صـور عـن الـعـراق في دعـايـة لـشـركـة فـرنـسـيـة عـام 1936

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

pupier irak 1

أنـشـئـت شـركـة بـوبـيـه لـلـشـوكـولاتـة  La chocolatterie Pupier  في مـديـنـة سـانـت إتـيـيَـن، في فـرنـسـا في حـوالي عـام  1860. وكـانـت الـشّـركـة تـصـنـع مـسـتـطـيـلات تـحـتـوي عـلى عـدد مـن مـربـعـات الـشّـوكـولاتـة مـغـلـفـة بـأوراق مـفـضـضـة أومـذهـبـة ثـمّ بـغـلاف خـارجي مـلـوّن.

وفي بـدايـة ثـلاثـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي أطـلـقـت الـشّـركـة نـوعـاً طـريـفـاً مـن الـدّعـايـة لـمـنـتـجـاتـهـا : وهي أن تـضـع صـورة لـرسـم بـالألـوان في كـلّ مـسـتـطـيـل مـغـلّـف . ويـسـتـطـيـع الـطّـفـل أو الـنّـاشئ (أو أمّـه وأبـوه) أن يـلـصـق الـصّـورة في ألـبـوم يـمـكـن الـحـصـول عـلـيـه مـن الـشّـركـة. وكـان مـوضـوع الألـبـومـات بـلـدان الـعـالـم قـارة بـقـارة. وإذا مـا وجـد الأطّـفـال نـفـس الـصّـورة مـكـررة في عـدّة مـغـلـفـات فـقـد كـانـوا يـسـتـطـيـعـون أبـدالـهـا بـصـور أخـرى بـيـنـهـم في الـحي أو في سـاحـة الـمـدرسـة، مـمـا نـتـج عـنـه ازديـاد الـمـبـيـعـات ازديـاداً شـديـداً.

وقـد أصـدرت الـشّـركـة الألـبـوم الـمـخـصـص لـقـارة آسـيـا في 1935، ووضـعـت صـور الـصّـفـحـة رقـم 15 الـمـكـرّسـة لـلـعـراق في الـمـغـلـفـات عـام 1936. وتـحـتـوي الـصـفـحـة عـلى تـسـع صـور تـحـت كـلّ واحـدة مـنـهـا شـرح مـوجـز، وتـقـرأ مـن الـيـسـار إلى الـيـمـيـن ومـن الأعـلى نـحـو الأسـفـل.

Iraq

الـصّـورة الأولى، رسـم لـلـعـلـم الـعـراقي كـتـب تـحـتـه (بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة) : “الألـوان الـرّسـمـيـة لـلـعـراق هي الأسـود والأبـيـض والأخـضـر والأحـمـر. ووضـعـت الألـوان الـثّـلاثـة الأولى في مـسـتـطـيـلات مـتـوازيـة أعـلاهـا الأسـود، أمّـا الأحـمـر فـيـشـكـل مـثـلـثـاً جـانـبـه الـعـريـض مـن جـهـة سـاريـة الـعـلـم”.

pupier irak vi 2

الـصّـورة الـثّـانـيـة، خـارطـة الـعـراق وكـتـب تـحـتـهـا : ” الـعـراق أو بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن  La Mésopotamie   لـيـس لـه الآن حـدود ثـابـتـة، وهـو يـصـل في الـشّـمـال إلى أرمـيـنـيـا (!) ويـلاصـق سـوريـا في الـغـرب والـجـزيـرة الـعـربـيـة في جـنـوب الـغـرب وفي الـجـنـوب وبـلاد فـارس في الـشّـرق. وتـنـحـدر أراضـيـه في جـنـوب الـشّـرق حـتّى الـخـلـيـج الـفـارسي”.

767_001

الـصّـورة الـثّـالـثـة، رسـم لـمـلـكَي الـعـراق كـتـب تـحـتـه : “إعـتـلى مـلـك الـعـراق الـحـالي، جـلالـة الـمـلـك غـازي الأوّل الـعـرش في بـدايـة 1934،  بـعـد وفـاة أبـيـه فـيـصـل الأوّل، أوّل مـلـوك الـعـراق. ولايـتـجـاوز الـمـلـك غـازي الـحـاديـة والـعـشـريـن مـن عـمـره”.

455_001

الـصّـورة الـرّابـعـة، رسـم لـنـهـر الـفـرات وكـتـب تـحـتـه : “نـهـرا الـعـراق الـعـظـيـمـان هـمـا دجـلـة والـفـرات. ويـقـتـرب مـجـراهـمـا الـواحـد مـن الآخـر شـمـال بـغـداد، ثـمّ يـتـبـاعـدان لـيـجـتـمـعـا أخـيـراً ويـشـكّـلا نـهـراً واحـداً : شـطّ الـعـرب الّـذي يـصـبّ في الـخـلـيـج”.

pupier irak vi 5

الـصّـورة الـخـامـسـة، رسـم لـتـمـثـال الـمـلـك فـيـصـل الأوّل كـتـب تـحـتـه : “أصـبـح الـعـراق دولـة مـسـتـقـلّـة في مـعـاهـدة سـيـفـر   Sèvre في 10 آب 1920 ، ووضـع تـحـت الإنـتـداب الـبـريـطـاني. ويـنـتـصـب تـمـثـال الـمـلـك فـيـصـل الأوّل وسـط إحـدى سـاحـات بـغـداد”.

وأذكّـر الـقـارئ هـنـا إلى أنّ الـتّـمـثـال مـن عـمـل الـنّـحّـات الإيـطـالي بـيـتـرو كـانـونـيـكـا Pietro Canonica. وقـد اسـتـغـرق إنـجـازه عـامـاً ونـصـف، ونـصـب في الـصّـالـحـيـة، في جـانـب الـكـرخ في 1933. وقـد ظـلّ هـذا الـتّـمـثـال مـنـتـصـبـاً في وسـط بـغـداد قـرب تـمـثـال الـجـنـرال مـود حـتّى أسـقـطـتـه الـجـمـوع الـثّـائـرة في 14 تـمّـوز 1958 وحـطّـمـتـه. وأعـادت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة في 1987 طـلـبـهـا لـنـحـت الـتّـمـثـال مـن جـديـد مـن تـصـمـيـمـه الأوّلي الّـذي بـقي في مـحـتـرف الـفـنّـان في رومـا، ونـصـبـتـه في مـكـانـه الـسّـابـق في الـصـالـحـيـة. كـمـا أنـجـز بـيـتـرو كـانـونـيـكـا في نـفـس الـعـام، 1933، تـمـثـالاً مـن الـبـرونـز لـعـبـد الـمـحـسـن الـسّـعـدون نـصـب في سـاحـة الـنّـصـر. وصـدرت إرادة مـلـكـيـة في عـام 1933 بـمـنـح بـيـتـرو كـانـونـيـكـا وسـام الـرّافـديـن مـن الـدّرجـة الـثّـالـثـة.

pupier irak vi 6

الـصّـورة الـسّـادسـة، رسـم لـضـريـح الـشّـيـخ عـمـر كـتـب تـحـتـه :”يـقـع قـبـر الـشّـيـخ عـمـر قـرب بـغـداد، ويـزوره مـسـلـمـو الـعـراق. [في الـنّـص: يـحـج إلـيـه]. والـدّيـن الـغـالـب في الـعـراق هـو الإسـلام”.

بغداد 12

الـصّـورة الـسّـابـعـة، رسـم لـجـيـش الـعـراق كـتـب تـحـتـه : “يـعـود الـفـضـل في تـأسـيـس الـجـيـش الـعـراقي إلى الـمـلـك فـيـصـل الأوّل. وهـو يـضـمّ في أيّـامـنـا هـذه حـوالي 12000 جـنـدي. وقـد أصـبـحـت الـخـدمـة الـعـسـكـريـة إجـبـاريـة مـنـذ فـتـرة قـصـيـرة. ويـرتـدي الـجـنـود الـعـراقـيـون الـقـبـعـة الإسـتـعـمـاريـة الـبـريـطـانـيـة (أي الّـتي يـرتـديـدهـا الـجـنـود في الـمـسـتـعـمـرات الـبـريـطـانـيـة)، كـمـا يـرتـدون الـسّـراويـل الـقـصـيـرة”.

pupier irak vi 8

الـصّـورة الـثّـامـنـة، رسـم لاسـتـخـراج الـنّـفـط كـتـب تـحـتـه : “الـنّـفـط ثـروة الـعـراق الـرّئـيـسـيـة. وتـشـتـغـل شـركـة  Iraqi Petrolum Company  الآن عـلى إنـشـاء أنـابـيـب  Pipe- line  بـيـن الـمـوصـل وطـرابـلـس الـشّـرق سـتـوصـل الـنّـفـط الـعـراقي إلى سـواحـل لـبـنـان”.

pupier irak vi 9

الـصّـورة الـتّـاسـعـة، رسـم لـمـطـار بـغـداد كـتـب تـحـتـه : “تـأتي أهـمـيـة مـطـار بـغـداد مـن أنّ طـائـرات الـمـواصـلات الـجـويـة بـيـن بـاريـس وسـايـغـون تـحـطّ فـيـه. وتـوصـل طـائـرات الـخـطـوط الـجـويـة الـفـرنـسـيـة الـمـسـافـريـن مـن بـغـداد إلى دمـشـق بـأقـل مـن أربـع سـاعـات”.

ورغـم بـسـاطـة الـشّـروح وقـلّـة دقّـتـهـا في بـعـض الأحـيـان، فـقـد كـانـت تـقـدّم لـصـغـار الـفـرنـسـيـيـن في ذلـك الـزّمـن مـعـلـومـات لا يـنـبـغي الـتّـقـلـيـل مـن أهـمـيـتـهـا خـاصـة وأنّ الـغـالـبـيـة الـمـطـلـقـة مـن سـكـان الـعـالـم الآن لـيـس لـهـم أيّـة مـعـرفـة بـتـاريـخ الـعـراق ولا حـتّى بـجـغـرافـيـتـه.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

Advertisements

جـان أوتّـيـر في الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري  Jonas Otter رحـلـة جـان أوتـيـر إلى الـشّـرق وإقـامـتـه في الـعـراق : صـدر في بـاريـس عـام 2010 كـتـاب لـم يـنـتـبـه إلـيـه أحـد، ولـم أقـرأ عـنـه شـيـئـاً في الـمـنـشـورات الـعـربـيـة رغـم أهـمـيـتـه الـبـالـغـة. والـكـتـاب يـومـيـات كـتـبـهـا جـان أوتـيـر خـلال رحـلـتـه إلى ” تـركـيـا وبـلاد فـارس ــ مـن إسـطـنـبـول إلى أصـفـهـان، ومـن أصـفـهـان إلى الـبـصـرة، ومـن الـبـصـرة إلى إسـطـنـبـول، والـعـودة إلى فـرنـسـا”  بـيـن 1734 و 1744: Jean OTTER, Journal de voyages en Turquie et en Perse 1734- 1744 (de Constantinople à Ispahan, d’Ispahan à Bassora, de Bassora à  Constantinople et retour en France). Paris, l’Harmattan, 2010. وقـد اسـتـعـمـل جـان أوتـيـرهـذه الـيـومـيـات في كـتـابـة وصـف رحـلـتـه إلى تـركـيـا وبـلاد فـارس، بـعـد أن أضـاف إلـيـهـا مـلاحـظات وتـأمّـلات واسـتـشـهـادات مـن مـصـادر قـديـمـة، ونـشـرهـا بـالـفـرنـسـيـة عـام 1748: Jean OTTER, Voyage en Turquie et en Perse , avec une relation des expéditions de Tahmas Kouli- Khan, 2 volumes. Paris, Les Frères Guerin 1748. Journal de J. Otterويـومـيـات الـرّحـلـة هـذه تـنـشـر لأوّل مـرة بـعـد مـرور أكـثـر مـن قـرنـيـن ونـصـف عـلى كـتـابـتـهـا. وقـد مـرّ أوتـيـر بـالـعـراق في طـريـقـه إلى أصـفـهـان، ثـمّ بـعـد عـودتـه مـنـهـا وأقـام في الـبـصـرة حـوالي أربـع سـنـوات وعـيّـن قـنـصـلاً لـفـرنـسـا فـيـهـا في 1742. ومـا كـتـبـه جـان أوتـيـرعـن الـعـراق شـديـد الأهـمـيـة فـهـوقـد شـهـد الـصّراع بـيـن الـسّـلـطان الـعـثـمـاني مـحـمـود وبـيـن نـادرشـاه وشـهـد عـن كـثـب كـيـف اسـتـغـلّ أحـمـد بـاشـا والي بـغـداد الـحـالـة الـسّـيـاسـيـة لـيـقـوي سـلـطـتـه ويـمـدهـا إلى الـبـصـرة لـيـسـتـولي عـلى ولايـتـهـا، وعـلاقـتـه بـشـيـوخ الـمـنـتـفـك وخـاصـة سـعـدون بـن مـحـمّـد. رحـلـة جـان أوتـيـر إلى الـشّـرق : ولـنـتـكـلّـم أوّلاً عـن جـان أوتـيـر لأنّ الـقـارئ الـعـربي لا يـكـاد يـعـرفـه :ولـد جـونـاس أوتـيـر Jonas Otter   (الّـذي أصـبـح في فـرنـسـا جـان أوتّـيـرJean OTTER ) في الـسّـويـد سـنـة 1707، في عـائـلـة تـمـتـهـن الـتّـجـارة، وبـدأ يـتـعـلـم  مـنـذ صـبـاه عـدّة لـغـات شـمـالـيـة، ثـمّ دخـل جـامـعـة Lund  في 1724، وكـان في الـسّـادسـة عـشـرة مـن عـمـره، ودرس فـيـهـا ثـلاث سـنـوات حـتّى عـام 1727. وبـعـد أن أنـهى دراسـتـه ذهـب إلى اسـتـكـهـولـم، وطـلـب مـقـابـلـة سـفـيـرفـرنـسـا الـمـقـيـم في بـلاط الـسّـويـد، ولـكـنّ الّـذي اسـتـقـبـلـه في الـسّـفـارة كـان الأب غـويـون، الـمـسـؤول عـن شـؤون الإتـصـالات. وأخـبـر أوتـيـر هـذا الأب بـعـزمـه عـلى تـرك ديـنـه الـبـروتـسـتـانـتي واعـتـنـاق الـكـاثـولـيـكـيـة. وكـان تـرك الـبـروتـسـتـانـتـيـة في الـسّـويـد يـعـاقـب عـلـيـه في تـلـك الأيّـام بـالـنّـفي. ولـتـسـهـيـل كـسـب هـذا الـشّـاب إلى الـكـاثـولـيـكـيـة تـكـفّـل بـه الأب غـويـون وبـعـثـه إلى فـرنـسـا، وهـكـذا وصـل أوتـيـر إلى فـرنـسـا بـعـد سـنـوات قـلـيـلـة مـن اعـتـلاء لـويـس الـخـامـس عـشـر الـعـرش، ودرس في حـلـقـة ديـنـيـة في مـديـنـة روان ثـلاث سـنـوات، ولـكـنّـه لـم يـرغـب في أن يـكـرّس كـرجـل ديـن. ونـعـرف مـن سـجـل هـذه الـحـلـقـة الـدّيـنـيـة أنّـه كـان يـعـرف الـلـغـات الألـمـانـيـة والإنـكـلـيـزيـة والإيـطـالـيـة والـفـرنـسـيـة والـلاتـيـنـيـة والـيـونـانـيـة الـقـديـمـة. ثـمّ ذهـب إلى بـاريـس. وسـاعـدتـه مـعـرفـتـه لـعـدّة لـغـات أوربـيـة بـأن يـوظّـف في مـكـتـب بـريـد بـاريـس.  وقـرر الـكـونـت دو مـوربـاس، وزيـر مـلـك فـرنـسـا أن يـبـعـثـه إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة، عـاصـمـة الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة “لـيـعـمـق مـعـرفـتـه بـالـلـغـات الـشّـرقـيـة”، ولـكـن الـهـدف الـحـقـيـقي كـان إعـادة الـعـلاقـات الـتّـجـارية بـيـن فـرنـسـا وبـلاد الـفـرس الّـتي اسـتـولى عـلى الـعـرش فـيـهـا نـادرشـاه. وصـدرالأمـرالـمـلـكي بـإرسـال الـبـعـثـة في كـانـون الـثّـاني1734. وتـرك أوتـيـر مـيـنـاء مـرسـيـلـيـا عـلى مـتـن سـفـيـنـة. وبـعـد أن نـجـا مـن عـاصـفـة رهـيـبـة وصـل إلى الـقـسـطـنـطـيـنـة في بـدايـة شـهـر آذار.  وبـدأ بـعـد وصـولـه بـقـلـيـل بـدراسـة الـتّـركـيـة والـعـربـيـة والأرمـنـيـة، كـمـا بـدأ يـعـمـق مـعـرفـتـه بـتـاريـخ الـشّـرق . وقـد مـنـعـتـه الـحـرب بـيـن الـفـرس والأتـراك مـن مـتـابـعـة مـهـمـتـه أي الـذّهـاب إلى بـلاد فـارس فـانـتـظـر إلى أن تـوصّـل أحـمـد بـاشـا، والي بـغـداد ، إلى أن يـصلـح بـيـن الـدّولـتـيـن، ثـمّ إلى أن يـصل سـفـيـر شـاه الـفـرس لـيـأتي إلى الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني مـحـمـود الأوّل بـتـوقـيـع سـيّـده عـلى مـعـاهـدة الـسّـلـم بـيـنـهـمـا. وعـنـدمـا تـرك هـذا الـسّـفـيـر تـركـيـا عـائـداً إلى أصـفـهـان في تـشـريـن الـثّـاني 1736 طـلـب مـنـه سـفـيـر فـرنـسـا أن يـصـاحـبـه أوتـيـر في رحـلـتـه. وكـان الـهـدف مـن ذلـك إعـادة الـعـلاقـات الـدّبـلـومـاسـيـة والـتّـجـاريـة الّـتي انـقـطـعـت بـيـن فـرنـسـا وبـلاد الـفـرس مـنـذ 1702، كـمـا وصـل إلى أوتـيـر مـن بـاريـس طـلـب بـشـراء كـلّ الـمـخـطـوطـات الّـتي يـمـكـنـه الـعـثـور عـلـيـهـا في سـفـرتـه لإغـنـاء الـمـكـتـبـة الـمـلـكـيـة ، وبـجـمـع كـلّ مـا يـمـكـنـه مـن مـعـلـومـات عـن طـرق الـتّـجـارة في الـمـنـطـقـة وعـن مـا يـسـتـورد ويـصـدّر. وهـكـذا بـدأ أوتـيـر يـتـعـلّـم الـفـارسـيـة إلى جـانـب جـهـوده بـتـحـسـيـن مـعـرفـتـه بـالـعـربـيـة والـتّـركـيـة. وقـد غـادرت قـافـلـة الـسّـفـيـر الـفـارسي الـقـسـطـنـطـيـنـيـة في تـشـريـن الـثّـاني 1736، ووصـلـت  في تـمّـوز 1737 إلى أصـفـهـان الّـتي بـقي فـيـهـا أوتـيـر عـشـريـن شـهـراً، ثـمّ تـركـهـا في نـيـسـان 1739 مـتـوجـهـاً إلى الـبـصـرة الّـتي كـانـت الـتّـجـارة قـد ازدهـرت فـيـهـا بـعـد انـحـطـاط تـجـارة الـفـرس بـسـبـب الـحـروب. وكـان والي بـغـداد أحـمـد بـاشـا قـد مـدّ سـيـطـرتـه عـلـيـهـا بـعـد أن تـوسـعـت سـلـطـتـه وضعـفـت تـبـعـيـتـه لـلإدارة الـعـثـمـانـيـة. ومـن الـبـصـرة صـعـد أوتـيـر إلى بـغـداد وتـقـرّب مـن الـبـاشـا ثـمّ تـفـاوض مـعـه بـاسـم سـفـيـر فـرنـسـا في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة لـلـحـصـول عـلى امـتـيـازات لـلـتّـجـارة الـفـرنـسـيـة في أراضي الـبـاشـا ومـوانـئـه ، ثـمّ نـزل عـلى مـيـاه دجـلـة إلى الـبـصـرة الّـتي وصـلـهـا في 19 حـزيـران 1739. وبـقي أوتـيـر في الـبـصـرة حـوالي أربـع سـنـوات، أولاً بـدون لـقـب رسـمي ثـمّ كـقـنـصـل لـفـرنـسـا ووكـيـل لـشـركـة بـلاد الـهـنـد ، وكـانـت هـذه بـدايـة اهـتـمـام الـفـرنـسـيـيـن بـالـبـصـرة الّـتي ازدهـرت تـجـارتـهـا عـلى حـسـاب مـيـنـاء بـنـدر عـبّـاس الّـذي فـقـد كـثـيـراً مـن أهـمـيـتـه. وفي 1741 ثـارت أغـلـب عـشـائـر الـعـرب حـول الـمـديـنـة وحـلّـت الإضـطـرابـات وحـوصـرت الـمـديـنـة مـدّة شـهـريـن ثـمّ نـهـبـت مـتـاجـرهـا. ويـذكـر أوتـيـر أنّـه لـم يـتـوقـف حـتّى في تـلـك الـفـتـرة الـعـصـيـبـة عـن مـتـابـعـة دروس الـلـغـة الـعـربـيـة مـع مـعـلـمَـيـن كـان قـد أجّـرهـمـا لـذلـك. وفي 6 أيّـار 1743 تـلـقى أوتـيـر أمـراً بـالـعـودة إلى فـرنـسـا، وتـرك الـمـديـنـة بـعـد ثـلاثـة أيّـام مـتّـجـهـاً إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة الّـتي وصلـهـا في نـهـايـة شـهـرآب، ثـمّ وصـل إلى مـرسـيـلـيـا في الـحـادي عـشـر مـن كـانـون الـثّـاني 1744. وبـعـد وصـولـه إلى بـاريـس أمـرالـمـلـك بـأن يـجـرى لـه مـرتـب سـنـوي، كـمـا وظّـفـه الـكـونـت دو مـوريـبـاس في مـكـتـبـة الـمـلـك كـمـتـرجـم مـن الـلـغـات الـشّـرقـيـة. وهـذه الـمـكـتـبـة، الّـتي أصبـحـت في مـا بـعـد نـواة الـمـكـتـبـة الـوطنـيـة الـفـرنـسـيـة تـحـتـوي عـلى مـجـمـوعـة كـبـيـرة مـن الـمـخـطـوطـات الـعـربـيـة والـفـارسـيـة والـتّـركـيـة. وعـيّـن أوتـيـر في شـهـر شـبـاط مـن عـام 1746 أسـتـاذاً مـلـكـيـاً Professeur Royale   لــلـغـة الـعـربـيـة. وفي 1748، إنـتـخـب عـضـواً في أكـاديـمـيـة  “الـخـطـوط والآداب الـجـمـيـلـة “. وتـوفي أوتـيـر في أيـلـول 1748 وكـان في الـحـاديـة والأربـعـيـن مـن عـمـره. روايـة جـان أوتـيـر لـتـمـرد سـعـدون ، شـيـخ الـمـنـتـفـك : يـتـكـلّـم الـسّـويـدي جـان أوتـيـر، “مـبـعـوث ” مـلـك فـرنـسـا، لـويـس الـرّابـع عـشـر إلى الـشّـرق، عـن الأحـداث الّـتي جـرت في فـتـرة إقـامـتـه في الـبـصـرة، أولاً بـدون لـقـب رسـمي، ثـمّ كـقـنـصـل لـفـرنـسـا ووكـيـل لـشـركـة بـلاد الـهـنـد. وهـو يـحـكي في الـجـزء الـثّـاني مـن كـتـابـه “رحـلـة إلى تـركـيـا وبـلاد الـفـرس” الّـذي نـشـر بـجـزأيـن في بـاريـس عـام  1748، تـمـرد شـيـخ الـمـنـتـفـك (الـمـنـتـفـق) سـعـدون بـن مـحـمّـد عـلى الـسّـلـطـة الـعـثـمـانـيـة ، ويـكـرس لـذلـك  الـفـصـل الـخـامـس عـشـر (مـن ص. 134 إلى ص. 140) والـفـصـل الـسّـابـع عـشـر (مـن ص. 143 إلى ص. 151)، ثـمّ يـعـود إلى هـذا الـمـوضـوع في الـفـصـل الـعـشـريـن (مـن ص. 156 إلى ص. 159) : الـفـصـل الـخـامـس عـشـر : “وفي بـدايـة سـنـة 1741 ثـارت عـشـائـر الـمـنـتـفـك الـعـربـيـة مـع بـعـض عـشـائـر الـمـنـاطـق الـتّـابـعـة لـحـكـومـة الـبـصـرة ضـد أحـمـد بـاشـا. وظـلّـت الـمـديـنـة مـدّة شـهـريـن تـعـيـش في ذعـر وقـلـق. وكـان الـمـتـمـردون يـهـددون بـالـنّـهـب والـسّـلـب، ولـكـانـوا قــد نـجـحـوا في ذلـك لـو هـاجـمـوهـا في بـدايـة تـمـردهـم، فـقـد كـانـت في ذلـك الـوقـت بـدون تـمـويـن وبـدون ذخـيـرة. ولـكـنّ يـحـيى أغـا الّـذي خـلـف يـوسـف أغـا في وظـيـفـة “الـمـسـلّـم” [ بـالـلام الـمـشـددة الـمـكـسـورة مـن فـعـل سـلّـم يُـسـلّـم، أي جـابي الـضّـرائـب ] بـذل جـهـده لـوضـع الـبـصـرة في حـالـة دفـاع، بـانـتـظـار أن يـأتـيـه الـعـون مـن أحـمـد بـاشـا. وكـان أحـمـد بـاشـا يـحـارب أكـراد بـيـلـبـاز عـنـدمـا وصـلـه خـبـر تـمـرّد هـؤلاء الـعـرب، فـرجـع حـالاً إلى بـغـداد وأخـذ اسـتـعـداداتـه، ثـمّ عـبـر الـبـاديـة ووصـل إلى الـبـصـرة في الـخـامـس مـن نـيـسـان 1741 عـلى رأس جـيـش يـضـمّ أربـعـيـن ألـف مـقـاتـل وأربـعـة عـشـر مـدفـعـاً ومـدفـع هـاون. وبـعـد أن أراح جـنـده، سـار في الـعـاشـر مـن نـيـسـان ضـدّ الـمـتـمـرديـن الّـذيـن حـصـنـوا مـخـيـمـاتـهـم في نـهـرعـنـتـيـري Nehranteri عـلى مـسـيـرة 16 سـاعـة مـن طـريـق الـبـصـرة. وكـان مـصـيـر الـبـصـرة مـتـعـلـقـاً بـكـسـبـه لـلـمـعـركـة. وإن خـسـر الـبـاشـا الـمـعـركـة فـالـبـصـرة حـسـب مـا يـبـدو سـتـنـهـب وتـخـرّب. ولـكـن لـم تـجـر بـيـنـهـم إلّا مـنـاوشـات بـسـيـطـة فـرض الـبـاشـا بـعـدهـا الـصّـلـح وعـاد إلى بـغـداد أمـام دهـشـة الـجـمـيـع. ولـم يـطـمـئـن أهـل الـبـصـرة لـهـذا الـصّـلـح لاعـتـقـادهـم أنّ الـفـرس هـم الـذيـن هـيّـجـوا الإضـطـرابـات وأنّـهـم يـسـعـون لـذلـك. ومـع انّـه ربّـمـا سـاعـد الـفـرس تـمـرّد الـمـنـتـفـك لـتـخـريـب الـبـصـرة الّـتي حـوّلـت عـن مـوانـئـهـم تـجـارة الـخـلـيـج حـتّى جـاءت كـلّـهـا إلـيـهـا ، إلّا أنّ عـرب الـمـنـتـفـك مـع ذلـك كـان لـهـم دوافـع أخـرى مـنـهـا أن يـخـلـعـوا عـن أعـنـاقـهـم نـيـرالـتّـبـعـيـة. وحـتّى تـلـك الـفـتـرة ، لـم يـسـتـطـع أحـمـد بـاشـا إخـضـاع الـعـرب إلّا بـبـث الـشّـقـاق بـيـنـهـم ، وهـكـذا اسـتـطاع نـصـب شـيـوخـهـم وخـلـعـهـم . والـمـنـتـفـك وبـنـو لام، وهـم الـعـشـائـر الـرّئـيـسـيـة في هـذه الـمـنـطـقـة ، سـبـبـوا مـتـاعـب لـلـبـاشـوات الّـذيـن سـبـقـوه. ولـهـذا بـذل مـا في وسـعـه لـيـسـيـطـر عـلـيـهـم مـمـا دفـعـه في الـغـالـب لاسـتـفـزاز شـيـوخ بـني لام. وقـد هـاجـم أيـضـاً سـعـدون الّـذي كـان يـرأس الـمـنـتـفـك ، وقـد خـلـعـه وجـاء بـه إلى بـغـداد و رمـاه في الـسّـجـن حـيـنـاً مـن الـزّمـن، ونـصـب مـانـع  خـيـر Minaïkher ، قـريـب سـعـدون في مـكـانـه، ولـكـنـه لـم يـبـق زمـنـاً طـويـلاً، لأنّـه لـم يـسـتـطـع جـمـع الـمـبـلـغ الّـذي طـلـبـه مـنـه الـبـاشـا فـخـلـعـه في نـفـس الـسّـنـة، وأعـاد الـمـشـيـخـة لـسـعـدون. ومـا أن ذاع في الـبـصـرة خـبـرعـودة سـعـدون لـمـشـيـخـة عـشـيـرتـه حـتّى أدرك الـجـمـيـع أنّـه سـيـثـأر مـن مـعـامـلـة الـبـاشـا الـسّـيـئـة لـه، وأنّـه لـن يـخـضـع لـه طـويـلاً. ومـا حـدث بـعـد ذلـك دلّ عـلى أنّـهـم لـم يـجـانـبـوا الـصّـواب، فـمـا أن أطـلـق سـراحـه وعـاد إلى رئـاسـة عـشـيـرتـه حـتّى امـتـنـع مـن دفـع مـا كـان قـد فـرض عـلـيـه أن يـدفـعـه. وأُرسـل الـتـفـنـكـجي بـاشي  Tufenkdgi Bachi (1)  إلى سـعـدون لـقـضـيـة مـا، وطـلـب مـنـه مـبـلـغـاً بـاهـظـاً ثـمـنـاً لـخـدمـتـه Khidmet ، ولـكـنّ سـعـدون رفـض أن يـدفـع وقـال لـه إنّ الـبـاشـا لـم يـتـرك لـه ولـعـشـيـرتـه إلّا نـسـاءهـم . ولا أدري أن كـان صـحـيـحـاً، كـمـا يـؤكـده الـبـعـض، أنّ الـتّـفـنـكـجي بـاشي أهـانـه بـإجـابـتـه إيـاه : إن لـم يـبـق لـك شـئ آخـر فـاعـطني نـسـاءك ! وأنّ سـعـدون أمـره أن يـخـرج مـن خـيـمـتـه وطـرده مـن مـضارب الـعـشـيـرة، ولـكـنّ الـشّـئ الأكـيـد هـو أنّ هـذا الـبـاشي أنـقـذ نـفـسـه هـاربـاً إلى الـقـرنـة وكـان أوّل مـن أذاع خـبـر تـمـرد الـمـنـتـفـك. وهـومـا أكّـده بـعـد ذلـك آخـرون وصـلـوا في نـفـس الـيـوم إلى الـبـصـرة. واعـتـقـد الـنّـاس عـنـدمـا رأوا مـسـيـرة الـبـاشـا عـلى رأس قـواتـه إلى الـمـنـتـفـك أنّـه ذهـب لـيـعـاقـب الـمـتـمـرديـن، ولـكـن عـنـدمـا عـقـد الـصّـلـح مـعـهـم سـرت الإشـاعـات بـأنّـه عـنـدمـا وجـدهـم مـتـحـصـنـيـن في وسـط الـمـاء خـاف مـن أن يـهـزمـوه، وأنّ غـيـابـاً طويـلاً عـن بـغـداد يـمـكـن أن تـكـون لـه عـواقـب لا تـحـمـد، ولـهـذا لـم يـسـتـطـع أن يـحـاصـرهـم مـا يـكـفي مـن الـوقـت لـيـمـيـتـهـم مـن الـجـوع. ولـم يـكـن لـهـذه الإشـاعـات مـن أصـل، مـا دام الـجـمـيـع يـعـرفـون أنّ الـمـتـمـرديـن لـم يـعـد لـهـم مـؤونـة ولا قـوت، وأنّ قـوات الـبـاشـا هـاجـمـتـهـم بـعـنـف كـان حـتـمـاً سـيـؤدي إلى الـسّـيـطـرة عـلى مـضـاربـهـم لـولا أنّ الـبـاشـا أرسـل لـهـم أمـراً بـأن يـوقـفـوا الـهـجـمـات ويـنـسـحـبـوا. والّـذي دفـعـه لـذلـك رسـالـة اسـتـلـمـهـا مـن صـديـق لـه في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة يـخـبـره فـيـهـا أنّ الـسّـلـطـان قـررأن يـعـيـنـه سـرعـسـكـر Seraskier   الـجـيـش ضـدّ الـفـرس، لـيـسـحـبـه مـن بـغـداد. وكـان هـذا الـمـنـصـب رفـيـعـاً جـدّاً ، ولـكـنّ أحـمـد بـاشـا لـم يـكـن راغـبـاً في أن يـشــغـلـه بـعـيـداً عـن مـكـان إقـامـتـه، خـاصـة وأنّـه كـان مـقـتـنـعـاً بـأنّـه إذا تـرك بـغـداد عـلى رأس جـيـش الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني فـإنّ أعـداءه مـن الـعـثـمـانـيـيـن سـيـسـتـطيـعـون قـتـلـه بـسـهـولـة وهـذا مـا كـانـوا يـبـغـونـه مـنـذ فـتـرة طـويـلـة. ولـهـذا عـاد إلى بـغـداد وأرسـل إلى الـسّـلـطـان يـعـلـمـه بـأنّ الإضـطـرابـات عـمّـت في الـمـنـاطـق الّـتي يـحـكـمـهـا ويـحـذره مـن أنّـه إذا مـا أبـعـدوه عـن بـغـداد فـسـيـخـرج هـذا الـبـلـد عـن طـاعـة الـسّـلـطـان ويـضيـع مـنـه . الـفـصل الـسّـابـع عـشـر والـصّـلـح الّـذي عـقـده أحـمـد بـاشـا مـع سـعـدون أعـطى لـهـذا الـشّـيـخ إقـدامـاً لـم يـكـن لـه مـن قـبـل. فـبـعـد أن انـتـقـل إلى قـريـة اسـمـهـا سـراجي، عـلى مـسـيـرة سـاعـة مـن الـبـصـرة ، إدّعى أنّ لـه الـحـق في امـتـلاك كـلّ مـزارع الـمـنـطـقـة. واضـطـهـد سـكـان الـمـديـنـة وطـلـب مـن الـتّـجـار أن يـدفـعـوا لـه خـاوة وهـدايـا. وقـد كـتـب حـتّى لـلـقـنـصـل الـفـرنـسي يـطـلـب مـنـه أن يـبـعـث لـه قـرضـاً يـبـلـغ ثـمـنـه عـشـرة آلاف إيـكـو [ أي ريـال سـكّي]  مـن الـبـضـائـع. وأدرك الـقـنـصـل أن هـذا يـعـني إضـاعـة الـمـبـلـغ فـرفـض مـخـتـلـقـاً أنـواعـاً مـن الـحـجـج. وكـتـب لـه سـعـدون ثـانـيـةً قـائـلاً إنّـه لا يـرضى بــحـجـجـه الـتّـافـهـة ويـنـبـغي لـه أن يـلـبي طـلـبـه. فـوجـهـتُ أنـا نـفـسي شـكـوى إلى “الـمـسـلِّـم” ، وأجـابـني أنّـه هـو نـفـسـه في نـفـس حـالـتـنـا، فـالـشّـيـخ طـلـب مـنـه مـبـلـغـاً بـاهـظـاً مـن الـمـال كـهـديـة يـنـبـغي إرسـالـهـا. ومـع ذلـك فـقـد لـجـأ “الـمـسـلِّـم” إلى مـا بـقي لـه مـن قـلـيـل مـن الـسّـلـطـة لـيـخـلـصـنـا مـن سـعـدون الّـذي تـخـلى في الـنّـهـايـة عـن طـلـبـه. وكـلّ هـذه الأحـداث جـعـلـتـني أعـتـقـد أنّ أحـمـد بـاشـا كـان ولا شـك قـد اسـتـاء مـن الـبـاب الـعـالي، وعـرفـت بـعـد ذلـك أنـني أصـبـت في اعـتـقـادي، فـقـد سـحـب الـسّـلـطـان مـنـه حـكـومـة الـبـصـرة. ولـكي يـجـبـره أحـمـد بـاشـا عـلى إرجـاعـهـا لـه فـقـد تـرك كـلّ الـمـنـطـقـة لـنـهـب الـعـرب وسـلـبـهـم. وانـقـطـع الإتـصـال بـأعـالي الـمـنـطـقـة واضـطـربـت حـالـة الـتّـجـارة وسـاد الـخـوف والـقـلـق. وصار الـمـنـتـفـك سـادة الـبـلاد، وكـانـوا يـأتـون كـلّ يـوم إلى الـبـصـرة ويـرتـكـبـون كـلّ أنـواع الـعـنـف، ويـوقـفـون مـراكـب الـتّـجـار الـصّـاعـديـن إلى بـغـداد ويـطـلـبـون مـنـهـم الـفـديـة.  وقـد تـشـاجـر شـيـخـهـم مـع رئـيـس تـجـار الإنـكـلـيـز وطـلـب مـنـه أن يـدفـع لـه مـبـلـغـاً مـن الـمـال فـرفـض الآخـر، والـتـجـأ إلى مـن يـصـالـح بـيـنـهـمـا، ولـكـن الـمـفـاوضـات فـشـلـت، وهـدده سـعـدون أن يـبـعـث إلى داره بـمـائـة عـربي لـيـنـهـبـوهـا، وعـنـدهـا دفـع لـه الإنـكـلـيـزي الـمـبـلـغ. وازداد الـكـدر والـتّـنـكـيـد في شـهـر كـانـون الأوّل عـنـدمـا وصـل سـيـفي بـك، “مـسـلِّـم” والي الـمـوصـل حـسـيـن بـاشـا، الّـذي عـهـدت إلـيـه ولايـة الـبـصـرة بـعـد أخـذت مـن أحـمـد بـاشـا، و ظـهـر عـنـدهـا بـوضـوح أنّ سـبـب الإضـطـرابـات كـان تـغـيـيـر الـوالي، فـقـد اهـتـاج أحـمـد بـاشـا مـن فـقـدانـه لـريـع الـولايـة الـسّـنـوي الّـذي يـتـجـاوز ألـف كـيـس [ويـبـلـغ مـحـتـوى الـكـيـس خـمـسـمـائـة قـرش أي ريـال تـركي] ، ولـكي يـجـبـر الـبـاب الـعـالي عـلى أن يـعـيـد لـه ولايـة الـبـصـرة فـقـد تـرك سـعـدون يـعـيـث في الأرض فـسـاداً. وبـيـنـمـا كـان [أحـمـد بـاشـا] يـظهـر مـن جـهـة مـسـاوئ تـمـرد الـمـنـتـفـق وصعـوبـة سـحـقـه، فـقـد كـان مـن الـجـهـة الأخـرى يـسـانـدهــم سـرّاً لـيـهـيـج الـنّـاس ضـدّهـم. وفي الـحـقـيـقـة، نـفّـذ سـعـدون نـوايـا أحـمـد بـاشـا. ومـا أن وصـل “الـمـسـلِّـم” الـجـديـد حـتّى جـاء هـذا الـشّـيـخ لـيـخـيّـم مـع أنـصـاره قـرب الـبـصـرة. وكـان يـبـعـث كـلّ يـوم بـرجـالـه إلى أعـيـان الـبـلـد يـطـالـبـونـهـم بـدفـع الـمـال والـخـيـل والـمـلـبـس وكـلّ مـا يـحـتـاج سـعـدون إلـيـه. وقـد أجـبـر حـتّى “الـمـسـلِّـم” الـجـديـد عـلى أن يـبـعـث لـه بـهـدايـا […]. وقـد أجـبـربـعـض الـتّـجـار الّـذيـن اسـتـدعـتـهـم الـضـرورة إلى بـغـداد أن يـدفـعـوا لـه 500 ريـال لـيـسـمـح لـهـم بـسـلـك سـبـيـل الـنّـهـر.وبـعـد أن اسـتـلـم الـمـبـلـغ وجـده ضئـيـلاً فـطلـب مـنـهـم مـن جـديـد ألـفي ريـال أخـرى. وقـد فـضّـلـوا أن يـدفـعـوا لـكي لا يـنـهـبـوا. ولـم يـكـفـيـه هـذا فـأجـبـرهـم عـلى أن يـدفـعـوا لـه حـقّ الـمـرور في أمـاكـن أخـرى مـن الـنّـهـر. وفي الـنّـهـايـة أوقـفـهـم بـعـد أن اجـتـازوا الـقـرنـة وسـلـبـهـم خـمـسـة آلاف وخـمـسـمـائـة ريـال. وقـد خـافـوا بـعـد ذلـك مـن أن يـأخـذ مـنـه كـلّ مـا يـمـلـكـون وأجـبـروا عـلى الـهـرب والـرّجـوع إلى الـبـصـرة. وعـنـدهـا سـرت إشـاعـة بـأنّ سـعـدون يـريـد أن يـفـرض ضـريـبـة عـامـة عـلى الـمـديـنـة، فـهـرب كـبـار الـتّـجّـار وحـمـلـوا مـعـهـم مـا اسـتـطـاعـوا حـمـلـه عـن طـريـق الـبـحـر. وأراد الأوربـيـون الّـذيـن خـافـوا أن يـحـدث لـهـم مـاحـدث لـغـيـرهـم، أن يـلـتـجـأوا ومـا يـمـلـكـون عـلى ظـهـر سـفـيـنـة إنـكـلـيـزيـة كـانـت في الـنّـهـر. وكـان يـنـبـغي لـهـم الـحـصـول عـلى سـمـاح “الـمـسـلِّـم” لـهـم بـذلـك، فـذهـبـتُ بـنـفـسـي عـدّة مـرّات أطـلـب مـنـه ذلـك بـاسـم الـجـمـيـع ، ولـكـنّـه رفـض بـاسـتـمـرار مـعـتـلاً بـأنّ أهـل الـبـصـرة لـو رأوا الـبـضـائـع تـحـمـل بـعـيـداً عـن الـمـديـنـة فـلـن يـبـق مـنـهـم أحـد فـيـهـا. وقـد أثـار هـذا الـرّفـض قـلـق الأوربـيـيـن وأجـبـرهـم عـلى أخـذ حـرّاس مـن الـجـاشـريـة لـيـحـمـوا مـنـازلـهـم لـو هـاجـمـهـا الـعـرب. وكـانـت هـذه في الـحـقـيـقـة حـمـايـة ضـعـيـفـة ولا أحـد يـرى مـن أيـن سـيـأتي الـخـلاص. وكـان يـقـال إنّ حـسـيـن بـاشـا لـم يـكـن لـه جـنـد ولا مـال. ويـؤكـد الـبـعـض أنّـه لا يـسـتـطـيـع حـتّى أن يـأتي إلى الـبـصـرة، فـعـثـمـان بـاشـا الّـذي كـان قـد تـمـرد عـلى الـسّـلـطـان، كـان يـمـنـعـه مـن الـخـروج مـن الـمـوصـل. و ربّـمـا لـم يـأسـف حـسـيـن بـاشـا  لـلـعـراقـيـل الّـتي وضـعـت أمـامـه، فـهـو لـم يـكـن يـجـهـل ولا شـك الـحـالـة الـمـزريـة الّـتي تـعـيـشـهـا ولايـة الـبـصـرة الّـتي أسـنـدت إلـيـه ، ولا الـمـعـارضـة الّـتي سـيـجـدهـا فـيـهـا سـواء مـن أحـمـد بـاشـا أو مـن الـعـرب الّـذيـن كـانـوا قـد عـزمـوا عـلى قـطـع الـطّـريـق عـلـيـه إذا مـا عـبـر الـصـحـراء لـيـأتي إلى الـبـصـرة. ومـع مـرور الـوقـت خـفّ تـنـكـيـد الـمـنـتـفـك، ثـمّ عـرف الـنّـاس أنّ ولايـة الـبـصـرة أعـيـدت لأحـمـد بـاشـا. وزال بـعـض خـوفـنـا عـنـدمـا انـسـحـب سـعـدون وذهـب لـيـنـصـب خـيـامـه في مـنـطـقـة فـوق الـقـرنـة، ولـكـن الـعـرب لـم يـكـونـوا الـسّـبـب الـوحـيـد لـقـلـقـنـا، فـقـد كـنّـا نـخـشى أيـضـاً الـفـرس الّـذيـن كـانـوا ، حـسـب مـا أشـيـع، يـعـدّون عـدتـهـم لأخـذ الـبـصـرة. وقـد عـرفـنـا عـن طـريـق الأرمـن أن خـان الـحـويـزة كـان قـد مـلأ عـدّة مـراكـب بـالـمـؤونـة والـقـوت، وأنّـه كـان يـجـمـع الـجـنـد لـيـعـدّ الـهـجـوم عـلى الـبـصـرة حـالـمـا يـأتـيـه أمـر الـبـلاط بـذلـك. وقـد ذكـر ضابـط فـارسي جـاء إلى الـبـصرة لـيـصـطـحـب مـعـه كـلّ فـرس الـمـديـنـة أنّ الـخـان كـان قـد أخـبـره أنّـه لـن يـبـطئ في الـمـجئ إلـيـهـا، كـمـا اسـتـلـمـتُ أنـا نـفـسـي رسـائـل مـن أصـفـهـان تـؤكـد صـحّـة الإشـاعـات. وكـان كـثـيـر مـن الـنّـاس يـعـتـقـدون أنّ هـدف هـذا الـتّـهـديـد كان مـسـانـدة أحـمـد بـاشـا الّـذي تـآمـر مـع نـادر شـاه. ومـع ذلـك فـنـادر شـاه الّـذي كـان يـبـدو مـسـتـعـداً لإشـعـال الـحـرب ضـدّ الأتـراك ربّـمـا قـرر أن يـأخـذ الـبـصـرة لـحـسـابـه الـخـاص  إذا مـا اسـتـمـرالـسّـلـطـان في رفـضـه لإعـادتـهـا لأحـمـد بـاشـا. الـفـصـل الـعـشـرون رغـم أنّ الـهـدوء قـد عـاد إلى الـبـصـرة فـقـد كـان مـن مـصـلـحـة أحـمـد بـاشـا إقـنـاع الـسّـلـطـان بـصـعـوبـة إخـمـاد تـمـرد الـعـرب، ولـهـذا بـعـث بـكـهـايـتـه سـلـيـمـان بـك عـلى رأس جـيـش لـيـقـاتـلـهـم. وتـقـدم الـجـيـش حـتّى وصـل مـكـانـاً اسـمـه مـنـصـوريـة كـان سـعـدون قـد نـصـب مـضـاربـه فـيـه لـيـتـحـاشى الـتّـصـادم مـع الأتـراك. ومـا أن عـرف سـعـدون بـقـدوم الـجـيـش  حـتّى انـتـقـل إلى الـبـاديـة  ، ونـزل في مـكـان  بـيـنـه وبـيـن الـجـيـش حـوالي خـمـسـة عـشـر فـرسـخـاً.  ولـم يـكـن هـنـاك سـابـقـة تـجـرأ فـيـهـا بـاشـا مـا عـلى مـتـابـعـة الـعـرب في الـبـاديـة , وخـاصـة مـتـابـعـة الـمـنـتـفـك، أشـجـع الأقـوام. ولـهـذا تـصـوّر سـعـدون أنّـه كـان في مـأمـن مـن مـتـابـعـيـه. ولـكـان ذلـك صـحـيـحـاً لـو أنّ الـكِـهـايـة أطـاع أمـر أحـمـد بـاشـا بـأن يـتـرك مـتـابـعـة الـشّـيـخ إذا مـا انـسـحـب إلى الـصّحـراء : لـكـنّ سـلـيـمـان بـك أراد أن يـثـأر لـنـفـسـه مـن   إهـانـة كـان قـد تـلـقّـاهـا مـن سـعـدون واعـتـزم أن يـقـتـلـه مـهـمـا كـان الـثّـمـن الّـذي سـيـدفـعـه، ولـهـذا أرسـل عـربـاً مـن تـابـعي مـانـع خـيـرMinaïkher   ابـن عـمّ سـعـدون لـيـعـرف أيـن انـسـحـب. وكـان ابـن الـعـم هـذا قـد تـآمـر مـع الأتـراك آمـلاً في الـحـصـول عـلى مـشـيـخـة الـمـنـتـفـك. وعـاد هـؤلاء الـعـرب بـعـد أن اكـتـشـفـوا مـخـبـأ سـعـدون لـيـخـبـروا بـه الـكِـهـايـة الّـذي امـتـطى فـرسـه حـالاً مـع نـخـبـة جـنـده وانـطـلـقـوا مـسـرعـيـن حـتّى وصـلـوا الـمـكـان في ثـمـاني سـاعـات. وكـانـت دهـشـة سـعـدون عـظـيـمـة، وأدرك أنّـهـم جـاءوا لـقـتـلـه فـقـرر أن يـبـيـعـهـم حـيـاتـه بـثـمـن بـاهـظ وقـاتـلـهـم بـشـجـاعـة لا مـثـيـل لـهـا. وقـد اخـتـرق عـدّة مـرّات صـفـوف أعـدائـه وألـقى أرضـاً بـكـلّ مـن كـان أمـامـه ، مـرّة بـالـرّمـح ومـرّة بـالـسّـيـف، مـدّة ثـمـاني سـاعـات، ثـمّ سـقـط بـعـد أن حـطّـم مـا لا يـحـصى مـن الـرّمـاح والـسّـيـوف وأهـلـك تـعـبـاً أربـعـة أو خـمـسـة مـن أحـسـن أفـراسـه . وعـنـدهـا هـجـم عـلـيـه أحـد رجـال الأغـا وأمـسـك بـه بـعـد مـقـاومـة وأخـذه أمـام الـكـهـايـة الّـذي قـطـع لـه عـنـقـه حـالاً، خـوفـاً مـن أن يـطـلـق الـبـاشـا سـراحـه لـو أخـذه أسـيـراً. وهـكـذا قـتـل الـشّـيـخ سـعـدون، وبـاء الـبـصـرة وأشـدّ كـلّ عـرب هـذه الـمـنـطـقـة إخـافـة لأعـدائـه.  وكـان أحـمـد بـاشـا يـعـتـرف لـه بـقـيـمـتـه، ويـسـتـعـمـلـه لـخـدمـة مـصـالـحـه عـنـدمـا تـسـنـح الـفـرص بـذلـك. وأرسـل رأسـه إلى الـسّـلـطـان الّـذي لـم يـقـبـل أن يـعـيـد ولايـة الـبـصـرة إلى أحـمـد بـاشـا إلّا بـهـذا الـشّـرط ، أي بـقـتـل سـعـدون، حـسـب مـا يـقـول رجـال مـوثـوق بـهـم”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  الـتّـفـنـكـجي بـاشي كـان آمـر الـجـنـود الـمـسـلـحـيـن بـالـبـنـادق الّـذيـن كـانـوا يـعـمـلـون في قـوات الـبـاشـا، ولـم يـكـن الـبـاشـا يـدفـع لـه مـرتـبـاً ولـكـنّـه كـان يـأخـذ نـسـبـة مـن الـنّـقـود الّـتي كـان يـسـتـعـيـدهـا لـلـبـاشـا مـن غـرمـائـه وكـانـت مـصـالـحـة الـشّـخـصـيـة تـدفـعـه لاسـتـعـمـال الـعـنـف لـلـوصـول إلى ذلـك.

مـلاحـظـة :

بـعـث لي الأسـتـاذ أنـيـس الـقـيـسي بـمـعـلـومـات قـيّـمـة أشـكـره عـلـيـهـا، فـقـد كـتـب : “صدرت ترجمة لهذا الكتاب بعنوان العراق والخليج العربي في رحلة جان أوتر 1736- 1743، ترجمة خالد عبد اللطيف حسين ومراجعة د. أنيس عبد الخالق محمود، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2015، عدد صفحات الكتاب 334 صفحة من القطع الكبير. وتضمنت الترجمة ما يخص العراق والخليج العربي من جزأي الكتاب”

وهـذا يـعـني أنّ هـذه الـتّـرجـمـة صـدرت بـعـد نـشـري لـمـقـالي في صـفـحـتي  “Sabah AL NASSERY – Google+” في 26 نـيـسـان 2014. وأدعـو قـرائي الأعـزاء لـقـراءة الـتّـرجـمـة الـجـديـدة ومـقـارنـتـهـا بـتـرجـمـتي.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في تـاريـخ هـيـرودوت

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

هـيـرودوت وكـتـابـه :

هيرودوت

يـعـتـبـر الـيـونـاني هـيـرودوت Ἡρόδοτος  الّـذي عـاش في الـقـرن الـخـامـس قـبـل الـمـيـلاد “أبـا الـتّـاريـخ”، ويـعـتـبـر كـتـابـه أقـدم كـتـاب في الـتّـاريـخ، ألّـفـه بـعـد أن سـافـر في أنـحـاء واسـعـة مـن الـعـالـم الـمـعـروف في زمـانـه كـ “اسـتـطـلاع ” لـيـعـرّف مـعـاصـريـه مـن الإغـريـق عـلى مـا يـجـرى حـولـهـم.

وهـو يـذكـر أنّـه زار بـابـل ومـنـاطـق أخـرى مـن بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن بـيـن مـا زار مـن بـلاد. ولا يـعـرف الـمـخـتـصّـون بـهـيـرودوت في أيّـة فـتـرة مـن حـيـاتـه بـالـضّـبـط قـام بـسـفـراتـه، ولـكـنّـه قـام بـهـا  ولاشـكّ في حـوالي مـنـتـصـف الـقـرن الـخـامـس ق. م. أي بـعـد أقـلّ مـن قـرن عـلى سـقـوط بـابـل تـحـت ضـربـات جـيـش الـمـلـك الـفـارسي الإخـمـيـني كـورش (الأكـبـر) في 539 قـبـل الـمـيـلاد.

ونـحـن لا نـعـرف هـل مـرّ بـبـابـل مـروراً سـريـعـاً أم أقـام فـيـهـا بـعـضـاً مـن الـزّمـن. كـمـا أنّـنـا لا نـعـرف مـن كـان دلـيـلـه لـمـعـرفـة الـمـكـان ولا مـن كـان مـتـرجـمـه لـيـتـفـاهـم مـع الـنّـاس، ولـكـن الـمـؤكـد هـو أنّـه كـان يـجـهـل الـلـغـة الـبـابـلـيـة ولايـقـرأ الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة ولا يـعـرف إلّا الـقـلـيـل جـدّاً عـن ثـقـافـات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن كـكـلّ الـيـونـانـيـيـن في ذلـك الـزّمـن. ولـهـذا وضـع في نـصّـه كـثـيـراً مـن الأسـاطـيـر ونـقـل كـثـيـراً مـمـا سـمـعـه مـن غـيـر تـمـحـيـص ولا تـدقـيـق. وكـيـف كـان يـمـكـنـه ذلـك والـحـضـارة الـبـابـلـيـة نـفـسـهـا قـد اضـمـحـلّـت وبـدأت تـخـتـفي بـعـد سـقـوط عـاصـمـتـهـا.

مـن كـان هـيـرودوت :

ولـد هـيـرودوت في هـالـيـكـارنـاسـوس الّـتي أصـبـح اسـمـهـا بـودروم في أيـامـنـا هـذه، والّـتي تـقـع في جـنـوب غـرب تـركـيـا الـحـالـيـة، ولـهـذا سـمّي بـهـيـرودوت الـهـالـيـكـارنـاسـوسي. والـحـقـيـقـة أنـنـا لا نـعـرف شـيـئـاً مـؤكّـداً عـن حـيـاتـه، وقـد حـاول الـمـخـتـصّـون بـدراسـتـه أن يـسـتـنـتـجـوا أهـمّ مـراحـلـهـا مـمـا ذكـره هـو نـفـسـه في مـؤلـفـاتـه، ومـن الأحـداث الّـتي جـرت في زمـنـه، وتـوصـلـوا إلى أنّـه ولـد في زمـن الـمـلـك الـفـارسـي الإخـمـيـني خـرخـيـس (حـشـريـاشـا)الّـتي كـانـت مـديـنـة هـالـيـكـارنـاسـوس تـخـضـع لـه، ربّـمـا في 480 أو 484  قـبـل الـمـيـلاد إذا مـا قـبـلـنـا مـا قـيـل مـن إنّـه كان في الـثّـالـثـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـره عـنـدمـا بـدأت حـرب الـبـيـلـوبـونـيـز. وقـد ولـد إذن قـبـل خـمـس سـنـوات مـن هـزيـمـة الـكـتـائـب الّـتي بـعـثـهـا خـرخـيـس إلى سـالامـيـس ضـدّ الـقـوّات الإغـريـقـيـة. ولـهـذا فـإنّـه قـد تـشـبّـع مـنـذ صـغـره ولا شـك بـالأنـاشـيـد الـحـمـاسـيـة الّـتي تـفـتـخـر بـانـتـصـار الإغـريـق عـلى الـفـرس.

وفي شـبـابـه حـدثـت اضـطـرابـات في مـديـنـتـه هـالـيـكـارنـاسـوس ضـدّ حـاكـمـهـا الـمـسـتـبـد. ويـبـدو أنّ هـيـرودوت أبـعـد عـنـهـا أونـفي عـدّة سـنـوات إلى أن سـقـط الـمـسـتـبـد وأصـبـحـت الـمـديـنـة مـن بـيـن الـمـدن الـمـعـاهـدة لأثـيـنـا ، فـعـاد إلـيـهـا. ولا نـعـرف في أيّـة سـنـة تـركـهـا مـن جـديـد، ولـكـنـنـا نـجـد ذكـره في مـديـنـة أثـيـنـا في 445 ق. م. وكـان في حـوالي الأربـعـيـن مـن عـمـره ، عـنـدمـا حـصـل عـلى جـائـزة مـالـيـة بـعـد أن قـرأ أجـزاءً مـن مـؤلـفـاتـه أمـام شـخـصـيـات مـن الـمـديـنـة. ولانـعـرف هـل أقـام في هـذه الـمـديـنـة مـرّة واحـدة أم مـراراً، ولـكـن يـبـدو أنّـه الـتـقى بـأشـهـر كـتّـابـهـا وشـعـرائـهـا وفـلاسـفـتـهـا وفـنّـانـيـهـا ومـهـنـدسـيـهـا.

ونـجـده بـعـد ذلـك في مـديـنـة ثـوريـوي Thourioi في إيـطـالـيـا الـحـالـيـة، وكـانـت مـديـنـة جـديـدة أسـسـهـا الـمـسـتـعـمـرون الإغـريـق. وقـد عـاش هـيـرودوت في هـذه الـمـديـنـة حـوالي عـشـريـن سـنـة، وفـيـهـا مـات، ربّـمـا في حـوالي سـنـة 425 قـبـل الـمـيـلاد.

وإن كـان مـن الـمـمـكـن قـبـول هـذه الـمـعـلـومـات فـنـحـن مـع ذلـك لا نـعـرف شـيـئـاً عـن حـيـاتـه الـعـائـلـيـة، ولا عـن تـواريـخ أسـفـاره والـظّـروف الّـتي جـرت فـيـهـا، كـمـا أنـنـا لا نـعـرف شـيـئـاً عـن ظـروف تـألـيـف كـتـبـه.

وبـقي لـنـا مـن مـؤلـفـاتـه مـؤلـف ضـخـم تـعـودنـا عـلى تـسـمـيـتـه بـتـاريـخ هـيـرودوت، وهـو يـذكـر فـي صـفـحـاتـه مـؤلـفـات أخـرى كـتـبـهـا مـثـل “تـاريـخ بـلاد آشـور” ضـاعـت ولـم تـصـلـنـا. ويـبـدو مـمـا ذكـره في مـؤلـفـه هـذا أنّـه قـام بـرحـلات طـويـلـة الأمـد مـمـتـدة الـمـسـافـات، في زمـن كـانـت أوضـاعـه الـسّـيـاسـيـة مـضطـربـة والأمـن فـيـه مـهـدد وخـاصة عـلى الـطّـرق، ووسـائـل الـنّـقـل يـصـعـب الـحـصـول عـلـيـهـا واسـتـعـمـالهـا.

وقـادتـه أسـفـاره إلى آسـيـا الـصـغـرى وسـواحـل الـمـتـوسـط ومـصـر ولـيـبـيـا، وهـو يـتـكـلّـم عـن بـابـل الّـتي يـذكـر أنّـه زارهـا. ولانـدري هـل زار الـيـمـن أم أخـذ مـعـلـومـاتـه الّـتي أودعـهـا في فـصـل عـن بـلاد الـعـرب الـسّـعـيـدة مـن تـجـارهـا الّـذيـن الـتـقى بـهـم في أمـاكـن أخـرى.

ولاشـك أنّ مـؤلـفـه لـم يـكـن بـالـصّـورة الّـتي وصـلـنـا بـهـا، فـقـد كـتـبـه أجـزاءً كـان يـقـرأ مـنـهـا عـلى مـسـتـمـعـيـن يـتـجـمّـعـون في أمـاكـن عـامـة أو خـاصـة.

وقـبـل أن نـفـصّـل الـكـلام عـن مـانـعـرفـه عـن تـجـمـيـع أجـزاء الـمـؤلـف وتـنـظـيـمـه في كـتـاب بـعـد وفـاتـه بـزمـن طـويـل، يـنـبـغي أوّلاً أن نـتـكـلّـم عـن عـنـوانـه، فـنـحـن قـد تـعـوّدنـا عـلى اسـتـعـمـال “تـاريـخ هـيـرودوت”، رغـم أنّ كـلـمـة  “تـاريـخ” في اسـتـعـمـالـنـا الـحـاضـر لـهـا مـعـنى مـخـتـلـف عـن مـحـتـوى مـؤلـف هـيـرودوت. وكـانـت كـلـمـة historiè  الإغـريـقـيـة الّـتي اسـتـعـمـلـهـا هـيـرودوت تـعـني في زمـنـه، أي الـقـرن الـخـامـس قـبـل الـمـيـلاد “إسـتـطـلاع” أو “إسـتـقـصـاء” يـذكـر فـيـه الـكـاتـب مـا شـاهـده شـخـصـيـاً أو مـا أخـبـره الـنّـاس بـه، ويـذكـر فـيـه إلى جـانـب مـعـارفـه بـالأحـداث الـتّـاريـخـيـة، مـعـلـومـات جـغـرافـيـة عـن كـلّ مـنـطـقـة زارهـا أو تـكـلّـم عـنـهـا، ووصـف لأهـلـهـا، عـاداتـهـم وتـقـالـيـدهـم وطـرق مـعـيـشـتـهـم، يـطعّــمـهـا بـقـصص سـمـعـهـا عـنـهـم وبـطـرائـف غـريـبـة يـدلي فـيـهـا بـرأيـه فـيـعـجـب بـبـعـضـهـا ويـديـن بـعـضـهـا الآخـر.

هيرودوت 3

ويـظهـرلـنـا هـيـرودوت في “اسـتـطلاعـه” هـذا شـديـد الـفـضـول، يـهـتـمّ بـكـلّ مـا يـصادفـه. ووقـع الـنّـصّ بـطئ فـيـه اسـتـطـرادات تـبـعـدنـا عـن الـمـوضـوع الّـذي بـدأه الـمـؤلـف تـقـود إلى اسـتـطـرادات تـعـود بـنـا إلـيـه، يـحـشـر فـيـهـا تـفـاصـيـل تـعـوّدنـا نـحـن في زمـنـنـا هـذا عـلى أن نـضعـهـا في الـهـوامـش. ولا يـنـبـغي هـنـا أن نـنـسى أنّ الـكـاتـب لـم يـؤلـفـه كـكـتـاب يـقـرأ مـن صفـحـتـه الأولى إلى صـفـحـتـه الأخـيـرة، وإنّـمـا كـتـبـه مـقـاطع طـويـلـة أو قـصـيـرة كـان يـقـرأهـا عـلى جـمـهـوره مـمـا يـفـسّـرالإعـادة والـتّـكـرار وتـذكـيـر الـسّـامـعـيـن بـأشـيـاء ذكـرهـا لـسـامـعـيـن آخـريـن في قـراءات أخـرى.

ولـم يـكـن “الإسـتـطـلاع ” مـقـسـمـاً إلى تـسـعـة “كـتـب” أو أجـزاء مـتـقـاربـة في الـطّـول والأهـمـيـة كـمـا نـجـده الآن في طـبـعـاتـه الـمـتـتـابـعـة وبـكـلّ الـلـغـات. وجـاءنـا هـذا الـتّـقـسـيـم مـمـن تـكـلّـفـوا بـنـسـخـه ونـشـره بـعـد ذلـك في زمـن بـطـالـسـة الإسـكـنـدريـة، أي بـعـد أكـثـر مـن قـرنـيـن عـلى تـألـيـفـه. واخـتـرعـوا لـكـلّ “كـتـاب” مـنـه عـنـوانـاً.ولاشـكّ في أنّ كـثـيـراً مـن الـتّـعـلـيـقـات والإضـافـات دخـلـت في مـتـن الـنّـصّ ، فـلـم يـكـن لـلـكـاتـب في ذلـك الـزّمـن حـقـوق نـشـر مـحـفـوظـة.

ويـبـدو أنّ هـدف هـيـرودوت في الـشّـروع في أسـفـاره وكـتـابـة “الإسـتـطـلاع” كـان إعـطـاء مـعـاصـريـه مـن الإغـريـق مـعـلـومـات يـمـكـن الـوثـوق بـهـا عـنّ الـصّراع بـيـن عـالـمـيـن : الـعـالـم الإغـريـقي بـمـا فـيـه الـيـونـان، وعـالـم الـبـرابـرة. وأذكّـرالـقـارئ هـنـا أنّ الـبـربـري عـنـد الإغـريـق كـان الّـذي لا يـتـكـلّـم الإغـريـقـيـة ، أي الّـذي لا يـفـصـح  في كـلامـه، فـقـد كـان كـلامـه كـمـا كـانـت تـلـتـقـطـه آذانـهـم يـشـبـه :  بـر. .. بـر … بـر …، وهـو يـقـابـل الأعـجـمي الّـذي كـان عـنـد الـعـرب مـن لا يـفـصـح في كـلامـه ولا يـلـفـظ أصـواتـاً بـشـريـة مـفـهـومـة بـل يـعـجـم كـالـبـهـائـم.

وكـان الـعـالـم الإغـريـقي يـمـتـد مـن الـيـونـان وجـزر إيـجـه إلى سـواحـل الـبـحـر الأسـود وآسـيـا الـصـغـرى شـرقـاً إلى صـقـلـيـة وإيـطالـيـا غـربـاً، وحـتّى شـمـال أفـريـقـيـا جـنـوبـاً.

أمّـا أشـدّ أعـداء الإغـريـق مـن “الـبـرابـرة ” فـقـد كـانـت الإمـبـراطـوريـة الـفـارسـيـة الإخـمـيـنـيـة الّـتي أسـسـهـا كـورش (قـيـروش) الأكـبـر، وكـان كـورش قـد بـدأ في سـنـوات حـكـمـه بـتـوسـيـع حـدود دولـتـه مـحـاولاً مـدّهـا إلى كـلّ الـجـهـات وخـاصـة إلى الـغـرب، واسـتـطـاع في 539 قـبـل الـمـيـلاد أخـذ مـديـنـة بـابـل، فـسـقـطـت مـعـهـا الإمـبـراطـوريـة الـبـابـلـيـة الـمـتـأخـرة، وهـكـذا أنـهى حـضـارات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الّـتي دامـت أكـثـر مـن ثـلاثـة آلاف سـنـة قـبـلـه.

واسـتـمـرّ مـلـوك الـفـرس الّـذيـن خـلـفـوا كـورش في تـوسـيـع دولـتـهـم، ودخـلـوا في صـراعـات مـع الـعـالـم الإغـريـقي الّـذي كـان مـجـزءاً إلى مـدن مـسـتـقـلّـة. وكـانـت هـذه الـصّـراعـات، كـمـا بـدت لـهـيـرودوت ، صـراعـات بـيـن مـنـاطـق شـاسـعـة تـخـضـع لـمـلـك مـسـتـبـد مـطـلـق الـمـلـكـيـة ، وبـيـن مـدن صغـيـرة يـعـيـش أهـلـهـا أحـراراً في ديـمـقـراطـيـة يـحـكـمـون أنـفـسـهـم بـأنـفـسـهـم ، ولـهـذا كـانـوا يـسـتـمـيـتـون في الـدّفـاع عـنـهـا ويـهـزمـون جـيـوشـاً جـرّارة جـل ّ جـنـودهـا مـن الـمـرتـزقـة ، أو مـمـن أجـبـروا عـلى الإنـخـراط فـيـهـا.

وصـف بـلاد بـابـل وآشـور في كـتـاب هـيـرودوت :

بـلاد آشـور :

لـم يـذكـرهـيـرودوت بـلاد آشـور وعـاصـمـتـهـا نـيـنـوى إلّا بـالـكـاد، في مـعـرض كـلامـه عـن الـمـلـوك الـمـيـديـيـن الّـذيـن حـاربـوهـا ثـمّ أسـقـطـوهـا، ولـكـنّـه أفـاض في الـكـلام عـن بـلاد بـابـل في الـكـتـاب الأوّل، ثـمّ ذكـر في الـكـتـاب الـثّـاني ثـورة أهـل بـابـل عـلى الـسّـلـطـة الـفـارسـيـة.

يـقـول هـيـرودوت عـن بـلاد آشـورعـنـدمـا يـتـكـلّـم عـن قـهـرالـفـرس الـمـيـديـيـن لـلـسّـيـثـيـيـن :  “وهـكـذا اسـتـولى الـمـيـديـون عـلى امـبـراطـوريـة الـسّـيـثـيـيـن وعـلى الأقـوام الـخـاضـعـة لـهـم، ثـمّ هـاجـمـوا نـيـنـوى وأخـذوهـا (وسـأتـكـلّـم عـن هـذا في كـتـاب آخـر) وأخـضـعـوا لـهـم كـلّ بـلاد آشـور مـا عـدا بـابـل(1)”  (2)

ويـقـول في كـلامـه عـن كـورش الأكـبـرالـفـارسي :”وبـعـد أن سـيـطـرعـلى كـلّ الـمـنـطـقـة،هـاجـم كـورش الآشـوريـيـن. وفي بـلاد آشـور ولا شـكّ أمـاكـن مـهـمّـة كـثـيـرة ، ولـكـنّ أشـهـرهـا وأكـثـرهـا قـوة بـابـل الّـتي أصـبـحـت مـركـز الـسّـلـطـة بـعـد سـقـوط نـيـنـوى”.

ويـذكـر في كـلامـه عـن بـابـل : ” وقـد تـتـابـع عـلى مـديـنـة بـابـل هـذه مـلـوك كـثـيـرون سـأذكـرهـم في مـؤلـفي ( كـتـاب بـلاد آشـور)” (3). ولـم يـصـلـنـا  “كـتـاب بـلاد آشـور” هـذا، ولـكـنّ تـألـيـفـه لـه يـدل هـذا عـلى اهـتـمـام هـيـرودوت بـتـاريـخ الآشـوريـيـن، كـمـا يـبـرر قـلّـة ذكـره لـهـم في “الإسـتـطـلاع ” مـا دام قـد خـصـص لـهـم كـتـابـاً آخـر.

وعـلى كـلّ حـال فـهـو يـعـتـبـر أنّ بـابـل كـانـت جـزءاً مـن بـلاد آشـور، يـقـول في كـلامـه عـن كـورش الأكـبـر الـفـارسي في الـمـقـطـع (178) :  “وبـعـد أن سـيـطـر عـلى كـلّ الـمـنـطـقـة هـاجـم كـورش الآشـوريـيـن. وفي بـلاد آشـور ولا شـكّ أمـاكـن مـهـمّـة كـثـيـرة، ولـكـنّ أشـهـرهـا وأكـثـرهـا قـوة، بـابـل الّـتي أصـبـحـت مـركـز الـسّـلـطـة بـعـد سـقـوط نـيـنـوى”. (4)

بـابـل :

يـخـصـص هـيـرودوت مـقـاطـع طـويـلـة مـن الـكـتـاب الأوّل لـلـكـلام عـن بـابـل مـن الـمـقـطـع (178)  إلى الـمـقـطـع (200)  :

( 178)  وهـذا وصـف الـمـديـنـة : تـقـع بـابـل في وسـط سـهـل شـاسـع، ومـخـطـطـهـا شـكـل مـربـع يـمـتـد كـلّ جـانـب مـنـه مـائـة وعـشـريـن غـلـوة وهـذا يـسـاوي أربـعـمـائـة وثـمـانـيـن غـلـوة لـمـحـيـط الأسـوار [أي حـوالي 86 كـيـلـومـتـراً ]. هـذه هي سـعـة مـديـنـة بـابـل . أمّـا عـن تـنـظـيـمـهـا فـلا يـمـكـن لـمـديـنـة رأيـنـاهـا أن تـمـاثـلـهـا، فـهي مـحـاطـة أوّلاً بـخـنـدق عـمـيـق، عـريـض تـمـلأه الـمـيـاه ، ثـمّ  بـسـور سـمـكـه خـمـسـون ذراعـاً مـلـكـيـاً وارتـفـاعـه مـائـتـا ذراع (الـذّراع الـمـلـكي أطـول مـن الـذّراع الـعـادي بـثـلاثـة أصـابـع ). (5)

(179)    ويـنـبـغي عـليّ أيـضـاً أن أذكـر مـاذا يـفـعـلـون بـالـتّـراب عـنـد حـفـر الـخـنـدق وكـيـف شـيّـد الـسّـور: فـالـتّـراب الّـذي اسـتـخـرج مـن الـخـنـدق عـنـد حـفـره يـسـتـعـمـل لـصـنـع الـلـبـن. وعـنـدمـا يـصـنـعـون مـا يـكـفي مـن الـلـبـن يـفـخـرونـه في أفـران فـيـصـبـح طـابـوقـاً يـشـيّـدون بـه ويـثـبّـتـون الـطّـابـوق فـيـمـا بـيـنـه بـالـقـارالـمـحـروق الـمـذاب وبـه يـثـبّـتـون طـبـقـة أخـرى تـعـلـو الأولى، وعـنـدمـا يـصـلـون إلى ثـلاثـيـن طـبـقـة يـضـعـون طـبـقـة مـن الـقـصـب الـبـردي [وهـكـذا دوالـيـك]. وقـد غـطـوا الـخـنـدق بـالـطّـابـوق بـهـذه الـطّـريـقـة ثـمّ رفـعـوا الأسـوار. وعـلى أعـالي الـسّـور مـن جـانـبـيـه شـيّـدت بـنـايـات مـن طـابـق واحـد، وضـعـت كـلّ اثـنـتـيـن مـنـهـمـا وجـهـاً لـوجـه وتـركـت بـيـنـهـمـا سـعـة تـكـفي لـمـرور عـربـة بـأربـعـة خـيـول. ولـهـذا الـسّـور مـائـة بـوابـة أبـوابـهـا مـن الـبـرونـز وكـذلـك ركـائـزهـا وسـكـائـفـهـا.    ;وهـنـاك مـديـنـة أخـرى عـلى مـسـيـرة ثـمـانـيـة أيّـام مـن بـابـل اسـمـهـا إيـسIs  يـخـتـرقـهـا نـهـر صـغـيـر اسـمـه إيـس أيـضـاً يـصـبّ في الـفـرات.وعـنـدمـا تـخـرج مـيـاه هـذا الـنّـهـر مـن بـاطـن الأرض تـخـرج مـعـهـا قـطـع كـثـيـرة مـن الـقـار، واسـتـعـمـل هـذا الـقـار في تـشـيـيـد أسـوار بـابـل.

(180)    هـذا عـن أسـوار بـابـل. أمّـا الـمـديـنـة فـقـد قـسـمـت إلى قـسـمـيـن يـفـصـل بـيـنـهـمـا نـهـر الـفـرات، وهـو نـهـر واسـع عـمـيـق مـيـاهـه سـريـعـة الـجـريـان ومـنـابـعـه في أرمـيـنـيـا، يـصـبّ في بـحـر أرتـيـريـا. وعـلى الـضّـفـتـيـن يـتـقـدّم الـسّـور بـمـقـدار ذراع نـحـو الـمـاء ثـمّ تـرتـفـع سـدّة مـن الـطّـابـوق الـمـفـخـور لـتـحـدّ الـمـيـاه مـن كـلّ ضـفّـة.

والـمـديـنـة مـجـمّـعـات مـن بـنـايـات بـثـلاثـة أو أربـعـة طـوابـق تـخـتـرقـهـا طـرقـات مـوازيـة لـلـنّـهـر وأخـرى تـقـاطـعـهـا وكـلّـهـا مـسـتـقـيـمـة الـتّـخـطـيـط. والـطّـرقـات الّـتي تـؤدي إلى الـنّـهـر تـوصـل كـلّ واحـدة مـنـهـا إلى بـاب خـفي [يـغـلـق في سـاعـة الـخـطـر] فـتـح في الـسّـور، وكـانـت كـلّ هـذا الأبـواب مـن الـبـرونـز أيـضـاً وتـوصـل إلى الـنّـهـر مـبـاشـرة.

(181)   ولاشـكّ في أنّ هـذا الـسّـور درع لـلـمـديـنـة، وهـنـاك سـور آخـر داخـلي، يـكـاد أن يـكـون بـمـتـانـة الأوّل مـع أنّـه أقـلّ مـنـه سـمـكـاً. وفي مـركـز كـلّ قـسـم مـن قـسـمي الـمـديـنـة سـور مـحـصّـن، يـحـمى الأوّل مـنـهـمـا الـقـصـر الـمـلـكي الّـذي يـرتـفـع حـولـه سـور عـالٍ ومـتـيـن، ويـحـمي الـثّـاني مـعـبـد الإلـه بـعـل  Zeus Bélos الـقـلـزي الأبـواب الّـذي كـان مـازال مـنـتـصـبـاً في زمـني : وهـو بـشـكـل مـربـع يـمـتـد كـلّ جـانـب مـنـه غـلـوتـيـن، يـنـتـصـب في وسـطـه بـرج ضـخـم كـلّ جـانـب مـنـه غـلـوة، يـعـلـوه بـرج آخـر [أصـغـر مـنـه] ويـعـلو الـثّـاني بـرج ثـالـث ، وهـكـذا حـتّى ثـمـانـيـة طـوابـق.وحـولـه سـلّـم خـارجي يـدور لـولـبـيـاً يـصـعـد حـتّى الـطـابـق الأعـلى. وفي مـنـتـصـف الـسّـلّـم الـصّـاعـد تـقـريـبـاً شـيّـد مـوقـف مـنـبـسـط وضـعـت عـلـيـه مـقـاعـد لـيـسـتـطـيـع الـصّـاعـد أن يـجـلـس ويـسـتـريـح قـلـيـلاً. وفي أعـلى الـبـرج مـصـلّى واسـع نـصـب فـيـه سـريـر وثـيـر الـفـراش وبـجـانـبـه طـاولـة مـن الـذّهـب. ولـكـن لـيـس فـيـه تـمـاثـيـل ولايـقـضي فـيـه إنـسـان الـلـيـل، مـاعـدا امـرأة مـن أهـل الـبـلـد، إصـطـفـاهـا الإلـه مـن بـيـن الـنّـسـاء، كـمـا يـقـول الـكـلـدان، وهـم رجـال ديـن هـذا الإلـه.

(182)   ويـقـولـون أيـضـاً، وأنـا لا أعـتـقـد بـذلـك، إنّ الإلـه يـأتي بـنـفـسـه في مـعـبـده ويـسـتـلـقي عـلى هـذا الـسّـريـ، كـمـا يـحـدث نـفـس الـشّئ في طـيـبـة مـصـر، إذا مـاصـدّقـنـا الـمـصـريـيـن فـهـنـاك أيـضـاً تـقـضي امـرأة الـلـيـل في مـعـبـد الإلـه الـطّـيـبي  Zeus Thébain  وقـد أخـبـرت أنّـه لـم يـمـس أيّـة واحـدة مـنـهـمـا رجـل أبـداً. ويـحـدث نـفـس الـشّـئ في بـطـاراس في مـنـطـقـة لـوسـيـا [ …]

هيرودوت 4

( 183)   وفي مـعـبـد بـابـل مـصـلى آخـر في الأسـفـل (الـطّـابـق الأرضي) فـيـه تـمـثـال كـبـيـر مـن الـذّهـب لـلإلـه مـثّـل جـالـسـاً وبـجـانـبـة طـاولـة كـبـيـرة مـن الـذّهـب، وقـاعـدة الـتّـمـثـال والـكـرسـي الّـذي يـجـلـس عـلـيـه الإلـه مـن الـذّهـب أيـضـاً. ويـقـول الـكـلـدان إنّ وزن الـكـلّ ثـمـانـمـئـة تـالانـاً (الـتّـالان يـعـادل أكـثـر مـن 20 كـيـلـوغـرامـاً). وخـارج الـمـعـبـد مـذبـح مـن ذهـب، وآخـر أكـبـر مـنـه يـضـحّى عـلـيـه بـحـيـوانـات وصـلـت سـنّ الـبـلـوغ، لأنّـه لا يـضـحّى عـلى الـمـذبـح الـذّهـبي إلّا بـحـيـوانـات صـغـيـرة لـم تـفـطـم بـعـد. وعـلى أكـبـر الـمـذبـحـيـن يـحـرق الـكـلـدان أيـضـاً كـلّ عـام ألـف تـالان مـن الـبـخـور في عـيـد هـذا الإلـه. وفي الـزّمـن الّـذي أتـكـلّـم عـنـه، كـان في هـذا الـمـعـبـد تـمـثـال مـن الـذّهـب الـصّـافي ارتـفـاعـه اثـنـا عـشـر ذراع، ولـم أره أنـا نـفـسي، ولـكـنّي أذكـر هـنـا مـا يـقـولـه الـكـلـدان. وكـان داريـا [الأكـبـر] بـن حـيـسـتـاسـب يـنـوي الإسـتـيـلاء عـلـيـه ولـكـنّـه لـم يـجـرؤ، وأخـذه ابـنـه خـرخـيـس بـعـد أن قـتـل الـكـاهـن الّـذي مـنـعـه مـن الإقـتـراب مـنـه. وهـذه هي الـخـزائـن الّـتي كـانـت في الـمـعـبـد ، وكـان فـيـه أيـضـاً كـثـيـر مـمـا أهـداه الـنّـاس كـقـرابـيـن لـلإلـه.

( 184)    وقـد تـتـابـع عـلى مـديـنـة بـابـل هـذه مـلـوك كـثـيـرون سـأذكـرهـم في مـؤلـفي (كـتـاب بـلاد آشـور) حـسّـنـوا الأسـوار والـمـعـابـد وجـمـلّـوهـا، ومـن بـيـنـهـم خـاصـة مـلـكـتـيـن : حـكـمـت الأولى خـمـسـة أجـيـال قـبـل الـثّـانـيـة واسـمـهـا سـمـيـرامـيـس ، وهي الّـتي أمـرّت بـتـشـيـيـد سـدود في الـسّـهـل [ الـمـحـيـط بـبـابـل ]، وتـشـيـيـدهـا يـثـيـر الإعـجـاب، وكـان الـنّـهـر قـبـل ذلـك يـغـرق الـسّـهـل كـلّ عـام.

( 185)   واسـم الـثّـانـيـة نـيـتـوكـريـس، وأثـارت الـعـجـب أكـثـر مـن الأولى، وإلـيـهـا يـعـود الـفـضـل في تـشـيـيـد الـمـعـالـم الّـتي سـأتـكـلّـم عـنـهـا، كـمـا نـظّـمـت تـنـظـيـمـاً مـحـكـمـاً الـدّفـاع عـن مـمـلـكـتـهـا ضـدّ الـمـيـديـيـن الّـذيـن أدركـت قـوتـهـم وحـبّـهـم لـلـقـتـال خـاصـة وأنّـهـم اسـتـولـوا عـلى عـدّة مـدن مـن بـيـنـهـا نـيـنـوى. وكـان أوّل مـا فـعـلـتـه تـحـويـل مـجـرى الـفـرات، وكـان هـذا الـنّـهـر الّـذي يـخـتـرق الـمـديـنـة يـجـري مـسـتـقـيـمـاً قـبـل ذلـك ، فـأصـبـح بـعـد أن حـفـرت لـه قـنـوات قـبـل وصـولـه إلى الـمـديـنـة يـجـري مـتـلـويّـاً إلى حـد أنّـه يـمـرّ ثـلاث مـرّات في نـفـس بـلـد مـن بـلـدان آشـور. وهـذا الـبـلـد الّـذي  يـمـرّ فـيـه الـفـرات اسـمـه أردريـكـا، ونـحـن الآن عـنـدمـا نـنـزل مـن بـحـرنـا إلى بـابـل عـن طـريـق الـفـرات نـمـرّ ثـلاث مـرّات في ثـلاثـة أيّـام بـهـذه الـقـريـة.

وبـعـد ذلـك أمـرت أن يـشـيّـد عـلى كـلّ ضـفـة مـن ضـفـتـي الـنّـهـر سـدّ يـثـيـر الـعـجـب بـطـولـه وارتـفـاعـه.، ثـمّ أمـرت أن يـحـفـر قـبـل أن يـصـل الـنّـهـر إلى بـابـل بـكـثـيـربـخـزّان بـمـحـاذاتـه ، وأن يـعـمّـق حـتّى يـصـل قـعـره إلى طـبـقـة الـمـيـاه الـجـوفـيـة، ويـوسّـع حـتّى يـكـون مـحـيـطـه أربـعـمـائـة وعـشـريـن غـلـوة. واسـتـعـمـل الـتّـراب الّـذي اسـتـخـرج مـن حـفـره في تـعـزيـز جـوانـب الـنّـهـر. وعـنـدمـا انـتـهى حـفـر الـخـزّان، أمـرت أن يـأتى لـه بـالـصّـخـور لـيـعـبّـد لـه رصـيـف حـولـه. وبـهـذيـن الـعـمـلـيـن : تـلـوّيـات الـفـرات الـمـصـطـنـعـة والـخـزّان الّـذي يـمـلأ بـمـيـاه مـنـطـقـة تـغـطـيـهـا الـمـسـتـنـقـعـات أرادت أن تـكـسـر مـن حـدّة جـريـان الـنّـهـر لـتـخـفـيـض سـرعـة مـروره ولـتـطـول مـدّة الـنّـزول عـلى الـنّـهـر قـبـل الـوصـول إلى بـابـل بـفـضـل لـف ودوران الـنّـهـر وضـرورة الـدّوران حـول الـخـزّان الـشّـاسـع. وقـد أمـرت أن تـنـفّـذ هـذه الأعـمـال في الـمـنـطـقـة الّـتي تـوصـل كـلّ الـمـسـالـك إلى مـمـلـكـتـهـا والّـتي يـمـكـنـهـا أن تـوصـل الـمـيـديـيـن بـسـهـولـة، ولـكي تـمـنـع هـؤلاء الـمـيـديـيـن مـن الإتـصـال بـرعـيـتـهـا والـتّـجـسـس عـلى مـا يـحـدث في الـمـمـلـكـة.

( 186)   وهـذه هي الإسـتـعـدادت الـدّفـاعـيـة الّـتي أمـرت بـتـنـفـيـذهـا، وقـد جـاء لـهـا مـنـهـا نـفـع آخـر: فـبـابـل مـقـسّـمـة إلى صـوبـيـن يـفـصـل بـيـنـهـمـا الـنّـهـر، وكـان الـنّـاس في زمـن سـابـقـيـهـا يـعـبـرون مـن ضـفـة إلى ضـفـة بـالـقـوارب، ولـم يـكـن ذلـك ، عـلى مـا أعـتـقـد، أمـراً بـسـيـطـاً. وبـفـضـلـهـا أيـضـاً سـهـل هـذا الأمـر، فـقـد اغـتـنـمـت فـرصـة حـفـر الـخـزّان لـتـضـيـف تـشـيـيـداً آخـر يـعـد مـن بـيـن مـعـالـم حـكـمـهـا : فـقـد أمـرت بـنـحـت قـطـع ضـخـمـة مـن الـصّـخـر، ثـمّ بـتـغـيـيـر مـجـرى الـنّـهـر نـحـو الـخـزّان لـتـفـرغـه مـن مـائـه، وأمـرت بـتـغـطـيـة ضـفـتي الـنّـهـر عـلى كـلّ مـسـافـة اخـتـراقـه لـلـمـديـنـة بـجـدار مـن الـطّـابـوق الـمـفـخـور، مـثـل طـابـوق الأسـوار، وفُـعـل نـفـس الـشّئ بـالـطّـرقـات الّـتي تـنـزل مـن الأبـواب الـمـخـفـيـة نـحـو الـنّـهـر. وفي مـنـتـصـف الـمـسـافـة الّـتي يـجـري فـيـهـا الـنّـهـر في الـمـديـنـة أمـرت بـتـشـيـيـد جـسـر بـالـصّـخـور الّـتي قـطـعـت مـن مـنـاجـمـهـا، وربـطـت بـيـنـهـا بـكـلالـيـب مـن الـحـديـد أوالـرّصـاص. وفي كـلّ صـبـاح، تـوضـع عـلى ركـائـز الـجـسـر الـصّـخـريـة عـوارض مـن خـشـب تـربـط بـيـنـهـا فـيـعـبـر عـلـيـهـا أهـل بـابـل مـن ضـفـة إلى ضـفـة، ثـمّ تـخـلـع في الـلـيـل لـيـمـنـع الـلـصـوص مـن عـبـور الـنّـهـر وارتـكـاب سـرقـاتـهـم في الـجـانـب الـمـقـابـل. وعـنـدمـا انـتـهى بـنـاء الـجـسـر، أمـرت بـإرجـاع مـيـاه الـنّـهـر إلى مـجـراهـا الأصـلي. وهـكـذا زادت مـن مـنـافـع حـفـر الـخـزّان ووهـبـت أهـل الـمـديـنـة جـسـراً يـسـهـل عـلـيـهـم أمـورهـم.

(187)   وقـد نـصـبـت نـفـس هـذه الـمـلـكـة لـمـن خـلـفـوهـا شـركـاً، وهـذا هـو : فـقـد أمـرت بـبـنـاء قـبـرهـا فـوق الـبـوابـة الّـتي يـمـرّ مـنـهـا أكـثـر سـكـان الـمـديـنـة، مـعـلّـقـاً فـوق رؤوس الـنّـاس، وأمـرت بـأن يـنـقـش عـلـيـه مـا يـلي : ” إذا احـتـاج أحـد مـلـوك بـابـل الّـذيـن سـيـخـلـفـوني إلى مـبـلـغ مـن الـمـال فـلـيـفـتـح رمـسـي ولـيـأخـذ مـنـه مـا يـشـاء. ولـيـس لـه أن يـمـسـه إن لـم يـكـن لـه بـه حـاجـة : فـلـن يـكـون لـه مـنـه نـفـع”. وقـد احـتـرم رمـسـهـا مـن جـاءوا بـعـدهـا إلى أن اعـتـلى داريـا [الـفـارسي الإخـمـيـني ] الـعـرش، وقـد اعـتـبـر تـبـذيـراً أن يـكـون فـوق الـبـوابـة مـال ولا يـأخـذه، خـاصـة وأنّ الـنّـص الـمـنـقـوش يـدعـوه لأخـذه. (وهـو لـم يـمـرّ أبـداً مـن هـذه الـبـوابـة لـكي لا تـكـون فـوق رأسـه جـثـة). وهـكـذا أمـر بـفـتـح الـرّمـس ولـم يـجـد فـيـه شـيـئـاً مـن الـمـال بـل جـثّـة ونـقـشـاً يـقـول : “لـو لـم تـكـن رجـلاً جـشـعـاً يـمـلأ قـلـبـك الـطّـمـع لـمـا اقـتـحـمـت مـسـاكـن الأمـوات”. وهـكـذا كـانـت هـذه الـمـلـكـة، كـمـا ذكـر لي.

( 188)   أعـلـن كـورش الـحـرب عـلى ابـن هـذه الـمـرأة ، وكـان يـحـمـل اسـم أبـيـه لابـيـنـتـوس الّـذي كـان يـحـكـم في بـلاد آشـور. ولـم يـكـن الـمـلـك الأعـظـم [كـورش] يـخـرج لـلـحـرب مـن أن غـيـر أن يـعـدّ  قـوت جـيـشـه يـحـمـلـه مـعـه مـن بـلاده ويـصـطـحـب مـعـه قـطـعـان غـنـمـه ومـاعـزه، وكـان يـأخـذ مـعـه لـنـفـسـه مـن مـاء نـهـر شـواسـبـيـس الّـذي يـمـرّ قـرب مـديـنـة سـوسـة، فـلـم يـشـرب غـيـره. وكـان هـذا الـمـاء يـغـلى ويـوضع في قـنـاني مـن الـفـضّـة تـحـمّـل عـلى عـربـات بـأربـع عـجـلات تـجـرّهـا الـبـغـال تـتـبـع الـمـلـك أيـنـمـا اتـجـه.

( 189)    وبـعـد أن اتّـجـه كـورش إلى بـابـل وصـل إلى نـهـرغـنـديـس Gyndès  الّـذي كـانـت مـنـابـعـه في مـرتـفـعـات مـاتيـنـيـس Matiniès  ، وكـان يـمـرّ بـبـلاد دردان Dardanes  ويـصـبّ في نـهـر آخـر : دجـلـة، ثـمّ يـجـري هـذا الـنّـهـر قـرب مـديـنـة أوبـيـس Opis   ويـصـبّ في بـحـر أرتـيـريـا. وحـاول كـورش أن يـعـبـر هـذا الـنّـهـر، ولا يـمـكـن عـبـوره في هـذه الـمـنـطـقـة إلّا بـقـارب، عـنـدمـا جـمـح واحـد مـن خـيـولـه الـبـيـضـاء الـمـقـدّسـة ، ورمى بـنـفـسـه في الـنّـهـر لـيـعـبـره سـبـاحـة، ولـكـنّ تـيـارات الـنّـهـر الـعـنـيـفـة أغـرقـتـه وحـمـلـتـه بـعـيـداً. وقـد غـضـب كـورش مـن وقـاحـة هـذا الـنّـهـر غـضـبـاً شـديـداً حـتّى أنّـه أقـسـم أن يـجـعـلـه ضـئـيـل الـجـريـان فـتـسـتـطـيـع حـتّى الـنّـسـاء أن يـعـبـرنـه مـن غـيـر أن تـبـتـلّ ركـبـهـنّ. وقـد أوقـف مـسـيـرتـه نـحـو بـابـل لـيـنـفــذ عـقـوبـتـه هـذه لـلـنّـهـر وقـسّـم جـنـده قـسـمـيـن ، ثـمّ أمـر أن يـخـطّ عـلى كـلّ ضـفـة مـن نـهـر غـنـديـس مـائـة وثـمـانـيـن خـطّـاً تـنـفـتـح كـأشـعـة الـدّائـرة وحـفـرهـا خـنـادق بـعـد أن وزّع الـجـنـد عـلى هـذه الـخـطـوط لـيـحـفـروا الأرض، ورغـم عـددهـم الـكـبـيـر فـقـد قـضـوا الـصّـيـف كـلّـه لـيـنـهـوا عـمـلـهـم.

(190)    وبـعـد أن قـسّـم نـهـر غـنـديـس إلى ثـلاثـمـائـة وسـتـيـن قـنـاة لـيـعـاقـبـه ، خـفّـت حـرارة الـجـو وأكـمـل مـسـيـرتـه نـحـو بـابـل. وحـمـل أهـل بـابـل الـسّـلاح وانـتـظـروه أمـام مـديـنـتـهـم . وبـعـد أن اقـتـرب أسـرعـوا لـلـقـائـه، ولـكّـنـه تـغـلّـب عـلـيـهـم فـدخـلـوا الـمـديـنـة تـحـمـيـهـم الأسـوار. وكـانـوا يـعـرفـون مـنـذ زمـن طـويـل أن كـورش لـم يـكـن مـحـبّـاً لـلـسّـلـم وسـمـعـوا بـهـجـومـاتـه عـلى كـلّ الأقـوام، ولـهـذا كـانـوا قـد جـمـعـوا مـن الـقـوت مـا يـكـفـيـهـم سـنـوات عـديـدة، ولـم يـكـونـوا يـخـشـون الـحـصـار، في حـيـن أنّ صـعـوبـات كـورش كـانـت تـزداد فـالـوقـت يـمـرّ مـن غـيـر أن يـتـقـدم في غـزوه.

(191)    وأخـيـراً وجـد حـيـلـة ، لانـعـرف هـل اقـتـرحـهـا عـلـيـه أحـد أو وجـدهـا هـو بـنـفـسـه ، وهـذا مـا فـعـلـه : وزّع كـلّ جـنـوده في الـمـكـان الّـذي يـدخـل مـنـه الـنّـهـر في الـمـديـنـة وفي الـمـكـان الّـذي يـخـرج مـنـه وأمـرهـم أن يـدخـلـوا بـابـل مـن مـجـرى الـنّـهـر عـنـدمـا يـنـخـفـض ويـسـتـطـيـعـون خـوضـه. ثـمّ تـركـهـم مـع كـلّ رجـالـه غـيـر الـمـقـاتـلـيـن مـتـجـهـاً إلى خـزّان الـمـيـاه، وفـعـل مـا كـانـت قـد فـعـلـتـه مـلـكـة بـابـل : أمـر بـفـتـح قـنـاة وحـوّل مـاء الـفـرات إلى الـخـزّان الّـذي كـان عــنـد ذلـك مـسـتـنـقـعـاً، وعـنـدمـا فـقـد مـجـرى الـنّـهـر مـيـاهـه ضـحـل وصـارالـخـوض فـيـه سـهـلاً. وعـنـدمـا رأى جـنـد الـفـرس مـاء الـنّـهـر يـنـخـفـض ويـصـل إلى مـنـتـصـف الأفـخـاذ دخـلـوا بـابـل بـهـذا الـطّـريـق . ولـو عـرف أهـل بـابـل بـحـيـلـة كـورش قـبـل وقـوعـهـا لاسـتـطـاعـوا أن يـفـنـوا الـفـرس بـعـد أن دخـلـوا الـمـديـنـة : بـأن يـغـلـقـوا الأبـواب الـخـفـيـة  الّـتي تـنـفـتـح عـلى الـنّـهـر ويـصـعـدوا هـم أنـفـسـهـم فـوق الأسـوارالّـتي تـحـاذي الـضّـفـاف ويـخـنـقـوهـم [مـثـل أسـمـاك] في شـبـكـة. ولـكـن ّ الأعـداء فـاجـأوهـم ، والـمـديـنـة شـديـدة الـسّـعـة إلى حـدّ أن الـفـرس سـيـطـروا عـلى أطـرافـهـا مـن غـيـر أن يـصـل الـخـبـر إلى سـكّـان مـركـزهـا، كـمـا ذكـرذلـك أهـل الـبـلاد. وكـان ذلـك الـيـوم يـوم عـيـد وكـانـوا يـرقـصـون ويـتـسـلّـون إلى أن عـرفـوا بـمـا كـان قـد حـدث. وكـانـت تـلـك الـمـرّة الأولى الّـتي أخـذت فـيـهـا بـابـل.

بـلاد بـابـل وعـادات أهـلـهـا وتـقـالـيـدهـم :

( 192)    لأريـكـم ثـروات بـابـل الـهـائـلـة، سـأعـطـيـكـم عـلى ذلـك مـثـلاً مـن بـيـن أمـثـلـة أخـرى : قـسّـم الـمـلـك الأعـظـم [كـورش الـفـارسي الأخـمـيـني] مـمـلـكـتـه إلى “إسـطـرابـات” لـتـجـلـب لـه، إلى جـانـب الـضّـرائـب الّـتي يـجـبـيـهـا مـنـهـا، الـمـؤونـة الّـتي يـحـتـاجـهـا بـلاطـه وجـنـده. ونـتـج عـن ذلـك أنّ مـنـطـقـة بـابـل وحـدهـا تـطـعـمـه أربـعـة أشـهـر مـن أشـهـر الـسّـنـة، وتـطـعـمـه كـلّ الـمـنـاطـق الأخـرى في آسـيـا مـجـتـمـعـة الأشـهـر الـثّـمـانـيـة الـبـاقـيـة. وهـذا يـعـني أنّ بـلاد آشـور تـمـتـلـك وحـدهـا ثـلـث ثـراء آسـيـا. وحـكـومـة هـذه الـمـنـطـقـة ، الّـتي يـسـمـيـهـا الـفـرس “إسـطــرابي   strapie” تـعـلـو كـثـيـراً عـلى حـكـومـات الـمـنـاطـق الأخـرى. وتـدرّ بـابـل  كـلّ يـوم عـلى تـريـتـنـتـخـمـس Tritantaichmès بـن أرطـبـاز Artabaze ، الّـذي عـهـد لـه الـمـلـك الأعـظـم بـهـا ، بـأرطـاب يـطـفـح مـالاً (والأرطـاب قـيـاس سـعـة يـحـوي ثـلاثـة شـيـنـيـسات أكـثـر مـن الـمـيـديـم الأتـيـكي   [أي 56 لـتـرا ً تـقـريـبـاً ]. وكـان لـه فـيـهـا، مـا عـدا خـيـول الـقـتـال، مـربـط خـيـل فـيـه ثـمـانـمـائـة فـحـل وسـتـة عـشـر ألـف فـرس، أي ذكـر واحـد لـعـشـريـن أنـثى. وفـيـهـا كـانـت تـربى أعـداد هـائـلـة مـن الـكـلاب الـهـنـديـة، وكـرّسـت أربـع قـرى كـبـيـرة تـقـع في الـسّـهـول لـلإعـتـنـاء بـهـذه الـحـيـوانـات. وكـان حـاكـم بـابـل يـنـتـفـع بـكـلّ هـذه الـعـوائـد.

(193)   ونـادراً مـا تـسـقـط الأمـطـار في بـلاد آشـور، وهي لا تـكـاد تـسـقي إلّا جـذور نـبـتـات الـقـمـح، ولـهـذا يـنـبـغي سـقي الـحـقـول مـن مـاء الـنّـهـر لـكي تـنـمـو الـحـبـوب وتـثـمـر. وكـانـت بـلاد بـابـل كـلّـهـا، مـثـلـهـا مـثـل مـصـر، تـخـتـرقـهـا الـقـنـوات، يـمـكـن الـمـلاحـة في أكـبـرهـا الّـذي شـقّ مـواجـهـاً الـشّـمـس في الـشّـتـاء ويـربـط بـيـن الـفـرات ودجـلـة : الـنّـهـر الّـذي تـقـع عـلى ضـفـتـه نـيـنـوى. وهـذا الـبـلـد مـن أغـنى الـبـلـدان الّـتي نـعـرفـهـا بـعـطـاء مـا يـنـبـت في بـاطـن أرضـه، أمّـا عـن الأشـجـار كـالـتّـيـن والـزّيـتـون أوالـكـروم فـلـم يـحـاول أحـد حـتّى أن يـغـرس فـيـه مـنـهـا شـئ. وتـرابـه يـصـلـح لـزراعـة الـحـبـوب حـتّى أنّـه يـعـطي لـلـزّارع مـائـتي ضـعـف مـا بـذره، وحـتّى ثـلاثـمـائـة ضـعـف في الـسّـنـوات الـكـريـمـة الـعـطـاء. وأوراق الـحـنـطـة والـشّـعـيـر غـالـبـاً مـا يـكـون عـرضـهـا أربـعـة أصـابـع. و تـرتـفـع نـبـاتـات الـدُّخـن والـسّـمـسـم كـأشـجـار أعـرف مـدى ارتـفـاعـهـا ولـكـنّي لـن أذكـره، لأنّ الّـذيـن لـم يـزوروا هـذا الـبـلـد لـن يـصـدقـوني في مـا قـلـت عـن الـحـصـاد هـنـاك ، وأنـا أعـرف ذلـك حـقّ الـمـعـرفـة. ولـيـس عـنـد الآشـوريـيـن زيـت زيـتـون، وهـم يـقـطّـرون زيـتـاً مـن الـسّـمـسـم. وتـنـبـت الـنّـخـيـل في كـلّ مـكـان مـن الـسّـهـول ، وتـثـمـر أغـلـبـهـا تـمـراً يـأكـل ويـصـنـع مـنـه نـبـيـذ وعـسـل. وهـم يـعـتـنـون بـهـا كـمـا نـفـعـل بـأشـجـار الـتّـيـن، وهـم يـربـطـون ثـمـار الـنّـخـلـة الّـتي يـسـمـيـهـا الإغـريـق نـخـلـة ـ فـحـل إلى الـنّـخـلـة الّـتي تـثـمـر تـمـراً لـكي تـدخـل حـشـرات صـغـيـرة في الـتّـمـر ويـنـضـج ولا يـسـقـط ( ونـجـد هـذه الـحـشـرات في الـنّـخـلـة ـ الـفـحـل كـمـا في شـجـرة الـتّـيـن الـبـرّي).

وصـف “الـقـفّـة” :

(194)    وسـأذكـر الآن مـا بـدا لـعـيـنيّ أعـجـب مـا في هـذا الـبـلـد بـعـد مـديـنـة بـابـل نـفـسـهـا، فـلـديـهـم مـراكـب يـنـزلـون بـهـا الـنّـهـر حـتّى مـديـنـة بـابـل. وهي مـسـتـديـرة صـنـعـت بـكـامـلـهـا مـن الـجـلـود. وتـصـنـع في أرمـيـنـيـا، شـمـال بـلاد آشـور، هـيـكـلـهـا مـن أغـصـان صـفـصـاف تـغـطى مـن الـخـارج بـجـلـود كـمـا تـغـطى الـقـوارب بـألـواح الـخـشـب، ولـيـس فـيـهـا  جـؤجـؤ مـدبـب ولا كـوثـل بـل هي دائـريـة الـشّـكـل كـالـدّروع.

ويـضـعـون في قـعـرهـا تـبـنـاً ، ثـمّ يـركـبـونـهـا ويـحـمّـلـونـهـا بـالـبـضـائـع وخـاصـة الـنّـبـيـذ في بـرامـيـل تـصـنـع مـن جـذوع الـنـخـيـل. ولـكي تـسـيـر مـسـتـقـيـمـة إلى الأمـام يـنـبـغي أن يـقـودهـا رجـلان واقـفـان عـلـيـهـا، يـجـذب أحـدهـمـا مـجـذافـه نـحـوه ويـبـعـد الآخـر مـجـذافـه عـنـه. وتـصـنـع هـذه الـمـراكـب بـأحـجـام مـخـتـلـفـة يـمـكـن لأكـبـرهـا أن تـحـمـل خـمـسـة آلاف تـالان [13 طـنّـاً]. ويـوضـع في كـلّ مـركـب مـنـهـا حـمـار حيّ وعـدد مـن الـحـمـيـر في أكـبـرهـا. وعـنـدمـا يـصـلـون إلى بـابـل ويـنـزلـون بـضـائـعـهـم، يـبـيـع أصـحـابـهـا خـشـب هـيـكـلـهـا وتـبـنـهـا بـالـمـزاد، ويـحـمّـلـون جـلـودهـا عـلى ظهـور الـحـمـيـر ثـمّ  يـصـعـدون عـائـديـن إلى أرمـيـنـيـا. والـحـقـيـقـة أنّـه مـن الـمـسـتـحـيـل عـلى مـركـب أن يـصـعـد الـنّـهـر لـشّـدّة نـزول تـيـاراتـه الـسّـريـعـة، ولـهـذا يـصـنـعـون مـراكـبـهـم مـن الـجـلـود بـدلاً مـن الأخـشـاب. وعـنـدمـا يـصـلـون مـع حـمـيـرهـم إلى أرمـيـنـيـا، يـصـنـعـون مـراكـب أخـرى مـثـلـهـا. وهـكـذا هي مـراكـبـهـم عـلى الـمـاء.

( 195)    وسـأتـكـلّـم الآن عـن مـلابـسـهـم : قـمـيـص مـن الـكـتّـان يـنـزل حـتّى أقـدامـهـم، وفـوقـه آخـر مـن الـصّـوف، ثـمّ مـعـطـف خـفـيـف مـن الـصّـوف الأبـيـض، ونـعـال لا نـجـدهـا إلّا في هـذا الـبـلـد وإن كـانـت تـشـبـه مـداسـات مـنـطـقـة بـويـتـيـا. وتـنـثـال شـعـورهـم طـويـلـة يـلـبـسـون فـوقـهـا الـعـمـائـم، ويـمـضـخـون كـلّ أجـسـادهـم بـالـطّـيـوب.

ولـكـلّ مـنـهـم خـتـم وعـصـا طـويـلـة مـنـحـوت أعـلاهـا بـرمـز كـتـفّـاحـة أو وردة أو زنـبـقـة أو نـسـر… إلـخ. لأنّ عـاداتـهـم لا تـقـبـل أن تـحـمـل الـعـصي الّـتي لـيـس عـلـيـهـا رمـوز. وهـذا عـن هـنـدامـهـم .

وصـف “سـوق الـزّواج” :

(196)     أمّـا عـن الـقـوانـيـن الـسّـائـرة عـنـدهـم فـهـذه هي : وأكـثـرهـا حـكـمـة في رأيي مـا سـاذكـره، ويـقـال إنّـه يـطـبّـق أيـضـاً عـنـد الإنـيـتـيـس في مـنـطـقـة إلـيـريـا :

يـقـام في كـلّ بـلـدة، مـرّة كـلّ عـام حـفـل أصـفـه هـنـا : تـجـمـع كـلّ الـفـتـيـات الـلاتي بـلـغـن سـنّ الـزّواج في نـفـس الـمـكـان، ويـتـجـمّـع الـرّجـال حـولـهـنّ. ويـطـلـب مـنـادٍ كـلّـف بـذلـك مـنـهـنّ أن يـقـفـن الـواحـدة بـعـد الأخـرى يـعـرضـهـن لـلـشّـراء، ويـبـدأ بـأجـمـلـهـنّ. وبـعـد أن تـبـاع بـثـمـن بـاهـض ، يـقـتـرح بـالـمـزاد الـثّـانـيـة الأقـلّ مـنـهـا جـمـالاً بـقـلـيـل، وهـكـذا حـتّى يـبـيـعـهـنّ جـمـيـعـاً لـمـشـتـريـن يـتـزوجـونـهـنّ، ويـتـنـافـس رجـال بـابـل الـبـالـغـيـن سـنّ الـزّواج مـن الأغـنـيـاء عـلى الـفـتـيـات الأكـثـر جـمـالاً، أمّـا الـنّـاس الـبـسـطـاء فـلا يـهـتـمـون بـالـجـمـال، ويـعـطى لـهـم عـلى الـعـكـس مـبـالـغ مـن الـمـال إن تـزوجـوا بـالـفـتـيـات الأشـدّ قـبـحـاً. والأمـر أنّ الـمـنـادي، بـعـد أن يـبـيـع أجـمـل الـفـتـيـات يـطـلـب مـن أقـبـحـهـنّ أن تـقـوم ويـعـطـيـهـا لـمـن أرادهـا بـأخـس ثـمـن، وهـكـذا يـنـفـق الـمـال الّـذي جـمـع مـن تـزويـج الـجـمـيـلات لـتـزويـج الـقـبـيـحـات وذوات الـعـاهـات. ولـم يـكـنّ لأحـد الـحـق في تـزويـج ابـنـتـه بـمـن يـشـاء، ولـيـس لأحـد الـحـقّ في اصـطـحـاب الـفـتـاة الّـتي اشـتـراهـا مـن غـيـر كـفـلاء يـكـفـلـون بـأنّـه سـيـتـزوّجـهـا. وإنّ لـم يـحـلّ الـوفـاق بـيـن الـزّوجـيـن فـالـقـانـون يـنـصّ عـلى أن يـعـاد لـلـرّجـل الـمـال الّـذي اشـتـرى بـه الـمـرأة. وكـان يـسـمـح أيـضـاً لأهـل الـبـلـدات الـمـجـاورة بـأن يـشـاركـوا في الـمـزاد. وكـان هـذا قـانـونـاً لا مـثـيـل لـه في الـجـودة، ولـكـنّـه أهـمـل الآن ولـم يـعـد لـه اسـتـعـمـال. وقـد تـبـنّـوا مـنـذ فـتـرة قـصـيـرة مـن الـزّمـن قـوانـيـن أخـرى لـيـحـمـوا بـنـاتـهـنّ مـن أن تـسـاء مـعـامـلـتـهـنّ أو أن يـأخـذن إلى بـلـد غـريـب، فـمـنـذ سـقـوط بـابـل الّـتي نـتـج عـنـهـا خـرابـهـم وتـعـاسـتـهـم، أجـبـر الـنّـاس الـمـدقـعي الـفـقـرعـلى دفـع بـنـاتـهـم لـلـعـهـارة.

(197)    وهـذا هـو قـانـونـهـم الـثّـاني في درجـات الـحـكـمـة : فـهـم يـحـمـلـون مـرضـاهـم  ويـضـعـونـهـم في الأمـاكـن الـعـامـة ، فـلـيـس عـنـدهـم أطـبّـاء. ويـقـتـرب الـمـارّة مـن الـمـرضى، ويـغـدق عـلـيـهـم الـنّـصـائـح مـن كـان قـد أصـيـب مـنـهـم بـمـرض مـثـلـه أو رأى مـن أصـيـب بـه، ويـذكـرون لـهـم الأدويـة الّـتي جـلـبـت لـهـم الـشّـفـاء أو لآخـريـن يـعـرفـونـهـم. ولـيـس لإنـسـان أن يـمـرّ أمـام مـريـض مـن غـيـر أن يـكـلّـمـه، أو أن يـكـمـل طـريـقـه مـن غـيـر أن يـسـتـجـوبـه عـن مـرضـه.

(198)     وهـم يـدهـنـون أجـداث مـوتـاهـم بـالـعـسـل، وتـراتـيـل الـنّـدب عـنـدهـم تـشـبـه مـا عـنـد الـمـصـريـيـن.

وعـنـدمـا يـدخـل الـبـابـلي عـلى عـروسـه يـحـرق بـخـوراً ويـجـلـس قـربـه لـيـطـهّـر بـه جـسـده، وتـفـعـل الـعـروس نـفـس الـشّئ. ويـغـتـسـلان في الـفـجـر، فـلا يـمـكـن لأحـدهـمـا أن يـمـسّ الآخـر إلّا إذا اغـتـسـلا. ولـلـعـرب أيـضـاً نـفـس هـذه الـعـادة.

(199)     وأشـدّ قـوانـيـن الـبـابـلـيـيـن عـاراً هـو هـذا الّـذي يـجـبـر كـلّ امـرأة عـلى أن تـذهـب مـرّة في حـيـاتـهـا إلى مـعـبـد أفـروديـت لـتـضـاجـع غـريـبـاً لا تـعـرفـه. وكـثـيـر مـن الـنّـسـاء لا يـقـبـلـن الإخـتـلاط  بـالأخـريـات ويـأتـيـن بـعـربـات مـغـلـقـة وحـولّـهـن عـدد مـن الـخـدم. ولـكـن الأمـر يـجـري عـادة عـلى هـذا الـشّـكـل : تـجـلـس الـنّـسـاء في الـحـوش الـمـقـدّس لـمـعـبـد أفـروديـت ، وقـد ربـطـن حـبـلاً حـول رؤوسـهـنّ ، وهـنّ كـثـيـرات دائـمـاً فـعـنـدمـا يـخـرج بـعـضـهـنّ يـدخـل بـعـض آخـر. ويـسـيـر الـرّجـال في مـسـالـك أحـيـطـت بـحـبـال مـشـدودة لـتـحـددهـا ، تـمـرّ بـيـن الـنّـسـاء لـيـخـتـاروا مـن بـيـنـهـنّ مـن يـهـوون. ولايـمـكـن لامـرأة جـلـسـت في هـذا الـمـكـان أن تـعـود إلى دارهـا قـبـل أن يـلـقي رجـل بـقـلـيـل مـن الـمـال عـلى ركـبـتـيـهـا (في حـضـنـهـا) لـيـضـاجـعـهـا خـارج الـمـعـبـد.

وعـلى الـرّجـل، عـنـدمـا يـلـقي بـالـمـال عـلى الـمـرأة أن يـقـول : “أدعـو الإلـهـة مـيـلـيـتـا Mylitta (مـيـلـيـتـا هـو الاسـم الآشـوري لأفـروديـت ). ومـهـمـا كـان مـبـلـغ الـمـال  فـالـمـرأة لا تـرفـض أبـداً : لـيـس لـهـا الـحـق في ذلـك  فـهـذا الـمـال مـقـدّس. وهي تـتـبـع أوّل رجـل يـلـقي عـلـيـهـا بـالـمـال ولا يـمـكـنـهـا رفـض أحـد. وبـعـد أن تـؤدي الـمـرأة واجـبـهـا نـحـو الإلـهـة تـعـود إلى دارهـا ، ولا يـسـتـطـيـع أحـد بـعـدهـا أن يـهـديـهـا مـا يـكـفي مـن الـمـال لـيـغـويـهـا. والـجـمـيـلات مـنـهـنّ يـعـدن إلى دورهـنّ بـسـرعـة، أمّـا الـقـبـيـحـات فـيـنـتـظـرن طـويـلاً قـبـل أن يـؤديـن واجـبـهـنّ، و بـعـضـهـنّ يـبـقـيـن ثـلاث أو أربـع سـنـوات. وهـنـاك مـثـل هـذه الـعـادة في مـكـان مـا مـن جـزيـرة قـبـرص.

(200)    وهـذه هي قـوانـيـن الـبـابـلـيـيـن. وكـان هـنـاك في هـذا الـبـلـد ثـلاث قـبـائـل لا يـأكـل أهـلـهـا إلّا الـسّـمـك. ومـا أن يـصـاد الـسّـمـك حـتّى يـجـفـف في الـشّـمـس ويـعـدّ بـالـطـريـقـة الـتّـالـيـة : يـسـحـق بـالـمـدقّ ثـمّ يـدلـق عـلى قـطـعـة قـمـاش خـفـيـف لـيـصـفّى ثـمّ يـأكـل عـصـيـدة أو مـخـبـوزاً كـالـخـبـز.

ثـورة الـبـابـلـيـيـن عـلى الإحـتـلال الـفـارسي :

هيرودوت 5

يـتـكـلّـم هـيـرودوت في الـكـتـاب الـثّـالـث عـن ثـورة الـبـابـلـيـيـن ضـدّ الـفـرس الأخـمـيـنـيـيـن. ونـحـن نـعـرف أنّ بـابـل ثـارت مـرتـيـن في زمـن داريـا الأوّل : الأولى في 522 قـبـل الـمـيـلاد، والـثّـانـيـة في 521، ولـكـن يـبـدو أنّ الـثّـورة الّـتي يـذكـرهـا هـيـرودوت لـم تـحـدث في زمـن داريـا وإنّـمـا حـدثـت حـوالي عـام 479  ق.م. في زمـن خـرخـيـس الّـذي خـلـف داريـا عـلى عـرش الأخـمـيـنـيـيـن.

(150)    وبـعـد أن خـرج [الـفـرس] في حـمـلـة ضـدّ سـامـوس، ثـارأهـل بـابـل. وكـانـوا قـد أعـدوا عـدتـهـم لـلـتّـمـرّد فـقـد اغـتـنـمـوا فـتـرة الإضـطـرابـات في زمـن حـكـم الـمـجـوسـي وثـورة الـسّـبـعـة لـيـجـمـعـوا الـمـؤونـة والـسّـلاح ويـسـتـعـدوا لـمـواجـهـة حـصـار طـويـل، وقـد فـلـحـوا في الأمـر مـن غـيـر أن يـنـتـبـه الـفـرس لـمـا كـانـوا يـفـعـلـون. وعـنـدمـا انـفـجـر الـتّـمـرد وضـعـوا أمـهـاتـهـم جـانـبـاً ولـم يـبـق أحـد مـنـهـم إلّا زوجـة واحـدة في داره، وجـمـعـت الأخـريـات وخـنـقـن. إحـتـفـظ كـلّ مـنـهـم بـامـرأة لـتـعـدّ لـه الـطّـعـام وخـنـق الأخـريـات لـيـقـتـصـد في الـنّـفـقـات.

(151)    وعـنـدمـا وصـل الـخـبـر إلى داريـا، جـمـع قـواتـه وسـار نـحـو بـابـل. ثـمّ ضـرب الـحـصـار أمـام أسـوارهـا، وهـو مـا لـم يـهـتـمّ لـه أهـل الـمـديـنـة : وكـانـوا يـصـعـدون إلى أعـلى الـسّـور ويـسـخـرون مـن داريـا وجـيـشـه بـالـتّـكـشـيـرات والـكـلام وكـان أحـدهـم يـصـيـح : “مـا جـدوى إضـاعـتـكـم لـوقـتـكـم هـنـا، يـا أيـهـا الـفـرس، بـدلاً مـن الـرّجـوع إلى دوركـم ؟ سـتـدخـلـون هـذه الـمـديـنـة عـنـدمـا سـتـحـمـل الـبـغـال وتـلـد صـغـاراً !” وكـان الـبـابـلـيـون لا يـتـصـورون أن تـلـد بـغـلـة صـغـاراً أبـداً.

(152)    وبـعـد أن دام الـحـصـار سـنـة وسـبـعـة أشـهـر حـنـق داريـا واغـتـاظ ، واغـتـاظ جـيـشـه مـعـه ، أمـام عـجـزهـم عـن فـتـح بـابـل. وكـان قـد حـاول كـلّ مـا كـان في وسـعـه، وخـاصـة مـا فـعـلـه كـورش قـبـلـه، ولـكـنّـه لـم يـصـل إلى نـتـيـجـة، فـقـد كـانـت الـمـديـنـة مـحـكـمـة الـدّفـاع ويـسـتـحـيـل أن تـأخـذ بـغـتـة.

(153)   وفي الـشّـهـر الـعـشـريـن مـن الـحـصـار حـدث عـنـد زوفـيـر Zophyre بـن مـيـقـابـيـز Mégabyze  (مـيـقـابـيـز الّـذي شـارك في ثـورة الـسّـبـعـة ضـدّ الـمـجـوسي)، قـلـنـا حـدث عـنـد ابـنـه زوفـيـر مـا لـم يـسـمـع بـه بـشـر مـن قـبـل : ولـدت بـغـلـة مـن بـغـالـه صـغـيـراً. ولـم يـصـدّقـه أوّلاً عـنـدمـا أخـبـر بـه، وأراد أن يـرى الـصّـغـيـر بـأمّ عـيـنـيـه، ثـمّ مـنـع الّـذيـن عـرفـوا بـذلـك مـن أن يـذيـعـوا الـخـبـر، وجـلـس يـفـكّـر. وتـذكّـر الـبـابـلي الّـذي صـاح في بـدايـة الـحـصـار إنّ الـمـديـنـة لـن تـسـقـط إلّا عـنـدمـا سـتـحـمـل الـبـغـال وتـلـد صـغـاراً، ولـهـذا اعـتـقـد [ زوفـيـر] أنّ بـابـل سـتـسـقـط لا شـكّ في ذلـك، فـقـد شـاءت الأقـدار أن يـقـول الـبـابـلي مـا قـال ثـمّ أن تـلـد الـبـغـلـة مـا ولـدت.

(154)    وبـدا لـه سـقـوط بـابـل حـتـمـاً لا بـد أن يـقـع، ثـمّ ذهـب بـيـن يـدي داريـا يـسـألـه إن أراد حـقّـاً أخـذ الـمـديـنـة. وعـنـدمـا تـأكـد أنّ الـمـلـك مـازال يـرغـب في فـتـح الـمـديـنـة فـكّـر مـن جـديـد بـحـيـلـة تـتـيـح لـه فـتـحـهـا وحـده لـيـكـون لـه وحـده الـشّـرف والـمـجـد ــ لأنّ الأعـمـال الـبـاهـرة عـنـد الـفـرس تـؤدي إلى أعـلى مـراتـب الـشّـرف. ولـيـسـتـولي عـلى الـمـديـنـة لـم يـجـد حـيـلـة غـيـر تـشـويـه نـفـسـه والـهـرب عـنـد الأعـداء لـيـطـلـب مـنـهـم الـنّـجـدة. وهـكـذا، كـمـا لـولـم يـكـن لـلأمـر قـيـمـة، شـوّه جـسـده تـشـويـهـاً فـظـيـعـاً : جـذع أنـفـه وقـطـع أذنـيـه، وحـلـق شـعـر رأسـه كـالـمـجـرمـيـن ومـزّق جـلـد ظـهـره بـضـربـات الـسّـيـاط، ووقـف هـكـذا بـيـن يـدي الـمـلـك داريـا.

(155)    وتـأثّـر الـمـلـك عـنـدمـا رأى حـالـة هـذا الـنّـبـيـل الـرّفـيـع الـمـقـام ، ونـهـض مـن عـلى عـرشـه صـائـحـاً يـريـد أن يـعـرف مـن فـعـل بـه هـذا الـفـعـل الـشّـنـيـع، ولأي سـبـب فـعـلـه. وأجـابـه زوفـيـر : “لـيـس مـن إنـسـان مـا عـداي يـجـرؤ عـلى أن يـفـعـل بـي مـثـل هـذا الـفـعـل، ولـم تـقـتـرب مـنّي يـامـولاي يـدّ غـريـب. وأنـا الّـذي شـوهـت نـفـسي بـنـفـسي حـنـقـاً مـن رؤيـة الآشـوريـيـن يـسـخـرون مـن الـفـرس”. فـقـال لـه الـمـلـك : “مـا أشـقـاك ! تـريـد أن تـسـمي أشـنـع الأفـعـال هـذا بـأجـمـل الأسـمـاء، وتـدّعي أنّـك فـعـلـت مـا فـعـلـت غـيـظـاً مـن الآشـوريـيـن الّـذيـن نـحـاصـرهـم ! هـل تـمـلـكـك الـجـنـون ؟ ومـانـفـع تـشـويـهـك لـنـفـسـك ؟ وهـل سـيـعـجّـل هـذا مـن اسـتـسـلام الأعـداء ؟ لا شـكّ في أنّـك فـقـدت عـقـلـك عـنـدمـا فـعـلـت بـنـفـسـك مـا فـعـلـت ! “.

فـأجـابـه زوفـيـر : “لـو كـنـت قـد أخـبـرتـك بـمـشـروعي لـمـنـعـتـني مـن تـنـفـيـذه، ولـهـذا لـم أسـتـشـر إلّا نـفـسي. وهـكـذا لـن تـرفـض مـسـاعـدتي، فـنـحـن نـشـدّ قـبـضـتـنـا عـلى بـابـل. سـأذهـب في حـالـتي هـذه الّـتي أنـا عـلـيـهـا إلى الـمـديـنـة أطـلـب الـلـجـوء مـدّعـيـاً أنـني كـنـت ضـحـيـة عـنـفـك. وإذا اسـتـطـعـت أن أقـنـعـهـم بـهـذا، فـأنـا أظـنّ أنّـهـم سـيـضـعـوني عـلى رأس كـتـيـبـة مـا. إنـتـظـر الـيـوم الـعـاشـر بـعـد دخـولي الـمـديـنـة واخـتـر مـن بـيـن جـنـدك حـوالي ألـف رجـل مـمـن لـن تـأسـف عـلى الـتّـضـحـيـة بـهـم، وضـعـهـم أمـام الـبـوابـة الـمـسـمـاة بـبـوابـة سـمـيـرامـيـس. ثـمّ انـتـظـر سـبـعـة أيّـام بـعـدهـا وضـع ألـفي رجـل أمـام الـبـوابـة الـمـسـمـاة بـبـوابـة الـنّـيـنـويـيـن . وبـعـد ذلـك انـتـظـر أيـضـاً عـشـريـن يـومـاً وضـع أربـعـة آلف رجـل أمـام الـبـوابـة الـمـسـمـاة بـبـوابـة الـكـلـدانـيـيـن. ولا تـعـط كـلّا مـنـهـم كـسـلاح إلّا خـنـجـراً يـدافـع بـه عـن نـفـسـه. ثـمّ انـتـظـر عـشـريـن يـومـاً أخـرى، وأأمـر بـهـجـوم شـامـل عـلى الأسـوار، وضـع جـنـود الـفـرس خـاصـة أمـام بـابي بـعـل وكـيـسي (كـيـش) (6)، فـأنـا أظـنّ أنّ الـبـابـلـيـيـن بـعـد ذلـك سـيـوكـلـونـني بـشـؤون الـدّفـاع وسـيـعـطـوني مـفـاتـيـح أبـواب الـمـديـنـة. وعـليّ بـعـدهـا أن أغـتـنـم الـفـرصـة وعـلى الـفـرس أن يـتـبـعـوني”.

(156)    وبـعـد أن قـدّم (زوفـيـر) هـذه الـتّـوصـيـات، سـار نـحـو الـمـديـنـة، وهـو يـسـتـديـر بـيـن الـحـيـن والـحـيـن خـلـفـه كـمـا يـفـعـل الـهـارب الـمـذعـور. ومـن أعـالي الأسـوار، رآه حـرّاس الـبـاب الّـذي اقـتـرب مـنـه، ونـزلـوا مـسـرعـيـن وفـتـحـوا بـعـض مـصـراع الـبـاب لـيـسـألـوه عـن اسـمـه وعـمّـا كـان يـريـد.  فـأخـبـرهـم أنّ اسـمـه زوفـيـر وأنّـه يـطـلـب الـلـجـوء إلـيـهـم. وعـنـدهـا قـادوه إلى أعـيـان الـمـديـنـة : وشـرع يـأنّ ويـنـوح بـيـن أيـديـهـم ويـتّـهـم الـمـلـك داريـا بـتـشـويـهـه عـقـابـاً لـه عـلى نـصـيـحـتـه بـرفـع الـحـصـار عـن الـمـديـنـة بـعـد أن فـشـلـت كـلّ الـمـحـاولات لـفـتـحـهـا. “ولـكـنّ وجـودي هـنـا الآن سـيـكـون لـكـم مـنـه يـا أهـل بـابـل نـفـع عـظـيـم، وسـيـكـون لـداريـا وجـنـد الـفـرس مـنـه ضـرّ شـديـد. ولـن أتـرك لـداريـا أن يـفـرح مـن تـشـويـهـه لي ! وعـلى كـلّ حـال فـأنـا أعـرف تـمـام الـمـعـرفـة كـلّ مـشـاريـعـه “. هـذا مـا قـالـه لـهـم.

( 157)    وعـنـدمـا رأى الـبـابـلـيـون هـذا الـفـارسي الـرّفـيـع الـمـقـام وقـد جـذع أنـفـه وقـطـعـت أذنـاه، ومـزقـت جـلـد ظـهـره ضـربـات الـسّـيـاط  حـتّى غـطّـت الـدّمـاء كـلّ جـسـده صـدّقـوا أقـوالـه وادعـاءه الـرّغـبـة في مـحـالـفـتـهـم وارتـضـوا أن يـقـبـلـوا طـلـبـه. وطـلـب مـنـهـم كـتـائـب يـقـودهـا. وعـنـدمـا وضـعـوهـا تـحـت أمـره فـعـل مـا كـان قـد اتـفـق عـلـيـه مـع الـمـلـك داريـا : وفي الـيـوم الـتّـالي أخـرج الـمـلـك داريـا ألـفـاً مـن رجـالـه، فـأحـاطـهـم (زوفـيـر) بـكـتـائـب بـابـل وقـتـلـهـم جـمـيـعـاً. وتـهـلـل الـبـابـلـيـون لـمـا رأوا أنّ أفـعـالـه تـصـدق أقـوالـه، ووثـقـوا بـه ثـقـة مـا بـعـدهـا ثـقـة. وانـتـظـر عـدد الأيّـام الّـتي كـان قـد اتـفـق عـلـيـهـا مـع الـمـلـك داريـا وخـرج عـلى رأس كـتـيـبـة مـن خـيـرة مـقـاتـلي بـابـل ومـحـق الألـفي رجـل الّـذيـن أخـرجـهـم لـه داريـا. وبـعـد هـذا الـنّـصـر الـمـبـيـن أصـبـح زوفـيـر بـطـلاً لا مـثـيـل لـه عـنـد أهـل بـابـل. وانـتـظـر مـن جـديـد عـدد الأيّـام الّـتي كـان قـد اتـفـق عـلـيـهـا مـع الـمـلـك داريـا وخـرج عـلى رأس كـتـيـبـة وأفـنى الأربـعـة آلاف رجـل الّـذيـن أخـرجـهـم لـه داريـا. وصـار زوفـيـر بـعـد هـذا الـنّـصـرالأخـيـر أعـلى رجـال الـمـديـنـة وعـيّـن قـائـداً لـلـجـيـش وحـامـيـاً لـلأسـوار.

( 158)    وظـهـرت حـيـلـة زوفـور واضـحـة لـلـعـيـان عـنـدمـا أرسـل الـمـلـك داريـا قـواتـه لـلـهـجـوم عـلى الأسـوار : فـبـيـنـمـا كـان الـبـابـلـيـون يـحـاولـون مـن أعـالي الأسـوار صـدّ هـجـمـات الـفـرس، فـتـح لـهـم زوفـيـر بـابي بـعـل وكـيـش وأدخـل قـواتـهـم في الـمـديـنـة.  والـتـجـأ مـن رأى ذلـك مـن أهـل بـابـل إلى مـعـبـد زيـوس بـعـل (أي مـردوخ )، وبـقي الآخـرون الّـذيـن لـم يـروا شـيـئـاً، في أمـاكـنـهـم إلى أن عـرفـوا هـم أيـضـاً بـخـيـانـة زوفـيـر.

( 159)   وهـكـذا سـقـطـت بـابـل لـلـمـرة الـثّـانـيـة تـحـت ضـربـات الـفـرس. وتـسـلّـط الـمـلـك داريـا عـلى الـمـديـنـة وأمـر بـهـدم أسـوارهـا وبـخـلـع أبـوابـهـا، وهـمـا أمـران كـان سـابـقـه كـورش قـد أهـمـل الـقـيـام بـهـمـا. وأمـر داريـا بـوضـع أعـيـان الـمـديـنـة عـلى خـوازيـق مـزّقـت أجـسـادهـم، وكـانـوا حـوالي ثـلاثـة آلاف رجـل، وتـرك لـبـاقي أهـل بـابـل الـحـقّ في الـبـقـاء في الـمـديـنـة. وأمـر بـأن يـؤتى لـهـم بـنـسـاء لـيـنـجـبـوا (فـقـد خـنـقـوا نـسـائـهـم إقـتـصـاداً في الـنّـفـقـات كـمـا ذكـرنـا في الـبـدايـة) : أجـبـر كـلّ سـكـان الـمـنـاطـق الـقـريـبـة أن يـبـعـث كـلّ قـوم مـنـهـم عـدداً مـن الـنّـسـاء لـيـصـل عـددهـنّ في نـهـايـة الأمـر إلى خـمـسـيـن ألـف. وسـكـان بـابـل في أيـامـنـا هـذه مـن نـسـلـهـنّ.

( 160)    وارتـفـع زوفـيـر في نـظـر الـمـلـك داريـا وصـارت قـيـمـتـه لا تـمـاثـلـهـا قـيـمـة أحـد في كـلّ بـلاد فـارس مـنـذ أقـدم الأزمـان حـتّى الـزّمـن الّـذي عـاش فـيـه، الـلـهـم إلّا كـورش الّـذي يـضـعـه الـفـرس في أعـلى الـمـراتـب. وقـد قـال الـمـلـك داريـا مـراراً إنّـه كـان سـيـعـطي بـابـل وعـشـريـن بـابـل مـثـلـهـا فـديـة لـكي يـتـحـاشى أن يـشـوه زوفـيـر نـفـسـه مـثـلـمـا فـعـل. وأغـدق عـلـيـه بـشـارات الإكـرام والـتّـقـديـر وكـان يـبـعـث لـه كـلّ عـام بـأكـرم الـهـدايـا الّـتي يـفـتـخـر بـهـا الـفـرس، وأعـطـاه بـابـل لـيـحـكـمـهـا مـا دام حـيّـاً وتـرك لـه ريـعـهـا ، ومـنـافـع كـثـيـرة أخـرى أيـضـاً. و زوفـيـر هـذا والـد مـيـقـبـيـز Megabyze الّـذي قـاد جـنـد الـفـرس ضـدّ أهـل أثـيـنـا وحـلـفـائـهـم. و مـيـقـبـيـز هـذا والـد زوفـيـر (الأصـغـر) الّـذي خـان الـفـرس وانـضـمّ إلى أهـل أثـيـنـا.

إعـتـمـدت في هـذه الـتّـرجـمـة عـلى الـطّـبـعـة الـفـرنـسـيـة الّـتي حـقـقـتـهـا أنـدريـه بـارغـيـت Andrée Barguet   ونـشـرتـهـا في دار نـشـرغـالـيـمـار 1964، وقـد اسـتـعـنـت بـبـعـض مـا كـتـبـتـه في الـمـقـدمـة والـمـلاحـظات رغـم قـلّـة مـعـرفـتـهـا بـتـاريـخ بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن وصـحـحـت عـدداً مـن أخـطـائـهـا.

أنـظـر أيـضـاً :  تـاريـخ هـيـرودوت ، تـرجـمـة و تـحـقـيـق عـبـد الإلـه الـمـلاّح، الـمـجـمـع الـثّـقـافي 2001 ( 751 ص.). تـرجـمـة عـن الـطّـبـعـة الـمـنـقـحـة في 1936 لـلـتّـرجـمـة الإنـكـلـيـزيـة الّـتي قـام بـهـا رولـنـسـن.  هـيـرودوت ، سـلامـة ايـفـانـز ، ج. 1 ، الـقـاهـرة ، د. ن. ، د. ت. ( 192 ص.)

رحـلـة هـيـرودوت إلى مـصـر ، حـسـيـن كـامـل نـجـم ، الـقـاهـرة ، دار الـدّعـوة 1931.  سـيـتـلـر، هـيـرودوت ، الـقـاهـرة ، الـهـيـئـة الـعـامـة لـدار الـكـتـب والـوثـائـق الـقـومـيـة ، 1892 ( 143 ص.)

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  إنـتـصـر قـيـاخـار الـمـيـدي عـلى الـسّـيـثـيـيـن في 625 قـبـل الـمـيـلاد، وضـرب الـحـصـار أمـام نـيـنـوى في 614 وأسـقـطـهـا وخـربّـهـا في 612.  (2)  الـكـتـاب الأوّل ، الـمـقـطـع 106 ، ص. 97.   (3). الـكـتـاب الأوّل ، الـمـقـطـع 184 ، ص.138.  (4)  الـكـتـاب الأوّل ، الـمـقـطـع 178 ، ص. 135.  (5)  كـان عـرض الـسّـور إذن 25 مـتـراً وارتـفـاعـه 100 مـتـر.  (6)  الأبـواب الّـتي يـتـكـلـمّ عـنـهـا هـيـرودوت هي : بـاب سـمـيـرامـيـس = بـاب عـشـتـار في شـمـال الـمـديـنـة  بـاب الـكـلـدانـيـيـن = بـاب إنـلـيـل في الـجـنـوب ، بـاب بـعـل Belos  = بـاب مـردوخ، بـاب كـيـسي ( كـيـش) = بـاب زبـد، وهـمـا في الـشّـرق، وبـاب الـنّـيـنـويـيـن أو بـاب نـيـنـوس يـمـكـن أن يـكـون بـاب سـيـن (إلـه الـقـمـر) في الـشّـمـال.

“صـنـدوق الـدّنـيـا” كـمـا وصـفـتـه أجـاثـا كـريـسـتي

الـدكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

تـتـكـلّـم أجـاثـا كـريـسـتي عـن الـعـراق في مـواضـع كـثـيـرة مـن روايـتـهـا : “مـوعـد في بـغـداد  They Came to Baghdad” الّـتي صـدرت في 1951.

3908665867_4abbfbe118

وفي أحـد مـقـاطـعـهـا، كـانـت بـطـلـة الـقـصّـة فـيـكـتـوريـا جـونـزVictoria Jones  مـتـجـهـة بـالـسّـيّـارة بـصـحـبـة عـالـم الآثـار ريـشـارد بـيـكـر إلى مـوقـع الـتّـنـقــبـات الأثـريـة الّـذي كـان يـشـتـغـل فـيـه. وفي الـطـريـق الـوعـرة رأيـا رجـلـيـن يـتـجـهـان نـحـو الـسّـيّـارة :

“كـان أحـدهـمـا يـحـمـل عـلى ظـهـره نـوعـاً مـن الـمـصـطـبـة الـخـشـبـيـة، والآخـر آلـة مـن الـخـشـب بـحـجـم الـبـيـانـو الّـذي يـدعى بـالـبـيـانـو الـمـنـتـصـب. ونـاداهـمـا ريـشـارد فـسـلّـمـا عـلـيـه وعـلى وجـهـيـهـمـا كـلّ عـلامـات الـفـرح. وقـدّم لـهـمـا سـجـائـر وبـدا عـلـيـهـمـا أنّـهـمـا يـعـرفـانـه وهـو يـعـرفـهـمـا. ثـمّ اسـتـدار ريـشـارد نـحـوهـا [أي نـحـو فـيـكـتـوريـا] وسـألـهـا إن كـانـت تـحـبّ الـسّـيـنـمـا وهـل تـريـد أن تـشـاهـد عـرضـاً سـيـنـمـائـيـاً. وتـكـلّـم مـع الـرّجـلـيـن الـلـذيـن ابـتـسـمـا بـسـعـادة. ووضـعـا الـمـصـطـبـة وأشـارا لـفـيـكـتـوريـا وريـشـارد أن يـجـلـسـا عـلـيـهـا ثـمّ نـصـبـا الآلـة الـمـسـتـديـرة عـلى نـوع مـن قـاعـدة ثـبـتـاهـا عـلـيـهـا. وكـان في الآلـة ثـقـبـان. وعـنـدمـا نـظـرت فـيـكـتـوريـا مـن خـلالـهـمـا هـتـفـت : هـذا يـشـبـه “مـاذا رأى كـبـيـر الـخـدم  What the butler saw”.(1) وقـال ريـشـارد : تـمـامـاً، هـذا نـوع بـدائي مـنـهـا. وألـصـقـت فـيـكـتـوريـا عـيـنـيـهـا عـلى زجـاج الـثّـقـبـيـن وبـدأ أحـد الـرّجـلـيـن يـديـر ذراعـاً لـه قـبـضـة بـيـنـمـا شـرع الآخـر في نـوع مـن الـغـنـاء الـرّتـيـب.

صندوق الدنيا

وسـألـت فـيـكـتـوريـا : مـاذا يـقـول؟ وتـرجـم لـهـا ريـشـارد كـلـمـات الـغـنـاء الّـذي لـم يـتـوقـف : تـعـالـوا اقـتـربـوا وتـمـتـعـوا بـرؤيـة الـعـجـائـب والـغـرائـب. تـعـالـوا انـظـروا إلى عـجـائـب الـدّنـيـا الـقـديـمـة”. وظـهـرت أمـام عـيـنَي فـيـكـتـوريـا صـور فـجّـة الـتّـلـويـن لـزنـوج يـجـنـون قـمـحـاً : “فـلاحـون Fallahin في أمـريـكـا”، تـرجـم ريـشـارد كـلـمـات غـنـاء الـرّجـل. ثـم غـنّى بـعـد ذلـك :”زوجـة شـاه Shah الـغـرب الـعـظـيـم”، وظـهـرت الإمـبـراطـورة أوجـيـني [زوجـة إمـبـراطـور فـرنـسـا نـابـلـيـون الـثّـالـث] وهي تـتـغـنّـج وتـداعـب قـلادتـهـا بـأطـراف أصـابـعـهـا، ثـمّ صـورة لـقـصـر مـلـك الـمـونـت نـغـرو وأخـرى لـلـمـعـرض الـكـبـيـر The Great Exhibition.  وتـتـابـعـت مـجـمـوعـة عـجـيـبـة مـن صـور مـتـنـوعـة لا عـلاقـة لـلـواحـدة مـنـهـا بـالأخـرى وشـرحـت في بـعـض الأحـيـان بـصـورة غـريـبـة. وأكـمـلـت صـورالأمـيـر زوج الـمـلـكـة و دزرائـيـلي ويـنـابـيـع الـمـيـاه الـحـارّة في الـنّـرويـج  ومـتـزلـجـيـن عـلى الـجـلـيـد في سـويـسـرة هـذه الـلـمـحـات الـغـريـبـة لـمـشـاهـد قـديـمـة أكـل الـدّهـر عـلـيـهـا وشـرب.

وأنـهى الـرّجـل عـرضـه بـهـذه الـكـلـمـات : “وهـكـذا قـدّمـنـا لـكـم عـجـائـب الـمـاضي وغـرائـبـه مـن بـلـدان بـعـيـدة وأمـاكـن قـاصـيـة. ولـيـنـاسـب كـرمـكـم انـبـهـاركـم بـمـا رأيـتـم، فـكـلّ مـا رأيـتـمـوه مـوجـود حـقـيـقـة”. إنـتـهى الـعـرض وابـتـسـمـت فـيـكـتـوريـا بـبـهـجـة وقـالـت : ” كـان هـذ عـجـيـبـاً حـقّـاً. مـا كـنـت أتـصـور حـتّى وجـوده”. وكـان صـاحـبـا هـذه الـسّـيـنـمـا الـمـتـنـقّـلـة يـبـتـسـمـان بـافـتـخـار. ونـهـضـت فـيـكـتـوريـا مـن الـمـصـطـبـة مـلـقـيـة عـلى الأرض بـريـشـارد الّـذي كـان جـالـسـاً عـلى طـرفـهـا الـمـقـابـل. واعـتـذرت مـنـه فـيـكـتـوريـا  رغـم أنّـهـا تـسـلّـت بـسـقـوطـه. وبـعـد أن دفـع ريـشـارد مـبـلـغـاً مـن الـمـال لـرجـلي الـسّـيـنـمـا ودّع الـجـمـع بـعـضـهـم الـبـعـض بـتـعـابـيـر ودّيـة وتـمـنـيـات بـالـصّـحـة والـسّـلامـة والـدّعـاء لـهـم بـبـركـة الله وحـفـظـه. وتـفـرّق الـشّـمـل، فـتـوجـه ريـشـارد وفـيـكـتـوريـا نـحـو الـسّـيّـارة بـيـنـمـا أكـمـل الـرّجـلان طـريـقـهـمـا خـلال الـبـاديـة. وسـألـت فـيـكـتـوريـا : “إلى أيـن يـذهـبـان؟” وأجـاب ريـشـارد : “يـكـمـلان سـفـرهـمـا في أرجـاء الـبـلاد. إلـتـقـيـت بـهـمـأ أوّل مـرّة في الأردن، وكـانـا مـتّـجـهـيـن مـن الـبـحـر الـمـيّـت إلى عـمّـان. وهـمـا يـذهـبـان الآن إلى كـربـلاء، يـسـلـكـان طـرقـاً لا يـرتـادهـا إلّا قـلّـة مـن الـنّـاس لـيـعـرضـا صـورهـمـا في الـقـرى الـمـنـعـزلـة”. وقـالـت فـيـكـتـوريـا: ” ربّـمـا سـتـتـوقـف سـيّـارة في الـطّـريـق لـيـركـبـا فـيـهـا”. وضـحـك ريـشـارد : ” وربّـمـا لـن يـقـبـلا الـرّكـوب فـيـهـا. وقـد أوقـفـت سـيّـارتي مـرةً لأُركِـب رجـلاً عـجـوزاً كـان يـسـيـر مـن الـبـصـرة إلى بـغـداد. وسـألـتـه كـم كـان يـتـوقـع أن يـدوم سـيّـره حـتّى يـصـل، فـأجـابـني : حـوالي شـهـريـن. ورجـوتـه أن يـركـب ووعـدتـه أنّـه سـيـصـل إلى بـغـداد في الـمـسـاء، ولـكّـنـه شـكـرني رافـضـاً. شـهـران عـلى الـطّـريـق هـو كـلّ مـا كـان يـنـاسـب وقـع قـدمـيـه، والـزّمـن لا يـعـني شـيـئـاً هـنـا. وعـنـدمـا تـدخـل هـذه الـفـكـرة في ذهـن الإنـسـان يـجـد سـعـادة غـريـبـة في الـتّـمـتـع بـهـا”. قـالـت فـيـكـتـوريـا : “نـعـم، يـمـكـنـني أن أفـهـم هـذا”. وقـال ريـشـارد : “الـعـرب لا يـفـهـمـون قـلّـة صـبـر الـغـربـيـيـن واسـتـعـجـالـهـم لإنـهـاء مـا يـقـومـون بـه، ويـعـتـبـرون أنّ عـادتـنـا في الـتّـوصـل حـالاً إلى جـوهـر الـمـوضـوع خـلال الـحـديـث مـعـهـم  يـنـقـصـهـا الأدب. فـيـنـبـغي أن يـجـلـس الـمـرء ويـثـرثـر لـمـدة سـاعـة [قـبـل أن يـصـل إلى هـدفـه] أو حـتّى أن يـجـلـس ولا يـفـتـح فـمـه”. قـالـت فـيـكـتـوريـا : سـيـكـون هـذا غـريـبـاً لـو فـعـلـنـاه في مـكـتـب في لـنـدن. فـيـه مـضـيـعـة لـلـوقـت”. قـال ريـشـارد : “نـعـم، ولـكـنّ هـذا يـرجـعـنـا إلى الـتّـسـاؤل : مـاهـو الـوقـت؟ ومـاذا يـعـني تـضـيـيـعـه؟”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  جـاءت الـتّـسـمـيـة مـن أنّ الإنـكـلـيـز يـتـهـمـون الـخـدم بـالـتّـجـسـس عـلى سـادتـهـم في الـدّور الّـتي يـعـمـلـون بـهـا، وبـأنّ رئـيـس الـخـدم كـان يـنـظـر مـن ثـقـوب أقـفـال الأبـواب لـكي يـعـرف مـا يـجـري

فـريـا مـادلـيـن ســتـارك والـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

 

الـقـسـم الأوّل ــ عـاشـقـة الـشّـرق

قـرأت قـبـل سـنـوات كـتـابـاً صـدر في نـيـو يـورك عـام 2001 عـن فـريـا مـادلـيـن ســتـارك Freya Madeline STARK ،كـتـبـتـه  Jane Fletcher Geniesse, عـنـوانـه : Passionate Nomad, The Life of Freya Stark.

وقـد ذكّـرتـني بـه عـدّة كـتـب صـدرت حـديـثـاً خـصـصـت فـصـولاً كـامـلـة لـهـذه الـمـغـرمـة بـالـشّـرق. ومـع ذلـك يـبـقى كـتـاب   Geniesse  مـن بـيـن أحـسـن مـا كـتـب عـن هـذه الـبـريـطـانـيـة الـعـاشـقـة لـبـغـداد. وأظـنّ أن حـيـاة فـريـا ســتـارك تـسـتـحـق أن أضـيـف مـقـالاً قـصـيـراً إلى كـلّ مـاكـتـب عـنـهـا :

طـفـولـة فـريـا مـادلـيـن :

ولـدت فـريـا مـادلـيـن ســتـارك في بـاريـس، فـرنـسـا سـنـة 1893 مـن أبـويـن بـريـطانـيـيـن. كان أبـوهـا روبـرت قـد درس الـرّسـم  في رومـا، والـتـقى بـامّـهـا فـلـورا الّـتي كـانـت قـد نـشـأت وتـرعـرعـت في فـلـورنـسـا، والّـتي كـانـت هي أيـضـا ًرسّـامـة وعـازفـة بـيـانـو. كـانـت فـريـا مـنـذ طفـولـتـهـا سـيـئـة الـصّـحـة تـقـضي سـاعـات طـويـلـة مـن أيـامـهـا في الـقـراءة وتـكـلّـمـت الإنـكـلـيـزيـة والـفـرنـسـيـة والإيـطالـيـة في فـتـرة مـبـكـرة مـن حـيـاتـهـا.

ودخـل الـشّـرق في مـخـيـلـة فـريـا مـنـذ سـنّ الـتّـاسـعـة عـنـدمـا أهـدتـهـا إحـدى عـمـاتـهـا تـرجـمـة ألـف لـيـلـة ولـيـلـة “Arabian Nights”.

وفي سـنـوات طـفـولـة فـريـا تـوتـرت الـعـلاقـات بـيـن أمّـهـا وأبـيـهـا، وتـركـت أمّـهـا الـدّار مـصـطـحـبـة أطـفـالـهـا وذهـبـت لـتـعـيـش في شـمـال إيـطالـيـا. وعـمـلـت فـريـا كـمـمـرضـة في إيـطالـيـا خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى، ثـمّ عـادت في نـهـايـتـهـا إلى بـيـت أمّـهـا. واستـمـرت تـقـرأ رحـلات الأوربـيـيـن إلى الـشّـرق مـمـا دفـعـهـا إلى دراسـة الـلـغـة الـعـربـيـة.

فـريـا تـتـعـلّـم الـلـغـة الـعـربـيـة :

وجـدت فـريـا راهـبـاً كـابـوشـيـاً كان قـد عـاش ثـلاثـيـن سـنـة في بـيـروت قـبـل أن يـعـود إلى إيـطـالـيـا ويـدخـل ديـراً في San Remo .ولـمـدة سـنـوات سـارت فـريـا مـن الـحـقـل الّـذي كـانـت تـعـمـل فـيـه سـاعـة كـامـلـة لـتـصـل إلى أقـرب مـحـطة قـطـار ثـمّ تـركـب الـقـطـار الـمـغـادر إلى سـان ريـمـو، عـدّة مـرّات في الأسـبـوع. وقـضـت سـنـوات طـويـلـة تـتـابـع دروس الـرّاهـب وتـحـفـظ الأفـعـال الـعـربـيـة وتـصرفـهـا. ثـمّ سـافـرت إلى لـنـدن عـام 1926، وكـانـت في الـثّـالـثـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـرهـا ووجـدت أسـتـاذاً مـصـريـاً سـاعـدهـا في دراسـتـهـا لـلـعـربـيـة.

فـريـا تـسـافـر إلى الـشّـرق وتـصـل إلى الـعـراق :

وفي 1927 تـركـت فـريـا أمّـهـا والـحـقـل نـهـائـيـاً لـتـعـود إلى لـنـدن وتـدخـل في مـعـهـد الـدّراسـات الـشّـرقـيـة London school of Oriental Studies  وعـنـدمـا جـمـعـت مـا يـكـفي مـن الـنّـقـود لـشـراء بـطـاقـة سـفـر عـلى بـاخـرة، إسـتـقـلـتـهـا في خـريـف ذلـك الـعـام نـحـو بـيـروت، ثـمّ ذهـبـت إلى دمـشـق و زارت جـبـل الـدّروز.

وفي 25 تـشـريـن الـثّـاني 1929 وصـلـت فـريـا إلى بـغـداد الّـتي كـانـت مـديـنـة مـتـعـددة الـلـغـات والـثّـقـافـات والأعـراق. وقـد اسـتـفـزت الأوربـيـيـن، وخـاصـة الـبـريـطـانـيـيـن عـنـدمـا اخـتـارت لـهـا سـكـنـاً في حي شـعـبي لـتـسـتـطـيـع أن تـخـتـلـط بـالـنّـاس وتـحـسّـن لـغـتـهـا، كـمـا تـابـعـت دروسـاً في الـقـراءة والـكـتـابـة في مـدرسـة مـع بـنـات صـغـيـرات.

ونـعـرف أنّـهـا زارت طـاق كـسـرى، وسـافـرت إلى الـمـوصـل وزارت مـوقـع نـيـنـوى، كـمـا زارت تـكـريـت، وتـحـجـبـت لـتـزور الـكـاظـمـيـن والـنّـجـف.

ثـمّ قـامـت بـثـلاث سـفـرات في إيـران وأفـغـانـسـتـان بـحـثـاً عـن الأمـاكـن الّـتي عـاش فـيـهـا الـحـشـاشـون الإسـمـاعـيـلـيـة. وبـعـد انـتـهـاء رحـلـتـهـا في وديـان الـحـشـاشـيـن عـادت  إلى بـغـداد عـام 1931، وعـمـلـت مـحـررة في Baghdad Times  في 1932، وفـيـهـا نـشـرت مـقـالات جـمـعـتـهـا بـعـد ذلك في كـتـاب نـشـرتـه في The Times Press Ltd. في بـغـداد تـحـت عـنـوان إسـكـيـتـشـات بـغـداديـة Baghdad sketches ،(وقـد اسـتـعـمـلـت كـلـمـة  sketches  هـنـا بـمـعـنـاهـا الـفـنّي أي الـتـخـطـيـطـات الـسّـريـعـة الّـتي يـنـفّـذهـا الـرّسـام).

F S 8

فـريـا في جـزيـرة الـعـرب :

نـشـرت فـريـا سـتـارك في عـام  1934 كـتـاب : “وادي الـحـشـاشـيـن              The Valleys of the Assassins” الّـذي تـتـكـلّـم فـيـه عـن سـفـراتـهـا في بلاد الـفـرس (إيـران وأفـغـانـسـتـان).

وفي 1933 بـدأت سـفـراتـهـا إلى حـضـرمـوت، وسـارت عـلى الـطّـرق الـقـديـمـة الّـتي كـانـت تـسـلـكـهـا تـجـارة الـلـبـان والـبـخـور حـتّى مـديـنـة شـبـوة، ونـشـرت عـنـهـا في 1936 كـتـاب “بـوابـات جـزيـرة الـعـرب الـجـنـوبـيـة : رحـلـة في حـضـرمـوت The Southern Gates of Arabia: A Journey in the Hadramaut”.  ثـمّ عـادت إلى حـضرمـوت في 1937ـ 1938، ونـشـرت كـتـاب “مـشـاهـدات في حـضرمـوت “Seen in the Hadramaut” في 1938، وكـتـاب “شـتـاء في جـزيـرة الـعـرب A Winter in Arabia” في 1940. وكـانـت فـريـا قـد اشـتـرت، حـسـب مـا تـذكـره رسـائـلـهـا، كـامـيـرا صـغـيـرة إلـتـقـطـت بـهـا عـدداً كـبـيـراً مـن الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة. وفي 1938 نـشـرت طـبـعـة ثـانـيـة مـن كـتـابـهـا “إسـكـتـشـات بـغـداديـة” بـعـد أن أضـافـت ثـمـانـيـة فـصـول كـتـبـتـهـا خـلال سـفـرة كـانـت قـد قـامـت بـهـا قـبـل ذلـك بـقـلـيـل

. F S 9

عـمـيـلـة مـخـابـرات في الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة :

ورغـم أنّ فـريـا ولـدت في بـاريـس وعـاشـت طـفـولـتـهـا وصـبـاهـا ومـطـلـع شـبـابـهـا في إيـطـالـيـا، ولـم تـزر لـنـدن إلّا بـعـد أن بـلـغـت الـثّـالـثـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـرهـا، فـقـد هـاجـت في نـفـسـهـا الـحـمـاسـة الـوطـنـيـة عـنـدمـا انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة. وعـمـلـت خـلالـهـا لـحـساب وزارة الـمـخـابـرات الـبـريـطانـيـة في عـدن وبـغـداد والـقـاهـرة، وأسـسـت في الـقـاهـرة جـمـعـيـة إخـوان الـحـريـة ضـدّ الـنّـازيـة  The Brotherhood of Freedom،الّـتي كـان هـدفـهـا إقـناع الـعـرب بـمـسـانـدة الـحـلـفـاء ضـد ّ الـمـحـور.

ثـمّ زارت الـعـراق مـن جـديـد عـام 1940 وقـامـت بـرحـلـة إلى كـردسـتـان وسـافـرت في مـنـطـقـة الأهـوار وإلى الـكـويـت. وفي أواخـر1941 أسـسـت فـرعـاً مـن جـمـعـيـتـهـا “إخـوان الـحـريـة” في الـبـصـرة. ونـعـرف مـن رسـائـلـهـا أنّـهـا  كانـت في بـغـداد في1941 عـنـدما حاصـر  الإنـكلـيـز الـمـديـنـة وأسـقـطـوا حـكـومـة رشـيـد عـلي الـكـيـلاني. وفي عـام 1942 نـشـرت فـريـا “رسـائـل مـن سـوريـا Letters from Syria ” الّـتي عـربـت فـيـهـا اسـمـهـا إلى “ثـريـا”، ونـشـرت في 1945 “الـشّـرق هـو الـغـرب  East is West”. وفي هـذيـن الـكـتـابـيـن تـتـكـلّـم فـريـا عـن تـجـاربـهـا في الـشّـرق خـلال الـحـرب. فـريـا في إنـكـلـتـرة : وتـقـديـراً لـخـبـرتـهـا وحـنـكـتـهـا الـدّبـلـومـاسـيـة بـعـثـتـهـا الـحكـومـة الـبـريـطانـيـة بـعـد الـحـرب إلى الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة لـمـواجـهـة الـدّعـايـة الـصّـهـيـونـيـة الـمـوجـهـة ضـدّ الـحـمـايـة الـبـريـطـانـيـة لـفـلـسـطـيـن.

وتـزوّجـت فـريـا عـام 1947، وكـانـت في الـرّابـعـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـرهـا   بـ Mr Stewart Perowne  دبـلـومـاسي ومـؤرّخ كـانـت قـد الـتـقـت بـه عـنـدمـا كـان ضابـطـاً في الـجـيـش، ولـهـذا عـرفـت أيـضـاً بـاسـم Mrs Stewart Perowne ،ولـكـنّـهـمـا انـفـصـلا بـعـد خـمـس سـنـوات. ولـم يـصـدرحـكـم بـطـلاقـهـمـا فـاسـتـمـرت تـحـمـل اسـم زوجـهـا في الأوراق الـرّسـمـيـة.

Stark-perowne-1947

ونـشـرت في هـذه الـفـتـرة كـتـابـاً في الأدب والـفـلـسـفـة، وثـلاثـة أجـزاء مـن سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة : “مـقـدمـة الـمـسـافـرTraveller’s Prelude ”  في1950،  “مـابـعـد الـفـرات : سـيـرة ذاتـيـة 1928ـ 1933 Beyond Euphrates. Autobiography 1928- 1933 ” (نـشـر في 1951 ، و”سـاحـل الـلـبـان. سـيـرة ذاتـيـة  1933 ـ 1939 The Coast of Incense. Autobiography 1933-1939 ” (نـشـر في 1953).

تـكـريـم الإمـبـراطـوريـة الـبـريـطـانـيـة لـهـا :

نـالـت فـريـا م. سـتـارك في 1953 وسـام “صلـيـب الإمـبـراطوريـة الـبـريـطانـيـة”. وقـد سـافـرت كـثـيـراً بـعـد الـحـرب وخـاصـة إلى تـركـيـا الّـتي بـحـثـت فـيـهـا عـن جـزء مـن تـاريـخ الـيـونـان الـقـديـم وهـو مـا نـشـرتـه في كـتـابـيـن، كـمـا تـتـبـعـت طـريـق الإسـكـنـدر الـمـقـدوني نـحـو الـشـرق وهـو مـا سـردتـه في  Alexander’s Path  في 1958، وتـسـرد في Riding to the Tigris  الّـذي نـشـرتـه في 1959 سـفـرتـهـا عـلى صـهـوة حـصـان عـبـر هـضـاب تـركـيـا مـتـجـهـة نـحـو نـهـر دجـلـة تـتـبـع فـيـهـا الـطريـق الّـتي سـلـكـهـا جـيـش الـرّومـان في الـقـرن الأوّل قـبـل الـمـيـلاد نـحـو دجـلـة، مـن بـحـيـرة فـان إلى ديـاربـكـر ووادي الـزّاب الـكـبـيـر، كـمـا اسـتـمـرت في نـشـر سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة : “تـراب في مـخـالـب الأسـد. سـيـرة ذاتـيـة 1939ــ 1946 Dust in the Lion’s Paw. Autobiography 1939- 1946” في 1961 ، ونـشـرت كـتـابـا ً تـاريـخـيـاً عـن الـزّمـن الّـذي كان فـيـه الـشّـرق الأدنى جـزءاًمـن الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة : “رومـا عـلى الـفـرات : قـصّـة حـدود Rome on the Euphrates: The Story of a Frontier ” في 1966.وكـانـت آخـر سـفـراتـهـا إلى أفـغـانـسـتـان، ونـشـرت سـردهـا في كـتـاب عـام 1970. وقـد ربـطـتـهـا صـداقـة بـأم ّ الـمـلـكـة إلـيـزابـيـث الـثّـانـيـة ، وربّـمـا عـاد إلـيـهـا الـفـضـل في حـصول فـريـا م. سـتـارك عـلى لـقـب سـيّـدة الإمـبـراطوريـة الـبـريـطانـيـة Dame of the British Empire  عـام 1972.

الـرّجـوع إلى مـواطـن الـطـفـولـة :

عـادت فـريـا في آخـر حـيـاتـهـا إلى الـمـنـطـقـة الّـتي عـاشـت فـيـهـا طـفـولـتـهـا وصـبـاهـا مـع أمّـهـا في شـمـال إيـطـالـيـا، وهـنـاك نـشـرت كـتـابـاً عـن تـركـيـا وكـتـاب مـقـالات ، ولـكـنّ الأهـم هـو أنّـهـا  أعـدّت مـخـتـارات مـن رسـائـلـهـا الّـتي كـتـبـتـهـا إلى أهـلـهـا ومـعـارفـهـا طـيـلـة حـيـاتـهـا والّـتي كـانـت قـد احـتـفـظـت بـنـسـخ مـنـهـا ونـشـرتـهـا في ثـمـانـيـة أجـزاء ، مـن 1974 إلى 1982 ، كـمـا نـشـرت مـخـتـارات مـنـهـا في جـزء واحـد : ” عـلى أطراف الـعـالـم. رسـائـل مـخـتـارة Over th Rime of the World. Selected Letters” في 1982 ،  كـمـا نـشـرت بـعـض مـا كـانـت قـد كـتـبـتـه في أسـفـارهـا : ” صـدى الأسـفـارJourney’s Echo ” في 1982. ولا شـك ّ في أنـنـا نـجـد في كـتـب فـريـا مـادلـيـن ســتـارك ورسـائـلـهـا مـصـدراً مـهـمّـاً مـن مـصـادر مـعـرفـة الـحـيـاة في الـعـراق ، وخـاصـة في بـغـداد في الـنّـصـف الأوّل مـن الـقـرن الـعـشـريـن. تـوفـيـت فـريـا م. سـتـارك سـنـة 1993 في شـمـال إيـطـالـيـا.

 

الـقـسـم الـثّـاني ــ الـوصـول إلى بـغـداد

F S 3

وصـلـت فـريـا مـادلـيـن سـتـارك إلى بـغـداد لأوّل مـرّة في25تـشـريـن الأوّل 1929. وقـد اسـتـفـزّت الأوربـيـيـن، وخـاصـة الـبـريـطـانـيـيـن عـنـدمـا اخـتـارت لـهـا سـكـنـاً في حي شـعـبي لـتـسـتـطـيـع أن تـخـتـلـط بـالـنّـاس وتـحـسّـن لـغـتـهـا. كـمـا تـابـعـت دروسـاً في الـقـراءة والـكـتـابـة في مـدرسـة مـع بـنـات صـغـيـرات.

وبـعـد ذلـك قـامـت فـريـا م. سـتـارك بـثـلاث سـفـرات في إيـران وأفـغـانـسـتـان بـحـثـاً عـن الأمـاكـن الّـتي عـاش فـيـهـا الـحـشـاشـون الإسـمـاعـيـلـيـة وبـعـد انـتـهـاء رحـلـتـهـا في وديـان الـحـشـاشـيـن في 1931، عـادت إلى بـغـداد  وعـمـلـت مـحـررة في Baghdad Times  في 1932، وفـيـهـا نـشـرت مـقـالات جـمـعـتـهـا بـعـد ذلـك في كـتـاب نـشـرتـه في The Times Press Ltd. في بـغـداد تـحـت عـنـوان إسـكـيـتـشـات بـغـداديـة Baghdad sketches) كـان هـدفـهـا مـن كـتـابـتـه أن تـصـوّرالـحـيـاة الـيـومـيـة لـبـغـداد في تـلـك الـفـتـرة. وفي 1938 نـشـرت طـبـعـة ثـانـيـة مـن كـتـابـهـا “إسـكـيـتـشـات بـغـداديـة ” بـعـد أن أضـافـت ثـمـانـيـة فـصـول كـتـبـتـهـا خـلال سـفـرة كـانـت قـد قـامـت بـهـا قـبـل ذلـك بـقـلـيـل.

وصـول فـريـا سـتـارك إلى بـغـداد مـن خـلال رسـائـلـهـا(Letters, Volume 1 : The Furance and the  Cup 1914 – 1930)  : كـتـبـت إلى أخـتـهـا Viva  في 26 تـشـريـن الأوّل 1929 :

وصـلـت إلى هـنـا أمـس ، وأنـا سـعـيـدة بـمـجـيـئي إلى هـنـا. إسـتـغـرقـت سـفـرتـنـا تـسـع سـاعـات في الـيـوم الأوّل واثـنـتي عـشـرة سـاعـة في الـيـوم الـثّـاني. وصـلـنـا الـرّطـبـة عـلى ضـوء الـنّـجـوم ، ورأيـنـا نـوراً يـشـع مـن بـعـيـد مـن فـوق الـجـدران الّـتي لـيـس لـهـا نـوافـذ ـ أربـعـة أبـراج وبـوابـة وشـرطي مـن أبـنـاء الـعـشـائـر بـوجـهـه الـعـربي الـوحـشي وبـنـجـمـة عـلى جـبـيـنـه ، يـرتـدي مـعـطـفـاً أحـمـر طـويـلاً وبـيـده بـنـدقـيـة ، يـنـتـصـب أمـام الـبـوابـة الـمـوصـدة.

11745858_495278620640042_2795898238070758125_n

وكـان الـمـكـان مـثـل ذلـك الّـي أخـرجـه الـجـنّي مـن الـعـدم عـنـدمـا فـرك الـمـصـبـاح [الـسّـحـري]. وجـاء الـعـشـاء بـعـد ذلـك : سـمـك سـالـمـون ومـايـونـيـز وكـسـتـر وجـلي. ووجـدنـا عـلى الـجـدران أخـبـاراً وإعـلانـات عـن نـادي الـغـولـف في الـمـنـطـقـة ، وسـمـعـنـا الـضّـبـاط الإنـكـلـيـز يـثـرثـرون عـن مـشـتـريـاتـهـم أو عـن صـيـدهـم ومـا إلى ذلـك، ويـبـدون لـطـفـاء مـقـارنـة بـالـضّـبـاط الـفـرنـسـيـيـن في سـوريـا. وفي الـسّـاعـة الـواحـدة، فـتـحـت الـبـوابـة لـنـا، وسـرعـان مـا اخـتـفـت أضـواء الـرّطـبـة وراءنـا. ووصـلـنـا الـرّمـادي في الـثّـامـنـة [صـبـاحـاً] ومـررنـا بـالـجـمـارك. وبـعـد مـسـيـرة ثـلاث سـاعـات أخـرى إبـصـرنـا دجـلـة في الـثّـانـيـة [بـعـد الـظّـهـر]، ثـمّ اهـتـزّ تـحـتـنـا جـسـر الـقـوارب الـعـائـم في بـغـداد.

وكـتـبـت لـصـديـقـتـهـا Venitia : بـغـداد مـديـنـة مـسـطّـحـة بـنـيـت عـلى أرض مـسـطّـحـة، وكـلّ مـا يـمـكـن أن يـراه الـمـرء عـنـدمـا يـصـل إلـيـهـا مـن الـغـرب : شـريـط غـابـات نـخـيـل ومـنـارة جـامـع. والـنّـاس فـيـهـا مـن كـلّ الأنـواع الّـتي تـجـذبـني، وأجـمـلـهـم الأكـراد. أودّ لـو اسـتـطـعـت رسـمـهـم . كـتـبـت لـرّجـل أخـذت عـنـوانـه مـن صـديـقي في دمـشـق، وأتـمـنى أن أجـده لـيـسـاعـدني في إيـجـاد سـكـن، وأنـا أنـتـظـر الإلـتـيـاء بـه قـبـل أن أذهـب عـنـد الإنـكـلـيـز لأنـني أعـرف أنّـهـم سـيـحـذروني أن لا أفـعـل ذلـك. تـجـوّلـت هـذا الـصّـبـاح في الـدّروب الـضّـيـقـة بـشـنـاشـيـلـهـا الـخـشـبـيـة وجـدرانـهـا الـدّاكـنـة الّـتي لا نـوافـذ لـهـا.

وكـتـبـت لأمّـهـا فـلـورا  في 28 تـشـريـن الأوّل : جـاءني مـنـيـر الـوكـيـل ـ الـصّـديـق الـبـهـائي لـصـديـقي الـدّبـاغ الـدّمـشـقي، و وجـدتـه وسـيـمـاً لـطـيـفـاً أنـيـقـاً بـمـلابـسـه الأوربـيـة. ووعـدني أن يـجـد لي سـكـنـاً، وسـيـاتي كـلّ يـوم لـيـصـاحـبـني في زيـارتي لـبـغـداد. ذهـبـت إلى الـمـتـحـف هـذا الـصّـبـاح. والـقـطـع الأثـريـة الّـتي وجـدت في أور مـذهـلـة. الـقـطـع الـذّهـبـيـة شـديـدة الـجـمـال وكـذلـك الـحـلي. كـمـا وجـدت فـسـيـفـسـاء وعـاج مـطـعّـم وهـو مـا يـحـسـن صـنـعـه الإيـطـالـيـون، ولـكـنّ الـصّـنـاع هـنـا، في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن سـبـقـوهـم بـسـتّـة آلاف سـنـة !  وقـد تـبـيّـن أنّ الـسّـومـريـيـن هـم الّـذيـن جـلـبـوا الـحـضـارة لـلـمـصـريـيـن. ولـكـنـنـا لا نـعـرف مـن أيـن جـاءوا هـم أنـفـسـهـم .يـظّـل هـذا مـجـهـولاً. وجـدت هـذا الـيـوم الـسّـوق الـمـسـقّـف بـأقـواس مـن الـطّـابـوق، تـنـيـره أضـواء أكـثـر مـمـا في سـوق دمـشـق، وقـد جـذبـني أكـثـر مـمـا جـذبـني سـوق دمـشـق لـتـنـوّع الـبـشـر هـنـا. ويـبـدو أنّ الـعـراقـيـيـن عـلى نـوعـيـن: أحـدهـمـا وجـهـه مـمـتـلئ مـسـتـديـر وشـفـتـه الـسّـفـلى ثـخـيـنـة، والآخـر وجـهـه ضـيّـق مـسـتـطـيـل عـذب الـنّـظـرات عـالي الـجـبـهـة. ثـمّ أنّ هـنـاك الأكـراد والـمـسـيـحـيـون والآثـوريـون والـيـهـود والـيـونـانـيـون والأتـراك والـفـرس ولا أدري مـاذا أيـضـاً، إلى جـانـب أعـراب الـبـاديـة. والـنّـسـاء الـمـسـيـحـيـات يـتـلـفـعـن بـالـحـريـر ــ بـكلّ الألـوان الـجـمـيـلـة الّـتي تـبـهـج الـنّـظـر وهـنّ يـمـشـيـن في الـشّـوارع بـيـن الـمـسـلـمـات الـمـتـلـفـعـات بـالـسّـواد. ربّـمـا لا يـحـبّ الـنّـاس الأجـانـب هـنـا، ولـكـنـني لا أشـعـر بـالـخـوف بـيـنـهـم.

وكـتـبـت لأمّـهـا فـلـورا مـن جـديـد في 30  تـشـريـن الأوّل :

ذهـبـت أمـس عـنـد Mrs Drower  (زوجـة الـمـنـدوب الـسّـامي)، وهي لـطـيـفـة جـدّاً ومـرحـة. وبـعـد أن شـربـنـا الـشّـاي جـاء الـسّـيـد وويـلي Woolley  وزوجـتـه. ومـسـز وويـلي شـديـدة الـجـاذبـيـة رغـم أن في طـبـيـعـتـهـا شئ مـن الـغـرابـة والـقـسـوة، وبـدى لي مـؤسـفـاً أنّـهـا تـركـت بـيـتـهـا الّـذي تـحـبـه بـشـدّة نـظـافـتـه وكـلّ وسـائـل راحـتـه والـكـتـب الّـتي تـمـلأه [لـكي تـأتي إلى هـنـا]. وقـد عـدت هـذا الـيـوم عـنـد Mrs Drower  فـهـو الـيـوم الّـذي تـسـتـقـبـل فـيـه الـعـرب. وهي تـتـكـلّـم الـعـربـيـة بـطـلاقـة. وقـد حـسـدتـهـا عـلى ذلـك ، فـأنـا لـم أفـهـم الـجـمـل الّـتي تـحـتـوي عـلى أكـثـر مـن عـشـر كـلـمـات تـقـريـبـاً. فـريـا م. سـتـارك وعـبـد الـمـحـسـن الـسّـعـدون:

ويـمـكـنـنـا أن نـذكّـرهـنـا حـدثـاً ذكـرتـه في رسـالـة بـعـثـهـا لأبـيـهـا روبـرت في 14 تـشـريـن الـثّـاني 1929 :

حـدثـت مـأسـاة فـاجـأت الـجـمـيـع : رئـيـس الـوزراء، الّـذي كـان يـبـدو سـعـيـداً وهـو جـالـس بـجـانـب Mrs Drower  يـوم الـثّـلاثـاء الـمـاضي، عـاد إلى داره مـن الـنّـادي لـيـلـة الأربـعـاء، وانـتـحر بـطـلـقـة مـسـدس صـوبـهـا إلى قـلـبـه. كـان أشـرف رجـل، الـرّجـل الـشّـريـف الـوحـيـد في الـحـكـومـة. وكـان نـسـبـيـاً، صـديـقـاً لـلـبـريـطـانـيـيـن. كـتـب رسـالـة تـركـهـا لابـنـه : صـبي في الـتّـاسـعـة عـشـرة مـن عـمـره يـدرس الـهـنـدسـة الآن في بـرمـنـغـهـام .وذهـب إلى الـشّـرفـة وقـتـل نـفـسـه. وكـانـت زوجـتـه قـد تـشـبـثـت بـذراعـه، ورجـتـه أن يـقـتـلـهـا هي بـدلاً مـن أن يـنـتـحـر، وكـانـت ابـنـتـه تـنـظـر إلى الـمـشـهـد. لـم يـعـد يـتـحـمـل رجـال الـسّـيـاسـة الـقـذريـن ، وكـلّ الأحـزاب الّـتي نـكّـدت عـلـيـه عـيـشـه. شـاهـدت مـع  Mrs Drower  الـجـنـازة عـنـدمـا مـرّت أمـام الـنّـافـذة، وكـان يـمـشي خـلـف الـنّـعـش حـشـد غـفـيـر بـصـمـت ، ولـم يـظـهـر عـلى وجـوهـهـم أي عـداء [ لـلإنـكـلـيـز] .

إلـتـقـت فـريـا م. سـتـارك إذن بـعـبـد الـمـحـسـن الـسّـعـدون، رئـيـس الـوزراء، في دار Mrs Drower  (زوجـة الـمـنـدوب الـسّـامي)، بـعـد حـوالي أسـبـوعـيـن مـن وصـولـهـا إلى بـغـداد ، وهي ولا شـكّ تـعـيـد في وصـفـهـا لانـتـحـاره مـا ذكـرتـه لـهـا هـذه الـ Mrs Drower .

إسـكـيـتـشـات بـغـداديـة  ــ الـطّـريـق إلى بـغـداد :

رأيـنـا أنّ فـريـا م. سـتـارك كـتـبـت الإسـكـيـتـشـات في 1932 ، أي بـعـد ثـلاث سـنـوات عـلى وصـولـهـا إلى الـعـراق، وسـتـرون أنّ مـا ذكـرتـه في الـكـتـاب يـخـتـلـف قـلـيـلاً عـمـا كـتـبـتـه في رسـائـلـهـا .

يـبـدأ الـكـتـاب بـفـصـل :  The Desert Route الّـذي تـتـكـلّـم فـيـه فـريـا عـن وصـولـهـا إلى الـعـراق في 1929 عـن طـريـق الـبـاديـة ، وخـيـبـة أمـلـهـا لأنّـهـا لـم تـجـد صـحـراء الـبـدو الـرّحـل وهي تـخـتـرقـهـا في سـيـارة نـيـرن Nairn Motor Transport . وبـدلاً مـن الأثـافي الّـتي كـان الـشّـاعـر الـجـاهـلي يـبـكي عـلـيـهـا في أطـلال مـضـارب أهـل الـحـبـيـبـة لـم تـجـد فـريـا إلّا هـيـاكـل مـعـدنـيـة صـدئـة لـسـيـارات تـركـت عـلى جـانـبي الـطّـريـق. وتـسـاءلـت إن لـم يـكـن الـوقـت قـد حـان لـوضـع لافـتـات تـمـنـع الـنّـاس مـن رمي الأكـيـاس الـورقـيـة الّـتي بـدأت تـتـطـايـر في كـلّ مـكـان. ولـم تـجـد طـرقـاً مـعـبـدة بـل آثـار سـيّـارات تـتـتـابـع عـلى الـتّـراب ، تـمـحـوهـا الأمـطـار الـنّـادرة حـيـنـمـا تـتـسـاقـط فـتـطـبـعـهـا عـجـلات سـيّـارات أخـرى تـأتي بـعـدهـا، ودهـشـت لـكـثـرة هـذه الـسّـيّـارات الّـتي تـمـرّ مـثـيـرة غـيـومـاً مـتـكـاثـفـة مـن الـغـبـارفي الـنّـهـار، وتـبـدو أنـوارهـا في الـلـيـل كـخـطـوط نـيـران تـتـقـدّم في الـظّـلام.

وتـوقّـفـت في آخـر مـركـز حـدود فـرنـسي في سـوريـا قـبـل أن تـدخـل الـعـراق مـتـأمّـلـة الـشّـاحـنـات الـمـثـقـلـة بـأحـمـالـهـا تـخـتـرق الـبـاديـة مـثـل سـفـنّ تـمـخـر عـبـاب الـبـحـار مـتـمـايـلـة يـمـيـنـاً ويـسـاراً، وسـيـارات الـنّـقـل الّـتي يـتـكـوّم فـيـهـا الـحـجـاج عـلى مـقـاعـد خـشـبـيـة وتـتـكـوّم عـلى سـقـوفـهـا الأمـتـعـة والـحـقـائـب وهي تـتـدحـرج نـحـو مـكّـة ،تـتـجـاوزهـا سـيّـارات الـنّـيـرن الـمـكـيّـفـة والـسّـيـارات الـصـغـيـرة : Ford, Fiat, Morris, Chevrolet… وقـد خـاب أمـلـهـا لأنّ هـذه الـبـاديـة لـم تـكـن صـحـراء رمـال ذهـبـيـة، بـل أرضـاً صـلـبـة مـحـمـرّة يـغـطي سـطـحـهـا في بـعـض الأمـاكـن عـشـب مـصـفـرّ يـبـدو قـشّـاً، وفي بـعـض أطـرافـهـا الّـتي نـمى فـيـهـا الـعـشـب تـجـمـعـت مـئـات مـن الـجـمـال تـقـضـم مـا تـجـده أمـامـهـا.

وبـعـد أن تـقـدّمـت الـسّـيّـارة قـلـيـلاً عـلى الـطّـريـق تـغـيّـرت الـطّـبـيـعـة وصـارت خـواءً لا تـنـبـت فـيـه حـتّى الأشـواك، يـتـتـابـع فـيـهـا الـسّـراب، يـبـدو مـن بـعـيـد مـثـل بـحـيـرات صـغـيـرة ضـحـلـة الـمـاء، تـتـداخـل الـواحـدة مـنـهـا بـالأخـرى. وتـتـابـعـت الـسّـاعـات بـبـطء تـلـتـهـب تـحـت أشـعـة الـشّـمـس الـمـحـرقـة. ومـضـت تـسـع سـاعـات قـبـل أن تـصـل الـسّـيّـارة إلى آبـارالـرّطـبـة بـعـد حـلـول الـلـيـل.

rutba-6

ووجـدتـهـا فـريـا مـضـاءة، مـنـتـصـبـة بـجـدرانـهـا وأبـراجـهـا الأربـعـة. وفـتـح لـهـم الـبـوابـة شـرطي عـراقي بـالـزّي الـرّسـمي : “غـتـرة حـمـراء وعـقـال أسـود”. ووجـدت في الـرّطـبـة سـريـراً مـريـحـاً ومـاءً سـاخـنـاً ووجـبـة أكـل أوربـيـة ! وغـادرت فـريـا الـرّطـبـة في الـرّابـعـة صـبـاحـاً مـع مـصـاحـبـيـهـا، وعـنـدمـا انـبـلـج الـفـجـر أبـصـروا بـأراضي الـفـرات وغـابـات الـنّـخـيـل الـداكـنـة الألـوان. ووجـدوا مـركـز تـفـتـيـش الـجـوازات والـجـمـارك في الـرّمـادي. ثـمّ عـبـروا الـفـرات في الـفـلّـوجـة عـلى جـسـر عـائـم مـن الـقـوارب، واخـتـرقـوا سـهـول مـا بـيـن دجـلـة والـفـرات لـيـصـلـوا إلى بـغـداد. وتـأمّـلـت بـغـداد  “بـألـوان مـنـائـرهـا الـرّمـلـيـة الـمـخـتـفـيـة بـيـن غـابـات الـنّـخـيـل” :  It seems incredible, but we are there ! تـذكـر فـريـا م. سـتـارك في الـفـصـل الـثّـاني كـيـف أنّـهـا تـعـرّفــت في دمـشـق عـلى دبّـاغ بـهـائي بـعـثـهـا عـنـد صـديـق لـه في بـغـداد. وتـحـكي في الـفـصـل الـثّـالـث ” In the Moslem Quarter”  كـيـف وجـدت عـنـد وصـولـهـا إلى بـغـداد غـرفـة في فـنـدق وسـط الـمـديـنـة. وكـانـت أولى انـطـبـاعـاتـهـا عـن الـمـديـنـة سـيـئـة ، فـقـد رأت في “مـديـنـة الـخـلـفـاء” : “شـارعـاً طـويـلاً بـبـنـايـات واطـئـة، خـلـيـط مـن أسـوء مـا في الـشّـرق ومـا في الـغـرب، وكـان الـنّـاس يـبـدون قـلـيـلي الـصّـحـة كـثـيـري الـعـبـوس والأطـفـال يـدعـون لـلـرّثـاء والـمـحـلّات بـائـسـة مـزريـة ، يـتـطـايـر في الـهـواء غـبـارمـضـرّ بـالـصّـحـة يـسـمـم الـدّم”.

 

الـقـسـم الـثّـالـث ــ الـدّار

F S 6

في أحـيـاء الـمـسـلـمـيـن :

تـتـكـلّـم فـريـا م. سـتـارك عـن “أحـيـاء الـمـسـلـمـيـن” في بـغـداد، وتـعـني بـهـا الأحـيـاء الـبـغـداديـة الـشّـعـبـيـة. وهي تـفـرّق بـيـنـهـا وبـيـن الأحـيـاء الـحـديـثـة الّـتي كـان الأجـانـب وخـاصـة الإنـكـلـيـز يـسـكـنـون فـيـهـا.  وقـد رأيـنـا كـيـف أنّـهـا اخـتـارت أن تـسـكـن في دار في حي بـغـدادي أصـيـل لـتـخـتـلـط بـالـنّـاس ولـتـحـسـن لـغـتـهـا الـعـربـيـة ، وهـو مـا اسـتـفـزّ الإنـكـلـيـز . رسـالـة فـريـا إلى أبـيـهـا روبـرت في 2 تـشـريـن الـثّـاني  1929 : أعـتـقـد أنـني وجـدت داراً هـذا الـيـوم : ثـلاث غـرف وسـطـح وسـرداب. وقـد أعـيـد صـبـغـهـا بـالأبـيـض وقـضـبـان الـنّـوافـذ ومـا حـول الـنّـوافـذ بـالأزرق. وخـشب بـابـهـا مـلـتـمـع يـعـلـوه قـوس، ولـه قـبـضـة نـحـاسـيـة. والـسّـطـح مـحـاط بـ corrugated Iron  فـيـه فـتـحـات نـسـتـطـيـع أن نـنـظـر مـن خـلالـهـا مـن غـيـر أن يـرانـا أحـد مـن الـخـارج. ولـيـس عـلى الـنّـوافـذ زجـاج ، ولـكـنـني أسـتـطـيـع أن أرى [مـن الـنّـافـذة ] شـجـرة تـعـجـبـني كـثـيـراً تـخـرج رأسـهـا مـن حـديـقـة الـجـامـع.

رسـالـة فـريـا إلى Herbert Young  في 8  تـشـريـن الـثّـاني :

أجّـرت الـدّار. وقـد اقـتـرحـت عـليّ امـرأة طـيـبـة لا أعـرفـهـا أن تـعـيـرني حـصـانـاً لأتـنـقّـل عـلـيـه. أذهـب كـلّ صـبـاح إلى مـدرسـة أتـعـلّـم فـيـهـا الـلـغـة الـعـربـيـة في صـفّ فـيـه سـتّ وعـشـرون بـنـتـاً يـتـقـافـزن جـمـيـعـاً لإعـارتي كـتـبـهـنّ وأقـلامـهـنّ وأوراقـهـنّ، ويـغـدقـن عـليّ الـنّـصـائـح ويـنـصـتـن إليّ وأنـا أقـرأ بـبـطء شـديـد جـمـلاً مـن كـتـاب الـقـراءة ـ الـمـسـتـوى الـثّـالـث، ثـمّ يـصـحـحـن أخـطـائي. Mrs Drower  هي الـطِـيـبـة نـفـسـهـا خـلـقـت امـرأة، وقـد عـرّفـتـني بـكـلّ مـن حـولـهـا مـن أهـل الـبـلـد ومـن الإنـكـلـيـز. يـبـدو لي أنـني سـأعـرف قـريـبـاً كـلّ مـن في بـغـداد ! وكـانـت تـحـسـن الـلـغـة الـعـربـيـة قـبـل وصـولـهـا إلى بـغـداد ، ولـكـنّ جـرتـرود بـيـل كـانـت تـحـاول بـاسـتـعـلاء الـتّـقـلـيـل مـن جـدوى جـهـودهـا [ لـم تـلـتـق فـريـا سـتـارك بـجـرتـرود بـيـل الّـتي تـوفـيـت في بـغـداد في 1926] . ويـبـدو أن لـغـة [ الـمـسـز بـيـل] الـعـربـيـة لـم تـكـن قـويـة ، مـثـلـهـا مـثـل الـعـربـيـة الّـتي كـان يـتـكـلّـمـهـا لـورنـس وكـشـنـر وكـلّ هـؤلاء الـمـشـاهـيـر.

رسـالـة فـريـا إلى أبـيـهـا روبـرت في 14 تـشـريـن الـثّـاني :

تـحـوّلـت إلى داري. رسـالـة فـريـا إلى Car Ker في  29 تـشـريـن الـثّـاني : لا يـمـكـنـك أن تـتـصـور مـا فـعـلـتـه هـذا الـيـوم . نـظـمـت خـرزاً مـن الـلازورد وجـدت في تـنـقـيـبـات أور في خـيـط وردي …لـحـسـاب الـمـتـحـف. جـاءت بـهـا Mrs Drower إلى الـدّار في صـنـدوق مـن الـورق الـمـقـوى، وكـانـت قـد اخـتـلـطـت بـشـظـايـا عـظـام الـنّـسـاء الـلاتي شـاركـن في طـقـوس دفـن الـمـلـكـة : ضـربـن عـلى رؤوسـهـنّ و دفـنّ مـعـهـا. وهي قـديـمـة جـدّاً، حـوالي أربـعـة آلاف سـنـة. وهي تـشـبـه مـا نـجـده في أيّـامـنـا هـذه في الـبـنـدقـيـة (في إيـطـالـيـا)، وقـيـمـة الأحـجـار الـكـريـمـة الّـتي صـنـعـت مـنـهـا عـالـيـة جـدّاً. ومـا أدهـشـني هـو أنّـهـم اخـتـرعـوا آلات بـالـغـة الـصّـغـر إلى هـذا الـحـدّ لـتـثـقـب هـذه الـثّـقـوب الـبـالـغـة في الـصّـغـر.

رسـالـة فـريـا إلى Venitia في 24 تـشـريـن الـثّـاني :

بـائـع الـخـضـروات الّـذي يـعـيـش في دكـانـه الـصّـغـيـر الـمـفـتـوح (لـيـس لـه واجـهـة) مـقـابـل داري، بـاع لي يـشـمـاغـه الأبـيـض والأسـود لأغـطّي بـه طـاولـة الـشّـاي عـنـدمـا أسـتـقـبـل الـنّـاس في داري. وجـاءني قـبـل أيّـام لـيـخـبـرني أنّ مـسـلـمـاً غـنـيّـاً يـرغـب في إعـطـائي دروسـاً في الـلـغـة الـعـربـيـة وأعـلّـمـه الإنـكـلـيـزيـة بـالـمـقـابـل. كـلّ هـذا حـبّـاً لـلـغـة. عـلى الأقـل، هـذا مـا أأمـلـه ، ولـيـس طـمـعـاً في كـسـب قـلـيـل مـن الـمـال. وصـفـه لي بـأنّـه رجـل مـتـوسـط الـعـمـر، رب عـائـلـة. وظـهـر أنّـه في الـخـامـسـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـره ، سـمـيـن، دمـث الأخـلاق، بـدأ الـشّـيـب يـغـزو مـفـرقـيـه. ولـم يـظـهـر عـلـيـه أنّـه يـهـتـم كـثـيـراً بـتـعـلّـم الإنـكـلـيـزيـة. وجـلـس سـاعـتـيـن يـثـرثـر بـالـعـربـيـة، ويـتـصـفـح الـجـريـدة مـعي. واقـتـرح عـليّ زيـارة شـيـوخ شـمّـر شـمـالاً عـلى نـهـر دجـلـة. لـن أبـقى مـدّة طـويـلـة في هـذه الـدّار. كـلّ أشـبـاح سـاكـنـيـهـا نـهـضـوا مـن قـبـورهـم : إنـبـعـثـت روائـحـهـم طـلّ الـلـيـل حـتّى أكـاد أخـتـنـق ولا أسـتـطـيـع الـتّـنـفـس ، وبـدأت أبـحـث عـن مـسـكـن أقـلّ تـسـمـمـاً.

رسـالـة فـريـا إلى أمّـهـا فـلـورا في 25 تـشـريـن الـثّـاني :

الـمـدرّس الّـذي أتى لي بـه بـائـع الـخـضـرة يـدرسـني مـجـانـاً. لـو كـنـت إنـكـلـيـزيـة كـمـا يـنـبـغي (أي مـثـل انـكـلـيـزيـات بـغـداد الـمـتـرفـعـات ) لـمـا قـبـلـت بـذلـك. وهـو رجـل سـمـيـن ظـريـف ، حـسـن الـتّـصـرفـات ، ويـحـاول أن يـبـقى مـهـذبـاً عـنـدمـا أقـرأ مـعـه في الـجـرائـد كـتـابـات عـنـيـفـة ضـدّ الإنـكـلـيـز. وهـو لا يـؤمـن بـمـا في الـقـرآن هـو نـفـسـه ، ولـكـنّـه يـودّ أن أعـجـب بـالـسّـور الّـتي يـحـتـويـهـا. وقـد أقـام بـيـن الـبـدو، وأقـام في إسـطـنـبـول . وهـو نـوع شـريـف جـدّاً مـن أنـواع الـعـربي الـحـديـث الـمـتـحـضّـر.

رسـالـة فـريـا إلى أبـيـهـا روبـرت في 27 تـشـريـن الـثّـاني :

في غـرفـتي الـجـديـدة شـرفـة وأربـع نـوافـذ كـبـيـرة تـطـلّ عـلى الـنّـهـر، ولـكـنّـهـا فـارغـة بـاردة بـعـيـدة. وأقـصـر الـطّـرق إلى [مـركـز الـمـديـنـة ]أن أعـبـر الـنّـهـر بـقـارب مـن هـذا الـجـانـب، وبـعـد ذلـك أمـرّ بـهـذا الـشّـارع الـقـبـيـح الّـذي بـلّـطـوه، والّـذي يـخـتـرق بـغـداد مـسـتـقـيـمـاً لا يـتـعـرّج تـقـلـيـداً مـزيّـفـاً لـشـوارع أوربـا. ثـم ّ أتـركـه مـتـجـهـة إلى مـدرسـتي في آخـر دروب ضـيّـقـة. وكـلّ يـوم أدورإلى الـيـسـار عـنـدمـا أصـل إلى جـامـع الـحـيـدرخـانـة بـطـابـوقـه الـمـزجـج الأصـفـر والأزرق، وأمـرّ أمـام عـدد مـن الـبـدويـات الـجـالـسـات الـقـرفـصـاء أمـام سـلال فـيـهـا أرغـفـة خـبـز مـسـطّـحـة، وأمـام مـجـمـوعـة مـن الـحـمـالـيـن الأكـراد بـعـمـامـات مـن قـمـاش الـقـطـن الـمـخـطـط بـالأحـمـر، ويـرتـدون سـتـرات مـن لـبـد ثـخـيـن.

إسـكـيـتـشـات بـغـداديـة  ــ الـدّار :

نـذكّـر الـقـارئ مـن جـديـد أنّ فـريـا كـتـبـت الإسـكـيـتـشـات في 1932 أي بـعـد 11 عـامـاً مـن كـتـابـتـهـا لـلـرّسـائـل الّـتي رأيـنـاهـا : تـقـصّ فـريـا في الـفـصـل الـثّـالـث كـيـف أنّـهـا تـجـوّلـت في الـمـديـنـة ودخـلـت لابـيـرنـث الـدّروب الـضّـيـقـة الـمـتـلـوّيـة. وأبـصـرت بـدار فـارغـة، جـدرانـهـا مـن الـطّـابـوق وعـلـيـهـا لافـتـة بـالـعـربـيـة تـذكـر أنّـهـا لـلـبـيـع. ولـكـنّ الّـذي جـذب نـظـرهـا كـانـت الـدّار الـمـجـاورة الّـي رأت فـيـهـا مـلّا عـجـوزاً جـلـس مـتـربّـعـاً يـعـلّـم عـشـريـن أو ثـلاثـيـن طـفـلاً الـقـراءة. ولـم يـكـن لـهـم إلّا مـا يـقـارب الـعـشـرة مـصاحـف، فـتـجـمّـعـوا حـولـهـا : ثـلاثـة أو أربـعـة حـول كـلّ مـصـحـف، يـرددون بـأصـواتـهـم الـطـفـولـيـة آيـاتٍ قـرآنـيـة. وبـيـن الـحـيـن والـحـيـن، يـصـل طـفـل ويـخـلـع نـعـلـيـه لـيـدخـل في الـحـلـقـة، بـيـنـمـا يـنـهـض مـن أصـابـه الـمـلـل مـنـهـم يـتـجـوّل بـيـن الـنّـبـاتـات والـزّهـور، ثـمّ يـعـود إلى مـكـانـه بـعـد ذلـك. وكـان الـمـلّا أبـيـض الـعـمـامـة طـلى لـحـيـتـه بـالـحـنّـاء، وعـلى وجـهـه الـعـجـوز مـلامـح الـطّـيـبـة ، ولـم يـكـن يـبـدو عـلى تـلامـيـذه أنّـهـم يـخـشـونـه.وقـد أعـجـب فـريـا الـنّـظـر إلـيـهـم  فـقـررت الـسّـكـن في الـدّار الـمـجـاورة الـمـعـروضـة لـلـبـيـع. ثـمّ جـاءهـا صـديـق الـدّبـاغ إلى فـنـدقـهـا، واسـمـه نـوري فـلان Nuri Fulan (لا شـكّ في أنّـهـا غـيّـرت اسـم مـنـيـر الـوكـيـل إلى نـوري فـلان تـحـاشـيـاً لـلـمـشـاكـل)، وسـاعـدهـا في تـأجـيـر هـذه الـدّار. عـنـدمـا دخـلـت مـن الـبـاب الـخـشـبي الـمـصـبـوغ بـالأزرق الـفـاتـح والّـذي تـزيـنـه قـبـضـة ومـطـرقـة نـحـاسـيـتـان، وجـدت في وسـط الـدّار حـوشـاً صـغـيـراً مـعـتـمـاً ، ومـن الـجـهـة الـمـقـابـلـة غـرفـة صـغـيـرة أُريـد لـهـا أن تـكـون مـطـبـخـاً، فـيـهـا طـاولـة وبـريـمـز Primus stove  وحـبّ لـلـمـاء. وكـان هـذا كـلّ مـافي الـدّار مـن أثـاث. ووجـدت سـلّـمـاً صـعـدت عـلـيـه إلى غـرفـة. ولـتـأثـيـث الـدّار ذهـبـت فـريـا إلى مـا كـان يـعـرف بـسـوق الـحـرامـيّـة thieves’ bazar  لـتـشـتـري كـلّ مـا تـحـتـاجـه ، و وجـدت حـمـالاً كـرديـا أدهـشـهـا عـنـدمـا ضـع كـلّ مـا اشـتـرتـه عـلى ظـهـره وتـبـعـهـا إلى الـدّار. وتـروي كـيـف رحّـب بـهـا جـيـرانـهـا واسـتـقـبـلـوهـا بـحـفـاوة وسـاعـدوهـا.

أربـع عـشـرة طـلـقـة في مـسـدس جـان !

سـافـرت الـفـرنـسـيـة جَـيـن (جـان حـسـب الـلـفـظ الـفـرنـسي) ديـولافـوا          Jane Dieulafoy  مـع زوجـهـا في إيـران والـعـراق لـمـدة أربـعـة عـشـر شـهـراً مـن 1881 إلى 1882.  وكـانـت جـان قـويـة الـشّـخـصـيـة لا تـخـشى شـيـئـاً ولا تـخـاف مـن أحـد، تـرتـدي مـلابـس رجـالـيـة وتـعـتـلي صـهـوة حـصـان. وقـد كـتـبـت يـومـيـات الـرّحـلـة وسـجّـلـت كـثـيـراً مـن الـمـلاحـظـات والـتـقـطـت  صـوراً فـوتـوغـرافـيـة وخـطـطـت رسـومـاً.

وقـد نـشـرت سـردهـا لـلـرّحـلـة في كـتـاب مـن كـتـبـهـا :

“La Perse, La Chaldée, La Susiane”.

ونـشـرت فـيـه 336 عـمـلاً حُـفـر عـلى الـخـشـب وطـبـع عـلى الـورق اعـتـمـاداً عـلى صـور الـتـقـطـتـهـا الـمـؤلـفـة. والـعـمـل الـطّـبـاعي الّـذي اخـتـرتـه لـكـم لـم يـؤخـذ مـن صـورة فـوتـوغـرافـيـة بـل مـن تـخـطـيـط رسـمـتـه “بـطـلـة” الـمـغـامـرة، أي الـكـاتـبـة نـفـسـهـا.

mideast-foreign-eyes-antiquity-modern-10

وهي تـذكـر أنّـهـم في إحـدى سـفـراتـهـم أنـزلـوا أمـتـعـتـهـم عـلى ضـفـة الـنّـهـر وبـقـيـت تـحـرسـهـا لـوحـدهـا :”عـنـدمـا جـاء ثـمـانـيـة مـن الأعـراب الـرُّحّـل عـلى الـضّـفـة الـخـالـيـة. ودقّ قـلـبي بـعـنـف، ومـرّ ضـبـاب أمـام عـيـنيّ لـكـنّي هـززتـه عـن رأسي بـسـرعـة و[صـحـت بـهـم] : “لـديَّ أربـع عـشـرة طـلـقـة أخـصـصـهـا لـكـم : إذهـبـوا وارجـعـوا مـع سـتّـة آخـريـن مـن أصـحـابـكـم”.

ونـلاحـظ أنّ الـنّـهـر لـم يـكـن خـالـيـاً حـسـب الـرّسـم بـل فـيـه قـفّـة في وسـطـهـا رجـال. أمّـا عـن إتـقـان جـان لـلـغـة الـعـربـيـة إلى حـدّ أنّـهـا ركّـبـت هـذه الـجـمـل الـمـعـقـدة فـهـو شئ يـثـيـر الـعـجـب : أوّلاً لأنّـهـا درسـتـهـا لـفـتـرة قـصـيـرة في نـصـوص قـديـمـة مـع مـسـتـشـرقـيـن في فـرنـسـا، ومـا أوسـع الـفـرق بـيـن الـلـغـة الـمـدروسـة والـلـغـة الـمـستـعـمـلـة ! ولأنّ لـفـظـهـا كـان ولا شـكّ صـعـب الـفـهـم …

ولا نـدري كـيـف اسـتـطـاع أن يـفـهـمـهـا هـؤلاء الـنّـاس الـبـسـطـاء (الّـذيـن وصـفـتـهـم بـالأعـراب الـرّحّـل) ! كـمـا أنّ الـتّـعـبـيـر الّـذي اسـتـعـمـلـتـه فـيـه فـكـرة مـعـقـدة : “في مـسـدسي وبـنـدقـيـتي أربـع عـشـرة طـلـقـة، وأنـا قـادرة عـلى أنّ اقـتـل كـلّ واحـد مـنـكـم بـطـلـقـة واحـدة، إذن سـتـبـقى سـتّ طـلـقـات. إذهـبـوا وابـحـثـوا عـن سـتّـة آخـريـن مـن أصـحـابـكـم لاسـتـعـمـل كـلّ الـطّـلـقـات”.

ولا شـكّ أنّ الـقـارئ الـفـرنـسي أعـجـب بـصـيـاغـة الـجـمـل الأدبـيـة هـذه، ولـكـنّ مـاذا فـهـم الـنّـاس الـبـسـطـاء مـن قـول “الـبـطـلـة” جـان ؟ ربّـمـا لـم يـريـدوا أصـلاً مـهـاجـمـتـهـا وسـرقـتـهـا، بـل دفـعـهـم الـفـضـول لـلإقـتـراب مـن هـذه الـمـرأة ــ الـرّجـل. ولا ريـب في أنّ مـسـدسـهـا الـمـصـوّب نـحـوهـم والـبـنـدقـيـة الّـتي تـحـمـلـهـا هـو الّـذي أبـعـدهـم عـنـهـا.

مـن يـتـذكّـر دزمـونـد سـتـيـوارت ؟

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

دزموند ستيوارت (691x455)

قـرأت عـنـدمـا كـنـت في مـطـلـع شـبـابي مـقـالاً عـن دزمـونـد سـتـيـوارت في مـجـلّـة بـغـداديـة ، ثـمّ قـرأت الـتّـرجـمـة الـعـربـيـة لإحـدى روايـاتـه الّـتي تـدور أحـداثـهـا في الـعـراق. ولأنّي لـم أقـرأ لـه أو عـنـه شـيـئـاً بـعـد ذلـك فـقـد نـسـيـتـه في إحـدى زوايـا ذاكـرتي يـرقـد فـيـهـا مـا شـاءت لـه الأقـدار أن يـرقـد. وقـد تـذكّـرتـه في مـرّات قـلـيـلـة عـنـدمـا قـرأت اسـمـه عـلى كـتـب نـشـرهـا عـن تـاريـخ الـعـرب والإسـلام. وحـاولـت أن أتـذكّـر روايـتـه الـبـغـداديـة الّـتي كـنـت قـد قـرأتـهـا في مـطـلـع شـبـابي فـلـم تـعـد لي مـنـهـا إلّا صـور مـهـتـزّة بـاهـتـة يـنـقـصـهـا الـوضـوح … و وجـدت هـذا الـصّـيـف عـنـد بـائـع كـتـب قـديـمـة روايـة لـه، وقـرأتـهـا بـنـصـهـا الإنـكـلـيـزي الأصـلي : وكـانـت هي نـفـسـهـا الّـتي كـنـت قـد قـرأتـهـا في مـطـلـع شـبـابي بـتـرجـمـتـهـا الـعـربـيـة. وأدركـت لـمـاذا لـم يـبـقَ لي مـنـهـا في ذاكـرتي إلّا هـذا الأقـل مـن الـقـلـيـل، فـهي سـيـئـة الـحـبـكـة سـاذجـة الأحـداث ، تـدلّ عـلى أنّ كـاتـبـهـا رغـم كـلّ مـزايـاه لـم يـكـن كـاتـبـاً روائـيـاً. وقـد فـهـم هـو نـفـسـه ذلـك فـتـرك الـفـنّ الـرّوائي لـيـكـرس وقـتـه لـلـكـتـابـات الـتّـاريـخـيـة. ومـع ذلـك فـدزمـونـد سـتـيـوارت ولا شـكّ واحـد مـن الـبـريـطانـيـيـن الّـذيـن يـسـتـحـقـون أنّ نـتـذكّـرهـم ، فـهـو قـد ارتـبـط بـالـشّـرق الّـذي أحـبّـه و تـعـاطـف مـع قـضـايـاه وعـاش فـيـه حـتّى نـهـايـة حـيـاتـه وكـتـب عـنـه مـا لا يـعـدّ ولا يـحـصى مـن الـمـقـالات والـكـتـب. دزمـونـد سـتـيـوات  : لـم أجـد في الـمـنـشـورات الـعـربـيـة عـن دزمـونـد سـتـيـوارت إلّا مـقـالات قـلـيـلـة ذكـر فـيـهـا ذكـراً سـطـحـيـاً، فـلـم يـكـرّس لـه أحـد بـعـد، عـلى مـا أعـلـم ، دراسـة كـامـلـة مـتـعـمـقـة. ولـهـذا قـررت أن أكـتـب عـنـه هـذا الـنّـصّ الـقـصـيـر مـشـاركـة مـتـواضـعـة مـنّي في إحـيـاء ذكـراه. وقـد عـثـرت عـلى مـقـال قـصـيـر كـتـبـه عـنـه زمـيـلـه وصـديـقـه John Haylock  في The Oxford Dictionary of National Biography . وسـاعـدني هـذا الـمـقـال في تـنـظـيـم الـمـعـلـومـات الّـتي وجـدتـهـا عـنـه في أمـاكـن أخـرى :

ولـد دزمـونـد سـتـيـرلـنـغ سـتـيـوارتDesmond Stirling Stewart    سـنـة 1924 في إنـكـلـتـرة ، في مـنـطـقـة  Hertfordshire  الّـتي تـقـع شـمـال لـنـدن.  ثـمّ درس في The Trinity College  في أكـسـفـورد مـن 1942 إلى 1944.  وفي 1947 عـاد إلـيـهـا لـيـكـمـل دراسـتـه ، ويـبـدو أنّـه تـعـرّف عـلى صـالـح أحـمـد الـعـلي الّـذي كـان يـتـابـع دراسـتـه في أوكـسـفـورد (1). وحـصـل دزمـونـد سـتـيـوارت عـلى الـمـاجـسـتـيـر في الآداب في نـهـايـة الـعـام الـدّراسـي 1948

دزمـونـد سـتـيـوات  في الـعـراق :

وفي خـريـف 1948  وصـل دزمـونـد سـتـيـوارت إلى بـغـداد بـعـد أن تـعـاقـد مـع كـلـيـة الآداب لـيـدرّس فـيـهـا الأدب الإنـكـلـيـزي. وفي بـغـداد، تـعـرّف عـلى جـبـرا إبـراهـيـم جـبـرا الّـذي كـان قـد وصـل إلى بـغـداد أيـضـاً لـيـدرّس فـيـهـا. كـمـا تـعـرّف عـلى بـلـنـد الـحـيـدري ونـزارسـلـيـم وحـسـيـن مـردان وبـعـض أعـضـاء جـمـاعـة “الـوقـت الـضّـائـع” (2)الآخـريـن، وعـلى فـنـانـيـن مـثـل جـواد سـلـيـم. وقـد كـتـب جـبـرا إبـراهـيـم جـبـرا في سـيـرتـه الـذّاتـيـة “شـارع الأمـيـرات” (3)عـن حـضـوره لـدعـوة في دار عـلي حـيـدر الـرّكـابي مـع دزمـونـد سـتـيـوارت وبـلـنـد الـحـيـدري وآخـريـن في عـام 1948. ونـحـن نـعـرف أنّ عـلي حـيـدر الـرّكـابي كـان قـد درس في Victoria College  في الإسـكـنـدريـة وأصـبـح في بـغـداد مـن أهـمّ الـدبـلـومـاسـيـيـن الـمـقـربـيـن مـن الـوصي عـبـد الإلـه. وكـان عـلي حـيـدرالـرّكـابي يـمـتـلـك ثـقـافـة إنـكـلـيـزيـة عـمـيـقـة مـمـا وثّـق عـلاقـاتـه مـع دزمـونـد سـتـيـوارت الّـذي خـصـص لـه إهـداء روايـتـه الـثّـانـيـة عـن الـعـراق. ويـبـدو أنّ جـبـرا إبـراهـيـم جـبـرا قـد اسـتـوحي شـخـصـيـة Brian Finch  في روايـتـه Hunters in a Narrow Street  الّـتي نـشـرهـا بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة عـام 1960 والّـتي تـدور أحـداثـهـا عـنـد وصـولـه إلى بـغـداد في 1948 مـن شـخـصـيـة دزمـونـد سـتـيـوارت. ويـتـعـرّف الـرّاوي في هـذه الـرّوايـة عـلى Brian Finch عـن طـريـق عـدنـان (الّـذي يـبـدو أنّـه اسـتـوحـاه مـن شـخـصـيـة بـلـنـد الـحـيـدري). ورغـم أنّ Brian Finch  يـعـمـل في الـرّوايـة في بـنـك ويـتـعـلّـم الـعـربـيـة في نـفـس الـوقـت إلّا أنّ تـقـربـه مـن الـمـثـقـفـيـن الـعـراقـيـيـن وتـعـاطـفـه مـع قـضـايـاهـم يـجـعـلـنـا ولا شـكّ نـفـكّـر بـدزمـونـد سـتـيـوارت. وفي 1950، نـشـر دزمـونـد سـتـيـوارت تـرجـمـة كـتـاب لإفـلاطـون إلى الإنـكـلـيـزيـة، ونـشـر في 1952 : The Memoirs of Alcibiades،وهي رغـم عـنـوانـهـا سـيـرة ذاتـيـة روائـيـة عـن حـيـاتـه في الـعـراق .

د. ستيوارت 4 (183x275)

ولا شـكّ في أنّ أشـهـر كـتـبـه عـن الـعـراق روايـتـه : The Unsuitable Englishman الّـتي نـشـرهـا عـام 1952 وهي الّـتي قـرأتـهـا بـالـعـربـيـة في مـطـلـع شـبـابي في تـرجـمـة مـتـري عـبـد الـعـزيـز الـسّـرحـان تـحـت عـنـوان : “فـضـائـح الإنـكـلـيـز أو الإنـكـلـيـزي غـيـرالـمـرغـوب فـيـه”(4). وبـطـلـهـا شـاب إنـكـلـيـزي إسـمـه Jason وصـل إلى بـلـد خـيـالي أسـمـاه الـكـاتـب Media . وكـان Jason هـذا شـابـاً يـحـاول أن يـكـتـشـف الـعـالـم الـواسـع وأن يـعـيـش تـجـارب جـديـدة خـارج مـجـتـمـعـه الـمـحـافـظ الـضّـيـق. وكـانـت الـمـديـنـة عـنـدمـا وصـلـهـا في الـقـيـلـولـة سـاكـنـة لا حـركـة فـيـهـا، أغـلـقـت أبـوابـهـا و واجـهـات مـخـازنـهـا كـمـا لـو أصـابـهـا الـطّـاعـون : The city, when he came upon it, was closed down for the midday heat as for a plague. وقـد اسـتـغـرب أهـل الـبـلـد مـن هـذا الإنـكـلـيـزي الّـذي لاقـاهـم بـدون عـجـرفـة، وسـرعـان مـا فـتـحـوا لـه أبـواب دورهـم كـمـا فـتـحـوا لـه قـلـوبـهـم . وكـان اسـتـغـراب الـجـالـيـة الـبـريـطـانـيـة مـن تـصـرفـاتـه أشـدّ. وحـاول بـعـضـهـم الـتّـقـرب مـنـه لإقـنـاعـه بـالانـضـمـام إلـيـهـم، ولـكـنّـهـم فـشـلـوا في ذلـك. وسـكـن Jason مـع حـسـن، سـائـق سـيـارة أجـرة، وأصـبـح عـشـيـقـاً لـلـمـغـنـيـة كـريـمـة كـريـم، وارتـضى أن يـعـمـل سـائـقـاً لـضـاري سـلـمـان. وبـخـروجـه مـن قـيـود الـحـضـارة الـبـريـطـانـيـة لـيـعـيـش مـثـل الـنّـاس الّـذيـن جـاء إلى بـلـدهـم، أثـار Jason  حـفـيـظـة الـمـسـؤول عـن الـجـالـيـة الـبـريـطـانـيـة في الـبـلـد : الـدّبـلـومـاسي الـشّـاذ جـنـسـيـاً  Hugh Flodden،الّـذي بـدأ بـالـضـغـط عـلـيـه لإكـراهـه عـلى الـعـودة إلى “الـصّـواب” أي أن يـتـصـرف كـإنـكـلـيـزي مـتـسـلـط في بـلـد أجـنـبي، وانـتـهى الأمـر بـتـخـريـبـه لـحـيـاتـه.

db_file_img_90436_265xauto

والـغـريـب في الأمـر هـو أنّ هـذه الـرّوايـة نـشـرت في عـام 1956 في طـبـعـة أمـريـكـيـة تـحـت عـنـوان مـخـتـلـف : “غـريـب في جـنـة عـدن  A Stranger In Eden” وبـغـلاف مـثـيـر جـنـسـيـاً !

51M2kwNOs3L._SL500_SY344_BO1,204,203,200_

وقـد نـشـر دزمـونـد سـتـيـوارت في 1954 تـرجـمـات لـنـمـاذج مـن الـشّـعـر الـعـربي مـن بـيـنـهـا قـصـائـد لـشـعـراء عـراقـيـيـن في مـجـلّـة New World Writing الّـتي كـانـت تـصـدرهـا New American Library’s Mentor . وقـد صـاحـبـت الـمـقـال رسـوم لـلـفـنـان جـواد سـلـيـم. ويـذكـر John Haylock  أنّ دزمـونـد سـتـيـوارت أعـطى بـعـض الـدّروس في الـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة لـلـزّعـيـم عـبـد الـكـريـم قـاسـم في عـامي 1955ــ 1956 أي قـبـل عـامـيـن مـن ثـورة 14 تـمّـوز 1958.(5)

وفي 1956، نـشـر دزمـونـد سـتـيـوارت في الـمـجـلـد الـخـامـس مـن مـجـلـة دارالـمـعـلـمـيـن الـعـالـيـة: “صـوت الـدّار” مـقـالاً بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة عـن لـورنـس “الـعـرب” عـنـوانـه : T.E.Lawrence  and the Arabs , An Analysis . كـمـا نـشـر في نـفـس الـعـام بـالإشـتـراك مـع زمـيـلـه وصـديـقـه John Haylock الّـذي كـان يـدرّس مـعـه في بـغـداد كـتـاب: New Babylon : A Portrait of Iraq. .ويـتـكـلّـم الـكـتـاب عـن الـحـيـاة الـيـومـيـة في الـعـراق في خـمـسـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي : بـيـن الـحـداثـة والـتّـقـالـيـد. وتـصـاحـبـه عـدّة صـور بـالأبـيـض والأسـود. وقـد أثـار صـدوره انـتـقـادات الـجـالـيـة الـبـريـطـانـيـة.

بابل الجديدة

ونـحـن نـعـرف مـن عـدّة مـصـادر أنّ الـسّـفـارة الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد كـانـت تـنـظـر بـريـبـة إلى تـبـنّي الـكـاتـبـيـن لـلـقـضـايـا الـعـربـيـة. ولـهـذا لـم يـجـدد عـقـداهـمـا ، وتـركـا الـعـراق في نـفـس الـعـام. ورغـم أنّ دزمـونـد سـتـيـوارت قـد تـرك الـعـراق في 1956، فـقـد ظـلّ يـتـابـع إنـتـاجـات الأدبـاء الـعـراقـيـيـن حـتّى نـهـايـة حـيـاتـه ، فـقـد نـشـر في 1976 بـالإشـتـراك مـعGeorge Masri     كـتـابـاً عـن الـشّـاعـر عـبـد الـوهـاب الـبـيـاتي : Poet of Iraq, Abdul Wahab Al-Bayati: An Introductory Essay with Translations ، وفي 1979: Abdul Wahab al-Bayati, (a short introduction and four poems, trans. Desmond Stewart and George Masri) . كـمـا صـدر في 1985، أي بـعـد وفـاتـه كـتـاب : Abdul Wahab al-Bayati, Love Under Rain (Al-hubb tahta al-matar), (transl. Desmond Stewart and George Masri)

دزمـونـد سـتـيـوارت بـيـن بـيـروت والـقـاهـرة :

وصـل دزمـونـد سـتـيـوارت وجـون هـايـلـوك إلى لـبـنـان في 1956 بـعـد أن تـركـا الـعـراق، وأقـامـا في بـيـروت لـتـدريـس الأدب الإنـكـلـيـزي فـيـهـا. وفي عـام 1958 نـشـر دزمـونـد سـتـيـوارت كـتـاب : “Turmoil in Beirut”. وتـرك بـعـدهـا بـيـروت لـيـقـيـم في الـقـاهـرة. وقـد أحـبّ هـذه الـمـديـنـة وبـقي فـيـهـا حـتّى وفـاتـه. وفي 1961 نـشـر روايـة عـن مـصـر قـبـل ثـورة 52 : “The Men of Friday”  الّـتي تـرجـمـهـا مـصـطـفى شـفـيـق تـحـت عـنـوان: “رجـال يـوم الـجـمـعـة” (6). وصـدرت في نـفـس الـعـام تـرجـمـتـه لـروايـة  فـتـحي غـانـم : “الـرّجـل الّـذي فـقـد ظـلّـه”  تـحـت عـنـوان The Man Who Lost His Shadow. 51mJ0g8p6nL._SY344_BO1,204,203,200_ وصـدرت في الـعـام الـتّـالي، 1962 تـرجـمـتـه لـروايـة عـبـد الـرّحـمـن الـشّـرقـاوي : “الأرض”  تـحـت عـنـوان : “Egyptian Earth”.

512M981D9XL._SY344_BO1,204,203,200_

وفي 1965، نـشـركـتـاب :  Cairo  الّـذي تـرجـمـه الـكـاتـب الـشّـهـيـر يـحـيى حـقي في نـفـس الـعـام تـحـت عـنـوان : ” الـقـاهـرة ” . كـمـا نـشـر كـتـاب : Great Cairo في 1968 . وفي تـلـك الـسّـنـوات صـدرت ثـلاثـيـتـه الـمـصـريـة : The Round Mosaic   في 1965 ، و The Pyramide Inch في 1966 ، و The Mamelukes  في 1968 . ونـشـر دزمـونـد سـتـيـوارت عـدّة كـتـب عـن الـعـرب والإسـلام  : ” الـعـالـم الـعـربي The Arab world ” في 1962 ، و “صـدرالإسـلام Early Islam” في سـلـسـلـة: “Great Ages of Man ”

631725 في 1967 ، و ” قـصـر الـحـمـراء The Alhambra ”  في  1974  ، و “مـكّـة Mecca ” في  1980 . كـمـا نـشـر كـتـابـاً عـن تـيـودور هـيـرتـزل : “Theodor Herzl : Artist and Politician”  في 1974 ، وكـتـابـاً عـن “لـورنـس الـعـرب T. E. Lawrence ”  في 1977. وقـد زار دزمـونـد سـتـيـوارت الـضّـفـة الـغـربـيـة مـرّتـيـن لـيـتـعـرّف عـلى أحـوال الـفـلـسـطـيـنـيـيـن تـحـت الإحـتـلال، ونـدد بـاغـتـصـاب الـسّـلـطـات الإسـرائـيـلـيـة لأراضـيـهـم وإنـشـاء الـمـسـتـعـمـرات فـيـهـا وكـتـب عـنـهـم كـتـابـاً صـدر في الـعـام الـتّـالي لـوفـاتـه : ” Palestinians: Victims of Expediency ” ( 1982). وقـد عـمـل مـراسـلاً مـن الـقـاهـرة لـمـجـلـة “مـيـدل إيـسـت The Middle East (magazine) ” الّـتي بـدأ صـدورهـا في 1971، وأظـهـر في مـقـالاتـه تـعـاطـفـاً مـع الـقـضـايـا الـعـربـيـة. وفي عـام 1981، وكـان في الـسّـابـعـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـره، أدخـل إلى الـمـسـتـشـفى الأمـريـكي في الـقـاهـرة بـعـد إصـابـتـه بـمـرض غـريـب. وقـد زاره في الـمـسـتـشـفى صـديـقـه دنـيـس جـونـسـون ـ ديـفـز Denys Johnson-Davies، أشـهـر الـمـتـرجـمـيـن لـنـصـوص الأدب الـعـربي إلى الـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة، ونـشـرعـن زيـارتـه هـذه مـقـالاً ذكـر فـيـه أنّ دزمـونـد سـتـيـوارت كـان يـعـتـقـد بـأنّـه سُـمـم لـمـسـانـدتـه لـلـفـلـسـطـيـنـيـيـن.(7) وقـد نُـقـل بـعـد ذلـك إلى مـسـتـشـفى في لـنـدن وتـوفي فـيـهـا.

ــــــــــــــــــــــــــ

(1)  نـال صـالـح أحـمـد الـعـلي شـهـادة الـدّكـتـوراه في الـتّـاريـخ مـن جـامـعـة أوكـسـفـورد في 1949.  (2)  تـشـكّـلـت الـجـمـاعـة في بـغـداد عـام 1946. (3)  صـدرت الـطّـبـعـة الأولى مـن روايـة ” شـارع الأمـيـرات ” في 1994. (4)  بـغـداد ، مـطـبـعـة الـبـرهـان 1959. (5)  في مـقـالـه عـن دزمـونـد سـتـيـوارت في :  The Oxford Dictionary of National Biography

(6) يـكـتـب الـمـصـريـون اسـمـه بـالـعـربـيـة : ديـزمـونـد أي بـإضـافـة يـاء.  (7) نـشـرت تـرجـمـة عـربـيـة لـلـمـقـال في جـريـدة الـبـيـان الـصّـادرة في 31/12/ 2012.