا إلى الـمـديـنـة فـرأيـنـا عـدداً مـن الـعـربـانـات arabanas’  أمـام كـلّ واحـدة مـنـهـا حـصـانـان تـنـتـظـر الـمـسـافـريـن. وحـشـرنـا أنـفـسـنـا في واحـدة مـنـهـا …هـا قـد انـتـهـت رحـلـتـنـا الـطّـويـلـة عـبـرالـمـحـيـط الـهـنـدي ووصلـنـا إلى مـقـصـدنـا. وسـرنـا بـلـهـفـة شـديـدة نـحـو مـقـامـنـا الـجـديـد. كـانـت مـحـطـة الـقـطـار في طـرف الـمـديـنـة الـخـارجي، يـربـطـهـا بـالـجـزء الـرّئـيـسي مـن بـغـداد طـريـق عـريـضـة أصـبـحـت الآن شـارعـاً جـمـيـلاً عـريـضـاً. وتـوصـل هـذه الـطّـريـق إلى جـسـر قـوارب أطـلـق عـلـيـه اسـم مـود لـتـكـريـم الـجـنـرال الـبـريـطـاني الّـذي حـرر الـمـنـطـقـة مـن الأتـراك. وكـان عـلى جـانـبي الـطّـريـق حـدائـق تـفـتـحـت فـيـهـا في هـذا الـفـصـل مـن الـسّـنـة أوراد وقـنـب وجـنـجـل عـريـضة الأوراق وخـطـمـيـات وزهـورأخـرى، بـيـنـمـا رفـعـت الـنّـخـيـل الأبـديـة جـبـاهـهـا الـعـالـيـة نـحـو الـسّـمـاء. وقـرب الـنّـهـر كـانـت مـقـاهي في الـهـواء الـطّـلـق تـطـل ّعـلى نـهـر دجـلـة، وكـانـت مـلـيـئـة بـالـرّجـال، ولـكـن بـالـرّجـال فـقـط ، يـجـلـسـون ويـشـربـون بـهـيـبـة قـهـوة مـن فـنـاجـيـن بـالـغـة الـصّـغـر وعـلى وجـوهـهـم جـدّيـة ووقـار أو يـدخـنـون نـرجـيـلات طـويـلـة نـحـيـلـة تـبـقـبـق … أو يـلـعـبـون الـطّـاولـة.

وإن لـم نـرالـنّـسـاء في الـمـقـاهي فـقـد رأيـنـاهـنّ عـلى الـجـسـرالّـذي كـان يـبـدو مـن بـعـيـد مـثـل حـديـقـة أزهـار، تـتـمـاوج فـيـه كـتـل مـن ألـوان مـتـنـوعـة مـتـلامـعـة تـتـحـرك، وفي وسـط الألـوان يـتـبـارق الـذّهـب ! فـقـد خـرجـت الـنّـسـاء الـمـسـيـحـيـات والـيـهـوديـات مـن أحـواش بـيـوتـهـنّ الـخـانـقـة لـشـم الـهـواء Shamm al-hawa  (Smell the air). ولـيـس لـلـنّـسـاء الـمـسـلـمـات هـذه الـحـرّيـة، فـهـنّ دائـمـاً مـعـصـبـات بـالـسّـواد حـيـنـمـا يـخـرجـن إلى الـشّـارع. وكـلّ هـؤلاء الـنّـسـاء، حـتّى عـلى الـجـسـر مـتـلـفـعـات مـن أعـلى رؤوسـهـن إلى أطـراف أقـدامـهـنّ بـحـريـر ثـقـيـل (الإزارات أوالـعـبـاءات izars or abayas الّـتي تـحـاك في بـغـداد بـتـنـوعـات ألـوان مـخـتـلـفـة ). ولا يـرتـدي الإزارات إلّا الـمـتـزوّجـات مـن الـمـسـيـحـيـات والـيـهـوديـات، وهي بـألـوان صـافـيـة، لـهـا حـواشٍ بـديـعـة مـن ألـوان عـمـيـقـة مـخـتـلـفـة طـرّزت بـخـيـوط مـن الـذّهـب. وأغـلـب الألـوان عـلـيـهـا مـسـحـة مـن الـبـاسـتـيـل : سـكّـريـة كـريـمـيـة أو خـزامـيـة أو ورديـة أو زرقـاء. أمّـا الـبـنـات الـلاتي لـم يـتـزوجـن بـعـد فـيـلـبـسـن عـبـاءات بـلا أردان تـنـحـدر مـن فـوق رءوسـهـنّ. وهي أيـضـاً مـتـنـوعـة الألـوان، ولـكـنـهـا تـحـاك قـطـعـة واحـدة كـامـلـة. وكـلّ هـذه الـمـلابـس لـم نـعـد نـجـدهـا الآن إلّا في الـذّكـريـات. وكـانـت في ذلـك الـزّمـن جـمـيـلـة مـلـيـئـة بـالألـوان، تـضـفي بـهـجـة عـلى الـمـديـنـة الـرّتـيـبـة الألـوان فـهي مـبـنـيّـة بـطـابـوق الـصّـلـصـال : لـون تـراب الـصّـحـراء.

واجـتـازت الـعـربـانـة بـنـا الـجـسـر. مـا أوسـع مـا كـان عـرض دجـلـة في ذلـك الـزّمـان ! كـان نـهـراً عـظـيـمـاً في أرض عـطشى. أعـظـم بـكـثـيـر مـمـا كـنـت أتـصـوره، ولـم تـخـيـب شـواطـئـه آمـالي. وقـد شـيّـدت شـرفـات الـمـنـازل الـمـطـلّـة عـلى الـنّـهـر بـأقـرب مـا يـمـكـن مـن الـمـاء بـعـد أن حـسـب حـسـاب الـفـيـاضـانـات الّـتي يـمـكـن لـلـمـيـاه أن تـعـلـو فـيـهـا. ورأيـنـا خـلـفـهـا الـمـنـائـر بـطـابـوقـهـا الأزرق الـمـزجـج تـرفـع رؤوسـهـا في زرقـة الـسّـمـاء الـصّـافـيـة. ورأيـنـا في الـنّـهـر أنـواعـاً مـن الـمـراكـب : قـفـف guffas   مـسـتـديـرة قـديـمـة قِـدم الـزّمـن، تـشـبـه الـقـفـة الّـتي وضـعـت أمّ مـوسى ابـنـهـا فـيـهـا، تـصـنـع مـن عـيـدان طـلـيـت بـالـقـار مـن خـارجـهـا، ومـهـيـلات mahailas   أنـيـقـة الأشـرعـة، وقـوارب كـثـيـرة مـصـطـفّـة و زوارق. ورغـم أنـنـا لـم نـخـطـط بـعـنـايـة لـدخـولـنـا إلى بـغـداد، ولـم نـحـدد الـيـوم والـسّـاعـة خـوفـاً مـن أن تـفـسـد عـلـيـنـا انـطـبـاعـاتـنـا الأولى مـاكـنّـا قـد تـصـورنـاه عـن عـظـمـة هـذه الـمـديـنـة في الـمـاضي، ورغـم ذلـك فـلـم يـكـن مـن الـمـمـكـن أن يـكـون وصـولـنـا إلـيـهـا أكـثـر اكـتـمـالاً : غـابـات الـنّـخـيـل والـحـدائـق والـبـسـاتـيـن وجـمـاعـات الـرّجـال في الـمـقـاهي وتـضـاربـات الألـوان عـلى الـجـسـر والـمـنـائـر بـطـابـوقـهـا الأزرق الـمـزجـج والـشّـرفـات الـمـطـلّـة عـلى الـنّـهـر، ومـراكـب الـنّـهـر، ونـهـر دجـلـة الـنّـبـيـل نـفـسـه … كـلّ هـذا كـان لـه نـكـهـة شـرقـيـة حـقـيـقـيـة.

وكـان كـلّ مـا اسـتـطـلـعـتـه مـن الـعـربـانـة arabana’  ذلـك الـمـسـاء عـجـيـبـاً ومـخـتـلـفـاً عـمّـا كـنـت قـد اعـتـدت رؤيـتـه. كـان عـالـمـاً لـم يـؤثـر عـلـيـه الـغـرب بـعـد … ولـنـقـل إنّـه لـم يـكـن قـد مـسّـه إلّا بـالـكـاد وبـأطـراف أنـامـلـه. وأحـسـسـت أنـني كـنـت في أعـمـاقي قـريـبـة مـن هـذا الـعـالـم الـقـديـم وأتـجـاوب مـعـه. وأدركـت حـالاً أنـني سـاحـبّـه وسـأسـعـد بـالـتّـأقـلـم مـعـه.

وعـنـدمـا وصـلـنـا إلى الـفـنـدق الـصّـغـيـر الّـذي كـان عـلى قـاب قـوسـيـن مـن الـجـسـر وعـلى بـعـد خـطـوات مـن الـشّـارع الـرّئـيـسي ، إجـتـاحـني فـجـأة إحـسـاس غـريـب : هـل أنـني حـقـيـقـة أنـا نـفـسي الّـتي وصـلـت إلى بـغـداد، أم أبـدلـت نـفـسي مـؤقـتـاً بـشـخـص آخـر لـلـقـيـام بـهـذه الـتّـجـربـة والـمـغـامـرة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن ؟ أو هـل أنّ قـربي الـفـكـري مـن هـذه الـبـلاد في شـبـابي تـحـوّل بـقـدرة قـادرإلى حـقـيـقـة خـادعـة ؟ هـل يـمـكـن أن أكـون حـقّـاً في هـذا الـبـلـد الّـذي لـم يـفـتـر اهـتـمـامي بـه مـنـذ صـبـاي والّـذي تـعـمّـقـت عـظـمـتـه الـمـاضـيـة عـبـرسـنيّ حـيـاتي ؟ كـنـت قـد تـابـعـت مـجـرى الـنّـهـريـن الـعـظـيـمـيـن، دجـلـة والـفـرات الـلـذيـن وهـبـا الـحـيـاة لـهـذه الأرض، زمـنـاً طـويـلاً قـبـل أن تـبـصـرهـمـا عـيـنـاي. وكـانـت عـيـنـاي قـد تـفـحـصـتـا طـويـلاً صـور قـصـور بـابـل ونـيـنـوى ، وتـعـجـبـتُ وأعـجـبـت إعـجـابـاً شـديـداً بـالألـبـاب الّـتي تـصـورتـهـا وخـطـطـتـهـا وخـرجـت مـنـهـا هـذه الـتّـشـيـيـدات الـمـذهـلـة. ولـم يـكـن في الـفـنـدق الـصّـغـيـر الّـذي أقـمـنـا فـيـه فـتـرة مـن الـزّمـن شـئ مـن الـسّـحـر، ولـو كـان إيـحـاءً طـفـيـفـاً. ومـن الـمـؤكّـد أنّ الـجـنّ لـم يـشـيـدوه كـقـصـر لأمـيـر رغـم أنّ اسـمـه Palace . وكـان في الـحـقـيـقـة مـكـانـاً عـاديـاً. وعـنـدمـا ارتـقـيـت سـلّـمـه الـمـخـتـلـف الـدّرجـات طـولاً وعـرضـاً وددت أن أسـمـو إلى أعـلى مـا يـمـكـنـني، ولـكـنّي أجـبـرت عـلى الـهـبـوط نـحـو الأرض الـصّـلـدة، وعـنـدمـا وقـفـت عـلـيـهـا تـلاشى كـلّ شـكّ في أنـني كـنـت هـنـا أنـا نـفـسي”.

ثـمّ تـعـود إيـدا إلى الـوراء لـتـسـرد عـلـيـنـا رحـلـتـهـا مـع زوجـهـا إلى الـعـراق :

“وصـلـنـا إلى الـعـراق عـن طـريـق الـمـحـيـط الـهـادي، وتـوقـفـنـا في كـلـكـتـا ثـمّ عـبـرنـا الـهـنـد بـالـقـطـارإلى بـومـبـاي. كـان ذلـك في شـهـر آذار، وكـانـت الـهـنـد حـارّة الـرّطـوبـة. وعـنـدمـا تـكـلّـمـت عـن ذلـك مـع ضـابـط جـاء لـيـزورنـا في مـقـصـورتـنـا في الـقـطـار، إسـتـغـربـت لأنّـه ذكـر أنّـه لا يـعـرف إلّا مـنـطـقـة واحـدة أشـدّ حـرارة مـن الـهـنـد، وعـنـدمـا تـسـاءلـت أيـن يـمـكـن أن تـكـون، جـاءني جـوابـه مـذهـلاً : “الـعـراق !”. كـانـت تـلـك ولا شـك ضـربـة عـنـيـفـة أصـابـتـني. وقـد سـلّـيـنـا أنـفـسـنـا بـأمـل أن يـكـون قـد أخـطـأ فـيـمـا قـال، وبـطـريـقـة مـا فـقـد كـان قـد أخـطـأ فـيـمـا قـال: صـحـيـح أنّ درجـات الـحـرارة في الـعـراق تـرتـفـع عـالـيـاً، ولـكـن لأنّـهـا حـرارة جـافّـة، يـمـكـن لـلـمـرء أن يـتـحـمّـلـهـا بـسـهـولـة أكـثـر. ولـحـسـن الـحـظ فـقـد ثـبـت اعـتـقـادي بـاعـتـدال الـطّـقـس في الـعـراق خـلال سـفـرتـنـا مـن بـومـبـاي. كـنّـا في بـدايـة الـرّبـيـع، وكـان الـمـحـيـط الـهـنـدي في أفـضـل فـصـولـه، وكـذّب الـخـلـيـج مـا اشـتـهـر عـنـه بـانّـه جـهـنـم الـحـمـراء ، كـمـا كـان شـطّ الـعـرب في أحـسـن أحـوالـه.  كـانـت غـابـات الـنّـخـيـل تـمـتـدّ عـلى شـاطـئـيـه ، وكـانـت بـخـضـرتـهـا الـعـمـيـقـة تـزيّـن جـوانـب الـنّـهـر وتـضـفي عـلـيـه سـحـراً شـديـداً. نـزلـنـا مـن الـسّـفـيـنـة في الـبـصـرة، ومـشـيـنـا عـلى تـربـة بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـعـمـيـقـة الـقـدم في الـتّـاريـخ. لـم يـكـن وصـولـنـا مـيـمـونـاً مـن جـانـب الـطّـقـس فـقـط ، ولـكـن أيـضـاً لأنّ الـمـجـلـس الـتّـأسـيـسي افـتـتـح أولى جـلـسـاتـه في بـغـداد في نـفـس الـيـوم ، وجـمـع مـائـة نـائـب لـيـنـظّـمـوا أعـمـال إصـدار دسـتـور لـلـعـراق. وقـد جـاءت الـمـصـادفـة مـن أنـنـا أبـحـرنـا مـن بـومـبـاي عـدّة أيّـام قـبـل الـمـوعـد الـمـحـدد. وكـانـت الـمـقـصـورة الّـتي سـافـرنـا فـيـهـا قـد حـجـزت لـلأغـا خـان، رئـيـس الإسـمـاعـيـلـيـة، ولـكـن لأنّ والـدتـه سـقـطـت مـريـضـة فـقـد ألـغى الـحـجـز قـبـيـل إبـحـار الـسّـفـيـنـة ، وحـصـلـنـا عـلى الـمـقـصـورة. كـان الـقـطـارالّـذي أقـلّـنـا مـن الـبـصـرة إلى بـغـداد يـمـرّ وسـط الأرض الّـتي بـدأت فـيـهـا الـحـضـارة الـبـشـريـة. ورغـم أنّ هـذه الـمـنـطـقـة صـارت الآن صـحـراء في أغـلـبـهـا ، فـهي تـلـحّ عـلـيـنـا لـنـعـتـرف لـهـا بـمـاضـيـهـا الـعـظـيـم وبـمـا يـديـن لـهـا الـعـالـم بـأجـمـعـه مـنـذ تـلـك الأزمـان. لا يـمـكـن لـشئ أن يـقـلـل مـن أهـمـيـة تـاريـخ بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن ، ومـا زالـت آثـارهـا تـشـهـد عـلى مـجـدهـا، وهي بـقـايـا لـمـا كـان في الـمـاضي إنـجـازات هـائـلـة. وبـدت لي هـذه الـفـيـافي تـسـخـر مـن الـسّـائـريـن فـيـهـا وتـهـزأ مـنـهـم كـمـا لـو كـانـت تـقـول لـهـم : “هـل مـا زالـت لـديـكـم الـقـدرة عـلى بـنـاء بـابـل جـديـدة أو كـيـش أخـرى أومـدن تـشـبـه مـا كـانـت عـلـيـه الـوركـاء أو أور ؟ “. وبـيـنـمـا كـانـت قـائـمـة الـمـدن الـشّـهـيـرة والـحـضـارات الـعـظـيـمـة تـتـتـابـع في ذهـني كـان الـقـطـار يـتـقـدّم نـحـو عـاصـمـة الـعـراق …لا عـاصـمـة الـخـلـفـاء، بـل بـغـداد أيّـامـنـا هـذه”.

الـسّـكـن في دار بـغـداديـة :

وشـغـلـنـا أنـفـسـنـا إسـبـوعـيـن في اكـتـشـاف الـمـديـنـة. وبـيـنـمـا كـنّـا نـقـيـم في الـ Palace  Hotel الّـذي لا يـنـاسـبـه اسـمـه، حـذّرنـا الـنّـاس مـن أنّ هـذا الـطّـقـس الّـذي يـشـبـه طـقـس الـجـنّـة لـن يـدوم طـويـلاً. وخـفّ فـضـولـنـا بـعـد فـتـرة مـن الـزّمـن، وحـان الـوقـت لـنـنـظّـم عـمـلـنـا، فـبـدأنـا أوّلاً بـطـلـب الـنّـصـيـحـة عـن نـوع الـدّار الّـتي نـحـتـاجـهـا ، والّـتي كـنّـا نـودّ أن يـكـون فـيـهـا قـلـيـل مـن وسـائـل الـرّاحـة، ولا يـمـكـن لـلـقـارئ أن يـتـصـوّر إلى أيّـة دار انـتـقـلـنـا ! كـانـت الـدّار وسـط حيّ الـنّـصـارى الـشّـديـد الإزدحـام، وكـانـت قـد شـيّـدت ، كـكـلّ دور ذلـك الـزّمـان ، حـول حـوش مـفـتـوح ، ولـكـنّـهـا كـانـت تـفـتـقـر إلى مـرافـق كـثـيـرة ، وكـانـت تـكـتـفي بـالـقـلـيـل لـتـسـتـطـيـع أن تـتـقـوقـع عـلى نـفـسـهـا احـتـمـاءً مـن شـدّة الـحـرّ الّـذي بـدأ يـتـقـدّم بـخـطة واسـعـة. كـلّ دار في بـغـداد تـقـريـبـاً تـمـتـلـك سـردابـاً serdab ، وهي غـرفـة تـحـت مـسـتـوى الـحـوش تـنـخـفـض فـيـهـا درجـات الـحـرارة. وقـبـل أن تـصـل الـمـراوح الـكـهـربـائـيـة كـان الـسّـرداب الـمـلـجـأ الـوحـيـد مـن الـقـيـظ . ولـكـنّ دارنـا لـلأسـف لـم يـكـن فـيـهـا سـرداب ، ولـم يـكـن فـيـهـا تـحـت الأرض إلّا الـمـطـبـخ الّـذي كـان بـلا نـافـذة، ولـم يـكـن فـيـه إلّا مـوقـد فـحـم  حـقـيـر وثـقـب في أرضـيـتـه لـيـسـيـل فـيـه الـمـاء. وقـد بـذلـت كـل ّ مـا كـان بـوسـعي لـنـسـتـطـيـع الـعـيـش في هـذه الـدّار عـنـدمـا بـدأت درجـات الـحـرارة تـتـقـافـز صـاعـدة، ولـكـنّي فـشـلـت، وكـاد هـذا أن يـحـطّـمـني. وفي حـزيـران 1924، وضـعـت دار كـبـيـرة تـطـلّ عـلى الـنّـهـر تـحـت تـصـرّفـنـا مـؤقّـتـاً وكـانـت داراً قـد شـيّـدت لـراحـة سـاكـنـيـهـا. وتـمـتّـعـنـا بـهـا تـمـام الـتّـمـتـع، وفـيـهـا بـدأنـا حـيـاتـنـا الـبـغـداديـة بـدايـة حـقـيـقـيـة. كـنّـا نـنـزل وسـط الـنّـهـار إلى سـرداب مـنـعـش الـبـرودة ، وكـنّـا نـجـد في الـمـسـاء راحـة وسـحـراً في الـجـلـوس في الـشّـرفـة أمـام الـنّـهـر نـتـأمّـل الأضـواء تـنـبـض فـوق جـسـرالـقـوارب وعـلى ضـفـتي دجـلـة الـمـظـلـلـة ، وكـنّـا نـنـام الـلـيـل عـلى الـسّـطـح تـحـت سـمـاء عـمـيـقـة الـزّرقـة مـطـعـمـة بـالـنّـجـوم. وكـانـت أوّل هـديـة نـتـلـقـاهـا في الـصّـبـاح رؤيـة الـنّـهـر عـنـدمـا تـلـمـس أولى أشـعـة الـشّـمـس أبـنـيـة الـصّـوب الـمـقـابـل. وكـان في الـدّار خـادمـان : طـبّـاخ هـنـدي مـن غـوا ، وخـادمـة مـن أصـل عـربي شـديـدة الـنّـحـول، وعـلى رأسـهـا عـصـبـة شـديـدة الـضّـخـامـة حـتّى كـنـت أخـاف عـلـيـهـا أن تـتـمـايـل سـاقـطـة تـحـت ثـقـلـهـا. شـيّـدت الـدّورالـكـبـيـرة في بـغـداد لـيـكـون فـيـهـا خـدم، فـلـم يـكـن في الـمـديـنـة طـرق مـبـلّـطـة عـنـدمـا وصـلـنـاهـا ، ولا تـسـقـط زخـات مـطـر لـتـنـظّـفـهـا ، مـمـا يـجـعـل الـتّـنـظـيـف حـاجـة ضـروريـة. وكـان الـمـطـبـخ في الـطّـابـق الأرضي في حـيـن أنّ غـرفـة الـطّـعـام في الـطّـابـق، والـسّـقـف عـالٍ جـدّاً. وفي بـلـد عـلـيـك أن تـسـاوم فـيـه حـتّى لـشـراء بـصـلـة ، لا يـمـكـن لامـرأة أجـنـبـيـة أن تـتـسـوّق لـعـائـلـتـهـا إلّا إذا أحـسـنـت الـلـغـة وكـان لـهـا كـثـيـر مـن الـوقـت والـصّـبـر. وكـان تـدريـسي في دارأخـرى (غـيـر تـلـك الّـتي كـنّـا نـسـكـنـهـا ) تـهـيـئـة مـمـتـازة لـتـنـمـيـة مـدرسـتـنـا عـلى أسـس مـتـيـنـة ، وأعـدّني لأخـذ قـرارات حـازمـة”.

وقـد سـمـعـت إيـدا بـأنّ : “داراً كـبـيـرة فـرغـت قـرب نـادي الـضّـبّـاط الـبـريـطـانـيـيـن، في حيّ حـديـث مـن الـمـديـنـة، تـحـيـطـهـا غـابـات الـنّـخـيـل، وعـنـدمـا زرتـهـا حـلـت لـعـيـنيّ فـأجـرتـهـا حـالاً و بـلا تـردد. وبـانـتـقـالـنـا إلـيـهـا في الـخـريـف بـدأت حـيـاتـنـا الـعـمـلـيـة حـقّـاً. وكـانـت الـدّار تـنـاسـب تـمـامـاً مـا نـريـد، وإن اعـتـبـر الـبـعـض أنّـهـا بـعـيـدة عـن مـركـز الـمـديـنـة، وقـد أصـبـحـت الآن في وسـط الـمـديـنـة لـشـدّة مـا تـوسـعـت بـغـداد وامـتـدّت. وكـانـت داراً كـبـيـرة فـيـهـا 20 غـرفـة واسـعـة حـول حـوش مـفـتـوح، أمـامـهـا شـرفـات عـريـضـة. وعـلى واحـدة مـن هـذه الـشّـرفـات يـمـكـن لـ 300 ولـد أن يـجـلـسـوا ، وكـنّـا نـعـقـد فـيـهـا اجـتـمـاعـاتـنـا في الـصّـبـاح، وفـيـهـا كـانـت تـجـري بـعـض الـنّـشـاطـات الـمـدرسـيـة. وكـان في الـدّار أيـضـاً سـراديـب مـعـقـودة الـسّـقـوف، وكـانـت غـرفـهـا عـالـيـة الـسّـقـوف ولـهـذا قـررنـا أنّ سـعـتـهـا تـكـفي لاتـخـاذهـا سـكـنّـاً لـنـا ومـدرسـة لـتـلامـيـذنـا. وقـد أحـسـسـت بـنـفـسي سـيّـدة مـن الـطّـبـقـة الـعـلـيـا وأنـا أتـمـخـتـر في أنـحـاء هـذا الـقـصـر qasr . وأنـا أعـتـقـد حـقّـاً أنّـهـا غـيّـرتـني وأجـبـرتـني عـلى أن أتـصـرف حـسـب مـا يـتـطـلـبـه مـنّي الـسّـكـن في قـصـر. فـفي هـذه الـدّار الـكـبـيـرة يـمـتـلئ الـمـرء هـيـبـةً فـيـتـصـرّف بـهـيـبـة. وقـد أضـفى عـليّ ذلـك، وأنـا الـبـسـيـطـة الأصـل، مـظـهـرسـيـادة كـنـت أحـتـاج إلـيـه لإدارة الـمـدرسـة. وقـد قـال لي صـديـق في يـوم مـن الأيّـام : “أنـتِ لـن تـغـيّـري الـشّـرق، ولـكـنّ الـشّـرق سـيـغـيـرك!”. ولـم يـكـن هـذا صـحـيـحـاً تـمـامـاً ، فـقـد جـاء الـتّـغـيـيـر مـن الـجـانـبـيـن.

وكـان في وسـط الـحـوش الـمـفـتـوح حـديـقـة مـثـمـنـة الأضـلاع تـنـتـصـب فـيـه أشـجـار وتـتـفـتـح فـيـهـا زهـور. وكـان زوجي يـسـمـيـهـا بـالـغـابـة لأنّ شـجـرة زيـتـون مـدّت أغـصـانـهـا في كـلّ الإتـجـاهـات بـجـانـب شـجـرتي نـارنـج وشـجـرتي دفـلى تـزهـر واحـدة أزهـاراً حـمـراء، والأخـرى أزهـاراً بـيـضـاء. وكـان فـيـهـا أيـضـاً نـخـلـة، ولـفـتـرة مـن الـزّمـن كـان فـيـهـا شـجـرة مـوز تـتـفـتـح أوراقـهـا الـواسـعـة سـاحـرة الـمـلـمـس. وخـلال تـلـك الـسّـنـوات كـان الـجـلـوس فـيـهـا في الأمـسـيـات مـريـحـاً ومـنـعـشـاً،وكـان زوجي يـسـمـيـهـا : “غـابـة الـبـيـت”. وكـان لـهـذا “الـقـصـر” الـمـهـيـب قـصّـة مـدهـشـة، فـقـد اسـتـعـمـلـه الـبـريـطـانـيـون نـاديـاً لـضـبّـاطـهـم. وكـان الإيـطـالـيـون قـد اتـخـذوه قـنـصـلـيـة لـهـم، ووجـدنـا بـقـايـا عـلـمـهـم عـلى الـسّـطـح حـيـنـمـا أجّـرنـا الـقـصـر، وخـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى إخـتـارتـه الـقـيـادة الألـمـانـيـة مـقـرّاً لـهـا. وغـالـبـاً مـا حـذرونـا مـن أنّ شـبـح الـجـنـرال فـون ديـر غـولـتـز كـان يـتـجـوّل في أنـحـائـه”.

والـحـقـيـقـة أنّ مـا ذكـرتـه إيـدا هـنـا تـنـقـصـه الـدّقـة. فـفـون ديـر غـولـتـز Von der Goltz الّـذي تـكـلّـمـت عـنـه لـم يـكـن جـنـرالاً عـنـدمـا وصـل إلى بـغـداد بـل مـارشـالاً (أي مـشـيـراً)، وهـو لـم يـكـن تـحـت أوامـر الـقـيـادة الـعـلـيـا لـلـقـوات الألـمـانـيـة وإنّـمـا كـان يـعـمـل في الـقـوات الـعـثـمـانـيـة. وهـذه قـصـتـه مـخـتـصـرة: وصـل غـولـتـز إلى الاسـتـانـة في 1883 لـيـعـمـل مـسـتـشـاراً عـسـكـريـاً عـنـد الـسّـلـطـان عـبـد الـحـمـيـد الـثّـاني، ثـمّ عـيّـن مـديـراً عـامـاً لـلـمـدارس الـعـسـكـريـة الـعـثـمـانـيـة ، وحـصـل عـلى رتـبـة بـاشـا، ولـهـذا يـدعى بـغـولـتـز بـاشـا. وفي 1898، عـاد إلى ألـمـانـيـا ورقّي إلى رتـبـة مـارشـال في الـجـيـش الألـمـاني، وأحـيـل عـلى الـتّـقـاعـد في 1911. وبـعـد أن انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى عـاد إلى الإسـتـانـة في 1915 وعـيّـن مـسـتـشـاراً عـسـكـريـاً مـن جـديـد. وقـد عـهـد إلـيـه أنـور بـاشـا بـالـجـيـش الـخـامـس الـعـثـمـاني. وسـار غـولـتـز بـاشـا بـالـجـيـش الـخـامـس إلى جـنـوب بـغـداد وأوقـف تـقـدّم الـقـوات الـبـريـطـانـيـة الّـتي كـان يـقـودهـا طـاونـزنـد Charles Townshend نـحـو بـغـداد، وحـاصـرهـم في كـوت الإمـارة. وفي 1916، أصـيـب فـون ديـر غـولـتـز بـالـتّـيـفـوئـيـد ومـات مـنـه في بـغـداد. وقـد نـقـل جـثـمـانـه إلى الإسـتـانـة ودفـن في حـديـقـة الـسّـفـارة الألـمـانـيـة فـيـهـا.

الـمـدرسـة :

1grit_10_20_18

كـتـبـت إيـد سـتـاوت أنـهـا تـوصـلـت مـع زوجـهـا إلى فـتـح صـفـوف لـلـبـنـات إلى جـانـب صـفـوف الـبـنـيـن: “لـقـد بُـعـثـنـا إلى بـغـداد لـنـفـتـح فـيـهـا مـؤسـسـة تـربـويـة ونـديـرهـا تـحـت إشـراف “الإرسـالـيـات الـمـتّـحـدة لـبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن United Missions in Mesopotamia”، وهي تـجـمّـع لـثـلاث إرسـالـيـات (تـبـشـيـريـة). وقـد اشـتـغـلـنـا تـحـت إشـرافـهـا حـوالي اثـنـتي عـشـرة سـنـة، ثـمّ أدرنـاهـا بـعـد ذلـك وحـدنـا، مـن غـيـر مـسـاعـدات مـاديـة مـن أيّـة جـهـة كـانـت. وكـانـت مـعـجـزة أن نـعـادل مـيـزانـيـتـنـا عـامـاً بـعـد عـام، وقـد كـانـت الـمـيـزانـيـة تـتـضـمّـن مـصـاريـف عـيـشـنـا وإيـجـار الـدّار والـبـنـايـات الّـتي نـسـتـعـمـلـهـا. وفي الـبـدايـة ، أي عـنـد وصـولـنـا إلى بـغـداد ذهـبـنـا إلى وزارة الـمـعـارف، وأخـبـروا زوجي فـيـهـا أنّ الـحـكـومـة الّـتي تـشـكّـلـت مـنـذ فـتـرة قـصـيـرة لـم تـصـدر بـعـد قـوانـيـنـاً تـنـظّـم فـيـهـا نـشـاطـات الـمـدارس الأجـنـبـيـة أو تـقـدّم لـهـا مـسـاعـدات مـاديـة. وبـانـتـظـار أن تـصـدر مـثـل هـذه الـقـوانـيـن فـقـد نـصـحـوا زوجي بـالإنـتـفـاع مـن قـانـون تـركي كـان مـا زال سـائـداً وكـان قـد شُـرّع لـصـالـح الـجـالـيـة الـبـروتـسـتـانـتـيـة يـخـوّل لـنـا فـتـح مـدرسـة لـلـبـنـات أيـضـاً. وهـكـذا فـتـحـنـا مـدرسـة لـلـبـنـات ولـكـن بـصـورة بـسـيـطـة جـدّاً، فـلـم يـكـن لـديـنـا الإمـكـانـيـات الـكـافـيـة حـتّى لـشـراء الأثـاث. وكـان هـذا يـعـني أن نـسـتـعـمـل غـرف سـكـنـنـا كـقـاعـات دروس. وقـد قـدّرت أنـني لـن أسـتـطـيـع الإعـتـنـاء بـأكـثـر مـن عـشـريـن بـنـتـاً. وعـنـدمـا فـتـحـنـا الـمـدرسـة في الـخـريـف قـبـلـنـا عـشـريـن بـنـتـاً فـقـط وشـرعـنـا بـتـسـجـيـل الـطّـلـبـات الأخـرى عـلى قـائـمـة انـتـظـار. وأمـام الإلـحـاح الـمـسـتـمـر لـقـبـول بـنـات أخـريـات أُجـبـرت عـلى اسـتـعـمـال غـرفـة فـارغـة في الـدّار وقـبـلـت عـشـريـن تـلـمـيـذة أخـرى”. “وكـانـت فـتـرات الـدّروس تـمـتـدّ إلى الـظـهـر تـقـريـبـاً. وكـنـت غـالـبـاً مـا أدرّس الـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة. وكـنـت أجـهـد نـفـسي في نـفـس الـوقـت في تـعـلّـم الـعـربـيـة. ومـا أشـدّ مـا وددت أن أتـعـلّـمـهـا بـنـفـس الـسّـرعـة الّـتي كـان تـلامـيـذي يـتـعـلّـمـون بـهـا الإنـكـلـيـزيـة. وقـد تـوصّـل بـعـض الـمـتـخـرجـيـن مـن مـدرسـتـنـا إلى إتـقـان الإنـكـلـيـزيـة كـلامـاً وقـراءة وكـتـابـة إلى حـدّ أنّـهـم عـنـدمـا يـذهـبـون إلى إنـكـلـتـرة أو أمـريـكـا يـتـعـجـب الـنّـاس لـذلـك أشـدّ الـعـجـب ويـثـيـلـون عـلـيـنـا الـثّـنـاء. وكـانـت ذروة سـعـادتي أن أدرّسـهـم الأدب الإنـكـلـيـزي”. وكـانـت تـقـرأ عـلـيـهـم أشـعـار تـيـنـسـون ومـسـرحـيـات شـكـسـبـيـر.

وتـكـتـب إيـدا : “وكـان مـوقـع غـرفـة نـومـنـا في الـدّار يـسـمـح لي أن أراقـب وأنـا أمـام بـابـهـا كـلّ قـاعـات الـدّروس حـول الـحـوش. وكـانـت الـقـاعـات خـلال الـدّروس تـبـقى مـفـتـوحـة الـنّـوافـذ والأبـواب، وأسـتـطـيـع أن أسـمـع وأرى مـا يـجـري فـيـهـا”. “ومـن أسـعـد ذكـريـاتي في تـلـك الـسّـنـوات قـيـامي بـمـهـمـة الـمـسـؤولـة عـن الـمـكـتـبـة. وكـانـت الـمـكـتـبـة مـفـخـرة لـنـا، بـدأنـاهـا بـبـعـض كـتـبـنـا الـخـاصـة الّـتي وضـعـنـاهـا فـيـهـا”.وتـذكـر أنّـهـم اشـتـروا بـعـد ذلـك صـنـاديـق مـلـيـئـة بـالـكـتـب الـمـسـتـعـمـلـة. ” وكـان لـمـدرسـتـنـا الـرّيـادة في الإسـتـعـانـة بـمـعـلـمـات لـتـدريـس الأولاد، وهـو شئ كـان جـديـداً في هـذه الـمـنـاطـق مـن الـعـالـم. وقـد دهـش الـجـمـيـع أمـام الـنّـجـاح الّـذي حـقـقـتـه الـمـعـلـمـات في تـدريـسـهـنّ”. نـشـاطـات الـمـدرسـة : كـتـبـت إيـدا سـتـاوت : “والّـذي مـيّـز مـدرسـتـنـا هـو نـشـاطـاتـهـا الـمـتـعـددة واهـتـمـامـهـا بـمـا كـان يـجـري حـولـهـا”. “وكـانـت الـدّار مـكـانـاً مـنـاسـبـاً لـحـفـلات وعـروض مـسـرحـيـة. وفي الأمـسـيـات الّـتي يـمـلأ ضـوء الـقـمـر فـيـهـا الـحـوش تـتـحـول الـدّار إلى مـسـرح شـكـسـبـيـري. ونـعـدّ خـشـبـتـه تـحـت الـشّـرفـة ويـمـتـلئ الـحـوش والـشّـرفــات بـالـمـتـفـرجـيـن الّـذيـن يـنـتـظـرون بـدايـة الـعـرض. وكـانـت الـمـسـرحـيـات تـمـثـل بـالـعـربـيـة وبـالإنـكـلـيـزيـة. وفي الـحـوش كـان بـعـض الـلاجـئـيـن الـرّوس يـقـيـمـون حـفـلات عـزف مـوسـيـقـيـة”.

وكـتـبـت إيـدا في مـقـطـع آخـر : “وقـد قـدمـت عـدّة عـروض مـخـتـلـفـة في الـحـوش الـواسـع، ثـمّ عـلى خـشـبـة كـنّـا نـنـصـبـهـا في الأمـسـيـات في سـاحـة ألـعـاب الأولاد. وكـانـت مـسـرحـيـات بـالإنـكـلـيـزيـة والـعـربـيـة تـعـرض عـلـيـهـا، كـمـا كـانـت تـقـام مـبـاريـات خـطـابـيـة بـالإنـكـلـيـزيـة والـعـربـيـة…”. “وكـانـت حـفـلات الـتّـخـرّج تـمـثّـل ذروة فـعـالـيـاتـنـا، والـحـفـلـة الّـتي بـقـيـت في ذاكـرتي أكـثـر مـن غـيـرهـا كـانـت الأولى الّـتي نـظـمـنـاهـا فـقـد كـان مـدعـو الـشّـرف فـيـهـا جـمـيـل الـزّهـاوي وهـو مـن أكـبـر شـعـراء الـعـالـم الـعـربي. وكـانـت شــهـرتـه تـتـجـاوز حـدود الـعـراق إلى سـوريـا ومـصـر. وقـد كـان عـضـواً في مـجـلـس الأعـيـان في ذلـك الـزّمـن. وقـد شـرّفـنـا بـقـبـول دعـوتـنـا، فـقـصـائـده يـقـرأهـا الـتّـلامـيـذ ويـنـشـدونـهـا في كـلّ مـدارس الـبـلـدان الـعـربـيـة. وفي كـلّ مـرّة نـظـمـنـا فـيـهـا قـراءات لـنـصـوص عـربـيـة كـان الـتّـلامـيـذ يـخـتـارون دائـمـاً مـن بـيـن الـنّـصـوص بـعـض قـصـائـد الـزّهـاوي.

وعـنـدمـا وصـل الـزّهـاوي لـم نـرَ في جـسـده الـهـش الـنّـحـيـل مـا يـوحي بـمـا في داخـلـه مـن روح مـتّـقـدة. وعـنـدمـا بـدأ يـنـشـد بـدا كـقـائـد حـازم كـمـنـت قـوتـه في أعـمـاقـه فـاهـتـزّ جـسـده وتـحـرك ذراعـاه وارتـفـع صـوتـه وانـخـفـض مـتـابـعـاً مـشـاعـره وأحـاسـيـسـه. وكـان قـد نـظـم قـصـيـدة خـصـيـصـاً لـهـذه الـمـنـاسـبـة، أنـشـدهـا بـحـمـاس وبـوجـد شـعـري طـافـح جـعـل الـحـاضـريـن يـتـمـايـلـون نـشـوةً عـلى إيـقـاع الأبـيـات ويـرددون مـعـه بـانـبـهـار كـلـمـاتـهـا. وكـانـوا يـهـتـفـون : ” عـال ! عـال ! Aal ! Aal” لـتـجـاوبـهـا بـعـمـق مـع أحـاسـيـسـهـم. وعـنـدمـا انـتـهى وجـلـس هـبّ الـحـاضـرون يـصـفـقـون تـصـفـيـقـاً يـصـمّ الآذان، ونـشـرت الـصّـحـف الـمـحـلـيـة الـقـصـيـدة بـأكـمـلـهـا”. وقـد حـاولـت إيـدا أن تـتـرجـم لـقـارئـهـا الأمـريـكي مـا فـهـمـتـه مـن مـعـنى الـقـصـيـدة أو مـا شـرحـه لـهـا الآخـرون : “كـانـت بـغـداد تـحـمـل نـبـراس الـعـلـوم، ولـكـن الـنّـور خـبـا، وتـأتـون الآن يـا أهـل الـغـرب لـتـقـودونـا في سـبـل الـعـلـم”.

حـفـل إزاحـة الـسّـتـار عـن تـمـثـال الـمـلـك فـيـصـل :

تـذكـر إيـدا سـتـاوت في كـلامـهـا عـن عـام 1933 أنّ تـمـثـال الـمـلـك فـيـصـل الأوّل مـمـتـطـيـاً صـهـوة حـصـانـه :

“نـصـب وسـط سـاحـة دائـريـة عـلى تـقـاطـع شـارع سُـمّي بـاسـمـه وآخـر بـاسـم أخـيـه الـمـلـك عـلي. وكـان الـنّـحـات إيـطـالـيـاً والـتّـمـثـال مـن روائـع أعـمـالـه يُـظـهـر هـيـبـه أوّل مـلـوك الـعـراق ونـبـلـه”. والـنّـحـات الإيـطـالي الّـذي لم تـذكـر الـكـاتـبـة اسـمـه كـان بـيـتـرو كـانـونـيـكـا Pietro Canonica  وقـد اسـتـغـرق إنـجـاز الـتّـمـثـال عـامـاً ونـصـف، ونـصـب في الـصّـالـحـيـة، في جـانـب الـكـرخ. وقـد ظـلّ هـذا الـتّـمـثـال مـنـتـصـبـاً في وسـط بـغـداد قـرب تـمـثـال الـجـنـرال مـود حـتّى أسـقـطـتـه الـجـمـوع الـثّـائـرة في 14 تـمّـوز 1958 وحـطّـمـتـه. وأعـادت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة في 1987 طـلـبـهـا لـنـحـت الـتّـمـثـال مـن جـديـد مـن تـصـمـيـمـه الأوّلي الّـذي بـقي في مـحـتـرف الـفـنّـان في رومـا، ونـصـبـتـه في مـكـانـه الـسّـابـق في الـصـالـحـيـة. كـمـا أنـجـز بـيـتـرو كـانـونـيـكـا تـمـثـالاً مـن الـبـرونـز لـعـبـد الـمـحـسـن الـسّـعـدون نـصـب في سـاحـة الـنّـصـر. وصـدرت إرادة مـلـكـيـة في عـام 1933 بـمـنـح بـيـتـرو كـانـونـيـكـا وسـام الـرّافـديـن مـن الـدّرجـة الـثّـالـثـة. وتـكـمـل الـكـاتـبـة : “وقـد نـصـب الـتّـمـثـال الـبـرونـزي الـمـهـيـب الّـذي يـمـثـلـه بـالـمـلابـس الـعـربـيـة عـلى قـاعـدة عـالـيـة مـن الـرّخـام”.

ونـلاحـظ هـنـا أنّ الـذّاكـرة خـانـتـهـا فـقـد كـان الـتّـمـثـال مـن الـصّـخـر. وقـد خـلـطـت بـيـنـه وبـيـن تـمـثـال عـبـد الـمـحـسـن الـسّـعـدون الّـذي كـان بـرونـزيـاً.

ثـمّ تـسـتـمـر: “ولأنّ الـتّـمـثـال كـان في تـقـاطـع شـارعـيـن دائـمي الإزدحـام فـقـد كـان كـثـيـر مـن الـنّـاس يـمـرّون يـومـيـاً أمـامـه. وكـان وجـه الـمـلـك نـحـو الـغـرب، نـحـو مـحـطّـة الـقـطـار والـطّـريـق الـقـادمـة مـن الـبـاديـة ونـحـو الـمـطـار، فـلـم يـكـن لـلـقـادم إلى بـغـداد إلّا أن يـمـرّ بـه. وكـان هـذا ولا شـكّ أحـسـن مـا يـمـكـن أن يـسـتـقـبـل بـه الـواصـل إلى الـمـديـنـة. وغـادرنـا دارنـا مـبـكـراً ذلـك الـصّـبـاح، وسـرعـان مـا وصـلـنـا وسـط ازدحـام الـسّـيـارات الّـتي كـانـت تـعـبـر عـلى جـسـر مـود الّـذي كـانـت الـسّـاحـة والـتّـمـثـال قـربـه. ووجـدنـا الـمـقـاعـد الـمـخـصـصـة لـنـا في أحـسـن مـوقـع لـرؤيـة مـراسـيـم الـحـفـل ولـســمـاعـهـا. وكـنّـا في مـواجـهـة الـتّـمـثـال، وكـان خـلـفـه مـحـامـل الـرّايـات الـمـتـعـددة الألـوان. وقـد عـزفـت الـجـوقـة الـعـسـكـريـة بـمـلابـسـهـا الـبـيـضـاء والـسّـكّـريـة قـطـعـاً مـوسـيـقـيـة في انـتـظـار بـدء الـحـفـل. وقـدّم لـنـا الـخـدم “الـشّـربـت sherbet” الـمـنـعـش الـبـرودة. وفي الـتّـاسـعـة والـنّـصـف بـالـضـبـط وصـل رئـيـس الـوزراء مـع الـوزراء وبـدأ الـحـفـل. وبـيـنـمـا كـان رئـيـس الـوزراء يـلـقي خـطـابـه قـاطـعـتـه تـصـفـيـقـات حـمـاسـيـة لأنّ الـنّـاس الـمـتـجـمـعـيـن رأوا إحـدى الـطّـائـرات الـعـراقـيـة تـنـطـلـق إلى الأمـام ثـمّ تـعـود إلى الـوراء فـوق رؤوسـهـم. وبـعـد نـهـايـة الـخـطـاب أزيـح الـسّـتـار بـبـطء بـيـنـمـا كـانـت الـجـوقـة تـعـزف الـنّـشـيـد الـمـلـكي وانـتـصـب رجـال الـحـرس الـمـلـكي يـحـيـون الـمـلـك. وكـان يـنـبـغي أن يـسـقـط الـغـطـاء الّـذي كـان يـخـفي الـتّـمـثـال بـسـلـك يُـسـحـب بـالـضـغـط عـلى زر كـهـربـائي، ولـكـنّ عـطـبـاً جـعـلـه يـسـقـط فـوق رأس الـحـصـان.

ت 1

وكـان جـمـيـل الـزّهـاوي قـد نـظـم قـصـيـدة بـهـذه الـمـنـاسـبـة، ولـكـن لـتـدهـور حـالـتـه الـصّـحـيـة ولـتـعـبـه فـقـد أنـشـدهـا جـالـسـاً. ومـع ذلـك فـقـد بـثّ حـمـاسـه طـاقـة حـامـيـة في جـسـده الـضّـعـيـف دفـعـه لـلـنّـهـوض مـن كـرسـيـه مـراراً. وقـد أجـاب الـحـاضـرون عـلى عـواطـفـه الـحـمـاسـيـة بـعـواصـف مـن الـتّـصـفـيـق. وكـانـت تـلـك آخـر مـرّة ألـقى فـيـهـا أكـبـر شـعـراء الـعـراق قـصـيـدة أمـام حـفـل شـامـل. وعـزفـت الـجـوقـة الـمـوسـيـقى، وتـفـرّقـت الـجـمـوع مـلـقـيـة بـنـظـرة وراءهـا عـلى أوّل تـمـاثـيـل الـعـراق الـمـهـمّـة”.

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

رأي واحد على “إيـدا سـتـاوت ومـدرسـة الـبـنـيـن الأمـريـكـيـة في بـغـداد بـيـن 1924 و1947”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s