“صـنـدوق الـدّنـيـا” كـمـا وصـفـتـه أجـاثـا كـريـسـتي

الـدكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

تـتـكـلّـم أجـاثـا كـريـسـتي عـن الـعـراق في مـواضـع كـثـيـرة مـن روايـتـهـا : “مـوعـد في بـغـداد  They Came to Baghdad” الّـتي صـدرت في 1951.

3908665867_4abbfbe118

وفي أحـد مـقـاطـعـهـا، كـانـت بـطـلـة الـقـصّـة فـيـكـتـوريـا جـونـزVictoria Jones  مـتـجـهـة بـالـسّـيّـارة بـصـحـبـة عـالـم الآثـار ريـشـارد بـيـكـر إلى مـوقـع الـتّـنـقــبـات الأثـريـة الّـذي كـان يـشـتـغـل فـيـه. وفي الـطـريـق الـوعـرة رأيـا رجـلـيـن يـتـجـهـان نـحـو الـسّـيّـارة :

“كـان أحـدهـمـا يـحـمـل عـلى ظـهـره نـوعـاً مـن الـمـصـطـبـة الـخـشـبـيـة، والآخـر آلـة مـن الـخـشـب بـحـجـم الـبـيـانـو الّـذي يـدعى بـالـبـيـانـو الـمـنـتـصـب. ونـاداهـمـا ريـشـارد فـسـلّـمـا عـلـيـه وعـلى وجـهـيـهـمـا كـلّ عـلامـات الـفـرح. وقـدّم لـهـمـا سـجـائـر وبـدا عـلـيـهـمـا أنّـهـمـا يـعـرفـانـه وهـو يـعـرفـهـمـا. ثـمّ اسـتـدار ريـشـارد نـحـوهـا [أي نـحـو فـيـكـتـوريـا] وسـألـهـا إن كـانـت تـحـبّ الـسّـيـنـمـا وهـل تـريـد أن تـشـاهـد عـرضـاً سـيـنـمـائـيـاً. وتـكـلّـم مـع الـرّجـلـيـن الـلـذيـن ابـتـسـمـا بـسـعـادة. ووضـعـا الـمـصـطـبـة وأشـارا لـفـيـكـتـوريـا وريـشـارد أن يـجـلـسـا عـلـيـهـا ثـمّ نـصـبـا الآلـة الـمـسـتـديـرة عـلى نـوع مـن قـاعـدة ثـبـتـاهـا عـلـيـهـا. وكـان في الآلـة ثـقـبـان. وعـنـدمـا نـظـرت فـيـكـتـوريـا مـن خـلالـهـمـا هـتـفـت : هـذا يـشـبـه “مـاذا رأى كـبـيـر الـخـدم  What the butler saw”.(1) وقـال ريـشـارد : تـمـامـاً، هـذا نـوع بـدائي مـنـهـا. وألـصـقـت فـيـكـتـوريـا عـيـنـيـهـا عـلى زجـاج الـثّـقـبـيـن وبـدأ أحـد الـرّجـلـيـن يـديـر ذراعـاً لـه قـبـضـة بـيـنـمـا شـرع الآخـر في نـوع مـن الـغـنـاء الـرّتـيـب.

صندوق الدنيا

وسـألـت فـيـكـتـوريـا : مـاذا يـقـول؟ وتـرجـم لـهـا ريـشـارد كـلـمـات الـغـنـاء الّـذي لـم يـتـوقـف : تـعـالـوا اقـتـربـوا وتـمـتـعـوا بـرؤيـة الـعـجـائـب والـغـرائـب. تـعـالـوا انـظـروا إلى عـجـائـب الـدّنـيـا الـقـديـمـة”. وظـهـرت أمـام عـيـنَي فـيـكـتـوريـا صـور فـجّـة الـتّـلـويـن لـزنـوج يـجـنـون قـمـحـاً : “فـلاحـون Fallahin في أمـريـكـا”، تـرجـم ريـشـارد كـلـمـات غـنـاء الـرّجـل. ثـم غـنّى بـعـد ذلـك :”زوجـة شـاه Shah الـغـرب الـعـظـيـم”، وظـهـرت الإمـبـراطـورة أوجـيـني [زوجـة إمـبـراطـور فـرنـسـا نـابـلـيـون الـثّـالـث] وهي تـتـغـنّـج وتـداعـب قـلادتـهـا بـأطـراف أصـابـعـهـا، ثـمّ صـورة لـقـصـر مـلـك الـمـونـت نـغـرو وأخـرى لـلـمـعـرض الـكـبـيـر The Great Exhibition.  وتـتـابـعـت مـجـمـوعـة عـجـيـبـة مـن صـور مـتـنـوعـة لا عـلاقـة لـلـواحـدة مـنـهـا بـالأخـرى وشـرحـت في بـعـض الأحـيـان بـصـورة غـريـبـة. وأكـمـلـت صـورالأمـيـر زوج الـمـلـكـة و دزرائـيـلي ويـنـابـيـع الـمـيـاه الـحـارّة في الـنّـرويـج  ومـتـزلـجـيـن عـلى الـجـلـيـد في سـويـسـرة هـذه الـلـمـحـات الـغـريـبـة لـمـشـاهـد قـديـمـة أكـل الـدّهـر عـلـيـهـا وشـرب.

وأنـهى الـرّجـل عـرضـه بـهـذه الـكـلـمـات : “وهـكـذا قـدّمـنـا لـكـم عـجـائـب الـمـاضي وغـرائـبـه مـن بـلـدان بـعـيـدة وأمـاكـن قـاصـيـة. ولـيـنـاسـب كـرمـكـم انـبـهـاركـم بـمـا رأيـتـم، فـكـلّ مـا رأيـتـمـوه مـوجـود حـقـيـقـة”. إنـتـهى الـعـرض وابـتـسـمـت فـيـكـتـوريـا بـبـهـجـة وقـالـت : ” كـان هـذ عـجـيـبـاً حـقّـاً. مـا كـنـت أتـصـور حـتّى وجـوده”. وكـان صـاحـبـا هـذه الـسّـيـنـمـا الـمـتـنـقّـلـة يـبـتـسـمـان بـافـتـخـار. ونـهـضـت فـيـكـتـوريـا مـن الـمـصـطـبـة مـلـقـيـة عـلى الأرض بـريـشـارد الّـذي كـان جـالـسـاً عـلى طـرفـهـا الـمـقـابـل. واعـتـذرت مـنـه فـيـكـتـوريـا  رغـم أنّـهـا تـسـلّـت بـسـقـوطـه. وبـعـد أن دفـع ريـشـارد مـبـلـغـاً مـن الـمـال لـرجـلي الـسّـيـنـمـا ودّع الـجـمـع بـعـضـهـم الـبـعـض بـتـعـابـيـر ودّيـة وتـمـنـيـات بـالـصّـحـة والـسّـلامـة والـدّعـاء لـهـم بـبـركـة الله وحـفـظـه. وتـفـرّق الـشّـمـل، فـتـوجـه ريـشـارد وفـيـكـتـوريـا نـحـو الـسّـيّـارة بـيـنـمـا أكـمـل الـرّجـلان طـريـقـهـمـا خـلال الـبـاديـة. وسـألـت فـيـكـتـوريـا : “إلى أيـن يـذهـبـان؟” وأجـاب ريـشـارد : “يـكـمـلان سـفـرهـمـا في أرجـاء الـبـلاد. إلـتـقـيـت بـهـمـأ أوّل مـرّة في الأردن، وكـانـا مـتّـجـهـيـن مـن الـبـحـر الـمـيّـت إلى عـمّـان. وهـمـا يـذهـبـان الآن إلى كـربـلاء، يـسـلـكـان طـرقـاً لا يـرتـادهـا إلّا قـلّـة مـن الـنّـاس لـيـعـرضـا صـورهـمـا في الـقـرى الـمـنـعـزلـة”. وقـالـت فـيـكـتـوريـا: ” ربّـمـا سـتـتـوقـف سـيّـارة في الـطّـريـق لـيـركـبـا فـيـهـا”. وضـحـك ريـشـارد : ” وربّـمـا لـن يـقـبـلا الـرّكـوب فـيـهـا. وقـد أوقـفـت سـيّـارتي مـرةً لأُركِـب رجـلاً عـجـوزاً كـان يـسـيـر مـن الـبـصـرة إلى بـغـداد. وسـألـتـه كـم كـان يـتـوقـع أن يـدوم سـيّـره حـتّى يـصـل، فـأجـابـني : حـوالي شـهـريـن. ورجـوتـه أن يـركـب ووعـدتـه أنّـه سـيـصـل إلى بـغـداد في الـمـسـاء، ولـكّـنـه شـكـرني رافـضـاً. شـهـران عـلى الـطّـريـق هـو كـلّ مـا كـان يـنـاسـب وقـع قـدمـيـه، والـزّمـن لا يـعـني شـيـئـاً هـنـا. وعـنـدمـا تـدخـل هـذه الـفـكـرة في ذهـن الإنـسـان يـجـد سـعـادة غـريـبـة في الـتّـمـتـع بـهـا”. قـالـت فـيـكـتـوريـا : “نـعـم، يـمـكـنـني أن أفـهـم هـذا”. وقـال ريـشـارد : “الـعـرب لا يـفـهـمـون قـلّـة صـبـر الـغـربـيـيـن واسـتـعـجـالـهـم لإنـهـاء مـا يـقـومـون بـه، ويـعـتـبـرون أنّ عـادتـنـا في الـتّـوصـل حـالاً إلى جـوهـر الـمـوضـوع خـلال الـحـديـث مـعـهـم  يـنـقـصـهـا الأدب. فـيـنـبـغي أن يـجـلـس الـمـرء ويـثـرثـر لـمـدة سـاعـة [قـبـل أن يـصـل إلى هـدفـه] أو حـتّى أن يـجـلـس ولا يـفـتـح فـمـه”. قـالـت فـيـكـتـوريـا : سـيـكـون هـذا غـريـبـاً لـو فـعـلـنـاه في مـكـتـب في لـنـدن. فـيـه مـضـيـعـة لـلـوقـت”. قـال ريـشـارد : “نـعـم، ولـكـنّ هـذا يـرجـعـنـا إلى الـتّـسـاؤل : مـاهـو الـوقـت؟ ومـاذا يـعـني تـضـيـيـعـه؟”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  جـاءت الـتّـسـمـيـة مـن أنّ الإنـكـلـيـز يـتـهـمـون الـخـدم بـالـتّـجـسـس عـلى سـادتـهـم في الـدّور الّـتي يـعـمـلـون بـهـا، وبـأنّ رئـيـس الـخـدم كـان يـنـظـر مـن ثـقـوب أقـفـال الأبـواب لـكي يـعـرف مـا يـجـري

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s