فـريـا مـادلـيـن ســتـارك والـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

 

الـقـسـم الأوّل ــ عـاشـقـة الـشّـرق

قـرأت قـبـل سـنـوات كـتـابـاً صـدر في نـيـو يـورك عـام 2001 عـن فـريـا مـادلـيـن ســتـارك Freya Madeline STARK ،كـتـبـتـه  Jane Fletcher Geniesse, عـنـوانـه : Passionate Nomad, The Life of Freya Stark.

وقـد ذكّـرتـني بـه عـدّة كـتـب صـدرت حـديـثـاً خـصـصـت فـصـولاً كـامـلـة لـهـذه الـمـغـرمـة بـالـشّـرق. ومـع ذلـك يـبـقى كـتـاب   Geniesse  مـن بـيـن أحـسـن مـا كـتـب عـن هـذه الـبـريـطـانـيـة الـعـاشـقـة لـبـغـداد. وأظـنّ أن حـيـاة فـريـا ســتـارك تـسـتـحـق أن أضـيـف مـقـالاً قـصـيـراً إلى كـلّ مـاكـتـب عـنـهـا :

طـفـولـة فـريـا مـادلـيـن :

ولـدت فـريـا مـادلـيـن ســتـارك في بـاريـس، فـرنـسـا سـنـة 1893 مـن أبـويـن بـريـطانـيـيـن. كان أبـوهـا روبـرت قـد درس الـرّسـم  في رومـا، والـتـقى بـامّـهـا فـلـورا الّـتي كـانـت قـد نـشـأت وتـرعـرعـت في فـلـورنـسـا، والّـتي كـانـت هي أيـضـا ًرسّـامـة وعـازفـة بـيـانـو. كـانـت فـريـا مـنـذ طفـولـتـهـا سـيـئـة الـصّـحـة تـقـضي سـاعـات طـويـلـة مـن أيـامـهـا في الـقـراءة وتـكـلّـمـت الإنـكـلـيـزيـة والـفـرنـسـيـة والإيـطالـيـة في فـتـرة مـبـكـرة مـن حـيـاتـهـا.

ودخـل الـشّـرق في مـخـيـلـة فـريـا مـنـذ سـنّ الـتّـاسـعـة عـنـدمـا أهـدتـهـا إحـدى عـمـاتـهـا تـرجـمـة ألـف لـيـلـة ولـيـلـة “Arabian Nights”.

وفي سـنـوات طـفـولـة فـريـا تـوتـرت الـعـلاقـات بـيـن أمّـهـا وأبـيـهـا، وتـركـت أمّـهـا الـدّار مـصـطـحـبـة أطـفـالـهـا وذهـبـت لـتـعـيـش في شـمـال إيـطالـيـا. وعـمـلـت فـريـا كـمـمـرضـة في إيـطالـيـا خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى، ثـمّ عـادت في نـهـايـتـهـا إلى بـيـت أمّـهـا. واستـمـرت تـقـرأ رحـلات الأوربـيـيـن إلى الـشّـرق مـمـا دفـعـهـا إلى دراسـة الـلـغـة الـعـربـيـة.

فـريـا تـتـعـلّـم الـلـغـة الـعـربـيـة :

وجـدت فـريـا راهـبـاً كـابـوشـيـاً كان قـد عـاش ثـلاثـيـن سـنـة في بـيـروت قـبـل أن يـعـود إلى إيـطـالـيـا ويـدخـل ديـراً في San Remo .ولـمـدة سـنـوات سـارت فـريـا مـن الـحـقـل الّـذي كـانـت تـعـمـل فـيـه سـاعـة كـامـلـة لـتـصـل إلى أقـرب مـحـطة قـطـار ثـمّ تـركـب الـقـطـار الـمـغـادر إلى سـان ريـمـو، عـدّة مـرّات في الأسـبـوع. وقـضـت سـنـوات طـويـلـة تـتـابـع دروس الـرّاهـب وتـحـفـظ الأفـعـال الـعـربـيـة وتـصرفـهـا. ثـمّ سـافـرت إلى لـنـدن عـام 1926، وكـانـت في الـثّـالـثـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـرهـا ووجـدت أسـتـاذاً مـصـريـاً سـاعـدهـا في دراسـتـهـا لـلـعـربـيـة.

فـريـا تـسـافـر إلى الـشّـرق وتـصـل إلى الـعـراق :

وفي 1927 تـركـت فـريـا أمّـهـا والـحـقـل نـهـائـيـاً لـتـعـود إلى لـنـدن وتـدخـل في مـعـهـد الـدّراسـات الـشّـرقـيـة London school of Oriental Studies  وعـنـدمـا جـمـعـت مـا يـكـفي مـن الـنّـقـود لـشـراء بـطـاقـة سـفـر عـلى بـاخـرة، إسـتـقـلـتـهـا في خـريـف ذلـك الـعـام نـحـو بـيـروت، ثـمّ ذهـبـت إلى دمـشـق و زارت جـبـل الـدّروز.

وفي 25 تـشـريـن الـثّـاني 1929 وصـلـت فـريـا إلى بـغـداد الّـتي كـانـت مـديـنـة مـتـعـددة الـلـغـات والـثّـقـافـات والأعـراق. وقـد اسـتـفـزت الأوربـيـيـن، وخـاصـة الـبـريـطـانـيـيـن عـنـدمـا اخـتـارت لـهـا سـكـنـاً في حي شـعـبي لـتـسـتـطـيـع أن تـخـتـلـط بـالـنّـاس وتـحـسّـن لـغـتـهـا، كـمـا تـابـعـت دروسـاً في الـقـراءة والـكـتـابـة في مـدرسـة مـع بـنـات صـغـيـرات.

ونـعـرف أنّـهـا زارت طـاق كـسـرى، وسـافـرت إلى الـمـوصـل وزارت مـوقـع نـيـنـوى، كـمـا زارت تـكـريـت، وتـحـجـبـت لـتـزور الـكـاظـمـيـن والـنّـجـف.

ثـمّ قـامـت بـثـلاث سـفـرات في إيـران وأفـغـانـسـتـان بـحـثـاً عـن الأمـاكـن الّـتي عـاش فـيـهـا الـحـشـاشـون الإسـمـاعـيـلـيـة. وبـعـد انـتـهـاء رحـلـتـهـا في وديـان الـحـشـاشـيـن عـادت  إلى بـغـداد عـام 1931، وعـمـلـت مـحـررة في Baghdad Times  في 1932، وفـيـهـا نـشـرت مـقـالات جـمـعـتـهـا بـعـد ذلك في كـتـاب نـشـرتـه في The Times Press Ltd. في بـغـداد تـحـت عـنـوان إسـكـيـتـشـات بـغـداديـة Baghdad sketches ،(وقـد اسـتـعـمـلـت كـلـمـة  sketches  هـنـا بـمـعـنـاهـا الـفـنّي أي الـتـخـطـيـطـات الـسّـريـعـة الّـتي يـنـفّـذهـا الـرّسـام).

F S 8

فـريـا في جـزيـرة الـعـرب :

نـشـرت فـريـا سـتـارك في عـام  1934 كـتـاب : “وادي الـحـشـاشـيـن              The Valleys of the Assassins” الّـذي تـتـكـلّـم فـيـه عـن سـفـراتـهـا في بلاد الـفـرس (إيـران وأفـغـانـسـتـان).

وفي 1933 بـدأت سـفـراتـهـا إلى حـضـرمـوت، وسـارت عـلى الـطّـرق الـقـديـمـة الّـتي كـانـت تـسـلـكـهـا تـجـارة الـلـبـان والـبـخـور حـتّى مـديـنـة شـبـوة، ونـشـرت عـنـهـا في 1936 كـتـاب “بـوابـات جـزيـرة الـعـرب الـجـنـوبـيـة : رحـلـة في حـضـرمـوت The Southern Gates of Arabia: A Journey in the Hadramaut”.  ثـمّ عـادت إلى حـضرمـوت في 1937ـ 1938، ونـشـرت كـتـاب “مـشـاهـدات في حـضرمـوت “Seen in the Hadramaut” في 1938، وكـتـاب “شـتـاء في جـزيـرة الـعـرب A Winter in Arabia” في 1940. وكـانـت فـريـا قـد اشـتـرت، حـسـب مـا تـذكـره رسـائـلـهـا، كـامـيـرا صـغـيـرة إلـتـقـطـت بـهـا عـدداً كـبـيـراً مـن الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة. وفي 1938 نـشـرت طـبـعـة ثـانـيـة مـن كـتـابـهـا “إسـكـتـشـات بـغـداديـة” بـعـد أن أضـافـت ثـمـانـيـة فـصـول كـتـبـتـهـا خـلال سـفـرة كـانـت قـد قـامـت بـهـا قـبـل ذلـك بـقـلـيـل

. F S 9

عـمـيـلـة مـخـابـرات في الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة :

ورغـم أنّ فـريـا ولـدت في بـاريـس وعـاشـت طـفـولـتـهـا وصـبـاهـا ومـطـلـع شـبـابـهـا في إيـطـالـيـا، ولـم تـزر لـنـدن إلّا بـعـد أن بـلـغـت الـثّـالـثـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـرهـا، فـقـد هـاجـت في نـفـسـهـا الـحـمـاسـة الـوطـنـيـة عـنـدمـا انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة. وعـمـلـت خـلالـهـا لـحـساب وزارة الـمـخـابـرات الـبـريـطانـيـة في عـدن وبـغـداد والـقـاهـرة، وأسـسـت في الـقـاهـرة جـمـعـيـة إخـوان الـحـريـة ضـدّ الـنّـازيـة  The Brotherhood of Freedom،الّـتي كـان هـدفـهـا إقـناع الـعـرب بـمـسـانـدة الـحـلـفـاء ضـد ّ الـمـحـور.

ثـمّ زارت الـعـراق مـن جـديـد عـام 1940 وقـامـت بـرحـلـة إلى كـردسـتـان وسـافـرت في مـنـطـقـة الأهـوار وإلى الـكـويـت. وفي أواخـر1941 أسـسـت فـرعـاً مـن جـمـعـيـتـهـا “إخـوان الـحـريـة” في الـبـصـرة. ونـعـرف مـن رسـائـلـهـا أنّـهـا  كانـت في بـغـداد في1941 عـنـدما حاصـر  الإنـكلـيـز الـمـديـنـة وأسـقـطـوا حـكـومـة رشـيـد عـلي الـكـيـلاني. وفي عـام 1942 نـشـرت فـريـا “رسـائـل مـن سـوريـا Letters from Syria ” الّـتي عـربـت فـيـهـا اسـمـهـا إلى “ثـريـا”، ونـشـرت في 1945 “الـشّـرق هـو الـغـرب  East is West”. وفي هـذيـن الـكـتـابـيـن تـتـكـلّـم فـريـا عـن تـجـاربـهـا في الـشّـرق خـلال الـحـرب. فـريـا في إنـكـلـتـرة : وتـقـديـراً لـخـبـرتـهـا وحـنـكـتـهـا الـدّبـلـومـاسـيـة بـعـثـتـهـا الـحكـومـة الـبـريـطانـيـة بـعـد الـحـرب إلى الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة لـمـواجـهـة الـدّعـايـة الـصّـهـيـونـيـة الـمـوجـهـة ضـدّ الـحـمـايـة الـبـريـطـانـيـة لـفـلـسـطـيـن.

وتـزوّجـت فـريـا عـام 1947، وكـانـت في الـرّابـعـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـرهـا   بـ Mr Stewart Perowne  دبـلـومـاسي ومـؤرّخ كـانـت قـد الـتـقـت بـه عـنـدمـا كـان ضابـطـاً في الـجـيـش، ولـهـذا عـرفـت أيـضـاً بـاسـم Mrs Stewart Perowne ،ولـكـنّـهـمـا انـفـصـلا بـعـد خـمـس سـنـوات. ولـم يـصـدرحـكـم بـطـلاقـهـمـا فـاسـتـمـرت تـحـمـل اسـم زوجـهـا في الأوراق الـرّسـمـيـة.

Stark-perowne-1947

ونـشـرت في هـذه الـفـتـرة كـتـابـاً في الأدب والـفـلـسـفـة، وثـلاثـة أجـزاء مـن سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة : “مـقـدمـة الـمـسـافـرTraveller’s Prelude ”  في1950،  “مـابـعـد الـفـرات : سـيـرة ذاتـيـة 1928ـ 1933 Beyond Euphrates. Autobiography 1928- 1933 ” (نـشـر في 1951 ، و”سـاحـل الـلـبـان. سـيـرة ذاتـيـة  1933 ـ 1939 The Coast of Incense. Autobiography 1933-1939 ” (نـشـر في 1953).

تـكـريـم الإمـبـراطـوريـة الـبـريـطـانـيـة لـهـا :

نـالـت فـريـا م. سـتـارك في 1953 وسـام “صلـيـب الإمـبـراطوريـة الـبـريـطانـيـة”. وقـد سـافـرت كـثـيـراً بـعـد الـحـرب وخـاصـة إلى تـركـيـا الّـتي بـحـثـت فـيـهـا عـن جـزء مـن تـاريـخ الـيـونـان الـقـديـم وهـو مـا نـشـرتـه في كـتـابـيـن، كـمـا تـتـبـعـت طـريـق الإسـكـنـدر الـمـقـدوني نـحـو الـشـرق وهـو مـا سـردتـه في  Alexander’s Path  في 1958، وتـسـرد في Riding to the Tigris  الّـذي نـشـرتـه في 1959 سـفـرتـهـا عـلى صـهـوة حـصـان عـبـر هـضـاب تـركـيـا مـتـجـهـة نـحـو نـهـر دجـلـة تـتـبـع فـيـهـا الـطريـق الّـتي سـلـكـهـا جـيـش الـرّومـان في الـقـرن الأوّل قـبـل الـمـيـلاد نـحـو دجـلـة، مـن بـحـيـرة فـان إلى ديـاربـكـر ووادي الـزّاب الـكـبـيـر، كـمـا اسـتـمـرت في نـشـر سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة : “تـراب في مـخـالـب الأسـد. سـيـرة ذاتـيـة 1939ــ 1946 Dust in the Lion’s Paw. Autobiography 1939- 1946” في 1961 ، ونـشـرت كـتـابـا ً تـاريـخـيـاً عـن الـزّمـن الّـذي كان فـيـه الـشّـرق الأدنى جـزءاًمـن الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة : “رومـا عـلى الـفـرات : قـصّـة حـدود Rome on the Euphrates: The Story of a Frontier ” في 1966.وكـانـت آخـر سـفـراتـهـا إلى أفـغـانـسـتـان، ونـشـرت سـردهـا في كـتـاب عـام 1970. وقـد ربـطـتـهـا صـداقـة بـأم ّ الـمـلـكـة إلـيـزابـيـث الـثّـانـيـة ، وربّـمـا عـاد إلـيـهـا الـفـضـل في حـصول فـريـا م. سـتـارك عـلى لـقـب سـيّـدة الإمـبـراطوريـة الـبـريـطانـيـة Dame of the British Empire  عـام 1972.

الـرّجـوع إلى مـواطـن الـطـفـولـة :

عـادت فـريـا في آخـر حـيـاتـهـا إلى الـمـنـطـقـة الّـتي عـاشـت فـيـهـا طـفـولـتـهـا وصـبـاهـا مـع أمّـهـا في شـمـال إيـطـالـيـا، وهـنـاك نـشـرت كـتـابـاً عـن تـركـيـا وكـتـاب مـقـالات ، ولـكـنّ الأهـم هـو أنّـهـا  أعـدّت مـخـتـارات مـن رسـائـلـهـا الّـتي كـتـبـتـهـا إلى أهـلـهـا ومـعـارفـهـا طـيـلـة حـيـاتـهـا والّـتي كـانـت قـد احـتـفـظـت بـنـسـخ مـنـهـا ونـشـرتـهـا في ثـمـانـيـة أجـزاء ، مـن 1974 إلى 1982 ، كـمـا نـشـرت مـخـتـارات مـنـهـا في جـزء واحـد : ” عـلى أطراف الـعـالـم. رسـائـل مـخـتـارة Over th Rime of the World. Selected Letters” في 1982 ،  كـمـا نـشـرت بـعـض مـا كـانـت قـد كـتـبـتـه في أسـفـارهـا : ” صـدى الأسـفـارJourney’s Echo ” في 1982. ولا شـك ّ في أنـنـا نـجـد في كـتـب فـريـا مـادلـيـن ســتـارك ورسـائـلـهـا مـصـدراً مـهـمّـاً مـن مـصـادر مـعـرفـة الـحـيـاة في الـعـراق ، وخـاصـة في بـغـداد في الـنّـصـف الأوّل مـن الـقـرن الـعـشـريـن. تـوفـيـت فـريـا م. سـتـارك سـنـة 1993 في شـمـال إيـطـالـيـا.

 

الـقـسـم الـثّـاني ــ الـوصـول إلى بـغـداد

F S 3

وصـلـت فـريـا مـادلـيـن سـتـارك إلى بـغـداد لأوّل مـرّة في25تـشـريـن الأوّل 1929. وقـد اسـتـفـزّت الأوربـيـيـن، وخـاصـة الـبـريـطـانـيـيـن عـنـدمـا اخـتـارت لـهـا سـكـنـاً في حي شـعـبي لـتـسـتـطـيـع أن تـخـتـلـط بـالـنّـاس وتـحـسّـن لـغـتـهـا. كـمـا تـابـعـت دروسـاً في الـقـراءة والـكـتـابـة في مـدرسـة مـع بـنـات صـغـيـرات.

وبـعـد ذلـك قـامـت فـريـا م. سـتـارك بـثـلاث سـفـرات في إيـران وأفـغـانـسـتـان بـحـثـاً عـن الأمـاكـن الّـتي عـاش فـيـهـا الـحـشـاشـون الإسـمـاعـيـلـيـة وبـعـد انـتـهـاء رحـلـتـهـا في وديـان الـحـشـاشـيـن في 1931، عـادت إلى بـغـداد  وعـمـلـت مـحـررة في Baghdad Times  في 1932، وفـيـهـا نـشـرت مـقـالات جـمـعـتـهـا بـعـد ذلـك في كـتـاب نـشـرتـه في The Times Press Ltd. في بـغـداد تـحـت عـنـوان إسـكـيـتـشـات بـغـداديـة Baghdad sketches) كـان هـدفـهـا مـن كـتـابـتـه أن تـصـوّرالـحـيـاة الـيـومـيـة لـبـغـداد في تـلـك الـفـتـرة. وفي 1938 نـشـرت طـبـعـة ثـانـيـة مـن كـتـابـهـا “إسـكـيـتـشـات بـغـداديـة ” بـعـد أن أضـافـت ثـمـانـيـة فـصـول كـتـبـتـهـا خـلال سـفـرة كـانـت قـد قـامـت بـهـا قـبـل ذلـك بـقـلـيـل.

وصـول فـريـا سـتـارك إلى بـغـداد مـن خـلال رسـائـلـهـا(Letters, Volume 1 : The Furance and the  Cup 1914 – 1930)  : كـتـبـت إلى أخـتـهـا Viva  في 26 تـشـريـن الأوّل 1929 :

وصـلـت إلى هـنـا أمـس ، وأنـا سـعـيـدة بـمـجـيـئي إلى هـنـا. إسـتـغـرقـت سـفـرتـنـا تـسـع سـاعـات في الـيـوم الأوّل واثـنـتي عـشـرة سـاعـة في الـيـوم الـثّـاني. وصـلـنـا الـرّطـبـة عـلى ضـوء الـنّـجـوم ، ورأيـنـا نـوراً يـشـع مـن بـعـيـد مـن فـوق الـجـدران الّـتي لـيـس لـهـا نـوافـذ ـ أربـعـة أبـراج وبـوابـة وشـرطي مـن أبـنـاء الـعـشـائـر بـوجـهـه الـعـربي الـوحـشي وبـنـجـمـة عـلى جـبـيـنـه ، يـرتـدي مـعـطـفـاً أحـمـر طـويـلاً وبـيـده بـنـدقـيـة ، يـنـتـصـب أمـام الـبـوابـة الـمـوصـدة.

11745858_495278620640042_2795898238070758125_n

وكـان الـمـكـان مـثـل ذلـك الّـي أخـرجـه الـجـنّي مـن الـعـدم عـنـدمـا فـرك الـمـصـبـاح [الـسّـحـري]. وجـاء الـعـشـاء بـعـد ذلـك : سـمـك سـالـمـون ومـايـونـيـز وكـسـتـر وجـلي. ووجـدنـا عـلى الـجـدران أخـبـاراً وإعـلانـات عـن نـادي الـغـولـف في الـمـنـطـقـة ، وسـمـعـنـا الـضّـبـاط الإنـكـلـيـز يـثـرثـرون عـن مـشـتـريـاتـهـم أو عـن صـيـدهـم ومـا إلى ذلـك، ويـبـدون لـطـفـاء مـقـارنـة بـالـضّـبـاط الـفـرنـسـيـيـن في سـوريـا. وفي الـسّـاعـة الـواحـدة، فـتـحـت الـبـوابـة لـنـا، وسـرعـان مـا اخـتـفـت أضـواء الـرّطـبـة وراءنـا. ووصـلـنـا الـرّمـادي في الـثّـامـنـة [صـبـاحـاً] ومـررنـا بـالـجـمـارك. وبـعـد مـسـيـرة ثـلاث سـاعـات أخـرى إبـصـرنـا دجـلـة في الـثّـانـيـة [بـعـد الـظّـهـر]، ثـمّ اهـتـزّ تـحـتـنـا جـسـر الـقـوارب الـعـائـم في بـغـداد.

وكـتـبـت لـصـديـقـتـهـا Venitia : بـغـداد مـديـنـة مـسـطّـحـة بـنـيـت عـلى أرض مـسـطّـحـة، وكـلّ مـا يـمـكـن أن يـراه الـمـرء عـنـدمـا يـصـل إلـيـهـا مـن الـغـرب : شـريـط غـابـات نـخـيـل ومـنـارة جـامـع. والـنّـاس فـيـهـا مـن كـلّ الأنـواع الّـتي تـجـذبـني، وأجـمـلـهـم الأكـراد. أودّ لـو اسـتـطـعـت رسـمـهـم . كـتـبـت لـرّجـل أخـذت عـنـوانـه مـن صـديـقي في دمـشـق، وأتـمـنى أن أجـده لـيـسـاعـدني في إيـجـاد سـكـن، وأنـا أنـتـظـر الإلـتـيـاء بـه قـبـل أن أذهـب عـنـد الإنـكـلـيـز لأنـني أعـرف أنّـهـم سـيـحـذروني أن لا أفـعـل ذلـك. تـجـوّلـت هـذا الـصّـبـاح في الـدّروب الـضّـيـقـة بـشـنـاشـيـلـهـا الـخـشـبـيـة وجـدرانـهـا الـدّاكـنـة الّـتي لا نـوافـذ لـهـا.

وكـتـبـت لأمّـهـا فـلـورا  في 28 تـشـريـن الأوّل : جـاءني مـنـيـر الـوكـيـل ـ الـصّـديـق الـبـهـائي لـصـديـقي الـدّبـاغ الـدّمـشـقي، و وجـدتـه وسـيـمـاً لـطـيـفـاً أنـيـقـاً بـمـلابـسـه الأوربـيـة. ووعـدني أن يـجـد لي سـكـنـاً، وسـيـاتي كـلّ يـوم لـيـصـاحـبـني في زيـارتي لـبـغـداد. ذهـبـت إلى الـمـتـحـف هـذا الـصّـبـاح. والـقـطـع الأثـريـة الّـتي وجـدت في أور مـذهـلـة. الـقـطـع الـذّهـبـيـة شـديـدة الـجـمـال وكـذلـك الـحـلي. كـمـا وجـدت فـسـيـفـسـاء وعـاج مـطـعّـم وهـو مـا يـحـسـن صـنـعـه الإيـطـالـيـون، ولـكـنّ الـصّـنـاع هـنـا، في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن سـبـقـوهـم بـسـتّـة آلاف سـنـة !  وقـد تـبـيّـن أنّ الـسّـومـريـيـن هـم الّـذيـن جـلـبـوا الـحـضـارة لـلـمـصـريـيـن. ولـكـنـنـا لا نـعـرف مـن أيـن جـاءوا هـم أنـفـسـهـم .يـظّـل هـذا مـجـهـولاً. وجـدت هـذا الـيـوم الـسّـوق الـمـسـقّـف بـأقـواس مـن الـطّـابـوق، تـنـيـره أضـواء أكـثـر مـمـا في سـوق دمـشـق، وقـد جـذبـني أكـثـر مـمـا جـذبـني سـوق دمـشـق لـتـنـوّع الـبـشـر هـنـا. ويـبـدو أنّ الـعـراقـيـيـن عـلى نـوعـيـن: أحـدهـمـا وجـهـه مـمـتـلئ مـسـتـديـر وشـفـتـه الـسّـفـلى ثـخـيـنـة، والآخـر وجـهـه ضـيّـق مـسـتـطـيـل عـذب الـنّـظـرات عـالي الـجـبـهـة. ثـمّ أنّ هـنـاك الأكـراد والـمـسـيـحـيـون والآثـوريـون والـيـهـود والـيـونـانـيـون والأتـراك والـفـرس ولا أدري مـاذا أيـضـاً، إلى جـانـب أعـراب الـبـاديـة. والـنّـسـاء الـمـسـيـحـيـات يـتـلـفـعـن بـالـحـريـر ــ بـكلّ الألـوان الـجـمـيـلـة الّـتي تـبـهـج الـنّـظـر وهـنّ يـمـشـيـن في الـشّـوارع بـيـن الـمـسـلـمـات الـمـتـلـفـعـات بـالـسّـواد. ربّـمـا لا يـحـبّ الـنّـاس الأجـانـب هـنـا، ولـكـنـني لا أشـعـر بـالـخـوف بـيـنـهـم.

وكـتـبـت لأمّـهـا فـلـورا مـن جـديـد في 30  تـشـريـن الأوّل :

ذهـبـت أمـس عـنـد Mrs Drower  (زوجـة الـمـنـدوب الـسّـامي)، وهي لـطـيـفـة جـدّاً ومـرحـة. وبـعـد أن شـربـنـا الـشّـاي جـاء الـسّـيـد وويـلي Woolley  وزوجـتـه. ومـسـز وويـلي شـديـدة الـجـاذبـيـة رغـم أن في طـبـيـعـتـهـا شئ مـن الـغـرابـة والـقـسـوة، وبـدى لي مـؤسـفـاً أنّـهـا تـركـت بـيـتـهـا الّـذي تـحـبـه بـشـدّة نـظـافـتـه وكـلّ وسـائـل راحـتـه والـكـتـب الّـتي تـمـلأه [لـكي تـأتي إلى هـنـا]. وقـد عـدت هـذا الـيـوم عـنـد Mrs Drower  فـهـو الـيـوم الّـذي تـسـتـقـبـل فـيـه الـعـرب. وهي تـتـكـلّـم الـعـربـيـة بـطـلاقـة. وقـد حـسـدتـهـا عـلى ذلـك ، فـأنـا لـم أفـهـم الـجـمـل الّـتي تـحـتـوي عـلى أكـثـر مـن عـشـر كـلـمـات تـقـريـبـاً. فـريـا م. سـتـارك وعـبـد الـمـحـسـن الـسّـعـدون:

ويـمـكـنـنـا أن نـذكّـرهـنـا حـدثـاً ذكـرتـه في رسـالـة بـعـثـهـا لأبـيـهـا روبـرت في 14 تـشـريـن الـثّـاني 1929 :

حـدثـت مـأسـاة فـاجـأت الـجـمـيـع : رئـيـس الـوزراء، الّـذي كـان يـبـدو سـعـيـداً وهـو جـالـس بـجـانـب Mrs Drower  يـوم الـثّـلاثـاء الـمـاضي، عـاد إلى داره مـن الـنّـادي لـيـلـة الأربـعـاء، وانـتـحر بـطـلـقـة مـسـدس صـوبـهـا إلى قـلـبـه. كـان أشـرف رجـل، الـرّجـل الـشّـريـف الـوحـيـد في الـحـكـومـة. وكـان نـسـبـيـاً، صـديـقـاً لـلـبـريـطـانـيـيـن. كـتـب رسـالـة تـركـهـا لابـنـه : صـبي في الـتّـاسـعـة عـشـرة مـن عـمـره يـدرس الـهـنـدسـة الآن في بـرمـنـغـهـام .وذهـب إلى الـشّـرفـة وقـتـل نـفـسـه. وكـانـت زوجـتـه قـد تـشـبـثـت بـذراعـه، ورجـتـه أن يـقـتـلـهـا هي بـدلاً مـن أن يـنـتـحـر، وكـانـت ابـنـتـه تـنـظـر إلى الـمـشـهـد. لـم يـعـد يـتـحـمـل رجـال الـسّـيـاسـة الـقـذريـن ، وكـلّ الأحـزاب الّـتي نـكّـدت عـلـيـه عـيـشـه. شـاهـدت مـع  Mrs Drower  الـجـنـازة عـنـدمـا مـرّت أمـام الـنّـافـذة، وكـان يـمـشي خـلـف الـنّـعـش حـشـد غـفـيـر بـصـمـت ، ولـم يـظـهـر عـلى وجـوهـهـم أي عـداء [ لـلإنـكـلـيـز] .

إلـتـقـت فـريـا م. سـتـارك إذن بـعـبـد الـمـحـسـن الـسّـعـدون، رئـيـس الـوزراء، في دار Mrs Drower  (زوجـة الـمـنـدوب الـسّـامي)، بـعـد حـوالي أسـبـوعـيـن مـن وصـولـهـا إلى بـغـداد ، وهي ولا شـكّ تـعـيـد في وصـفـهـا لانـتـحـاره مـا ذكـرتـه لـهـا هـذه الـ Mrs Drower .

إسـكـيـتـشـات بـغـداديـة  ــ الـطّـريـق إلى بـغـداد :

رأيـنـا أنّ فـريـا م. سـتـارك كـتـبـت الإسـكـيـتـشـات في 1932 ، أي بـعـد ثـلاث سـنـوات عـلى وصـولـهـا إلى الـعـراق، وسـتـرون أنّ مـا ذكـرتـه في الـكـتـاب يـخـتـلـف قـلـيـلاً عـمـا كـتـبـتـه في رسـائـلـهـا .

يـبـدأ الـكـتـاب بـفـصـل :  The Desert Route الّـذي تـتـكـلّـم فـيـه فـريـا عـن وصـولـهـا إلى الـعـراق في 1929 عـن طـريـق الـبـاديـة ، وخـيـبـة أمـلـهـا لأنّـهـا لـم تـجـد صـحـراء الـبـدو الـرّحـل وهي تـخـتـرقـهـا في سـيـارة نـيـرن Nairn Motor Transport . وبـدلاً مـن الأثـافي الّـتي كـان الـشّـاعـر الـجـاهـلي يـبـكي عـلـيـهـا في أطـلال مـضـارب أهـل الـحـبـيـبـة لـم تـجـد فـريـا إلّا هـيـاكـل مـعـدنـيـة صـدئـة لـسـيـارات تـركـت عـلى جـانـبي الـطّـريـق. وتـسـاءلـت إن لـم يـكـن الـوقـت قـد حـان لـوضـع لافـتـات تـمـنـع الـنّـاس مـن رمي الأكـيـاس الـورقـيـة الّـتي بـدأت تـتـطـايـر في كـلّ مـكـان. ولـم تـجـد طـرقـاً مـعـبـدة بـل آثـار سـيّـارات تـتـتـابـع عـلى الـتّـراب ، تـمـحـوهـا الأمـطـار الـنّـادرة حـيـنـمـا تـتـسـاقـط فـتـطـبـعـهـا عـجـلات سـيّـارات أخـرى تـأتي بـعـدهـا، ودهـشـت لـكـثـرة هـذه الـسّـيّـارات الّـتي تـمـرّ مـثـيـرة غـيـومـاً مـتـكـاثـفـة مـن الـغـبـارفي الـنّـهـار، وتـبـدو أنـوارهـا في الـلـيـل كـخـطـوط نـيـران تـتـقـدّم في الـظّـلام.

وتـوقّـفـت في آخـر مـركـز حـدود فـرنـسي في سـوريـا قـبـل أن تـدخـل الـعـراق مـتـأمّـلـة الـشّـاحـنـات الـمـثـقـلـة بـأحـمـالـهـا تـخـتـرق الـبـاديـة مـثـل سـفـنّ تـمـخـر عـبـاب الـبـحـار مـتـمـايـلـة يـمـيـنـاً ويـسـاراً، وسـيـارات الـنّـقـل الّـتي يـتـكـوّم فـيـهـا الـحـجـاج عـلى مـقـاعـد خـشـبـيـة وتـتـكـوّم عـلى سـقـوفـهـا الأمـتـعـة والـحـقـائـب وهي تـتـدحـرج نـحـو مـكّـة ،تـتـجـاوزهـا سـيّـارات الـنّـيـرن الـمـكـيّـفـة والـسّـيـارات الـصـغـيـرة : Ford, Fiat, Morris, Chevrolet… وقـد خـاب أمـلـهـا لأنّ هـذه الـبـاديـة لـم تـكـن صـحـراء رمـال ذهـبـيـة، بـل أرضـاً صـلـبـة مـحـمـرّة يـغـطي سـطـحـهـا في بـعـض الأمـاكـن عـشـب مـصـفـرّ يـبـدو قـشّـاً، وفي بـعـض أطـرافـهـا الّـتي نـمى فـيـهـا الـعـشـب تـجـمـعـت مـئـات مـن الـجـمـال تـقـضـم مـا تـجـده أمـامـهـا.

وبـعـد أن تـقـدّمـت الـسّـيّـارة قـلـيـلاً عـلى الـطّـريـق تـغـيّـرت الـطّـبـيـعـة وصـارت خـواءً لا تـنـبـت فـيـه حـتّى الأشـواك، يـتـتـابـع فـيـهـا الـسّـراب، يـبـدو مـن بـعـيـد مـثـل بـحـيـرات صـغـيـرة ضـحـلـة الـمـاء، تـتـداخـل الـواحـدة مـنـهـا بـالأخـرى. وتـتـابـعـت الـسّـاعـات بـبـطء تـلـتـهـب تـحـت أشـعـة الـشّـمـس الـمـحـرقـة. ومـضـت تـسـع سـاعـات قـبـل أن تـصـل الـسّـيّـارة إلى آبـارالـرّطـبـة بـعـد حـلـول الـلـيـل.

rutba-6

ووجـدتـهـا فـريـا مـضـاءة، مـنـتـصـبـة بـجـدرانـهـا وأبـراجـهـا الأربـعـة. وفـتـح لـهـم الـبـوابـة شـرطي عـراقي بـالـزّي الـرّسـمي : “غـتـرة حـمـراء وعـقـال أسـود”. ووجـدت في الـرّطـبـة سـريـراً مـريـحـاً ومـاءً سـاخـنـاً ووجـبـة أكـل أوربـيـة ! وغـادرت فـريـا الـرّطـبـة في الـرّابـعـة صـبـاحـاً مـع مـصـاحـبـيـهـا، وعـنـدمـا انـبـلـج الـفـجـر أبـصـروا بـأراضي الـفـرات وغـابـات الـنّـخـيـل الـداكـنـة الألـوان. ووجـدوا مـركـز تـفـتـيـش الـجـوازات والـجـمـارك في الـرّمـادي. ثـمّ عـبـروا الـفـرات في الـفـلّـوجـة عـلى جـسـر عـائـم مـن الـقـوارب، واخـتـرقـوا سـهـول مـا بـيـن دجـلـة والـفـرات لـيـصـلـوا إلى بـغـداد. وتـأمّـلـت بـغـداد  “بـألـوان مـنـائـرهـا الـرّمـلـيـة الـمـخـتـفـيـة بـيـن غـابـات الـنّـخـيـل” :  It seems incredible, but we are there ! تـذكـر فـريـا م. سـتـارك في الـفـصـل الـثّـاني كـيـف أنّـهـا تـعـرّفــت في دمـشـق عـلى دبّـاغ بـهـائي بـعـثـهـا عـنـد صـديـق لـه في بـغـداد. وتـحـكي في الـفـصـل الـثّـالـث ” In the Moslem Quarter”  كـيـف وجـدت عـنـد وصـولـهـا إلى بـغـداد غـرفـة في فـنـدق وسـط الـمـديـنـة. وكـانـت أولى انـطـبـاعـاتـهـا عـن الـمـديـنـة سـيـئـة ، فـقـد رأت في “مـديـنـة الـخـلـفـاء” : “شـارعـاً طـويـلاً بـبـنـايـات واطـئـة، خـلـيـط مـن أسـوء مـا في الـشّـرق ومـا في الـغـرب، وكـان الـنّـاس يـبـدون قـلـيـلي الـصّـحـة كـثـيـري الـعـبـوس والأطـفـال يـدعـون لـلـرّثـاء والـمـحـلّات بـائـسـة مـزريـة ، يـتـطـايـر في الـهـواء غـبـارمـضـرّ بـالـصّـحـة يـسـمـم الـدّم”.

 

الـقـسـم الـثّـالـث ــ الـدّار

F S 6

في أحـيـاء الـمـسـلـمـيـن :

تـتـكـلّـم فـريـا م. سـتـارك عـن “أحـيـاء الـمـسـلـمـيـن” في بـغـداد، وتـعـني بـهـا الأحـيـاء الـبـغـداديـة الـشّـعـبـيـة. وهي تـفـرّق بـيـنـهـا وبـيـن الأحـيـاء الـحـديـثـة الّـتي كـان الأجـانـب وخـاصـة الإنـكـلـيـز يـسـكـنـون فـيـهـا.  وقـد رأيـنـا كـيـف أنّـهـا اخـتـارت أن تـسـكـن في دار في حي بـغـدادي أصـيـل لـتـخـتـلـط بـالـنّـاس ولـتـحـسـن لـغـتـهـا الـعـربـيـة ، وهـو مـا اسـتـفـزّ الإنـكـلـيـز . رسـالـة فـريـا إلى أبـيـهـا روبـرت في 2 تـشـريـن الـثّـاني  1929 : أعـتـقـد أنـني وجـدت داراً هـذا الـيـوم : ثـلاث غـرف وسـطـح وسـرداب. وقـد أعـيـد صـبـغـهـا بـالأبـيـض وقـضـبـان الـنّـوافـذ ومـا حـول الـنّـوافـذ بـالأزرق. وخـشب بـابـهـا مـلـتـمـع يـعـلـوه قـوس، ولـه قـبـضـة نـحـاسـيـة. والـسّـطـح مـحـاط بـ corrugated Iron  فـيـه فـتـحـات نـسـتـطـيـع أن نـنـظـر مـن خـلالـهـا مـن غـيـر أن يـرانـا أحـد مـن الـخـارج. ولـيـس عـلى الـنّـوافـذ زجـاج ، ولـكـنـني أسـتـطـيـع أن أرى [مـن الـنّـافـذة ] شـجـرة تـعـجـبـني كـثـيـراً تـخـرج رأسـهـا مـن حـديـقـة الـجـامـع.

رسـالـة فـريـا إلى Herbert Young  في 8  تـشـريـن الـثّـاني :

أجّـرت الـدّار. وقـد اقـتـرحـت عـليّ امـرأة طـيـبـة لا أعـرفـهـا أن تـعـيـرني حـصـانـاً لأتـنـقّـل عـلـيـه. أذهـب كـلّ صـبـاح إلى مـدرسـة أتـعـلّـم فـيـهـا الـلـغـة الـعـربـيـة في صـفّ فـيـه سـتّ وعـشـرون بـنـتـاً يـتـقـافـزن جـمـيـعـاً لإعـارتي كـتـبـهـنّ وأقـلامـهـنّ وأوراقـهـنّ، ويـغـدقـن عـليّ الـنّـصـائـح ويـنـصـتـن إليّ وأنـا أقـرأ بـبـطء شـديـد جـمـلاً مـن كـتـاب الـقـراءة ـ الـمـسـتـوى الـثّـالـث، ثـمّ يـصـحـحـن أخـطـائي. Mrs Drower  هي الـطِـيـبـة نـفـسـهـا خـلـقـت امـرأة، وقـد عـرّفـتـني بـكـلّ مـن حـولـهـا مـن أهـل الـبـلـد ومـن الإنـكـلـيـز. يـبـدو لي أنـني سـأعـرف قـريـبـاً كـلّ مـن في بـغـداد ! وكـانـت تـحـسـن الـلـغـة الـعـربـيـة قـبـل وصـولـهـا إلى بـغـداد ، ولـكـنّ جـرتـرود بـيـل كـانـت تـحـاول بـاسـتـعـلاء الـتّـقـلـيـل مـن جـدوى جـهـودهـا [ لـم تـلـتـق فـريـا سـتـارك بـجـرتـرود بـيـل الّـتي تـوفـيـت في بـغـداد في 1926] . ويـبـدو أن لـغـة [ الـمـسـز بـيـل] الـعـربـيـة لـم تـكـن قـويـة ، مـثـلـهـا مـثـل الـعـربـيـة الّـتي كـان يـتـكـلّـمـهـا لـورنـس وكـشـنـر وكـلّ هـؤلاء الـمـشـاهـيـر.

رسـالـة فـريـا إلى أبـيـهـا روبـرت في 14 تـشـريـن الـثّـاني :

تـحـوّلـت إلى داري. رسـالـة فـريـا إلى Car Ker في  29 تـشـريـن الـثّـاني : لا يـمـكـنـك أن تـتـصـور مـا فـعـلـتـه هـذا الـيـوم . نـظـمـت خـرزاً مـن الـلازورد وجـدت في تـنـقـيـبـات أور في خـيـط وردي …لـحـسـاب الـمـتـحـف. جـاءت بـهـا Mrs Drower إلى الـدّار في صـنـدوق مـن الـورق الـمـقـوى، وكـانـت قـد اخـتـلـطـت بـشـظـايـا عـظـام الـنّـسـاء الـلاتي شـاركـن في طـقـوس دفـن الـمـلـكـة : ضـربـن عـلى رؤوسـهـنّ و دفـنّ مـعـهـا. وهي قـديـمـة جـدّاً، حـوالي أربـعـة آلاف سـنـة. وهي تـشـبـه مـا نـجـده في أيّـامـنـا هـذه في الـبـنـدقـيـة (في إيـطـالـيـا)، وقـيـمـة الأحـجـار الـكـريـمـة الّـتي صـنـعـت مـنـهـا عـالـيـة جـدّاً. ومـا أدهـشـني هـو أنّـهـم اخـتـرعـوا آلات بـالـغـة الـصّـغـر إلى هـذا الـحـدّ لـتـثـقـب هـذه الـثّـقـوب الـبـالـغـة في الـصّـغـر.

رسـالـة فـريـا إلى Venitia في 24 تـشـريـن الـثّـاني :

بـائـع الـخـضـروات الّـذي يـعـيـش في دكـانـه الـصّـغـيـر الـمـفـتـوح (لـيـس لـه واجـهـة) مـقـابـل داري، بـاع لي يـشـمـاغـه الأبـيـض والأسـود لأغـطّي بـه طـاولـة الـشّـاي عـنـدمـا أسـتـقـبـل الـنّـاس في داري. وجـاءني قـبـل أيّـام لـيـخـبـرني أنّ مـسـلـمـاً غـنـيّـاً يـرغـب في إعـطـائي دروسـاً في الـلـغـة الـعـربـيـة وأعـلّـمـه الإنـكـلـيـزيـة بـالـمـقـابـل. كـلّ هـذا حـبّـاً لـلـغـة. عـلى الأقـل، هـذا مـا أأمـلـه ، ولـيـس طـمـعـاً في كـسـب قـلـيـل مـن الـمـال. وصـفـه لي بـأنّـه رجـل مـتـوسـط الـعـمـر، رب عـائـلـة. وظـهـر أنّـه في الـخـامـسـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـره ، سـمـيـن، دمـث الأخـلاق، بـدأ الـشّـيـب يـغـزو مـفـرقـيـه. ولـم يـظـهـر عـلـيـه أنّـه يـهـتـم كـثـيـراً بـتـعـلّـم الإنـكـلـيـزيـة. وجـلـس سـاعـتـيـن يـثـرثـر بـالـعـربـيـة، ويـتـصـفـح الـجـريـدة مـعي. واقـتـرح عـليّ زيـارة شـيـوخ شـمّـر شـمـالاً عـلى نـهـر دجـلـة. لـن أبـقى مـدّة طـويـلـة في هـذه الـدّار. كـلّ أشـبـاح سـاكـنـيـهـا نـهـضـوا مـن قـبـورهـم : إنـبـعـثـت روائـحـهـم طـلّ الـلـيـل حـتّى أكـاد أخـتـنـق ولا أسـتـطـيـع الـتّـنـفـس ، وبـدأت أبـحـث عـن مـسـكـن أقـلّ تـسـمـمـاً.

رسـالـة فـريـا إلى أمّـهـا فـلـورا في 25 تـشـريـن الـثّـاني :

الـمـدرّس الّـذي أتى لي بـه بـائـع الـخـضـرة يـدرسـني مـجـانـاً. لـو كـنـت إنـكـلـيـزيـة كـمـا يـنـبـغي (أي مـثـل انـكـلـيـزيـات بـغـداد الـمـتـرفـعـات ) لـمـا قـبـلـت بـذلـك. وهـو رجـل سـمـيـن ظـريـف ، حـسـن الـتّـصـرفـات ، ويـحـاول أن يـبـقى مـهـذبـاً عـنـدمـا أقـرأ مـعـه في الـجـرائـد كـتـابـات عـنـيـفـة ضـدّ الإنـكـلـيـز. وهـو لا يـؤمـن بـمـا في الـقـرآن هـو نـفـسـه ، ولـكـنّـه يـودّ أن أعـجـب بـالـسّـور الّـتي يـحـتـويـهـا. وقـد أقـام بـيـن الـبـدو، وأقـام في إسـطـنـبـول . وهـو نـوع شـريـف جـدّاً مـن أنـواع الـعـربي الـحـديـث الـمـتـحـضّـر.

رسـالـة فـريـا إلى أبـيـهـا روبـرت في 27 تـشـريـن الـثّـاني :

في غـرفـتي الـجـديـدة شـرفـة وأربـع نـوافـذ كـبـيـرة تـطـلّ عـلى الـنّـهـر، ولـكـنّـهـا فـارغـة بـاردة بـعـيـدة. وأقـصـر الـطّـرق إلى [مـركـز الـمـديـنـة ]أن أعـبـر الـنّـهـر بـقـارب مـن هـذا الـجـانـب، وبـعـد ذلـك أمـرّ بـهـذا الـشّـارع الـقـبـيـح الّـذي بـلّـطـوه، والّـذي يـخـتـرق بـغـداد مـسـتـقـيـمـاً لا يـتـعـرّج تـقـلـيـداً مـزيّـفـاً لـشـوارع أوربـا. ثـم ّ أتـركـه مـتـجـهـة إلى مـدرسـتي في آخـر دروب ضـيّـقـة. وكـلّ يـوم أدورإلى الـيـسـار عـنـدمـا أصـل إلى جـامـع الـحـيـدرخـانـة بـطـابـوقـه الـمـزجـج الأصـفـر والأزرق، وأمـرّ أمـام عـدد مـن الـبـدويـات الـجـالـسـات الـقـرفـصـاء أمـام سـلال فـيـهـا أرغـفـة خـبـز مـسـطّـحـة، وأمـام مـجـمـوعـة مـن الـحـمـالـيـن الأكـراد بـعـمـامـات مـن قـمـاش الـقـطـن الـمـخـطـط بـالأحـمـر، ويـرتـدون سـتـرات مـن لـبـد ثـخـيـن.

إسـكـيـتـشـات بـغـداديـة  ــ الـدّار :

نـذكّـر الـقـارئ مـن جـديـد أنّ فـريـا كـتـبـت الإسـكـيـتـشـات في 1932 أي بـعـد 11 عـامـاً مـن كـتـابـتـهـا لـلـرّسـائـل الّـتي رأيـنـاهـا : تـقـصّ فـريـا في الـفـصـل الـثّـالـث كـيـف أنّـهـا تـجـوّلـت في الـمـديـنـة ودخـلـت لابـيـرنـث الـدّروب الـضّـيـقـة الـمـتـلـوّيـة. وأبـصـرت بـدار فـارغـة، جـدرانـهـا مـن الـطّـابـوق وعـلـيـهـا لافـتـة بـالـعـربـيـة تـذكـر أنّـهـا لـلـبـيـع. ولـكـنّ الّـذي جـذب نـظـرهـا كـانـت الـدّار الـمـجـاورة الّـي رأت فـيـهـا مـلّا عـجـوزاً جـلـس مـتـربّـعـاً يـعـلّـم عـشـريـن أو ثـلاثـيـن طـفـلاً الـقـراءة. ولـم يـكـن لـهـم إلّا مـا يـقـارب الـعـشـرة مـصاحـف، فـتـجـمّـعـوا حـولـهـا : ثـلاثـة أو أربـعـة حـول كـلّ مـصـحـف، يـرددون بـأصـواتـهـم الـطـفـولـيـة آيـاتٍ قـرآنـيـة. وبـيـن الـحـيـن والـحـيـن، يـصـل طـفـل ويـخـلـع نـعـلـيـه لـيـدخـل في الـحـلـقـة، بـيـنـمـا يـنـهـض مـن أصـابـه الـمـلـل مـنـهـم يـتـجـوّل بـيـن الـنّـبـاتـات والـزّهـور، ثـمّ يـعـود إلى مـكـانـه بـعـد ذلـك. وكـان الـمـلّا أبـيـض الـعـمـامـة طـلى لـحـيـتـه بـالـحـنّـاء، وعـلى وجـهـه الـعـجـوز مـلامـح الـطّـيـبـة ، ولـم يـكـن يـبـدو عـلى تـلامـيـذه أنّـهـم يـخـشـونـه.وقـد أعـجـب فـريـا الـنّـظـر إلـيـهـم  فـقـررت الـسّـكـن في الـدّار الـمـجـاورة الـمـعـروضـة لـلـبـيـع. ثـمّ جـاءهـا صـديـق الـدّبـاغ إلى فـنـدقـهـا، واسـمـه نـوري فـلان Nuri Fulan (لا شـكّ في أنّـهـا غـيّـرت اسـم مـنـيـر الـوكـيـل إلى نـوري فـلان تـحـاشـيـاً لـلـمـشـاكـل)، وسـاعـدهـا في تـأجـيـر هـذه الـدّار. عـنـدمـا دخـلـت مـن الـبـاب الـخـشـبي الـمـصـبـوغ بـالأزرق الـفـاتـح والّـذي تـزيـنـه قـبـضـة ومـطـرقـة نـحـاسـيـتـان، وجـدت في وسـط الـدّار حـوشـاً صـغـيـراً مـعـتـمـاً ، ومـن الـجـهـة الـمـقـابـلـة غـرفـة صـغـيـرة أُريـد لـهـا أن تـكـون مـطـبـخـاً، فـيـهـا طـاولـة وبـريـمـز Primus stove  وحـبّ لـلـمـاء. وكـان هـذا كـلّ مـافي الـدّار مـن أثـاث. ووجـدت سـلّـمـاً صـعـدت عـلـيـه إلى غـرفـة. ولـتـأثـيـث الـدّار ذهـبـت فـريـا إلى مـا كـان يـعـرف بـسـوق الـحـرامـيّـة thieves’ bazar  لـتـشـتـري كـلّ مـا تـحـتـاجـه ، و وجـدت حـمـالاً كـرديـا أدهـشـهـا عـنـدمـا ضـع كـلّ مـا اشـتـرتـه عـلى ظـهـره وتـبـعـهـا إلى الـدّار. وتـروي كـيـف رحّـب بـهـا جـيـرانـهـا واسـتـقـبـلـوهـا بـحـفـاوة وسـاعـدوهـا.

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

One thought on “فـريـا مـادلـيـن ســتـارك والـعـراق”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s