بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في تـاريـخ هـيـرودوت

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

هـيـرودوت وكـتـابـه :

هيرودوت

يـعـتـبـر الـيـونـاني هـيـرودوت Ἡρόδοτος  الّـذي عـاش في الـقـرن الـخـامـس قـبـل الـمـيـلاد “أبـا الـتّـاريـخ”، ويـعـتـبـر كـتـابـه أقـدم كـتـاب في الـتّـاريـخ، ألّـفـه بـعـد أن سـافـر في أنـحـاء واسـعـة مـن الـعـالـم الـمـعـروف في زمـانـه كـ “اسـتـطـلاع ” لـيـعـرّف مـعـاصـريـه مـن الإغـريـق عـلى مـا يـجـرى حـولـهـم.

وهـو يـذكـر أنّـه زار بـابـل ومـنـاطـق أخـرى مـن بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن بـيـن مـا زار مـن بـلاد. ولا يـعـرف الـمـخـتـصّـون بـهـيـرودوت في أيّـة فـتـرة مـن حـيـاتـه بـالـضّـبـط قـام بـسـفـراتـه، ولـكـنّـه قـام بـهـا  ولاشـكّ في حـوالي مـنـتـصـف الـقـرن الـخـامـس ق. م. أي بـعـد أقـلّ مـن قـرن عـلى سـقـوط بـابـل تـحـت ضـربـات جـيـش الـمـلـك الـفـارسي الإخـمـيـني كـورش (الأكـبـر) في 539 قـبـل الـمـيـلاد.

ونـحـن لا نـعـرف هـل مـرّ بـبـابـل مـروراً سـريـعـاً أم أقـام فـيـهـا بـعـضـاً مـن الـزّمـن. كـمـا أنّـنـا لا نـعـرف مـن كـان دلـيـلـه لـمـعـرفـة الـمـكـان ولا مـن كـان مـتـرجـمـه لـيـتـفـاهـم مـع الـنّـاس، ولـكـن الـمـؤكـد هـو أنّـه كـان يـجـهـل الـلـغـة الـبـابـلـيـة ولايـقـرأ الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة ولا يـعـرف إلّا الـقـلـيـل جـدّاً عـن ثـقـافـات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن كـكـلّ الـيـونـانـيـيـن في ذلـك الـزّمـن. ولـهـذا وضـع في نـصّـه كـثـيـراً مـن الأسـاطـيـر ونـقـل كـثـيـراً مـمـا سـمـعـه مـن غـيـر تـمـحـيـص ولا تـدقـيـق. وكـيـف كـان يـمـكـنـه ذلـك والـحـضـارة الـبـابـلـيـة نـفـسـهـا قـد اضـمـحـلّـت وبـدأت تـخـتـفي بـعـد سـقـوط عـاصـمـتـهـا.

مـن كـان هـيـرودوت :

ولـد هـيـرودوت في هـالـيـكـارنـاسـوس الّـتي أصـبـح اسـمـهـا بـودروم في أيـامـنـا هـذه، والّـتي تـقـع في جـنـوب غـرب تـركـيـا الـحـالـيـة، ولـهـذا سـمّي بـهـيـرودوت الـهـالـيـكـارنـاسـوسي. والـحـقـيـقـة أنـنـا لا نـعـرف شـيـئـاً مـؤكّـداً عـن حـيـاتـه، وقـد حـاول الـمـخـتـصّـون بـدراسـتـه أن يـسـتـنـتـجـوا أهـمّ مـراحـلـهـا مـمـا ذكـره هـو نـفـسـه في مـؤلـفـاتـه، ومـن الأحـداث الّـتي جـرت في زمـنـه، وتـوصـلـوا إلى أنّـه ولـد في زمـن الـمـلـك الـفـارسـي الإخـمـيـني خـرخـيـس (حـشـريـاشـا)الّـتي كـانـت مـديـنـة هـالـيـكـارنـاسـوس تـخـضـع لـه، ربّـمـا في 480 أو 484  قـبـل الـمـيـلاد إذا مـا قـبـلـنـا مـا قـيـل مـن إنّـه كان في الـثّـالـثـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـره عـنـدمـا بـدأت حـرب الـبـيـلـوبـونـيـز. وقـد ولـد إذن قـبـل خـمـس سـنـوات مـن هـزيـمـة الـكـتـائـب الّـتي بـعـثـهـا خـرخـيـس إلى سـالامـيـس ضـدّ الـقـوّات الإغـريـقـيـة. ولـهـذا فـإنّـه قـد تـشـبّـع مـنـذ صـغـره ولا شـك بـالأنـاشـيـد الـحـمـاسـيـة الّـتي تـفـتـخـر بـانـتـصـار الإغـريـق عـلى الـفـرس.

وفي شـبـابـه حـدثـت اضـطـرابـات في مـديـنـتـه هـالـيـكـارنـاسـوس ضـدّ حـاكـمـهـا الـمـسـتـبـد. ويـبـدو أنّ هـيـرودوت أبـعـد عـنـهـا أونـفي عـدّة سـنـوات إلى أن سـقـط الـمـسـتـبـد وأصـبـحـت الـمـديـنـة مـن بـيـن الـمـدن الـمـعـاهـدة لأثـيـنـا ، فـعـاد إلـيـهـا. ولا نـعـرف في أيّـة سـنـة تـركـهـا مـن جـديـد، ولـكـنـنـا نـجـد ذكـره في مـديـنـة أثـيـنـا في 445 ق. م. وكـان في حـوالي الأربـعـيـن مـن عـمـره ، عـنـدمـا حـصـل عـلى جـائـزة مـالـيـة بـعـد أن قـرأ أجـزاءً مـن مـؤلـفـاتـه أمـام شـخـصـيـات مـن الـمـديـنـة. ولانـعـرف هـل أقـام في هـذه الـمـديـنـة مـرّة واحـدة أم مـراراً، ولـكـن يـبـدو أنّـه الـتـقى بـأشـهـر كـتّـابـهـا وشـعـرائـهـا وفـلاسـفـتـهـا وفـنّـانـيـهـا ومـهـنـدسـيـهـا.

ونـجـده بـعـد ذلـك في مـديـنـة ثـوريـوي Thourioi في إيـطـالـيـا الـحـالـيـة، وكـانـت مـديـنـة جـديـدة أسـسـهـا الـمـسـتـعـمـرون الإغـريـق. وقـد عـاش هـيـرودوت في هـذه الـمـديـنـة حـوالي عـشـريـن سـنـة، وفـيـهـا مـات، ربّـمـا في حـوالي سـنـة 425 قـبـل الـمـيـلاد.

وإن كـان مـن الـمـمـكـن قـبـول هـذه الـمـعـلـومـات فـنـحـن مـع ذلـك لا نـعـرف شـيـئـاً عـن حـيـاتـه الـعـائـلـيـة، ولا عـن تـواريـخ أسـفـاره والـظّـروف الّـتي جـرت فـيـهـا، كـمـا أنـنـا لا نـعـرف شـيـئـاً عـن ظـروف تـألـيـف كـتـبـه.

وبـقي لـنـا مـن مـؤلـفـاتـه مـؤلـف ضـخـم تـعـودنـا عـلى تـسـمـيـتـه بـتـاريـخ هـيـرودوت، وهـو يـذكـر فـي صـفـحـاتـه مـؤلـفـات أخـرى كـتـبـهـا مـثـل “تـاريـخ بـلاد آشـور” ضـاعـت ولـم تـصـلـنـا. ويـبـدو مـمـا ذكـره في مـؤلـفـه هـذا أنّـه قـام بـرحـلات طـويـلـة الأمـد مـمـتـدة الـمـسـافـات، في زمـن كـانـت أوضـاعـه الـسّـيـاسـيـة مـضطـربـة والأمـن فـيـه مـهـدد وخـاصة عـلى الـطّـرق، ووسـائـل الـنّـقـل يـصـعـب الـحـصـول عـلـيـهـا واسـتـعـمـالهـا.

وقـادتـه أسـفـاره إلى آسـيـا الـصـغـرى وسـواحـل الـمـتـوسـط ومـصـر ولـيـبـيـا، وهـو يـتـكـلّـم عـن بـابـل الّـتي يـذكـر أنّـه زارهـا. ولانـدري هـل زار الـيـمـن أم أخـذ مـعـلـومـاتـه الّـتي أودعـهـا في فـصـل عـن بـلاد الـعـرب الـسّـعـيـدة مـن تـجـارهـا الّـذيـن الـتـقى بـهـم في أمـاكـن أخـرى.

ولاشـك أنّ مـؤلـفـه لـم يـكـن بـالـصّـورة الّـتي وصـلـنـا بـهـا، فـقـد كـتـبـه أجـزاءً كـان يـقـرأ مـنـهـا عـلى مـسـتـمـعـيـن يـتـجـمّـعـون في أمـاكـن عـامـة أو خـاصـة.

وقـبـل أن نـفـصّـل الـكـلام عـن مـانـعـرفـه عـن تـجـمـيـع أجـزاء الـمـؤلـف وتـنـظـيـمـه في كـتـاب بـعـد وفـاتـه بـزمـن طـويـل، يـنـبـغي أوّلاً أن نـتـكـلّـم عـن عـنـوانـه، فـنـحـن قـد تـعـوّدنـا عـلى اسـتـعـمـال “تـاريـخ هـيـرودوت”، رغـم أنّ كـلـمـة  “تـاريـخ” في اسـتـعـمـالـنـا الـحـاضـر لـهـا مـعـنى مـخـتـلـف عـن مـحـتـوى مـؤلـف هـيـرودوت. وكـانـت كـلـمـة historiè  الإغـريـقـيـة الّـتي اسـتـعـمـلـهـا هـيـرودوت تـعـني في زمـنـه، أي الـقـرن الـخـامـس قـبـل الـمـيـلاد “إسـتـطـلاع” أو “إسـتـقـصـاء” يـذكـر فـيـه الـكـاتـب مـا شـاهـده شـخـصـيـاً أو مـا أخـبـره الـنّـاس بـه، ويـذكـر فـيـه إلى جـانـب مـعـارفـه بـالأحـداث الـتّـاريـخـيـة، مـعـلـومـات جـغـرافـيـة عـن كـلّ مـنـطـقـة زارهـا أو تـكـلّـم عـنـهـا، ووصـف لأهـلـهـا، عـاداتـهـم وتـقـالـيـدهـم وطـرق مـعـيـشـتـهـم، يـطعّــمـهـا بـقـصص سـمـعـهـا عـنـهـم وبـطـرائـف غـريـبـة يـدلي فـيـهـا بـرأيـه فـيـعـجـب بـبـعـضـهـا ويـديـن بـعـضـهـا الآخـر.

هيرودوت 3

ويـظهـرلـنـا هـيـرودوت في “اسـتـطلاعـه” هـذا شـديـد الـفـضـول، يـهـتـمّ بـكـلّ مـا يـصادفـه. ووقـع الـنّـصّ بـطئ فـيـه اسـتـطـرادات تـبـعـدنـا عـن الـمـوضـوع الّـذي بـدأه الـمـؤلـف تـقـود إلى اسـتـطـرادات تـعـود بـنـا إلـيـه، يـحـشـر فـيـهـا تـفـاصـيـل تـعـوّدنـا نـحـن في زمـنـنـا هـذا عـلى أن نـضعـهـا في الـهـوامـش. ولا يـنـبـغي هـنـا أن نـنـسى أنّ الـكـاتـب لـم يـؤلـفـه كـكـتـاب يـقـرأ مـن صفـحـتـه الأولى إلى صـفـحـتـه الأخـيـرة، وإنّـمـا كـتـبـه مـقـاطع طـويـلـة أو قـصـيـرة كـان يـقـرأهـا عـلى جـمـهـوره مـمـا يـفـسّـرالإعـادة والـتّـكـرار وتـذكـيـر الـسّـامـعـيـن بـأشـيـاء ذكـرهـا لـسـامـعـيـن آخـريـن في قـراءات أخـرى.

ولـم يـكـن “الإسـتـطـلاع ” مـقـسـمـاً إلى تـسـعـة “كـتـب” أو أجـزاء مـتـقـاربـة في الـطّـول والأهـمـيـة كـمـا نـجـده الآن في طـبـعـاتـه الـمـتـتـابـعـة وبـكـلّ الـلـغـات. وجـاءنـا هـذا الـتّـقـسـيـم مـمـن تـكـلّـفـوا بـنـسـخـه ونـشـره بـعـد ذلـك في زمـن بـطـالـسـة الإسـكـنـدريـة، أي بـعـد أكـثـر مـن قـرنـيـن عـلى تـألـيـفـه. واخـتـرعـوا لـكـلّ “كـتـاب” مـنـه عـنـوانـاً.ولاشـكّ في أنّ كـثـيـراً مـن الـتّـعـلـيـقـات والإضـافـات دخـلـت في مـتـن الـنّـصّ ، فـلـم يـكـن لـلـكـاتـب في ذلـك الـزّمـن حـقـوق نـشـر مـحـفـوظـة.

ويـبـدو أنّ هـدف هـيـرودوت في الـشّـروع في أسـفـاره وكـتـابـة “الإسـتـطـلاع” كـان إعـطـاء مـعـاصـريـه مـن الإغـريـق مـعـلـومـات يـمـكـن الـوثـوق بـهـا عـنّ الـصّراع بـيـن عـالـمـيـن : الـعـالـم الإغـريـقي بـمـا فـيـه الـيـونـان، وعـالـم الـبـرابـرة. وأذكّـرالـقـارئ هـنـا أنّ الـبـربـري عـنـد الإغـريـق كـان الّـذي لا يـتـكـلّـم الإغـريـقـيـة ، أي الّـذي لا يـفـصـح  في كـلامـه، فـقـد كـان كـلامـه كـمـا كـانـت تـلـتـقـطـه آذانـهـم يـشـبـه :  بـر. .. بـر … بـر …، وهـو يـقـابـل الأعـجـمي الّـذي كـان عـنـد الـعـرب مـن لا يـفـصـح في كـلامـه ولا يـلـفـظ أصـواتـاً بـشـريـة مـفـهـومـة بـل يـعـجـم كـالـبـهـائـم.

وكـان الـعـالـم الإغـريـقي يـمـتـد مـن الـيـونـان وجـزر إيـجـه إلى سـواحـل الـبـحـر الأسـود وآسـيـا الـصـغـرى شـرقـاً إلى صـقـلـيـة وإيـطالـيـا غـربـاً، وحـتّى شـمـال أفـريـقـيـا جـنـوبـاً.

أمّـا أشـدّ أعـداء الإغـريـق مـن “الـبـرابـرة ” فـقـد كـانـت الإمـبـراطـوريـة الـفـارسـيـة الإخـمـيـنـيـة الّـتي أسـسـهـا كـورش (قـيـروش) الأكـبـر، وكـان كـورش قـد بـدأ في سـنـوات حـكـمـه بـتـوسـيـع حـدود دولـتـه مـحـاولاً مـدّهـا إلى كـلّ الـجـهـات وخـاصـة إلى الـغـرب، واسـتـطـاع في 539 قـبـل الـمـيـلاد أخـذ مـديـنـة بـابـل، فـسـقـطـت مـعـهـا الإمـبـراطـوريـة الـبـابـلـيـة الـمـتـأخـرة، وهـكـذا أنـهى حـضـارات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الّـتي دامـت أكـثـر مـن ثـلاثـة آلاف سـنـة قـبـلـه.

واسـتـمـرّ مـلـوك الـفـرس الّـذيـن خـلـفـوا كـورش في تـوسـيـع دولـتـهـم، ودخـلـوا في صـراعـات مـع الـعـالـم الإغـريـقي الّـذي كـان مـجـزءاً إلى مـدن مـسـتـقـلّـة. وكـانـت هـذه الـصّـراعـات، كـمـا بـدت لـهـيـرودوت ، صـراعـات بـيـن مـنـاطـق شـاسـعـة تـخـضـع لـمـلـك مـسـتـبـد مـطـلـق الـمـلـكـيـة ، وبـيـن مـدن صغـيـرة يـعـيـش أهـلـهـا أحـراراً في ديـمـقـراطـيـة يـحـكـمـون أنـفـسـهـم بـأنـفـسـهـم ، ولـهـذا كـانـوا يـسـتـمـيـتـون في الـدّفـاع عـنـهـا ويـهـزمـون جـيـوشـاً جـرّارة جـل ّ جـنـودهـا مـن الـمـرتـزقـة ، أو مـمـن أجـبـروا عـلى الإنـخـراط فـيـهـا.

وصـف بـلاد بـابـل وآشـور في كـتـاب هـيـرودوت :

بـلاد آشـور :

لـم يـذكـرهـيـرودوت بـلاد آشـور وعـاصـمـتـهـا نـيـنـوى إلّا بـالـكـاد، في مـعـرض كـلامـه عـن الـمـلـوك الـمـيـديـيـن الّـذيـن حـاربـوهـا ثـمّ أسـقـطـوهـا، ولـكـنّـه أفـاض في الـكـلام عـن بـلاد بـابـل في الـكـتـاب الأوّل، ثـمّ ذكـر في الـكـتـاب الـثّـاني ثـورة أهـل بـابـل عـلى الـسّـلـطـة الـفـارسـيـة.

يـقـول هـيـرودوت عـن بـلاد آشـورعـنـدمـا يـتـكـلّـم عـن قـهـرالـفـرس الـمـيـديـيـن لـلـسّـيـثـيـيـن :  “وهـكـذا اسـتـولى الـمـيـديـون عـلى امـبـراطـوريـة الـسّـيـثـيـيـن وعـلى الأقـوام الـخـاضـعـة لـهـم، ثـمّ هـاجـمـوا نـيـنـوى وأخـذوهـا (وسـأتـكـلّـم عـن هـذا في كـتـاب آخـر) وأخـضـعـوا لـهـم كـلّ بـلاد آشـور مـا عـدا بـابـل(1)”  (2)

ويـقـول في كـلامـه عـن كـورش الأكـبـرالـفـارسي :”وبـعـد أن سـيـطـرعـلى كـلّ الـمـنـطـقـة،هـاجـم كـورش الآشـوريـيـن. وفي بـلاد آشـور ولا شـكّ أمـاكـن مـهـمّـة كـثـيـرة ، ولـكـنّ أشـهـرهـا وأكـثـرهـا قـوة بـابـل الّـتي أصـبـحـت مـركـز الـسّـلـطـة بـعـد سـقـوط نـيـنـوى”.

ويـذكـر في كـلامـه عـن بـابـل : ” وقـد تـتـابـع عـلى مـديـنـة بـابـل هـذه مـلـوك كـثـيـرون سـأذكـرهـم في مـؤلـفي ( كـتـاب بـلاد آشـور)” (3). ولـم يـصـلـنـا  “كـتـاب بـلاد آشـور” هـذا، ولـكـنّ تـألـيـفـه لـه يـدل هـذا عـلى اهـتـمـام هـيـرودوت بـتـاريـخ الآشـوريـيـن، كـمـا يـبـرر قـلّـة ذكـره لـهـم في “الإسـتـطـلاع ” مـا دام قـد خـصـص لـهـم كـتـابـاً آخـر.

وعـلى كـلّ حـال فـهـو يـعـتـبـر أنّ بـابـل كـانـت جـزءاً مـن بـلاد آشـور، يـقـول في كـلامـه عـن كـورش الأكـبـر الـفـارسي في الـمـقـطـع (178) :  “وبـعـد أن سـيـطـر عـلى كـلّ الـمـنـطـقـة هـاجـم كـورش الآشـوريـيـن. وفي بـلاد آشـور ولا شـكّ أمـاكـن مـهـمّـة كـثـيـرة، ولـكـنّ أشـهـرهـا وأكـثـرهـا قـوة، بـابـل الّـتي أصـبـحـت مـركـز الـسّـلـطـة بـعـد سـقـوط نـيـنـوى”. (4)

بـابـل :

يـخـصـص هـيـرودوت مـقـاطـع طـويـلـة مـن الـكـتـاب الأوّل لـلـكـلام عـن بـابـل مـن الـمـقـطـع (178)  إلى الـمـقـطـع (200)  :

( 178)  وهـذا وصـف الـمـديـنـة : تـقـع بـابـل في وسـط سـهـل شـاسـع، ومـخـطـطـهـا شـكـل مـربـع يـمـتـد كـلّ جـانـب مـنـه مـائـة وعـشـريـن غـلـوة وهـذا يـسـاوي أربـعـمـائـة وثـمـانـيـن غـلـوة لـمـحـيـط الأسـوار [أي حـوالي 86 كـيـلـومـتـراً ]. هـذه هي سـعـة مـديـنـة بـابـل . أمّـا عـن تـنـظـيـمـهـا فـلا يـمـكـن لـمـديـنـة رأيـنـاهـا أن تـمـاثـلـهـا، فـهي مـحـاطـة أوّلاً بـخـنـدق عـمـيـق، عـريـض تـمـلأه الـمـيـاه ، ثـمّ  بـسـور سـمـكـه خـمـسـون ذراعـاً مـلـكـيـاً وارتـفـاعـه مـائـتـا ذراع (الـذّراع الـمـلـكي أطـول مـن الـذّراع الـعـادي بـثـلاثـة أصـابـع ). (5)

(179)    ويـنـبـغي عـليّ أيـضـاً أن أذكـر مـاذا يـفـعـلـون بـالـتّـراب عـنـد حـفـر الـخـنـدق وكـيـف شـيّـد الـسّـور: فـالـتّـراب الّـذي اسـتـخـرج مـن الـخـنـدق عـنـد حـفـره يـسـتـعـمـل لـصـنـع الـلـبـن. وعـنـدمـا يـصـنـعـون مـا يـكـفي مـن الـلـبـن يـفـخـرونـه في أفـران فـيـصـبـح طـابـوقـاً يـشـيّـدون بـه ويـثـبّـتـون الـطّـابـوق فـيـمـا بـيـنـه بـالـقـارالـمـحـروق الـمـذاب وبـه يـثـبّـتـون طـبـقـة أخـرى تـعـلـو الأولى، وعـنـدمـا يـصـلـون إلى ثـلاثـيـن طـبـقـة يـضـعـون طـبـقـة مـن الـقـصـب الـبـردي [وهـكـذا دوالـيـك]. وقـد غـطـوا الـخـنـدق بـالـطّـابـوق بـهـذه الـطّـريـقـة ثـمّ رفـعـوا الأسـوار. وعـلى أعـالي الـسّـور مـن جـانـبـيـه شـيّـدت بـنـايـات مـن طـابـق واحـد، وضـعـت كـلّ اثـنـتـيـن مـنـهـمـا وجـهـاً لـوجـه وتـركـت بـيـنـهـمـا سـعـة تـكـفي لـمـرور عـربـة بـأربـعـة خـيـول. ولـهـذا الـسّـور مـائـة بـوابـة أبـوابـهـا مـن الـبـرونـز وكـذلـك ركـائـزهـا وسـكـائـفـهـا.    ;وهـنـاك مـديـنـة أخـرى عـلى مـسـيـرة ثـمـانـيـة أيّـام مـن بـابـل اسـمـهـا إيـسIs  يـخـتـرقـهـا نـهـر صـغـيـر اسـمـه إيـس أيـضـاً يـصـبّ في الـفـرات.وعـنـدمـا تـخـرج مـيـاه هـذا الـنّـهـر مـن بـاطـن الأرض تـخـرج مـعـهـا قـطـع كـثـيـرة مـن الـقـار، واسـتـعـمـل هـذا الـقـار في تـشـيـيـد أسـوار بـابـل.

(180)    هـذا عـن أسـوار بـابـل. أمّـا الـمـديـنـة فـقـد قـسـمـت إلى قـسـمـيـن يـفـصـل بـيـنـهـمـا نـهـر الـفـرات، وهـو نـهـر واسـع عـمـيـق مـيـاهـه سـريـعـة الـجـريـان ومـنـابـعـه في أرمـيـنـيـا، يـصـبّ في بـحـر أرتـيـريـا. وعـلى الـضّـفـتـيـن يـتـقـدّم الـسّـور بـمـقـدار ذراع نـحـو الـمـاء ثـمّ تـرتـفـع سـدّة مـن الـطّـابـوق الـمـفـخـور لـتـحـدّ الـمـيـاه مـن كـلّ ضـفّـة.

والـمـديـنـة مـجـمّـعـات مـن بـنـايـات بـثـلاثـة أو أربـعـة طـوابـق تـخـتـرقـهـا طـرقـات مـوازيـة لـلـنّـهـر وأخـرى تـقـاطـعـهـا وكـلّـهـا مـسـتـقـيـمـة الـتّـخـطـيـط. والـطّـرقـات الّـتي تـؤدي إلى الـنّـهـر تـوصـل كـلّ واحـدة مـنـهـا إلى بـاب خـفي [يـغـلـق في سـاعـة الـخـطـر] فـتـح في الـسّـور، وكـانـت كـلّ هـذا الأبـواب مـن الـبـرونـز أيـضـاً وتـوصـل إلى الـنّـهـر مـبـاشـرة.

(181)   ولاشـكّ في أنّ هـذا الـسّـور درع لـلـمـديـنـة، وهـنـاك سـور آخـر داخـلي، يـكـاد أن يـكـون بـمـتـانـة الأوّل مـع أنّـه أقـلّ مـنـه سـمـكـاً. وفي مـركـز كـلّ قـسـم مـن قـسـمي الـمـديـنـة سـور مـحـصّـن، يـحـمى الأوّل مـنـهـمـا الـقـصـر الـمـلـكي الّـذي يـرتـفـع حـولـه سـور عـالٍ ومـتـيـن، ويـحـمي الـثّـاني مـعـبـد الإلـه بـعـل  Zeus Bélos الـقـلـزي الأبـواب الّـذي كـان مـازال مـنـتـصـبـاً في زمـني : وهـو بـشـكـل مـربـع يـمـتـد كـلّ جـانـب مـنـه غـلـوتـيـن، يـنـتـصـب في وسـطـه بـرج ضـخـم كـلّ جـانـب مـنـه غـلـوة، يـعـلـوه بـرج آخـر [أصـغـر مـنـه] ويـعـلو الـثّـاني بـرج ثـالـث ، وهـكـذا حـتّى ثـمـانـيـة طـوابـق.وحـولـه سـلّـم خـارجي يـدور لـولـبـيـاً يـصـعـد حـتّى الـطـابـق الأعـلى. وفي مـنـتـصـف الـسّـلّـم الـصّـاعـد تـقـريـبـاً شـيّـد مـوقـف مـنـبـسـط وضـعـت عـلـيـه مـقـاعـد لـيـسـتـطـيـع الـصّـاعـد أن يـجـلـس ويـسـتـريـح قـلـيـلاً. وفي أعـلى الـبـرج مـصـلّى واسـع نـصـب فـيـه سـريـر وثـيـر الـفـراش وبـجـانـبـه طـاولـة مـن الـذّهـب. ولـكـن لـيـس فـيـه تـمـاثـيـل ولايـقـضي فـيـه إنـسـان الـلـيـل، مـاعـدا امـرأة مـن أهـل الـبـلـد، إصـطـفـاهـا الإلـه مـن بـيـن الـنّـسـاء، كـمـا يـقـول الـكـلـدان، وهـم رجـال ديـن هـذا الإلـه.

(182)   ويـقـولـون أيـضـاً، وأنـا لا أعـتـقـد بـذلـك، إنّ الإلـه يـأتي بـنـفـسـه في مـعـبـده ويـسـتـلـقي عـلى هـذا الـسّـريـ، كـمـا يـحـدث نـفـس الـشّئ في طـيـبـة مـصـر، إذا مـاصـدّقـنـا الـمـصـريـيـن فـهـنـاك أيـضـاً تـقـضي امـرأة الـلـيـل في مـعـبـد الإلـه الـطّـيـبي  Zeus Thébain  وقـد أخـبـرت أنّـه لـم يـمـس أيّـة واحـدة مـنـهـمـا رجـل أبـداً. ويـحـدث نـفـس الـشّـئ في بـطـاراس في مـنـطـقـة لـوسـيـا [ …]

هيرودوت 4

( 183)   وفي مـعـبـد بـابـل مـصـلى آخـر في الأسـفـل (الـطّـابـق الأرضي) فـيـه تـمـثـال كـبـيـر مـن الـذّهـب لـلإلـه مـثّـل جـالـسـاً وبـجـانـبـة طـاولـة كـبـيـرة مـن الـذّهـب، وقـاعـدة الـتّـمـثـال والـكـرسـي الّـذي يـجـلـس عـلـيـه الإلـه مـن الـذّهـب أيـضـاً. ويـقـول الـكـلـدان إنّ وزن الـكـلّ ثـمـانـمـئـة تـالانـاً (الـتّـالان يـعـادل أكـثـر مـن 20 كـيـلـوغـرامـاً). وخـارج الـمـعـبـد مـذبـح مـن ذهـب، وآخـر أكـبـر مـنـه يـضـحّى عـلـيـه بـحـيـوانـات وصـلـت سـنّ الـبـلـوغ، لأنّـه لا يـضـحّى عـلى الـمـذبـح الـذّهـبي إلّا بـحـيـوانـات صـغـيـرة لـم تـفـطـم بـعـد. وعـلى أكـبـر الـمـذبـحـيـن يـحـرق الـكـلـدان أيـضـاً كـلّ عـام ألـف تـالان مـن الـبـخـور في عـيـد هـذا الإلـه. وفي الـزّمـن الّـذي أتـكـلّـم عـنـه، كـان في هـذا الـمـعـبـد تـمـثـال مـن الـذّهـب الـصّـافي ارتـفـاعـه اثـنـا عـشـر ذراع، ولـم أره أنـا نـفـسي، ولـكـنّي أذكـر هـنـا مـا يـقـولـه الـكـلـدان. وكـان داريـا [الأكـبـر] بـن حـيـسـتـاسـب يـنـوي الإسـتـيـلاء عـلـيـه ولـكـنّـه لـم يـجـرؤ، وأخـذه ابـنـه خـرخـيـس بـعـد أن قـتـل الـكـاهـن الّـذي مـنـعـه مـن الإقـتـراب مـنـه. وهـذه هي الـخـزائـن الّـتي كـانـت في الـمـعـبـد ، وكـان فـيـه أيـضـاً كـثـيـر مـمـا أهـداه الـنّـاس كـقـرابـيـن لـلإلـه.

( 184)    وقـد تـتـابـع عـلى مـديـنـة بـابـل هـذه مـلـوك كـثـيـرون سـأذكـرهـم في مـؤلـفي (كـتـاب بـلاد آشـور) حـسّـنـوا الأسـوار والـمـعـابـد وجـمـلّـوهـا، ومـن بـيـنـهـم خـاصـة مـلـكـتـيـن : حـكـمـت الأولى خـمـسـة أجـيـال قـبـل الـثّـانـيـة واسـمـهـا سـمـيـرامـيـس ، وهي الّـتي أمـرّت بـتـشـيـيـد سـدود في الـسّـهـل [ الـمـحـيـط بـبـابـل ]، وتـشـيـيـدهـا يـثـيـر الإعـجـاب، وكـان الـنّـهـر قـبـل ذلـك يـغـرق الـسّـهـل كـلّ عـام.

( 185)   واسـم الـثّـانـيـة نـيـتـوكـريـس، وأثـارت الـعـجـب أكـثـر مـن الأولى، وإلـيـهـا يـعـود الـفـضـل في تـشـيـيـد الـمـعـالـم الّـتي سـأتـكـلّـم عـنـهـا، كـمـا نـظّـمـت تـنـظـيـمـاً مـحـكـمـاً الـدّفـاع عـن مـمـلـكـتـهـا ضـدّ الـمـيـديـيـن الّـذيـن أدركـت قـوتـهـم وحـبّـهـم لـلـقـتـال خـاصـة وأنّـهـم اسـتـولـوا عـلى عـدّة مـدن مـن بـيـنـهـا نـيـنـوى. وكـان أوّل مـا فـعـلـتـه تـحـويـل مـجـرى الـفـرات، وكـان هـذا الـنّـهـر الّـذي يـخـتـرق الـمـديـنـة يـجـري مـسـتـقـيـمـاً قـبـل ذلـك ، فـأصـبـح بـعـد أن حـفـرت لـه قـنـوات قـبـل وصـولـه إلى الـمـديـنـة يـجـري مـتـلـويّـاً إلى حـد أنّـه يـمـرّ ثـلاث مـرّات في نـفـس بـلـد مـن بـلـدان آشـور. وهـذا الـبـلـد الّـذي  يـمـرّ فـيـه الـفـرات اسـمـه أردريـكـا، ونـحـن الآن عـنـدمـا نـنـزل مـن بـحـرنـا إلى بـابـل عـن طـريـق الـفـرات نـمـرّ ثـلاث مـرّات في ثـلاثـة أيّـام بـهـذه الـقـريـة.

وبـعـد ذلـك أمـرت أن يـشـيّـد عـلى كـلّ ضـفـة مـن ضـفـتـي الـنّـهـر سـدّ يـثـيـر الـعـجـب بـطـولـه وارتـفـاعـه.، ثـمّ أمـرت أن يـحـفـر قـبـل أن يـصـل الـنّـهـر إلى بـابـل بـكـثـيـربـخـزّان بـمـحـاذاتـه ، وأن يـعـمّـق حـتّى يـصـل قـعـره إلى طـبـقـة الـمـيـاه الـجـوفـيـة، ويـوسّـع حـتّى يـكـون مـحـيـطـه أربـعـمـائـة وعـشـريـن غـلـوة. واسـتـعـمـل الـتّـراب الّـذي اسـتـخـرج مـن حـفـره في تـعـزيـز جـوانـب الـنّـهـر. وعـنـدمـا انـتـهى حـفـر الـخـزّان، أمـرت أن يـأتى لـه بـالـصّـخـور لـيـعـبّـد لـه رصـيـف حـولـه. وبـهـذيـن الـعـمـلـيـن : تـلـوّيـات الـفـرات الـمـصـطـنـعـة والـخـزّان الّـذي يـمـلأ بـمـيـاه مـنـطـقـة تـغـطـيـهـا الـمـسـتـنـقـعـات أرادت أن تـكـسـر مـن حـدّة جـريـان الـنّـهـر لـتـخـفـيـض سـرعـة مـروره ولـتـطـول مـدّة الـنّـزول عـلى الـنّـهـر قـبـل الـوصـول إلى بـابـل بـفـضـل لـف ودوران الـنّـهـر وضـرورة الـدّوران حـول الـخـزّان الـشّـاسـع. وقـد أمـرت أن تـنـفّـذ هـذه الأعـمـال في الـمـنـطـقـة الّـتي تـوصـل كـلّ الـمـسـالـك إلى مـمـلـكـتـهـا والّـتي يـمـكـنـهـا أن تـوصـل الـمـيـديـيـن بـسـهـولـة، ولـكي تـمـنـع هـؤلاء الـمـيـديـيـن مـن الإتـصـال بـرعـيـتـهـا والـتّـجـسـس عـلى مـا يـحـدث في الـمـمـلـكـة.

( 186)   وهـذه هي الإسـتـعـدادت الـدّفـاعـيـة الّـتي أمـرت بـتـنـفـيـذهـا، وقـد جـاء لـهـا مـنـهـا نـفـع آخـر: فـبـابـل مـقـسّـمـة إلى صـوبـيـن يـفـصـل بـيـنـهـمـا الـنّـهـر، وكـان الـنّـاس في زمـن سـابـقـيـهـا يـعـبـرون مـن ضـفـة إلى ضـفـة بـالـقـوارب، ولـم يـكـن ذلـك ، عـلى مـا أعـتـقـد، أمـراً بـسـيـطـاً. وبـفـضـلـهـا أيـضـاً سـهـل هـذا الأمـر، فـقـد اغـتـنـمـت فـرصـة حـفـر الـخـزّان لـتـضـيـف تـشـيـيـداً آخـر يـعـد مـن بـيـن مـعـالـم حـكـمـهـا : فـقـد أمـرت بـنـحـت قـطـع ضـخـمـة مـن الـصّـخـر، ثـمّ بـتـغـيـيـر مـجـرى الـنّـهـر نـحـو الـخـزّان لـتـفـرغـه مـن مـائـه، وأمـرت بـتـغـطـيـة ضـفـتي الـنّـهـر عـلى كـلّ مـسـافـة اخـتـراقـه لـلـمـديـنـة بـجـدار مـن الـطّـابـوق الـمـفـخـور، مـثـل طـابـوق الأسـوار، وفُـعـل نـفـس الـشّئ بـالـطّـرقـات الّـتي تـنـزل مـن الأبـواب الـمـخـفـيـة نـحـو الـنّـهـر. وفي مـنـتـصـف الـمـسـافـة الّـتي يـجـري فـيـهـا الـنّـهـر في الـمـديـنـة أمـرت بـتـشـيـيـد جـسـر بـالـصّـخـور الّـتي قـطـعـت مـن مـنـاجـمـهـا، وربـطـت بـيـنـهـا بـكـلالـيـب مـن الـحـديـد أوالـرّصـاص. وفي كـلّ صـبـاح، تـوضـع عـلى ركـائـز الـجـسـر الـصّـخـريـة عـوارض مـن خـشـب تـربـط بـيـنـهـا فـيـعـبـر عـلـيـهـا أهـل بـابـل مـن ضـفـة إلى ضـفـة، ثـمّ تـخـلـع في الـلـيـل لـيـمـنـع الـلـصـوص مـن عـبـور الـنّـهـر وارتـكـاب سـرقـاتـهـم في الـجـانـب الـمـقـابـل. وعـنـدمـا انـتـهى بـنـاء الـجـسـر، أمـرت بـإرجـاع مـيـاه الـنّـهـر إلى مـجـراهـا الأصـلي. وهـكـذا زادت مـن مـنـافـع حـفـر الـخـزّان ووهـبـت أهـل الـمـديـنـة جـسـراً يـسـهـل عـلـيـهـم أمـورهـم.

(187)   وقـد نـصـبـت نـفـس هـذه الـمـلـكـة لـمـن خـلـفـوهـا شـركـاً، وهـذا هـو : فـقـد أمـرت بـبـنـاء قـبـرهـا فـوق الـبـوابـة الّـتي يـمـرّ مـنـهـا أكـثـر سـكـان الـمـديـنـة، مـعـلّـقـاً فـوق رؤوس الـنّـاس، وأمـرت بـأن يـنـقـش عـلـيـه مـا يـلي : ” إذا احـتـاج أحـد مـلـوك بـابـل الّـذيـن سـيـخـلـفـوني إلى مـبـلـغ مـن الـمـال فـلـيـفـتـح رمـسـي ولـيـأخـذ مـنـه مـا يـشـاء. ولـيـس لـه أن يـمـسـه إن لـم يـكـن لـه بـه حـاجـة : فـلـن يـكـون لـه مـنـه نـفـع”. وقـد احـتـرم رمـسـهـا مـن جـاءوا بـعـدهـا إلى أن اعـتـلى داريـا [الـفـارسي الإخـمـيـني ] الـعـرش، وقـد اعـتـبـر تـبـذيـراً أن يـكـون فـوق الـبـوابـة مـال ولا يـأخـذه، خـاصـة وأنّ الـنّـص الـمـنـقـوش يـدعـوه لأخـذه. (وهـو لـم يـمـرّ أبـداً مـن هـذه الـبـوابـة لـكي لا تـكـون فـوق رأسـه جـثـة). وهـكـذا أمـر بـفـتـح الـرّمـس ولـم يـجـد فـيـه شـيـئـاً مـن الـمـال بـل جـثّـة ونـقـشـاً يـقـول : “لـو لـم تـكـن رجـلاً جـشـعـاً يـمـلأ قـلـبـك الـطّـمـع لـمـا اقـتـحـمـت مـسـاكـن الأمـوات”. وهـكـذا كـانـت هـذه الـمـلـكـة، كـمـا ذكـر لي.

( 188)   أعـلـن كـورش الـحـرب عـلى ابـن هـذه الـمـرأة ، وكـان يـحـمـل اسـم أبـيـه لابـيـنـتـوس الّـذي كـان يـحـكـم في بـلاد آشـور. ولـم يـكـن الـمـلـك الأعـظـم [كـورش] يـخـرج لـلـحـرب مـن أن غـيـر أن يـعـدّ  قـوت جـيـشـه يـحـمـلـه مـعـه مـن بـلاده ويـصـطـحـب مـعـه قـطـعـان غـنـمـه ومـاعـزه، وكـان يـأخـذ مـعـه لـنـفـسـه مـن مـاء نـهـر شـواسـبـيـس الّـذي يـمـرّ قـرب مـديـنـة سـوسـة، فـلـم يـشـرب غـيـره. وكـان هـذا الـمـاء يـغـلى ويـوضع في قـنـاني مـن الـفـضّـة تـحـمّـل عـلى عـربـات بـأربـع عـجـلات تـجـرّهـا الـبـغـال تـتـبـع الـمـلـك أيـنـمـا اتـجـه.

( 189)    وبـعـد أن اتّـجـه كـورش إلى بـابـل وصـل إلى نـهـرغـنـديـس Gyndès  الّـذي كـانـت مـنـابـعـه في مـرتـفـعـات مـاتيـنـيـس Matiniès  ، وكـان يـمـرّ بـبـلاد دردان Dardanes  ويـصـبّ في نـهـر آخـر : دجـلـة، ثـمّ يـجـري هـذا الـنّـهـر قـرب مـديـنـة أوبـيـس Opis   ويـصـبّ في بـحـر أرتـيـريـا. وحـاول كـورش أن يـعـبـر هـذا الـنّـهـر، ولا يـمـكـن عـبـوره في هـذه الـمـنـطـقـة إلّا بـقـارب، عـنـدمـا جـمـح واحـد مـن خـيـولـه الـبـيـضـاء الـمـقـدّسـة ، ورمى بـنـفـسـه في الـنّـهـر لـيـعـبـره سـبـاحـة، ولـكـنّ تـيـارات الـنّـهـر الـعـنـيـفـة أغـرقـتـه وحـمـلـتـه بـعـيـداً. وقـد غـضـب كـورش مـن وقـاحـة هـذا الـنّـهـر غـضـبـاً شـديـداً حـتّى أنّـه أقـسـم أن يـجـعـلـه ضـئـيـل الـجـريـان فـتـسـتـطـيـع حـتّى الـنّـسـاء أن يـعـبـرنـه مـن غـيـر أن تـبـتـلّ ركـبـهـنّ. وقـد أوقـف مـسـيـرتـه نـحـو بـابـل لـيـنـفــذ عـقـوبـتـه هـذه لـلـنّـهـر وقـسّـم جـنـده قـسـمـيـن ، ثـمّ أمـر أن يـخـطّ عـلى كـلّ ضـفـة مـن نـهـر غـنـديـس مـائـة وثـمـانـيـن خـطّـاً تـنـفـتـح كـأشـعـة الـدّائـرة وحـفـرهـا خـنـادق بـعـد أن وزّع الـجـنـد عـلى هـذه الـخـطـوط لـيـحـفـروا الأرض، ورغـم عـددهـم الـكـبـيـر فـقـد قـضـوا الـصّـيـف كـلّـه لـيـنـهـوا عـمـلـهـم.

(190)    وبـعـد أن قـسّـم نـهـر غـنـديـس إلى ثـلاثـمـائـة وسـتـيـن قـنـاة لـيـعـاقـبـه ، خـفّـت حـرارة الـجـو وأكـمـل مـسـيـرتـه نـحـو بـابـل. وحـمـل أهـل بـابـل الـسّـلاح وانـتـظـروه أمـام مـديـنـتـهـم . وبـعـد أن اقـتـرب أسـرعـوا لـلـقـائـه، ولـكّـنـه تـغـلّـب عـلـيـهـم فـدخـلـوا الـمـديـنـة تـحـمـيـهـم الأسـوار. وكـانـوا يـعـرفـون مـنـذ زمـن طـويـل أن كـورش لـم يـكـن مـحـبّـاً لـلـسّـلـم وسـمـعـوا بـهـجـومـاتـه عـلى كـلّ الأقـوام، ولـهـذا كـانـوا قـد جـمـعـوا مـن الـقـوت مـا يـكـفـيـهـم سـنـوات عـديـدة، ولـم يـكـونـوا يـخـشـون الـحـصـار، في حـيـن أنّ صـعـوبـات كـورش كـانـت تـزداد فـالـوقـت يـمـرّ مـن غـيـر أن يـتـقـدم في غـزوه.

(191)    وأخـيـراً وجـد حـيـلـة ، لانـعـرف هـل اقـتـرحـهـا عـلـيـه أحـد أو وجـدهـا هـو بـنـفـسـه ، وهـذا مـا فـعـلـه : وزّع كـلّ جـنـوده في الـمـكـان الّـذي يـدخـل مـنـه الـنّـهـر في الـمـديـنـة وفي الـمـكـان الّـذي يـخـرج مـنـه وأمـرهـم أن يـدخـلـوا بـابـل مـن مـجـرى الـنّـهـر عـنـدمـا يـنـخـفـض ويـسـتـطـيـعـون خـوضـه. ثـمّ تـركـهـم مـع كـلّ رجـالـه غـيـر الـمـقـاتـلـيـن مـتـجـهـاً إلى خـزّان الـمـيـاه، وفـعـل مـا كـانـت قـد فـعـلـتـه مـلـكـة بـابـل : أمـر بـفـتـح قـنـاة وحـوّل مـاء الـفـرات إلى الـخـزّان الّـذي كـان عــنـد ذلـك مـسـتـنـقـعـاً، وعـنـدمـا فـقـد مـجـرى الـنّـهـر مـيـاهـه ضـحـل وصـارالـخـوض فـيـه سـهـلاً. وعـنـدمـا رأى جـنـد الـفـرس مـاء الـنّـهـر يـنـخـفـض ويـصـل إلى مـنـتـصـف الأفـخـاذ دخـلـوا بـابـل بـهـذا الـطّـريـق . ولـو عـرف أهـل بـابـل بـحـيـلـة كـورش قـبـل وقـوعـهـا لاسـتـطـاعـوا أن يـفـنـوا الـفـرس بـعـد أن دخـلـوا الـمـديـنـة : بـأن يـغـلـقـوا الأبـواب الـخـفـيـة  الّـتي تـنـفـتـح عـلى الـنّـهـر ويـصـعـدوا هـم أنـفـسـهـم فـوق الأسـوارالّـتي تـحـاذي الـضّـفـاف ويـخـنـقـوهـم [مـثـل أسـمـاك] في شـبـكـة. ولـكـن ّ الأعـداء فـاجـأوهـم ، والـمـديـنـة شـديـدة الـسّـعـة إلى حـدّ أن الـفـرس سـيـطـروا عـلى أطـرافـهـا مـن غـيـر أن يـصـل الـخـبـر إلى سـكّـان مـركـزهـا، كـمـا ذكـرذلـك أهـل الـبـلاد. وكـان ذلـك الـيـوم يـوم عـيـد وكـانـوا يـرقـصـون ويـتـسـلّـون إلى أن عـرفـوا بـمـا كـان قـد حـدث. وكـانـت تـلـك الـمـرّة الأولى الّـتي أخـذت فـيـهـا بـابـل.

بـلاد بـابـل وعـادات أهـلـهـا وتـقـالـيـدهـم :

( 192)    لأريـكـم ثـروات بـابـل الـهـائـلـة، سـأعـطـيـكـم عـلى ذلـك مـثـلاً مـن بـيـن أمـثـلـة أخـرى : قـسّـم الـمـلـك الأعـظـم [كـورش الـفـارسي الأخـمـيـني] مـمـلـكـتـه إلى “إسـطـرابـات” لـتـجـلـب لـه، إلى جـانـب الـضّـرائـب الّـتي يـجـبـيـهـا مـنـهـا، الـمـؤونـة الّـتي يـحـتـاجـهـا بـلاطـه وجـنـده. ونـتـج عـن ذلـك أنّ مـنـطـقـة بـابـل وحـدهـا تـطـعـمـه أربـعـة أشـهـر مـن أشـهـر الـسّـنـة، وتـطـعـمـه كـلّ الـمـنـاطـق الأخـرى في آسـيـا مـجـتـمـعـة الأشـهـر الـثّـمـانـيـة الـبـاقـيـة. وهـذا يـعـني أنّ بـلاد آشـور تـمـتـلـك وحـدهـا ثـلـث ثـراء آسـيـا. وحـكـومـة هـذه الـمـنـطـقـة ، الّـتي يـسـمـيـهـا الـفـرس “إسـطــرابي   strapie” تـعـلـو كـثـيـراً عـلى حـكـومـات الـمـنـاطـق الأخـرى. وتـدرّ بـابـل  كـلّ يـوم عـلى تـريـتـنـتـخـمـس Tritantaichmès بـن أرطـبـاز Artabaze ، الّـذي عـهـد لـه الـمـلـك الأعـظـم بـهـا ، بـأرطـاب يـطـفـح مـالاً (والأرطـاب قـيـاس سـعـة يـحـوي ثـلاثـة شـيـنـيـسات أكـثـر مـن الـمـيـديـم الأتـيـكي   [أي 56 لـتـرا ً تـقـريـبـاً ]. وكـان لـه فـيـهـا، مـا عـدا خـيـول الـقـتـال، مـربـط خـيـل فـيـه ثـمـانـمـائـة فـحـل وسـتـة عـشـر ألـف فـرس، أي ذكـر واحـد لـعـشـريـن أنـثى. وفـيـهـا كـانـت تـربى أعـداد هـائـلـة مـن الـكـلاب الـهـنـديـة، وكـرّسـت أربـع قـرى كـبـيـرة تـقـع في الـسّـهـول لـلإعـتـنـاء بـهـذه الـحـيـوانـات. وكـان حـاكـم بـابـل يـنـتـفـع بـكـلّ هـذه الـعـوائـد.

(193)   ونـادراً مـا تـسـقـط الأمـطـار في بـلاد آشـور، وهي لا تـكـاد تـسـقي إلّا جـذور نـبـتـات الـقـمـح، ولـهـذا يـنـبـغي سـقي الـحـقـول مـن مـاء الـنّـهـر لـكي تـنـمـو الـحـبـوب وتـثـمـر. وكـانـت بـلاد بـابـل كـلّـهـا، مـثـلـهـا مـثـل مـصـر، تـخـتـرقـهـا الـقـنـوات، يـمـكـن الـمـلاحـة في أكـبـرهـا الّـذي شـقّ مـواجـهـاً الـشّـمـس في الـشّـتـاء ويـربـط بـيـن الـفـرات ودجـلـة : الـنّـهـر الّـذي تـقـع عـلى ضـفـتـه نـيـنـوى. وهـذا الـبـلـد مـن أغـنى الـبـلـدان الّـتي نـعـرفـهـا بـعـطـاء مـا يـنـبـت في بـاطـن أرضـه، أمّـا عـن الأشـجـار كـالـتّـيـن والـزّيـتـون أوالـكـروم فـلـم يـحـاول أحـد حـتّى أن يـغـرس فـيـه مـنـهـا شـئ. وتـرابـه يـصـلـح لـزراعـة الـحـبـوب حـتّى أنّـه يـعـطي لـلـزّارع مـائـتي ضـعـف مـا بـذره، وحـتّى ثـلاثـمـائـة ضـعـف في الـسّـنـوات الـكـريـمـة الـعـطـاء. وأوراق الـحـنـطـة والـشّـعـيـر غـالـبـاً مـا يـكـون عـرضـهـا أربـعـة أصـابـع. و تـرتـفـع نـبـاتـات الـدُّخـن والـسّـمـسـم كـأشـجـار أعـرف مـدى ارتـفـاعـهـا ولـكـنّي لـن أذكـره، لأنّ الّـذيـن لـم يـزوروا هـذا الـبـلـد لـن يـصـدقـوني في مـا قـلـت عـن الـحـصـاد هـنـاك ، وأنـا أعـرف ذلـك حـقّ الـمـعـرفـة. ولـيـس عـنـد الآشـوريـيـن زيـت زيـتـون، وهـم يـقـطّـرون زيـتـاً مـن الـسّـمـسـم. وتـنـبـت الـنّـخـيـل في كـلّ مـكـان مـن الـسّـهـول ، وتـثـمـر أغـلـبـهـا تـمـراً يـأكـل ويـصـنـع مـنـه نـبـيـذ وعـسـل. وهـم يـعـتـنـون بـهـا كـمـا نـفـعـل بـأشـجـار الـتّـيـن، وهـم يـربـطـون ثـمـار الـنّـخـلـة الّـتي يـسـمـيـهـا الإغـريـق نـخـلـة ـ فـحـل إلى الـنّـخـلـة الّـتي تـثـمـر تـمـراً لـكي تـدخـل حـشـرات صـغـيـرة في الـتّـمـر ويـنـضـج ولا يـسـقـط ( ونـجـد هـذه الـحـشـرات في الـنّـخـلـة ـ الـفـحـل كـمـا في شـجـرة الـتّـيـن الـبـرّي).

وصـف “الـقـفّـة” :

(194)    وسـأذكـر الآن مـا بـدا لـعـيـنيّ أعـجـب مـا في هـذا الـبـلـد بـعـد مـديـنـة بـابـل نـفـسـهـا، فـلـديـهـم مـراكـب يـنـزلـون بـهـا الـنّـهـر حـتّى مـديـنـة بـابـل. وهي مـسـتـديـرة صـنـعـت بـكـامـلـهـا مـن الـجـلـود. وتـصـنـع في أرمـيـنـيـا، شـمـال بـلاد آشـور، هـيـكـلـهـا مـن أغـصـان صـفـصـاف تـغـطى مـن الـخـارج بـجـلـود كـمـا تـغـطى الـقـوارب بـألـواح الـخـشـب، ولـيـس فـيـهـا  جـؤجـؤ مـدبـب ولا كـوثـل بـل هي دائـريـة الـشّـكـل كـالـدّروع.

ويـضـعـون في قـعـرهـا تـبـنـاً ، ثـمّ يـركـبـونـهـا ويـحـمّـلـونـهـا بـالـبـضـائـع وخـاصـة الـنّـبـيـذ في بـرامـيـل تـصـنـع مـن جـذوع الـنـخـيـل. ولـكي تـسـيـر مـسـتـقـيـمـة إلى الأمـام يـنـبـغي أن يـقـودهـا رجـلان واقـفـان عـلـيـهـا، يـجـذب أحـدهـمـا مـجـذافـه نـحـوه ويـبـعـد الآخـر مـجـذافـه عـنـه. وتـصـنـع هـذه الـمـراكـب بـأحـجـام مـخـتـلـفـة يـمـكـن لأكـبـرهـا أن تـحـمـل خـمـسـة آلاف تـالان [13 طـنّـاً]. ويـوضـع في كـلّ مـركـب مـنـهـا حـمـار حيّ وعـدد مـن الـحـمـيـر في أكـبـرهـا. وعـنـدمـا يـصـلـون إلى بـابـل ويـنـزلـون بـضـائـعـهـم، يـبـيـع أصـحـابـهـا خـشـب هـيـكـلـهـا وتـبـنـهـا بـالـمـزاد، ويـحـمّـلـون جـلـودهـا عـلى ظهـور الـحـمـيـر ثـمّ  يـصـعـدون عـائـديـن إلى أرمـيـنـيـا. والـحـقـيـقـة أنّـه مـن الـمـسـتـحـيـل عـلى مـركـب أن يـصـعـد الـنّـهـر لـشّـدّة نـزول تـيـاراتـه الـسّـريـعـة، ولـهـذا يـصـنـعـون مـراكـبـهـم مـن الـجـلـود بـدلاً مـن الأخـشـاب. وعـنـدمـا يـصـلـون مـع حـمـيـرهـم إلى أرمـيـنـيـا، يـصـنـعـون مـراكـب أخـرى مـثـلـهـا. وهـكـذا هي مـراكـبـهـم عـلى الـمـاء.

( 195)    وسـأتـكـلّـم الآن عـن مـلابـسـهـم : قـمـيـص مـن الـكـتّـان يـنـزل حـتّى أقـدامـهـم، وفـوقـه آخـر مـن الـصّـوف، ثـمّ مـعـطـف خـفـيـف مـن الـصّـوف الأبـيـض، ونـعـال لا نـجـدهـا إلّا في هـذا الـبـلـد وإن كـانـت تـشـبـه مـداسـات مـنـطـقـة بـويـتـيـا. وتـنـثـال شـعـورهـم طـويـلـة يـلـبـسـون فـوقـهـا الـعـمـائـم، ويـمـضـخـون كـلّ أجـسـادهـم بـالـطّـيـوب.

ولـكـلّ مـنـهـم خـتـم وعـصـا طـويـلـة مـنـحـوت أعـلاهـا بـرمـز كـتـفّـاحـة أو وردة أو زنـبـقـة أو نـسـر… إلـخ. لأنّ عـاداتـهـم لا تـقـبـل أن تـحـمـل الـعـصي الّـتي لـيـس عـلـيـهـا رمـوز. وهـذا عـن هـنـدامـهـم .

وصـف “سـوق الـزّواج” :

(196)     أمّـا عـن الـقـوانـيـن الـسّـائـرة عـنـدهـم فـهـذه هي : وأكـثـرهـا حـكـمـة في رأيي مـا سـاذكـره، ويـقـال إنّـه يـطـبّـق أيـضـاً عـنـد الإنـيـتـيـس في مـنـطـقـة إلـيـريـا :

يـقـام في كـلّ بـلـدة، مـرّة كـلّ عـام حـفـل أصـفـه هـنـا : تـجـمـع كـلّ الـفـتـيـات الـلاتي بـلـغـن سـنّ الـزّواج في نـفـس الـمـكـان، ويـتـجـمّـع الـرّجـال حـولـهـنّ. ويـطـلـب مـنـادٍ كـلّـف بـذلـك مـنـهـنّ أن يـقـفـن الـواحـدة بـعـد الأخـرى يـعـرضـهـن لـلـشّـراء، ويـبـدأ بـأجـمـلـهـنّ. وبـعـد أن تـبـاع بـثـمـن بـاهـض ، يـقـتـرح بـالـمـزاد الـثّـانـيـة الأقـلّ مـنـهـا جـمـالاً بـقـلـيـل، وهـكـذا حـتّى يـبـيـعـهـنّ جـمـيـعـاً لـمـشـتـريـن يـتـزوجـونـهـنّ، ويـتـنـافـس رجـال بـابـل الـبـالـغـيـن سـنّ الـزّواج مـن الأغـنـيـاء عـلى الـفـتـيـات الأكـثـر جـمـالاً، أمّـا الـنّـاس الـبـسـطـاء فـلا يـهـتـمـون بـالـجـمـال، ويـعـطى لـهـم عـلى الـعـكـس مـبـالـغ مـن الـمـال إن تـزوجـوا بـالـفـتـيـات الأشـدّ قـبـحـاً. والأمـر أنّ الـمـنـادي، بـعـد أن يـبـيـع أجـمـل الـفـتـيـات يـطـلـب مـن أقـبـحـهـنّ أن تـقـوم ويـعـطـيـهـا لـمـن أرادهـا بـأخـس ثـمـن، وهـكـذا يـنـفـق الـمـال الّـذي جـمـع مـن تـزويـج الـجـمـيـلات لـتـزويـج الـقـبـيـحـات وذوات الـعـاهـات. ولـم يـكـنّ لأحـد الـحـق في تـزويـج ابـنـتـه بـمـن يـشـاء، ولـيـس لأحـد الـحـقّ في اصـطـحـاب الـفـتـاة الّـتي اشـتـراهـا مـن غـيـر كـفـلاء يـكـفـلـون بـأنّـه سـيـتـزوّجـهـا. وإنّ لـم يـحـلّ الـوفـاق بـيـن الـزّوجـيـن فـالـقـانـون يـنـصّ عـلى أن يـعـاد لـلـرّجـل الـمـال الّـذي اشـتـرى بـه الـمـرأة. وكـان يـسـمـح أيـضـاً لأهـل الـبـلـدات الـمـجـاورة بـأن يـشـاركـوا في الـمـزاد. وكـان هـذا قـانـونـاً لا مـثـيـل لـه في الـجـودة، ولـكـنّـه أهـمـل الآن ولـم يـعـد لـه اسـتـعـمـال. وقـد تـبـنّـوا مـنـذ فـتـرة قـصـيـرة مـن الـزّمـن قـوانـيـن أخـرى لـيـحـمـوا بـنـاتـهـنّ مـن أن تـسـاء مـعـامـلـتـهـنّ أو أن يـأخـذن إلى بـلـد غـريـب، فـمـنـذ سـقـوط بـابـل الّـتي نـتـج عـنـهـا خـرابـهـم وتـعـاسـتـهـم، أجـبـر الـنّـاس الـمـدقـعي الـفـقـرعـلى دفـع بـنـاتـهـم لـلـعـهـارة.

(197)    وهـذا هـو قـانـونـهـم الـثّـاني في درجـات الـحـكـمـة : فـهـم يـحـمـلـون مـرضـاهـم  ويـضـعـونـهـم في الأمـاكـن الـعـامـة ، فـلـيـس عـنـدهـم أطـبّـاء. ويـقـتـرب الـمـارّة مـن الـمـرضى، ويـغـدق عـلـيـهـم الـنّـصـائـح مـن كـان قـد أصـيـب مـنـهـم بـمـرض مـثـلـه أو رأى مـن أصـيـب بـه، ويـذكـرون لـهـم الأدويـة الّـتي جـلـبـت لـهـم الـشّـفـاء أو لآخـريـن يـعـرفـونـهـم. ولـيـس لإنـسـان أن يـمـرّ أمـام مـريـض مـن غـيـر أن يـكـلّـمـه، أو أن يـكـمـل طـريـقـه مـن غـيـر أن يـسـتـجـوبـه عـن مـرضـه.

(198)     وهـم يـدهـنـون أجـداث مـوتـاهـم بـالـعـسـل، وتـراتـيـل الـنّـدب عـنـدهـم تـشـبـه مـا عـنـد الـمـصـريـيـن.

وعـنـدمـا يـدخـل الـبـابـلي عـلى عـروسـه يـحـرق بـخـوراً ويـجـلـس قـربـه لـيـطـهّـر بـه جـسـده، وتـفـعـل الـعـروس نـفـس الـشّئ. ويـغـتـسـلان في الـفـجـر، فـلا يـمـكـن لأحـدهـمـا أن يـمـسّ الآخـر إلّا إذا اغـتـسـلا. ولـلـعـرب أيـضـاً نـفـس هـذه الـعـادة.

(199)     وأشـدّ قـوانـيـن الـبـابـلـيـيـن عـاراً هـو هـذا الّـذي يـجـبـر كـلّ امـرأة عـلى أن تـذهـب مـرّة في حـيـاتـهـا إلى مـعـبـد أفـروديـت لـتـضـاجـع غـريـبـاً لا تـعـرفـه. وكـثـيـر مـن الـنّـسـاء لا يـقـبـلـن الإخـتـلاط  بـالأخـريـات ويـأتـيـن بـعـربـات مـغـلـقـة وحـولّـهـن عـدد مـن الـخـدم. ولـكـن الأمـر يـجـري عـادة عـلى هـذا الـشّـكـل : تـجـلـس الـنّـسـاء في الـحـوش الـمـقـدّس لـمـعـبـد أفـروديـت ، وقـد ربـطـن حـبـلاً حـول رؤوسـهـنّ ، وهـنّ كـثـيـرات دائـمـاً فـعـنـدمـا يـخـرج بـعـضـهـنّ يـدخـل بـعـض آخـر. ويـسـيـر الـرّجـال في مـسـالـك أحـيـطـت بـحـبـال مـشـدودة لـتـحـددهـا ، تـمـرّ بـيـن الـنّـسـاء لـيـخـتـاروا مـن بـيـنـهـنّ مـن يـهـوون. ولايـمـكـن لامـرأة جـلـسـت في هـذا الـمـكـان أن تـعـود إلى دارهـا قـبـل أن يـلـقي رجـل بـقـلـيـل مـن الـمـال عـلى ركـبـتـيـهـا (في حـضـنـهـا) لـيـضـاجـعـهـا خـارج الـمـعـبـد.

وعـلى الـرّجـل، عـنـدمـا يـلـقي بـالـمـال عـلى الـمـرأة أن يـقـول : “أدعـو الإلـهـة مـيـلـيـتـا Mylitta (مـيـلـيـتـا هـو الاسـم الآشـوري لأفـروديـت ). ومـهـمـا كـان مـبـلـغ الـمـال  فـالـمـرأة لا تـرفـض أبـداً : لـيـس لـهـا الـحـق في ذلـك  فـهـذا الـمـال مـقـدّس. وهي تـتـبـع أوّل رجـل يـلـقي عـلـيـهـا بـالـمـال ولا يـمـكـنـهـا رفـض أحـد. وبـعـد أن تـؤدي الـمـرأة واجـبـهـا نـحـو الإلـهـة تـعـود إلى دارهـا ، ولا يـسـتـطـيـع أحـد بـعـدهـا أن يـهـديـهـا مـا يـكـفي مـن الـمـال لـيـغـويـهـا. والـجـمـيـلات مـنـهـنّ يـعـدن إلى دورهـنّ بـسـرعـة، أمّـا الـقـبـيـحـات فـيـنـتـظـرن طـويـلاً قـبـل أن يـؤديـن واجـبـهـنّ، و بـعـضـهـنّ يـبـقـيـن ثـلاث أو أربـع سـنـوات. وهـنـاك مـثـل هـذه الـعـادة في مـكـان مـا مـن جـزيـرة قـبـرص.

(200)    وهـذه هي قـوانـيـن الـبـابـلـيـيـن. وكـان هـنـاك في هـذا الـبـلـد ثـلاث قـبـائـل لا يـأكـل أهـلـهـا إلّا الـسّـمـك. ومـا أن يـصـاد الـسّـمـك حـتّى يـجـفـف في الـشّـمـس ويـعـدّ بـالـطـريـقـة الـتّـالـيـة : يـسـحـق بـالـمـدقّ ثـمّ يـدلـق عـلى قـطـعـة قـمـاش خـفـيـف لـيـصـفّى ثـمّ يـأكـل عـصـيـدة أو مـخـبـوزاً كـالـخـبـز.

ثـورة الـبـابـلـيـيـن عـلى الإحـتـلال الـفـارسي :

هيرودوت 5

يـتـكـلّـم هـيـرودوت في الـكـتـاب الـثّـالـث عـن ثـورة الـبـابـلـيـيـن ضـدّ الـفـرس الأخـمـيـنـيـيـن. ونـحـن نـعـرف أنّ بـابـل ثـارت مـرتـيـن في زمـن داريـا الأوّل : الأولى في 522 قـبـل الـمـيـلاد، والـثّـانـيـة في 521، ولـكـن يـبـدو أنّ الـثّـورة الّـتي يـذكـرهـا هـيـرودوت لـم تـحـدث في زمـن داريـا وإنّـمـا حـدثـت حـوالي عـام 479  ق.م. في زمـن خـرخـيـس الّـذي خـلـف داريـا عـلى عـرش الأخـمـيـنـيـيـن.

(150)    وبـعـد أن خـرج [الـفـرس] في حـمـلـة ضـدّ سـامـوس، ثـارأهـل بـابـل. وكـانـوا قـد أعـدوا عـدتـهـم لـلـتّـمـرّد فـقـد اغـتـنـمـوا فـتـرة الإضـطـرابـات في زمـن حـكـم الـمـجـوسـي وثـورة الـسّـبـعـة لـيـجـمـعـوا الـمـؤونـة والـسّـلاح ويـسـتـعـدوا لـمـواجـهـة حـصـار طـويـل، وقـد فـلـحـوا في الأمـر مـن غـيـر أن يـنـتـبـه الـفـرس لـمـا كـانـوا يـفـعـلـون. وعـنـدمـا انـفـجـر الـتّـمـرد وضـعـوا أمـهـاتـهـم جـانـبـاً ولـم يـبـق أحـد مـنـهـم إلّا زوجـة واحـدة في داره، وجـمـعـت الأخـريـات وخـنـقـن. إحـتـفـظ كـلّ مـنـهـم بـامـرأة لـتـعـدّ لـه الـطّـعـام وخـنـق الأخـريـات لـيـقـتـصـد في الـنّـفـقـات.

(151)    وعـنـدمـا وصـل الـخـبـر إلى داريـا، جـمـع قـواتـه وسـار نـحـو بـابـل. ثـمّ ضـرب الـحـصـار أمـام أسـوارهـا، وهـو مـا لـم يـهـتـمّ لـه أهـل الـمـديـنـة : وكـانـوا يـصـعـدون إلى أعـلى الـسّـور ويـسـخـرون مـن داريـا وجـيـشـه بـالـتّـكـشـيـرات والـكـلام وكـان أحـدهـم يـصـيـح : “مـا جـدوى إضـاعـتـكـم لـوقـتـكـم هـنـا، يـا أيـهـا الـفـرس، بـدلاً مـن الـرّجـوع إلى دوركـم ؟ سـتـدخـلـون هـذه الـمـديـنـة عـنـدمـا سـتـحـمـل الـبـغـال وتـلـد صـغـاراً !” وكـان الـبـابـلـيـون لا يـتـصـورون أن تـلـد بـغـلـة صـغـاراً أبـداً.

(152)    وبـعـد أن دام الـحـصـار سـنـة وسـبـعـة أشـهـر حـنـق داريـا واغـتـاظ ، واغـتـاظ جـيـشـه مـعـه ، أمـام عـجـزهـم عـن فـتـح بـابـل. وكـان قـد حـاول كـلّ مـا كـان في وسـعـه، وخـاصـة مـا فـعـلـه كـورش قـبـلـه، ولـكـنّـه لـم يـصـل إلى نـتـيـجـة، فـقـد كـانـت الـمـديـنـة مـحـكـمـة الـدّفـاع ويـسـتـحـيـل أن تـأخـذ بـغـتـة.

(153)   وفي الـشّـهـر الـعـشـريـن مـن الـحـصـار حـدث عـنـد زوفـيـر Zophyre بـن مـيـقـابـيـز Mégabyze  (مـيـقـابـيـز الّـذي شـارك في ثـورة الـسّـبـعـة ضـدّ الـمـجـوسي)، قـلـنـا حـدث عـنـد ابـنـه زوفـيـر مـا لـم يـسـمـع بـه بـشـر مـن قـبـل : ولـدت بـغـلـة مـن بـغـالـه صـغـيـراً. ولـم يـصـدّقـه أوّلاً عـنـدمـا أخـبـر بـه، وأراد أن يـرى الـصّـغـيـر بـأمّ عـيـنـيـه، ثـمّ مـنـع الّـذيـن عـرفـوا بـذلـك مـن أن يـذيـعـوا الـخـبـر، وجـلـس يـفـكّـر. وتـذكّـر الـبـابـلي الّـذي صـاح في بـدايـة الـحـصـار إنّ الـمـديـنـة لـن تـسـقـط إلّا عـنـدمـا سـتـحـمـل الـبـغـال وتـلـد صـغـاراً، ولـهـذا اعـتـقـد [ زوفـيـر] أنّ بـابـل سـتـسـقـط لا شـكّ في ذلـك، فـقـد شـاءت الأقـدار أن يـقـول الـبـابـلي مـا قـال ثـمّ أن تـلـد الـبـغـلـة مـا ولـدت.

(154)    وبـدا لـه سـقـوط بـابـل حـتـمـاً لا بـد أن يـقـع، ثـمّ ذهـب بـيـن يـدي داريـا يـسـألـه إن أراد حـقّـاً أخـذ الـمـديـنـة. وعـنـدمـا تـأكـد أنّ الـمـلـك مـازال يـرغـب في فـتـح الـمـديـنـة فـكّـر مـن جـديـد بـحـيـلـة تـتـيـح لـه فـتـحـهـا وحـده لـيـكـون لـه وحـده الـشّـرف والـمـجـد ــ لأنّ الأعـمـال الـبـاهـرة عـنـد الـفـرس تـؤدي إلى أعـلى مـراتـب الـشّـرف. ولـيـسـتـولي عـلى الـمـديـنـة لـم يـجـد حـيـلـة غـيـر تـشـويـه نـفـسـه والـهـرب عـنـد الأعـداء لـيـطـلـب مـنـهـم الـنّـجـدة. وهـكـذا، كـمـا لـولـم يـكـن لـلأمـر قـيـمـة، شـوّه جـسـده تـشـويـهـاً فـظـيـعـاً : جـذع أنـفـه وقـطـع أذنـيـه، وحـلـق شـعـر رأسـه كـالـمـجـرمـيـن ومـزّق جـلـد ظـهـره بـضـربـات الـسّـيـاط، ووقـف هـكـذا بـيـن يـدي الـمـلـك داريـا.

(155)    وتـأثّـر الـمـلـك عـنـدمـا رأى حـالـة هـذا الـنّـبـيـل الـرّفـيـع الـمـقـام ، ونـهـض مـن عـلى عـرشـه صـائـحـاً يـريـد أن يـعـرف مـن فـعـل بـه هـذا الـفـعـل الـشّـنـيـع، ولأي سـبـب فـعـلـه. وأجـابـه زوفـيـر : “لـيـس مـن إنـسـان مـا عـداي يـجـرؤ عـلى أن يـفـعـل بـي مـثـل هـذا الـفـعـل، ولـم تـقـتـرب مـنّي يـامـولاي يـدّ غـريـب. وأنـا الّـذي شـوهـت نـفـسي بـنـفـسي حـنـقـاً مـن رؤيـة الآشـوريـيـن يـسـخـرون مـن الـفـرس”. فـقـال لـه الـمـلـك : “مـا أشـقـاك ! تـريـد أن تـسـمي أشـنـع الأفـعـال هـذا بـأجـمـل الأسـمـاء، وتـدّعي أنّـك فـعـلـت مـا فـعـلـت غـيـظـاً مـن الآشـوريـيـن الّـذيـن نـحـاصـرهـم ! هـل تـمـلـكـك الـجـنـون ؟ ومـانـفـع تـشـويـهـك لـنـفـسـك ؟ وهـل سـيـعـجّـل هـذا مـن اسـتـسـلام الأعـداء ؟ لا شـكّ في أنّـك فـقـدت عـقـلـك عـنـدمـا فـعـلـت بـنـفـسـك مـا فـعـلـت ! “.

فـأجـابـه زوفـيـر : “لـو كـنـت قـد أخـبـرتـك بـمـشـروعي لـمـنـعـتـني مـن تـنـفـيـذه، ولـهـذا لـم أسـتـشـر إلّا نـفـسي. وهـكـذا لـن تـرفـض مـسـاعـدتي، فـنـحـن نـشـدّ قـبـضـتـنـا عـلى بـابـل. سـأذهـب في حـالـتي هـذه الّـتي أنـا عـلـيـهـا إلى الـمـديـنـة أطـلـب الـلـجـوء مـدّعـيـاً أنـني كـنـت ضـحـيـة عـنـفـك. وإذا اسـتـطـعـت أن أقـنـعـهـم بـهـذا، فـأنـا أظـنّ أنّـهـم سـيـضـعـوني عـلى رأس كـتـيـبـة مـا. إنـتـظـر الـيـوم الـعـاشـر بـعـد دخـولي الـمـديـنـة واخـتـر مـن بـيـن جـنـدك حـوالي ألـف رجـل مـمـن لـن تـأسـف عـلى الـتّـضـحـيـة بـهـم، وضـعـهـم أمـام الـبـوابـة الـمـسـمـاة بـبـوابـة سـمـيـرامـيـس. ثـمّ انـتـظـر سـبـعـة أيّـام بـعـدهـا وضـع ألـفي رجـل أمـام الـبـوابـة الـمـسـمـاة بـبـوابـة الـنّـيـنـويـيـن . وبـعـد ذلـك انـتـظـر أيـضـاً عـشـريـن يـومـاً وضـع أربـعـة آلف رجـل أمـام الـبـوابـة الـمـسـمـاة بـبـوابـة الـكـلـدانـيـيـن. ولا تـعـط كـلّا مـنـهـم كـسـلاح إلّا خـنـجـراً يـدافـع بـه عـن نـفـسـه. ثـمّ انـتـظـر عـشـريـن يـومـاً أخـرى، وأأمـر بـهـجـوم شـامـل عـلى الأسـوار، وضـع جـنـود الـفـرس خـاصـة أمـام بـابي بـعـل وكـيـسي (كـيـش) (6)، فـأنـا أظـنّ أنّ الـبـابـلـيـيـن بـعـد ذلـك سـيـوكـلـونـني بـشـؤون الـدّفـاع وسـيـعـطـوني مـفـاتـيـح أبـواب الـمـديـنـة. وعـليّ بـعـدهـا أن أغـتـنـم الـفـرصـة وعـلى الـفـرس أن يـتـبـعـوني”.

(156)    وبـعـد أن قـدّم (زوفـيـر) هـذه الـتّـوصـيـات، سـار نـحـو الـمـديـنـة، وهـو يـسـتـديـر بـيـن الـحـيـن والـحـيـن خـلـفـه كـمـا يـفـعـل الـهـارب الـمـذعـور. ومـن أعـالي الأسـوار، رآه حـرّاس الـبـاب الّـذي اقـتـرب مـنـه، ونـزلـوا مـسـرعـيـن وفـتـحـوا بـعـض مـصـراع الـبـاب لـيـسـألـوه عـن اسـمـه وعـمّـا كـان يـريـد.  فـأخـبـرهـم أنّ اسـمـه زوفـيـر وأنّـه يـطـلـب الـلـجـوء إلـيـهـم. وعـنـدهـا قـادوه إلى أعـيـان الـمـديـنـة : وشـرع يـأنّ ويـنـوح بـيـن أيـديـهـم ويـتّـهـم الـمـلـك داريـا بـتـشـويـهـه عـقـابـاً لـه عـلى نـصـيـحـتـه بـرفـع الـحـصـار عـن الـمـديـنـة بـعـد أن فـشـلـت كـلّ الـمـحـاولات لـفـتـحـهـا. “ولـكـنّ وجـودي هـنـا الآن سـيـكـون لـكـم مـنـه يـا أهـل بـابـل نـفـع عـظـيـم، وسـيـكـون لـداريـا وجـنـد الـفـرس مـنـه ضـرّ شـديـد. ولـن أتـرك لـداريـا أن يـفـرح مـن تـشـويـهـه لي ! وعـلى كـلّ حـال فـأنـا أعـرف تـمـام الـمـعـرفـة كـلّ مـشـاريـعـه “. هـذا مـا قـالـه لـهـم.

( 157)    وعـنـدمـا رأى الـبـابـلـيـون هـذا الـفـارسي الـرّفـيـع الـمـقـام وقـد جـذع أنـفـه وقـطـعـت أذنـاه، ومـزقـت جـلـد ظـهـره ضـربـات الـسّـيـاط  حـتّى غـطّـت الـدّمـاء كـلّ جـسـده صـدّقـوا أقـوالـه وادعـاءه الـرّغـبـة في مـحـالـفـتـهـم وارتـضـوا أن يـقـبـلـوا طـلـبـه. وطـلـب مـنـهـم كـتـائـب يـقـودهـا. وعـنـدمـا وضـعـوهـا تـحـت أمـره فـعـل مـا كـان قـد اتـفـق عـلـيـه مـع الـمـلـك داريـا : وفي الـيـوم الـتّـالي أخـرج الـمـلـك داريـا ألـفـاً مـن رجـالـه، فـأحـاطـهـم (زوفـيـر) بـكـتـائـب بـابـل وقـتـلـهـم جـمـيـعـاً. وتـهـلـل الـبـابـلـيـون لـمـا رأوا أنّ أفـعـالـه تـصـدق أقـوالـه، ووثـقـوا بـه ثـقـة مـا بـعـدهـا ثـقـة. وانـتـظـر عـدد الأيّـام الّـتي كـان قـد اتـفـق عـلـيـهـا مـع الـمـلـك داريـا وخـرج عـلى رأس كـتـيـبـة مـن خـيـرة مـقـاتـلي بـابـل ومـحـق الألـفي رجـل الّـذيـن أخـرجـهـم لـه داريـا. وبـعـد هـذا الـنّـصـر الـمـبـيـن أصـبـح زوفـيـر بـطـلاً لا مـثـيـل لـه عـنـد أهـل بـابـل. وانـتـظـر مـن جـديـد عـدد الأيّـام الّـتي كـان قـد اتـفـق عـلـيـهـا مـع الـمـلـك داريـا وخـرج عـلى رأس كـتـيـبـة وأفـنى الأربـعـة آلاف رجـل الّـذيـن أخـرجـهـم لـه داريـا. وصـار زوفـيـر بـعـد هـذا الـنّـصـرالأخـيـر أعـلى رجـال الـمـديـنـة وعـيّـن قـائـداً لـلـجـيـش وحـامـيـاً لـلأسـوار.

( 158)    وظـهـرت حـيـلـة زوفـور واضـحـة لـلـعـيـان عـنـدمـا أرسـل الـمـلـك داريـا قـواتـه لـلـهـجـوم عـلى الأسـوار : فـبـيـنـمـا كـان الـبـابـلـيـون يـحـاولـون مـن أعـالي الأسـوار صـدّ هـجـمـات الـفـرس، فـتـح لـهـم زوفـيـر بـابي بـعـل وكـيـش وأدخـل قـواتـهـم في الـمـديـنـة.  والـتـجـأ مـن رأى ذلـك مـن أهـل بـابـل إلى مـعـبـد زيـوس بـعـل (أي مـردوخ )، وبـقي الآخـرون الّـذيـن لـم يـروا شـيـئـاً، في أمـاكـنـهـم إلى أن عـرفـوا هـم أيـضـاً بـخـيـانـة زوفـيـر.

( 159)   وهـكـذا سـقـطـت بـابـل لـلـمـرة الـثّـانـيـة تـحـت ضـربـات الـفـرس. وتـسـلّـط الـمـلـك داريـا عـلى الـمـديـنـة وأمـر بـهـدم أسـوارهـا وبـخـلـع أبـوابـهـا، وهـمـا أمـران كـان سـابـقـه كـورش قـد أهـمـل الـقـيـام بـهـمـا. وأمـر داريـا بـوضـع أعـيـان الـمـديـنـة عـلى خـوازيـق مـزّقـت أجـسـادهـم، وكـانـوا حـوالي ثـلاثـة آلاف رجـل، وتـرك لـبـاقي أهـل بـابـل الـحـقّ في الـبـقـاء في الـمـديـنـة. وأمـر بـأن يـؤتى لـهـم بـنـسـاء لـيـنـجـبـوا (فـقـد خـنـقـوا نـسـائـهـم إقـتـصـاداً في الـنّـفـقـات كـمـا ذكـرنـا في الـبـدايـة) : أجـبـر كـلّ سـكـان الـمـنـاطـق الـقـريـبـة أن يـبـعـث كـلّ قـوم مـنـهـم عـدداً مـن الـنّـسـاء لـيـصـل عـددهـنّ في نـهـايـة الأمـر إلى خـمـسـيـن ألـف. وسـكـان بـابـل في أيـامـنـا هـذه مـن نـسـلـهـنّ.

( 160)    وارتـفـع زوفـيـر في نـظـر الـمـلـك داريـا وصـارت قـيـمـتـه لا تـمـاثـلـهـا قـيـمـة أحـد في كـلّ بـلاد فـارس مـنـذ أقـدم الأزمـان حـتّى الـزّمـن الّـذي عـاش فـيـه، الـلـهـم إلّا كـورش الّـذي يـضـعـه الـفـرس في أعـلى الـمـراتـب. وقـد قـال الـمـلـك داريـا مـراراً إنّـه كـان سـيـعـطي بـابـل وعـشـريـن بـابـل مـثـلـهـا فـديـة لـكي يـتـحـاشى أن يـشـوه زوفـيـر نـفـسـه مـثـلـمـا فـعـل. وأغـدق عـلـيـه بـشـارات الإكـرام والـتّـقـديـر وكـان يـبـعـث لـه كـلّ عـام بـأكـرم الـهـدايـا الّـتي يـفـتـخـر بـهـا الـفـرس، وأعـطـاه بـابـل لـيـحـكـمـهـا مـا دام حـيّـاً وتـرك لـه ريـعـهـا ، ومـنـافـع كـثـيـرة أخـرى أيـضـاً. و زوفـيـر هـذا والـد مـيـقـبـيـز Megabyze الّـذي قـاد جـنـد الـفـرس ضـدّ أهـل أثـيـنـا وحـلـفـائـهـم. و مـيـقـبـيـز هـذا والـد زوفـيـر (الأصـغـر) الّـذي خـان الـفـرس وانـضـمّ إلى أهـل أثـيـنـا.

إعـتـمـدت في هـذه الـتّـرجـمـة عـلى الـطّـبـعـة الـفـرنـسـيـة الّـتي حـقـقـتـهـا أنـدريـه بـارغـيـت Andrée Barguet   ونـشـرتـهـا في دار نـشـرغـالـيـمـار 1964، وقـد اسـتـعـنـت بـبـعـض مـا كـتـبـتـه في الـمـقـدمـة والـمـلاحـظات رغـم قـلّـة مـعـرفـتـهـا بـتـاريـخ بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن وصـحـحـت عـدداً مـن أخـطـائـهـا.

أنـظـر أيـضـاً :  تـاريـخ هـيـرودوت ، تـرجـمـة و تـحـقـيـق عـبـد الإلـه الـمـلاّح، الـمـجـمـع الـثّـقـافي 2001 ( 751 ص.). تـرجـمـة عـن الـطّـبـعـة الـمـنـقـحـة في 1936 لـلـتّـرجـمـة الإنـكـلـيـزيـة الّـتي قـام بـهـا رولـنـسـن.  هـيـرودوت ، سـلامـة ايـفـانـز ، ج. 1 ، الـقـاهـرة ، د. ن. ، د. ت. ( 192 ص.)

رحـلـة هـيـرودوت إلى مـصـر ، حـسـيـن كـامـل نـجـم ، الـقـاهـرة ، دار الـدّعـوة 1931.  سـيـتـلـر، هـيـرودوت ، الـقـاهـرة ، الـهـيـئـة الـعـامـة لـدار الـكـتـب والـوثـائـق الـقـومـيـة ، 1892 ( 143 ص.)

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  إنـتـصـر قـيـاخـار الـمـيـدي عـلى الـسّـيـثـيـيـن في 625 قـبـل الـمـيـلاد، وضـرب الـحـصـار أمـام نـيـنـوى في 614 وأسـقـطـهـا وخـربّـهـا في 612.  (2)  الـكـتـاب الأوّل ، الـمـقـطـع 106 ، ص. 97.   (3). الـكـتـاب الأوّل ، الـمـقـطـع 184 ، ص.138.  (4)  الـكـتـاب الأوّل ، الـمـقـطـع 178 ، ص. 135.  (5)  كـان عـرض الـسّـور إذن 25 مـتـراً وارتـفـاعـه 100 مـتـر.  (6)  الأبـواب الّـتي يـتـكـلـمّ عـنـهـا هـيـرودوت هي : بـاب سـمـيـرامـيـس = بـاب عـشـتـار في شـمـال الـمـديـنـة  بـاب الـكـلـدانـيـيـن = بـاب إنـلـيـل في الـجـنـوب ، بـاب بـعـل Belos  = بـاب مـردوخ، بـاب كـيـسي ( كـيـش) = بـاب زبـد، وهـمـا في الـشّـرق، وبـاب الـنّـيـنـويـيـن أو بـاب نـيـنـوس يـمـكـن أن يـكـون بـاب سـيـن (إلـه الـقـمـر) في الـشّـمـال.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s