مـعـرض إسـتـعـادي لـلـفـنّـان الـمـسـتـشـرق بـنـجـامـن كـونـسـتـان في فـرنـسـا وكـنـدا

co 1

بـعـد أن سـقـط الـفـنّـان الـفـرنـسي بـنـجـامـن كـونـسـتـان Benjamin CONSTANT

في غـيـاهـب الـنّـسـيـان  لـعـقـود طـويـلـة، أقـام مـتـحـف الـفـنـون الـجـمـيـلـة (بـمـشـاركـة مـتـحـف الأوغـسـطـيـنـيـيـن) في مـديـنـة تـولـوز، في جـنـوب فـرنـسـا مـعـرضـاً اسـتـعـاديـاً لـه مـن نـهـايـة عـام 2014 إلى بـدايـة 2015. ثـمّ انـتـقـل الـمـعـرض إلى مـديـنـة مـونـتـريـال في كـنـدا وسـيـبـقى في مـتـحـف فـنـونـهـا الـجـمـيـلـة إلى نـهـايـة شـهـر أيّـار مـن هـذا الـعـام.

وكـان يـنـجـامـن كـونـسـتـان، الّـذي ولـد سـنـة 1845، قـد درس في مـدرسـة الـفـنـون الـجـمـيـلـة في مـديـنـة تـولـوز قـبـل أن يـدخـل في بـوزار بـاريـس.

رحـلـة إلى الـمـغـرب :

وفي 1872، وكـان في الـسّـابـعـة والـعـشـريـن مـن عـمـره، سـافـر إلى الـمـغـرب. وعـنـدمـا وصـل إلى مـيـنـاء طـنـجـة كـتـب : “هـذه هي مـديـنـة أحـلامي ! الـضّـوء والـبـيـاض والإشـعـاع ــ هـذا هـو الـشّـرق. وهـنـاك مـواضـيـع لـلـوحـات في كـلّ مـكـان. هـذه لـيـسـت مـديـنـة وإنّـمـا مـتـحـف. وأيـنـمـا يـولي الـمـرء وجـهـه، ولـولـم يـتـحـرّك مـن مـكـانـه فـثـمّ أربـعـة أو خـمـسـة أو سـتّـة مـواضـيـع تـجـذبـه وتـسـحـره، وتـقـنـعـه بـأن يـحـاول رسـمـهـا لـتـكـون مـن بـيـن روائـع أعـمـالـه”.

ومـع ذلـك فـلـم تـكـن هـذه الـمـواضـيـع جـديـدة عـلـيـه فـقـد رسـمـهـا قـبـلـه كـثـيـر مـن الـفـنـانـيـن مـنـذ أن شـارك الـرّسّـامـون في حـمـلـة الـجـنـرال الـفـرنـسي نـابـلـيـون بـونـابـرت عـلى مـصـر في 1798، وصـاحـبـوه إلى فـلـسـطـيـن في 1799، ثـمّ عـادوا إلى فـرنـسـا بـرسـومـهـم ولـوحـاتـهـم “الـشّـرقـيـة”، ونـقـلـهـا عـنـهـم فـنّـانـون مـشـهـورون مـثـل غـرو Gros وجـيـروديـه Girodet نـفّـذوا في مـراسـمـهـم الـبـاريـسـيـة لـوحـات تـمـجّـد نـابـلـيـون بـونـابـرت وحـمـلـتـه. كـمـا صـاحـب عـدد مـن الـرّسّـامـيـن الـجـيـش الـفـرنـسي إلى الـجـزائـر لاحـتـلالـهـا في عـام 1830 وإدخـالـهـا في الإمـبـراطـوريـة الـفـرنـسـيـة والـهـيـمـنـة عـلى شـمـال أفـريـقـيـا مـن الـمـغـرب إلى تـونـس.

وفي 1832 سـافـر الـفـنـان الـشّـهـيـر أوجـيـن دولاكـروا Delaroix  إلى الـمـغـرب ثـمّ مـرّ بـالـجـزائـر قـبـل أن يـعـود إلى فـرنـسـا بـمـجـمـوعـة رسـوم وتـخـطـيـطـات نـفّـذ عـنـهـا عـدداً مـن لـوحـاتـه “الـشّـرقـيـة”. ثـمّ سـافـر بـعـده إلى شـمـال أفـريـقـيـا فـنـانـون آخـرون مـثـل شـاسـيـريـو Chassériau وجـيـروم Gérome .وكـانـت نـتـيـجـة كـلّ هـذا هـوس بـ”الـشّـرق” اسـتـمـرّ عـقـوداً طـويـلـة.

ونـلاحـظ أنّ يـنـجـامـن كـونـسـتـان تـبـع في تـنـقـلاتـه في بـلاد الـمـغـرب (الّـتي بـقي فـيـهـا ثـمـانـيـة عـشـر شـهـراً) خـطى أوجـيـن دولاكـروا الّـذي سـبـقـه بـأربـعـيـن سـنـة والّـذي كـان قـد تـنـقّـل فـيـهـا عـدّة أشـهـر بـصـحـبـة وفـد دبـلـومـاسي فـرنـسي. ورغـم أنّ بـنـجـامـن كـونـسـتـان اسـتـطـاع هـو الآخـر مـصـاحـبـة وفـد رسـمي إلى داخـل الـبـلاد فـهـو لـم يـسـتـطـع الاخـتـلاط بـأهـل الـبـلـد لـيـشـاركـهـم في حـيـاتـهـم الـيـومـيـة. ومـع أنّـه نـفّـذ كـثـيـراً مـن الـرّسـوم عـلى الـطـبـيـعـة فـهـي تـبـقى أعـمـالاً تـسـتـوحي الـمـخـيـلـة الـجـمـاعـيـة الأوربـيـة في أحـلامـهـا عـن “الـشّـرق” لـلانـعـتـاق مـن أنـظـمـة مـجـتـمـعـاتـهـا الـصّـارمـة وطـقـسـهـا الـمـعـتـم الـمـبـتـل الـبـرودة ، وكـذلـك لـلـتـنـفـيـس عـن رغـبـاتـهـا الـمـكـبـوتـة.  فـمـع أنّ الـفـنّـان كـان يـرسـم الـمـواضـيـع الّـتي كـانـت أمـام عـيـنـيـه إلّا أنّـه كـان يـضـفي عـلـيـهـا كـلّ مـا رسـخ في أعـمـاقـه مـن صـور الـغـرب عـن “الـشّـرق”. فـقـد تـعـلّـم مـنـذ طـفـولـتـه أنّ الـشّـرق مـخـيـف : حـكـامـه مـسـتـبـدون وسـكـانـه شـديـدو الـعـنـف ونـسـاؤه مـوضـع شـهـوات شـبـقـيـة لا يـردعـهـا رادع !   فـيـتـقـاسـمـه إنـجـذاب إلى سـحـر الـشّـرق وخـوف مـنـه في نـفـس الـوقـت. ونـرى هـذا خـاصـة في الـلـوحـات “الـتّـاريـخـيـة”  الـواسـعـة الـمـقـايـيـس مـثـل لـوحـة “دخـول مـحـمـد الـفـاتـح  إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة” (سـبـعـة أمـتـار في خـمـسـة) والّـتي صـوّر فـيـهـا الأتـراك كـمـا لـو كـانـوا مـغـاربـة وألـبـسـهـم مـلابـسـهـم، co 2

وفي لـوحـة “بـعـد الـنّـصـر في قـصـر الـحـمـراء” co 4

أو ” يـوم الـتّـشـيـيـع” co 7 co 6 co 5co 7الّـتي يـصـوّر جـثـة مـمـدودة قـبـل دفـنـهـا.

ولـم يـكـن “الـشّـرق” عـنـده، كـمـا لـم يـكـن عـنـد مـعـاصـريـه، واحـداً مـن الإتـجـاهـات الأربـعـة الّـذي يـشـيـر إلى مـوضـع شـروق الـشّـمـس، بـل مـنـطـقـة مـن الـجـغـرافـيـا الـخـيـالـيـة الـجـمـاعـيـة الّـتي لا عـلاقـة لـهـا بـمـنـاطـق الـكـرة الأرضـيـة، فـيـكـفـيـنـا أن نـنـظـر إلى خـارطـة الـعـالـم لـنـرى أنّ الـجـزائـر تـقـع جـنـوب فـرنـسـا لا شـرقـهـا، أمّـا الـمـغـرب فـهـو في جـنـوب غـربـهـا !

ومـع ذلـك نـجـد في بـعـض لـوحـات بـنـجـامـن كـونـسـتـان تـصـويـراً يـكـاد يـكـون واقـعـيـاً (أي مـوضـوعـيـاً) لـلـنّـاس الـبـسـطـاء في دروب مـدن الـمـغـرب وأسـواقـهـا. ولـكـنـنـا لا نـسـتـطـيـع إلّا أن نـلاحـظ في لـوحـاتـه مـثـلـمـا في لـوحـات غـيـره مـن الـفـنّـانـيـن ” الـمـسـتـشـرقـيـن” تـنـفـيـذاً أكـاديـمـيـاً شـديـد الـدّقـة بـطـريـقـة مـتـواضـع عـلـيـهـا، تـبـدو تـقـلـيـداً حـرفـيـاً لـلـطّـبـيـعـة، مـمـلّـة في نـقـلـهـا لـكـلّ الـتّـفـاصـيـل والـدّقـائـق والـجـزئـيـات، ومـتـعـبـة في إعـادتـهـا وتـكـرارهـا، لا تـجـديـد فـيـهـا ولا ابـتـكـار.

co 8co 9co 8 bco 10co 11co 13co 12

بـعـد الـمـرحـلـة الإسـتـشـراقـيـة :

وبـعـد أن اجـتـاحـت مـوجـة “الإسـتـشـراق” الـفـنّ الـغـربي لـعـقـود طـويـلـة،  إنـحـسـرت في ثـمـانـيـنـات الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر. وتـحـوّل بـنـجـامـن كـونـسـتـان إلى رسـم صـور الأشـخـاص. ولـقـد رسـم صـور أهـم شـخـصـيـات زمـانـه ومـن بـيـنـهـم فـيـكـتـوريـا، مـلـكـة بـريـطـانـيـا والـبـابـا لـيـون الـثّـالـث عـشـر. وحـصـل عـلى الـمـدالـيـة الـذّهـبـيـة في صـالـون بـاريـس لـعـام 1896 عـن لـوحـتـه : “إبـني”، أي سـتّـة أعـوام فـقـط قـبـل وفـاتـه في 1902، ولـم يـكـن قـد تـجـاوز الـسّـابـعـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـره.

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s