أربـع عـشـرة طـلـقـة في مـسـدس جـان !

سـافـرت الـفـرنـسـيـة جَـيـن (جـان حـسـب الـلـفـظ الـفـرنـسي) ديـولافـوا          Jane Dieulafoy  مـع زوجـهـا في إيـران والـعـراق لـمـدة أربـعـة عـشـر شـهـراً مـن 1881 إلى 1882.  وكـانـت جـان قـويـة الـشّـخـصـيـة لا تـخـشى شـيـئـاً ولا تـخـاف مـن أحـد، تـرتـدي مـلابـس رجـالـيـة وتـعـتـلي صـهـوة حـصـان. وقـد كـتـبـت يـومـيـات الـرّحـلـة وسـجّـلـت كـثـيـراً مـن الـمـلاحـظـات والـتـقـطـت  صـوراً فـوتـوغـرافـيـة وخـطـطـت رسـومـاً.

وقـد نـشـرت سـردهـا لـلـرّحـلـة في كـتـاب مـن كـتـبـهـا :

“La Perse, La Chaldée, La Susiane”.

ونـشـرت فـيـه 336 عـمـلاً حُـفـر عـلى الـخـشـب وطـبـع عـلى الـورق اعـتـمـاداً عـلى صـور الـتـقـطـتـهـا الـمـؤلـفـة. والـعـمـل الـطّـبـاعي الّـذي اخـتـرتـه لـكـم لـم يـؤخـذ مـن صـورة فـوتـوغـرافـيـة بـل مـن تـخـطـيـط رسـمـتـه “بـطـلـة” الـمـغـامـرة، أي الـكـاتـبـة نـفـسـهـا.

mideast-foreign-eyes-antiquity-modern-10

وهي تـذكـر أنّـهـم في إحـدى سـفـراتـهـم أنـزلـوا أمـتـعـتـهـم عـلى ضـفـة الـنّـهـر وبـقـيـت تـحـرسـهـا لـوحـدهـا :”عـنـدمـا جـاء ثـمـانـيـة مـن الأعـراب الـرُّحّـل عـلى الـضّـفـة الـخـالـيـة. ودقّ قـلـبي بـعـنـف، ومـرّ ضـبـاب أمـام عـيـنيّ لـكـنّي هـززتـه عـن رأسي بـسـرعـة و[صـحـت بـهـم] : “لـديَّ أربـع عـشـرة طـلـقـة أخـصـصـهـا لـكـم : إذهـبـوا وارجـعـوا مـع سـتّـة آخـريـن مـن أصـحـابـكـم”.

ونـلاحـظ أنّ الـنّـهـر لـم يـكـن خـالـيـاً حـسـب الـرّسـم بـل فـيـه قـفّـة في وسـطـهـا رجـال. أمّـا عـن إتـقـان جـان لـلـغـة الـعـربـيـة إلى حـدّ أنّـهـا ركّـبـت هـذه الـجـمـل الـمـعـقـدة فـهـو شئ يـثـيـر الـعـجـب : أوّلاً لأنّـهـا درسـتـهـا لـفـتـرة قـصـيـرة في نـصـوص قـديـمـة مـع مـسـتـشـرقـيـن في فـرنـسـا، ومـا أوسـع الـفـرق بـيـن الـلـغـة الـمـدروسـة والـلـغـة الـمـستـعـمـلـة ! ولأنّ لـفـظـهـا كـان ولا شـكّ صـعـب الـفـهـم …

ولا نـدري كـيـف اسـتـطـاع أن يـفـهـمـهـا هـؤلاء الـنّـاس الـبـسـطـاء (الّـذيـن وصـفـتـهـم بـالأعـراب الـرّحّـل) ! كـمـا أنّ الـتّـعـبـيـر الّـذي اسـتـعـمـلـتـه فـيـه فـكـرة مـعـقـدة : “في مـسـدسي وبـنـدقـيـتي أربـع عـشـرة طـلـقـة، وأنـا قـادرة عـلى أنّ اقـتـل كـلّ واحـد مـنـكـم بـطـلـقـة واحـدة، إذن سـتـبـقى سـتّ طـلـقـات. إذهـبـوا وابـحـثـوا عـن سـتّـة آخـريـن مـن أصـحـابـكـم لاسـتـعـمـل كـلّ الـطّـلـقـات”.

ولا شـكّ أنّ الـقـارئ الـفـرنـسي أعـجـب بـصـيـاغـة الـجـمـل الأدبـيـة هـذه، ولـكـنّ مـاذا فـهـم الـنّـاس الـبـسـطـاء مـن قـول “الـبـطـلـة” جـان ؟ ربّـمـا لـم يـريـدوا أصـلاً مـهـاجـمـتـهـا وسـرقـتـهـا، بـل دفـعـهـم الـفـضـول لـلإقـتـراب مـن هـذه الـمـرأة ــ الـرّجـل. ولا ريـب في أنّ مـسـدسـهـا الـمـصـوّب نـحـوهـم والـبـنـدقـيـة الّـتي تـحـمـلـهـا هـو الّـذي أبـعـدهـم عـنـهـا.

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s