جـان أوتّـيـر في الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري  Jonas Otter رحـلـة جـان أوتـيـر إلى الـشّـرق وإقـامـتـه في الـعـراق : صـدر في بـاريـس عـام 2010 كـتـاب لـم يـنـتـبـه إلـيـه أحـد، ولـم أقـرأ عـنـه شـيـئـاً في الـمـنـشـورات الـعـربـيـة رغـم أهـمـيـتـه الـبـالـغـة. والـكـتـاب يـومـيـات كـتـبـهـا جـان أوتـيـر خـلال رحـلـتـه إلى ” تـركـيـا وبـلاد فـارس ــ مـن إسـطـنـبـول إلى أصـفـهـان، ومـن أصـفـهـان إلى الـبـصـرة، ومـن الـبـصـرة إلى إسـطـنـبـول، والـعـودة إلى فـرنـسـا”  بـيـن 1734 و 1744: Jean OTTER, Journal de voyages en Turquie et en Perse 1734- 1744 (de Constantinople à Ispahan, d’Ispahan à Bassora, de Bassora à  Constantinople et retour en France). Paris, l’Harmattan, 2010. وقـد اسـتـعـمـل جـان أوتـيـرهـذه الـيـومـيـات في كـتـابـة وصـف رحـلـتـه إلى تـركـيـا وبـلاد فـارس، بـعـد أن أضـاف إلـيـهـا مـلاحـظات وتـأمّـلات واسـتـشـهـادات مـن مـصـادر قـديـمـة، ونـشـرهـا بـالـفـرنـسـيـة عـام 1748: Jean OTTER, Voyage en Turquie et en Perse , avec une relation des expéditions de Tahmas Kouli- Khan, 2 volumes. Paris, Les Frères Guerin 1748. Journal de J. Otterويـومـيـات الـرّحـلـة هـذه تـنـشـر لأوّل مـرة بـعـد مـرور أكـثـر مـن قـرنـيـن ونـصـف عـلى كـتـابـتـهـا. وقـد مـرّ أوتـيـر بـالـعـراق في طـريـقـه إلى أصـفـهـان، ثـمّ بـعـد عـودتـه مـنـهـا وأقـام في الـبـصـرة حـوالي أربـع سـنـوات وعـيّـن قـنـصـلاً لـفـرنـسـا فـيـهـا في 1742. ومـا كـتـبـه جـان أوتـيـرعـن الـعـراق شـديـد الأهـمـيـة فـهـوقـد شـهـد الـصّراع بـيـن الـسّـلـطان الـعـثـمـاني مـحـمـود وبـيـن نـادرشـاه وشـهـد عـن كـثـب كـيـف اسـتـغـلّ أحـمـد بـاشـا والي بـغـداد الـحـالـة الـسّـيـاسـيـة لـيـقـوي سـلـطـتـه ويـمـدهـا إلى الـبـصـرة لـيـسـتـولي عـلى ولايـتـهـا، وعـلاقـتـه بـشـيـوخ الـمـنـتـفـك وخـاصـة سـعـدون بـن مـحـمّـد. رحـلـة جـان أوتـيـر إلى الـشّـرق : ولـنـتـكـلّـم أوّلاً عـن جـان أوتـيـر لأنّ الـقـارئ الـعـربي لا يـكـاد يـعـرفـه :ولـد جـونـاس أوتـيـر Jonas Otter   (الّـذي أصـبـح في فـرنـسـا جـان أوتّـيـرJean OTTER ) في الـسّـويـد سـنـة 1707، في عـائـلـة تـمـتـهـن الـتّـجـارة، وبـدأ يـتـعـلـم  مـنـذ صـبـاه عـدّة لـغـات شـمـالـيـة، ثـمّ دخـل جـامـعـة Lund  في 1724، وكـان في الـسّـادسـة عـشـرة مـن عـمـره، ودرس فـيـهـا ثـلاث سـنـوات حـتّى عـام 1727. وبـعـد أن أنـهى دراسـتـه ذهـب إلى اسـتـكـهـولـم، وطـلـب مـقـابـلـة سـفـيـرفـرنـسـا الـمـقـيـم في بـلاط الـسّـويـد، ولـكـنّ الّـذي اسـتـقـبـلـه في الـسّـفـارة كـان الأب غـويـون، الـمـسـؤول عـن شـؤون الإتـصـالات. وأخـبـر أوتـيـر هـذا الأب بـعـزمـه عـلى تـرك ديـنـه الـبـروتـسـتـانـتي واعـتـنـاق الـكـاثـولـيـكـيـة. وكـان تـرك الـبـروتـسـتـانـتـيـة في الـسّـويـد يـعـاقـب عـلـيـه في تـلـك الأيّـام بـالـنّـفي. ولـتـسـهـيـل كـسـب هـذا الـشّـاب إلى الـكـاثـولـيـكـيـة تـكـفّـل بـه الأب غـويـون وبـعـثـه إلى فـرنـسـا، وهـكـذا وصـل أوتـيـر إلى فـرنـسـا بـعـد سـنـوات قـلـيـلـة مـن اعـتـلاء لـويـس الـخـامـس عـشـر الـعـرش، ودرس في حـلـقـة ديـنـيـة في مـديـنـة روان ثـلاث سـنـوات، ولـكـنّـه لـم يـرغـب في أن يـكـرّس كـرجـل ديـن. ونـعـرف مـن سـجـل هـذه الـحـلـقـة الـدّيـنـيـة أنّـه كـان يـعـرف الـلـغـات الألـمـانـيـة والإنـكـلـيـزيـة والإيـطـالـيـة والـفـرنـسـيـة والـلاتـيـنـيـة والـيـونـانـيـة الـقـديـمـة. ثـمّ ذهـب إلى بـاريـس. وسـاعـدتـه مـعـرفـتـه لـعـدّة لـغـات أوربـيـة بـأن يـوظّـف في مـكـتـب بـريـد بـاريـس.  وقـرر الـكـونـت دو مـوربـاس، وزيـر مـلـك فـرنـسـا أن يـبـعـثـه إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة، عـاصـمـة الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة “لـيـعـمـق مـعـرفـتـه بـالـلـغـات الـشّـرقـيـة”، ولـكـن الـهـدف الـحـقـيـقي كـان إعـادة الـعـلاقـات الـتّـجـارية بـيـن فـرنـسـا وبـلاد الـفـرس الّـتي اسـتـولى عـلى الـعـرش فـيـهـا نـادرشـاه. وصـدرالأمـرالـمـلـكي بـإرسـال الـبـعـثـة في كـانـون الـثّـاني1734. وتـرك أوتـيـر مـيـنـاء مـرسـيـلـيـا عـلى مـتـن سـفـيـنـة. وبـعـد أن نـجـا مـن عـاصـفـة رهـيـبـة وصـل إلى الـقـسـطـنـطـيـنـة في بـدايـة شـهـر آذار.  وبـدأ بـعـد وصـولـه بـقـلـيـل بـدراسـة الـتّـركـيـة والـعـربـيـة والأرمـنـيـة، كـمـا بـدأ يـعـمـق مـعـرفـتـه بـتـاريـخ الـشّـرق . وقـد مـنـعـتـه الـحـرب بـيـن الـفـرس والأتـراك مـن مـتـابـعـة مـهـمـتـه أي الـذّهـاب إلى بـلاد فـارس فـانـتـظـر إلى أن تـوصّـل أحـمـد بـاشـا، والي بـغـداد ، إلى أن يـصلـح بـيـن الـدّولـتـيـن، ثـمّ إلى أن يـصل سـفـيـر شـاه الـفـرس لـيـأتي إلى الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني مـحـمـود الأوّل بـتـوقـيـع سـيّـده عـلى مـعـاهـدة الـسّـلـم بـيـنـهـمـا. وعـنـدمـا تـرك هـذا الـسّـفـيـر تـركـيـا عـائـداً إلى أصـفـهـان في تـشـريـن الـثّـاني 1736 طـلـب مـنـه سـفـيـر فـرنـسـا أن يـصـاحـبـه أوتـيـر في رحـلـتـه. وكـان الـهـدف مـن ذلـك إعـادة الـعـلاقـات الـدّبـلـومـاسـيـة والـتّـجـاريـة الّـتي انـقـطـعـت بـيـن فـرنـسـا وبـلاد الـفـرس مـنـذ 1702، كـمـا وصـل إلى أوتـيـر مـن بـاريـس طـلـب بـشـراء كـلّ الـمـخـطـوطـات الّـتي يـمـكـنـه الـعـثـور عـلـيـهـا في سـفـرتـه لإغـنـاء الـمـكـتـبـة الـمـلـكـيـة ، وبـجـمـع كـلّ مـا يـمـكـنـه مـن مـعـلـومـات عـن طـرق الـتّـجـارة في الـمـنـطـقـة وعـن مـا يـسـتـورد ويـصـدّر. وهـكـذا بـدأ أوتـيـر يـتـعـلّـم الـفـارسـيـة إلى جـانـب جـهـوده بـتـحـسـيـن مـعـرفـتـه بـالـعـربـيـة والـتّـركـيـة. وقـد غـادرت قـافـلـة الـسّـفـيـر الـفـارسي الـقـسـطـنـطـيـنـيـة في تـشـريـن الـثّـاني 1736، ووصـلـت  في تـمّـوز 1737 إلى أصـفـهـان الّـتي بـقي فـيـهـا أوتـيـر عـشـريـن شـهـراً، ثـمّ تـركـهـا في نـيـسـان 1739 مـتـوجـهـاً إلى الـبـصـرة الّـتي كـانـت الـتّـجـارة قـد ازدهـرت فـيـهـا بـعـد انـحـطـاط تـجـارة الـفـرس بـسـبـب الـحـروب. وكـان والي بـغـداد أحـمـد بـاشـا قـد مـدّ سـيـطـرتـه عـلـيـهـا بـعـد أن تـوسـعـت سـلـطـتـه وضعـفـت تـبـعـيـتـه لـلإدارة الـعـثـمـانـيـة. ومـن الـبـصـرة صـعـد أوتـيـر إلى بـغـداد وتـقـرّب مـن الـبـاشـا ثـمّ تـفـاوض مـعـه بـاسـم سـفـيـر فـرنـسـا في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة لـلـحـصـول عـلى امـتـيـازات لـلـتّـجـارة الـفـرنـسـيـة في أراضي الـبـاشـا ومـوانـئـه ، ثـمّ نـزل عـلى مـيـاه دجـلـة إلى الـبـصـرة الّـتي وصـلـهـا في 19 حـزيـران 1739. وبـقي أوتـيـر في الـبـصـرة حـوالي أربـع سـنـوات، أولاً بـدون لـقـب رسـمي ثـمّ كـقـنـصـل لـفـرنـسـا ووكـيـل لـشـركـة بـلاد الـهـنـد ، وكـانـت هـذه بـدايـة اهـتـمـام الـفـرنـسـيـيـن بـالـبـصـرة الّـتي ازدهـرت تـجـارتـهـا عـلى حـسـاب مـيـنـاء بـنـدر عـبّـاس الّـذي فـقـد كـثـيـراً مـن أهـمـيـتـه. وفي 1741 ثـارت أغـلـب عـشـائـر الـعـرب حـول الـمـديـنـة وحـلّـت الإضـطـرابـات وحـوصـرت الـمـديـنـة مـدّة شـهـريـن ثـمّ نـهـبـت مـتـاجـرهـا. ويـذكـر أوتـيـر أنّـه لـم يـتـوقـف حـتّى في تـلـك الـفـتـرة الـعـصـيـبـة عـن مـتـابـعـة دروس الـلـغـة الـعـربـيـة مـع مـعـلـمَـيـن كـان قـد أجّـرهـمـا لـذلـك. وفي 6 أيّـار 1743 تـلـقى أوتـيـر أمـراً بـالـعـودة إلى فـرنـسـا، وتـرك الـمـديـنـة بـعـد ثـلاثـة أيّـام مـتّـجـهـاً إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة الّـتي وصلـهـا في نـهـايـة شـهـرآب، ثـمّ وصـل إلى مـرسـيـلـيـا في الـحـادي عـشـر مـن كـانـون الـثّـاني 1744. وبـعـد وصـولـه إلى بـاريـس أمـرالـمـلـك بـأن يـجـرى لـه مـرتـب سـنـوي، كـمـا وظّـفـه الـكـونـت دو مـوريـبـاس في مـكـتـبـة الـمـلـك كـمـتـرجـم مـن الـلـغـات الـشّـرقـيـة. وهـذه الـمـكـتـبـة، الّـتي أصبـحـت في مـا بـعـد نـواة الـمـكـتـبـة الـوطنـيـة الـفـرنـسـيـة تـحـتـوي عـلى مـجـمـوعـة كـبـيـرة مـن الـمـخـطـوطـات الـعـربـيـة والـفـارسـيـة والـتّـركـيـة. وعـيّـن أوتـيـر في شـهـر شـبـاط مـن عـام 1746 أسـتـاذاً مـلـكـيـاً Professeur Royale   لــلـغـة الـعـربـيـة. وفي 1748، إنـتـخـب عـضـواً في أكـاديـمـيـة  “الـخـطـوط والآداب الـجـمـيـلـة “. وتـوفي أوتـيـر في أيـلـول 1748 وكـان في الـحـاديـة والأربـعـيـن مـن عـمـره. روايـة جـان أوتـيـر لـتـمـرد سـعـدون ، شـيـخ الـمـنـتـفـك : يـتـكـلّـم الـسّـويـدي جـان أوتـيـر، “مـبـعـوث ” مـلـك فـرنـسـا، لـويـس الـرّابـع عـشـر إلى الـشّـرق، عـن الأحـداث الّـتي جـرت في فـتـرة إقـامـتـه في الـبـصـرة، أولاً بـدون لـقـب رسـمي، ثـمّ كـقـنـصـل لـفـرنـسـا ووكـيـل لـشـركـة بـلاد الـهـنـد. وهـو يـحـكي في الـجـزء الـثّـاني مـن كـتـابـه “رحـلـة إلى تـركـيـا وبـلاد الـفـرس” الّـذي نـشـر بـجـزأيـن في بـاريـس عـام  1748، تـمـرد شـيـخ الـمـنـتـفـك (الـمـنـتـفـق) سـعـدون بـن مـحـمّـد عـلى الـسّـلـطـة الـعـثـمـانـيـة ، ويـكـرس لـذلـك  الـفـصـل الـخـامـس عـشـر (مـن ص. 134 إلى ص. 140) والـفـصـل الـسّـابـع عـشـر (مـن ص. 143 إلى ص. 151)، ثـمّ يـعـود إلى هـذا الـمـوضـوع في الـفـصـل الـعـشـريـن (مـن ص. 156 إلى ص. 159) : الـفـصـل الـخـامـس عـشـر : “وفي بـدايـة سـنـة 1741 ثـارت عـشـائـر الـمـنـتـفـك الـعـربـيـة مـع بـعـض عـشـائـر الـمـنـاطـق الـتّـابـعـة لـحـكـومـة الـبـصـرة ضـد أحـمـد بـاشـا. وظـلّـت الـمـديـنـة مـدّة شـهـريـن تـعـيـش في ذعـر وقـلـق. وكـان الـمـتـمـردون يـهـددون بـالـنّـهـب والـسّـلـب، ولـكـانـوا قــد نـجـحـوا في ذلـك لـو هـاجـمـوهـا في بـدايـة تـمـردهـم، فـقـد كـانـت في ذلـك الـوقـت بـدون تـمـويـن وبـدون ذخـيـرة. ولـكـنّ يـحـيى أغـا الّـذي خـلـف يـوسـف أغـا في وظـيـفـة “الـمـسـلّـم” [ بـالـلام الـمـشـددة الـمـكـسـورة مـن فـعـل سـلّـم يُـسـلّـم، أي جـابي الـضّـرائـب ] بـذل جـهـده لـوضـع الـبـصـرة في حـالـة دفـاع، بـانـتـظـار أن يـأتـيـه الـعـون مـن أحـمـد بـاشـا. وكـان أحـمـد بـاشـا يـحـارب أكـراد بـيـلـبـاز عـنـدمـا وصـلـه خـبـر تـمـرّد هـؤلاء الـعـرب، فـرجـع حـالاً إلى بـغـداد وأخـذ اسـتـعـداداتـه، ثـمّ عـبـر الـبـاديـة ووصـل إلى الـبـصـرة في الـخـامـس مـن نـيـسـان 1741 عـلى رأس جـيـش يـضـمّ أربـعـيـن ألـف مـقـاتـل وأربـعـة عـشـر مـدفـعـاً ومـدفـع هـاون. وبـعـد أن أراح جـنـده، سـار في الـعـاشـر مـن نـيـسـان ضـدّ الـمـتـمـرديـن الّـذيـن حـصـنـوا مـخـيـمـاتـهـم في نـهـرعـنـتـيـري Nehranteri عـلى مـسـيـرة 16 سـاعـة مـن طـريـق الـبـصـرة. وكـان مـصـيـر الـبـصـرة مـتـعـلـقـاً بـكـسـبـه لـلـمـعـركـة. وإن خـسـر الـبـاشـا الـمـعـركـة فـالـبـصـرة حـسـب مـا يـبـدو سـتـنـهـب وتـخـرّب. ولـكـن لـم تـجـر بـيـنـهـم إلّا مـنـاوشـات بـسـيـطـة فـرض الـبـاشـا بـعـدهـا الـصّـلـح وعـاد إلى بـغـداد أمـام دهـشـة الـجـمـيـع. ولـم يـطـمـئـن أهـل الـبـصـرة لـهـذا الـصّـلـح لاعـتـقـادهـم أنّ الـفـرس هـم الـذيـن هـيّـجـوا الإضـطـرابـات وأنّـهـم يـسـعـون لـذلـك. ومـع انّـه ربّـمـا سـاعـد الـفـرس تـمـرّد الـمـنـتـفـك لـتـخـريـب الـبـصـرة الّـتي حـوّلـت عـن مـوانـئـهـم تـجـارة الـخـلـيـج حـتّى جـاءت كـلّـهـا إلـيـهـا ، إلّا أنّ عـرب الـمـنـتـفـك مـع ذلـك كـان لـهـم دوافـع أخـرى مـنـهـا أن يـخـلـعـوا عـن أعـنـاقـهـم نـيـرالـتّـبـعـيـة. وحـتّى تـلـك الـفـتـرة ، لـم يـسـتـطـع أحـمـد بـاشـا إخـضـاع الـعـرب إلّا بـبـث الـشّـقـاق بـيـنـهـم ، وهـكـذا اسـتـطاع نـصـب شـيـوخـهـم وخـلـعـهـم . والـمـنـتـفـك وبـنـو لام، وهـم الـعـشـائـر الـرّئـيـسـيـة في هـذه الـمـنـطـقـة ، سـبـبـوا مـتـاعـب لـلـبـاشـوات الّـذيـن سـبـقـوه. ولـهـذا بـذل مـا في وسـعـه لـيـسـيـطـر عـلـيـهـم مـمـا دفـعـه في الـغـالـب لاسـتـفـزاز شـيـوخ بـني لام. وقـد هـاجـم أيـضـاً سـعـدون الّـذي كـان يـرأس الـمـنـتـفـك ، وقـد خـلـعـه وجـاء بـه إلى بـغـداد و رمـاه في الـسّـجـن حـيـنـاً مـن الـزّمـن، ونـصـب مـانـع  خـيـر Minaïkher ، قـريـب سـعـدون في مـكـانـه، ولـكـنـه لـم يـبـق زمـنـاً طـويـلاً، لأنّـه لـم يـسـتـطـع جـمـع الـمـبـلـغ الّـذي طـلـبـه مـنـه الـبـاشـا فـخـلـعـه في نـفـس الـسّـنـة، وأعـاد الـمـشـيـخـة لـسـعـدون. ومـا أن ذاع في الـبـصـرة خـبـرعـودة سـعـدون لـمـشـيـخـة عـشـيـرتـه حـتّى أدرك الـجـمـيـع أنّـه سـيـثـأر مـن مـعـامـلـة الـبـاشـا الـسّـيـئـة لـه، وأنّـه لـن يـخـضـع لـه طـويـلاً. ومـا حـدث بـعـد ذلـك دلّ عـلى أنّـهـم لـم يـجـانـبـوا الـصّـواب، فـمـا أن أطـلـق سـراحـه وعـاد إلى رئـاسـة عـشـيـرتـه حـتّى امـتـنـع مـن دفـع مـا كـان قـد فـرض عـلـيـه أن يـدفـعـه. وأُرسـل الـتـفـنـكـجي بـاشي  Tufenkdgi Bachi (1)  إلى سـعـدون لـقـضـيـة مـا، وطـلـب مـنـه مـبـلـغـاً بـاهـظـاً ثـمـنـاً لـخـدمـتـه Khidmet ، ولـكـنّ سـعـدون رفـض أن يـدفـع وقـال لـه إنّ الـبـاشـا لـم يـتـرك لـه ولـعـشـيـرتـه إلّا نـسـاءهـم . ولا أدري أن كـان صـحـيـحـاً، كـمـا يـؤكـده الـبـعـض، أنّ الـتّـفـنـكـجي بـاشي أهـانـه بـإجـابـتـه إيـاه : إن لـم يـبـق لـك شـئ آخـر فـاعـطني نـسـاءك ! وأنّ سـعـدون أمـره أن يـخـرج مـن خـيـمـتـه وطـرده مـن مـضارب الـعـشـيـرة، ولـكـنّ الـشّـئ الأكـيـد هـو أنّ هـذا الـبـاشي أنـقـذ نـفـسـه هـاربـاً إلى الـقـرنـة وكـان أوّل مـن أذاع خـبـر تـمـرد الـمـنـتـفـك. وهـومـا أكّـده بـعـد ذلـك آخـرون وصـلـوا في نـفـس الـيـوم إلى الـبـصـرة. واعـتـقـد الـنّـاس عـنـدمـا رأوا مـسـيـرة الـبـاشـا عـلى رأس قـواتـه إلى الـمـنـتـفـك أنّـه ذهـب لـيـعـاقـب الـمـتـمـرديـن، ولـكـن عـنـدمـا عـقـد الـصّـلـح مـعـهـم سـرت الإشـاعـات بـأنّـه عـنـدمـا وجـدهـم مـتـحـصـنـيـن في وسـط الـمـاء خـاف مـن أن يـهـزمـوه، وأنّ غـيـابـاً طويـلاً عـن بـغـداد يـمـكـن أن تـكـون لـه عـواقـب لا تـحـمـد، ولـهـذا لـم يـسـتـطـع أن يـحـاصـرهـم مـا يـكـفي مـن الـوقـت لـيـمـيـتـهـم مـن الـجـوع. ولـم يـكـن لـهـذه الإشـاعـات مـن أصـل، مـا دام الـجـمـيـع يـعـرفـون أنّ الـمـتـمـرديـن لـم يـعـد لـهـم مـؤونـة ولا قـوت، وأنّ قـوات الـبـاشـا هـاجـمـتـهـم بـعـنـف كـان حـتـمـاً سـيـؤدي إلى الـسّـيـطـرة عـلى مـضـاربـهـم لـولا أنّ الـبـاشـا أرسـل لـهـم أمـراً بـأن يـوقـفـوا الـهـجـمـات ويـنـسـحـبـوا. والّـذي دفـعـه لـذلـك رسـالـة اسـتـلـمـهـا مـن صـديـق لـه في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة يـخـبـره فـيـهـا أنّ الـسّـلـطـان قـررأن يـعـيـنـه سـرعـسـكـر Seraskier   الـجـيـش ضـدّ الـفـرس، لـيـسـحـبـه مـن بـغـداد. وكـان هـذا الـمـنـصـب رفـيـعـاً جـدّاً ، ولـكـنّ أحـمـد بـاشـا لـم يـكـن راغـبـاً في أن يـشــغـلـه بـعـيـداً عـن مـكـان إقـامـتـه، خـاصـة وأنّـه كـان مـقـتـنـعـاً بـأنّـه إذا تـرك بـغـداد عـلى رأس جـيـش الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني فـإنّ أعـداءه مـن الـعـثـمـانـيـيـن سـيـسـتـطيـعـون قـتـلـه بـسـهـولـة وهـذا مـا كـانـوا يـبـغـونـه مـنـذ فـتـرة طـويـلـة. ولـهـذا عـاد إلى بـغـداد وأرسـل إلى الـسّـلـطـان يـعـلـمـه بـأنّ الإضـطـرابـات عـمّـت في الـمـنـاطـق الّـتي يـحـكـمـهـا ويـحـذره مـن أنّـه إذا مـا أبـعـدوه عـن بـغـداد فـسـيـخـرج هـذا الـبـلـد عـن طـاعـة الـسّـلـطـان ويـضيـع مـنـه . الـفـصل الـسّـابـع عـشـر والـصّـلـح الّـذي عـقـده أحـمـد بـاشـا مـع سـعـدون أعـطى لـهـذا الـشّـيـخ إقـدامـاً لـم يـكـن لـه مـن قـبـل. فـبـعـد أن انـتـقـل إلى قـريـة اسـمـهـا سـراجي، عـلى مـسـيـرة سـاعـة مـن الـبـصـرة ، إدّعى أنّ لـه الـحـق في امـتـلاك كـلّ مـزارع الـمـنـطـقـة. واضـطـهـد سـكـان الـمـديـنـة وطـلـب مـن الـتّـجـار أن يـدفـعـوا لـه خـاوة وهـدايـا. وقـد كـتـب حـتّى لـلـقـنـصـل الـفـرنـسي يـطـلـب مـنـه أن يـبـعـث لـه قـرضـاً يـبـلـغ ثـمـنـه عـشـرة آلاف إيـكـو [ أي ريـال سـكّي]  مـن الـبـضـائـع. وأدرك الـقـنـصـل أن هـذا يـعـني إضـاعـة الـمـبـلـغ فـرفـض مـخـتـلـقـاً أنـواعـاً مـن الـحـجـج. وكـتـب لـه سـعـدون ثـانـيـةً قـائـلاً إنّـه لا يـرضى بــحـجـجـه الـتّـافـهـة ويـنـبـغي لـه أن يـلـبي طـلـبـه. فـوجـهـتُ أنـا نـفـسي شـكـوى إلى “الـمـسـلِّـم” ، وأجـابـني أنّـه هـو نـفـسـه في نـفـس حـالـتـنـا، فـالـشّـيـخ طـلـب مـنـه مـبـلـغـاً بـاهـظـاً مـن الـمـال كـهـديـة يـنـبـغي إرسـالـهـا. ومـع ذلـك فـقـد لـجـأ “الـمـسـلِّـم” إلى مـا بـقي لـه مـن قـلـيـل مـن الـسّـلـطـة لـيـخـلـصـنـا مـن سـعـدون الّـذي تـخـلى في الـنّـهـايـة عـن طـلـبـه. وكـلّ هـذه الأحـداث جـعـلـتـني أعـتـقـد أنّ أحـمـد بـاشـا كـان ولا شـك قـد اسـتـاء مـن الـبـاب الـعـالي، وعـرفـت بـعـد ذلـك أنـني أصـبـت في اعـتـقـادي، فـقـد سـحـب الـسّـلـطـان مـنـه حـكـومـة الـبـصـرة. ولـكي يـجـبـره أحـمـد بـاشـا عـلى إرجـاعـهـا لـه فـقـد تـرك كـلّ الـمـنـطـقـة لـنـهـب الـعـرب وسـلـبـهـم. وانـقـطـع الإتـصـال بـأعـالي الـمـنـطـقـة واضـطـربـت حـالـة الـتّـجـارة وسـاد الـخـوف والـقـلـق. وصار الـمـنـتـفـك سـادة الـبـلاد، وكـانـوا يـأتـون كـلّ يـوم إلى الـبـصـرة ويـرتـكـبـون كـلّ أنـواع الـعـنـف، ويـوقـفـون مـراكـب الـتّـجـار الـصّـاعـديـن إلى بـغـداد ويـطـلـبـون مـنـهـم الـفـديـة.  وقـد تـشـاجـر شـيـخـهـم مـع رئـيـس تـجـار الإنـكـلـيـز وطـلـب مـنـه أن يـدفـع لـه مـبـلـغـاً مـن الـمـال فـرفـض الآخـر، والـتـجـأ إلى مـن يـصـالـح بـيـنـهـمـا، ولـكـن الـمـفـاوضـات فـشـلـت، وهـدده سـعـدون أن يـبـعـث إلى داره بـمـائـة عـربي لـيـنـهـبـوهـا، وعـنـدهـا دفـع لـه الإنـكـلـيـزي الـمـبـلـغ. وازداد الـكـدر والـتّـنـكـيـد في شـهـر كـانـون الأوّل عـنـدمـا وصـل سـيـفي بـك، “مـسـلِّـم” والي الـمـوصـل حـسـيـن بـاشـا، الّـذي عـهـدت إلـيـه ولايـة الـبـصـرة بـعـد أخـذت مـن أحـمـد بـاشـا، و ظـهـر عـنـدهـا بـوضـوح أنّ سـبـب الإضـطـرابـات كـان تـغـيـيـر الـوالي، فـقـد اهـتـاج أحـمـد بـاشـا مـن فـقـدانـه لـريـع الـولايـة الـسّـنـوي الّـذي يـتـجـاوز ألـف كـيـس [ويـبـلـغ مـحـتـوى الـكـيـس خـمـسـمـائـة قـرش أي ريـال تـركي] ، ولـكي يـجـبـر الـبـاب الـعـالي عـلى أن يـعـيـد لـه ولايـة الـبـصـرة فـقـد تـرك سـعـدون يـعـيـث في الأرض فـسـاداً. وبـيـنـمـا كـان [أحـمـد بـاشـا] يـظهـر مـن جـهـة مـسـاوئ تـمـرد الـمـنـتـفـق وصعـوبـة سـحـقـه، فـقـد كـان مـن الـجـهـة الأخـرى يـسـانـدهــم سـرّاً لـيـهـيـج الـنّـاس ضـدّهـم. وفي الـحـقـيـقـة، نـفّـذ سـعـدون نـوايـا أحـمـد بـاشـا. ومـا أن وصـل “الـمـسـلِّـم” الـجـديـد حـتّى جـاء هـذا الـشّـيـخ لـيـخـيّـم مـع أنـصـاره قـرب الـبـصـرة. وكـان يـبـعـث كـلّ يـوم بـرجـالـه إلى أعـيـان الـبـلـد يـطـالـبـونـهـم بـدفـع الـمـال والـخـيـل والـمـلـبـس وكـلّ مـا يـحـتـاج سـعـدون إلـيـه. وقـد أجـبـر حـتّى “الـمـسـلِّـم” الـجـديـد عـلى أن يـبـعـث لـه بـهـدايـا […]. وقـد أجـبـربـعـض الـتّـجـار الّـذيـن اسـتـدعـتـهـم الـضـرورة إلى بـغـداد أن يـدفـعـوا لـه 500 ريـال لـيـسـمـح لـهـم بـسـلـك سـبـيـل الـنّـهـر.وبـعـد أن اسـتـلـم الـمـبـلـغ وجـده ضئـيـلاً فـطلـب مـنـهـم مـن جـديـد ألـفي ريـال أخـرى. وقـد فـضّـلـوا أن يـدفـعـوا لـكي لا يـنـهـبـوا. ولـم يـكـفـيـه هـذا فـأجـبـرهـم عـلى أن يـدفـعـوا لـه حـقّ الـمـرور في أمـاكـن أخـرى مـن الـنّـهـر. وفي الـنّـهـايـة أوقـفـهـم بـعـد أن اجـتـازوا الـقـرنـة وسـلـبـهـم خـمـسـة آلاف وخـمـسـمـائـة ريـال. وقـد خـافـوا بـعـد ذلـك مـن أن يـأخـذ مـنـه كـلّ مـا يـمـلـكـون وأجـبـروا عـلى الـهـرب والـرّجـوع إلى الـبـصـرة. وعـنـدهـا سـرت إشـاعـة بـأنّ سـعـدون يـريـد أن يـفـرض ضـريـبـة عـامـة عـلى الـمـديـنـة، فـهـرب كـبـار الـتّـجّـار وحـمـلـوا مـعـهـم مـا اسـتـطـاعـوا حـمـلـه عـن طـريـق الـبـحـر. وأراد الأوربـيـون الّـذيـن خـافـوا أن يـحـدث لـهـم مـاحـدث لـغـيـرهـم، أن يـلـتـجـأوا ومـا يـمـلـكـون عـلى ظـهـر سـفـيـنـة إنـكـلـيـزيـة كـانـت في الـنّـهـر. وكـان يـنـبـغي لـهـم الـحـصـول عـلى سـمـاح “الـمـسـلِّـم” لـهـم بـذلـك، فـذهـبـتُ بـنـفـسـي عـدّة مـرّات أطـلـب مـنـه ذلـك بـاسـم الـجـمـيـع ، ولـكـنّـه رفـض بـاسـتـمـرار مـعـتـلاً بـأنّ أهـل الـبـصـرة لـو رأوا الـبـضـائـع تـحـمـل بـعـيـداً عـن الـمـديـنـة فـلـن يـبـق مـنـهـم أحـد فـيـهـا. وقـد أثـار هـذا الـرّفـض قـلـق الأوربـيـيـن وأجـبـرهـم عـلى أخـذ حـرّاس مـن الـجـاشـريـة لـيـحـمـوا مـنـازلـهـم لـو هـاجـمـهـا الـعـرب. وكـانـت هـذه في الـحـقـيـقـة حـمـايـة ضـعـيـفـة ولا أحـد يـرى مـن أيـن سـيـأتي الـخـلاص. وكـان يـقـال إنّ حـسـيـن بـاشـا لـم يـكـن لـه جـنـد ولا مـال. ويـؤكـد الـبـعـض أنّـه لا يـسـتـطـيـع حـتّى أن يـأتي إلى الـبـصـرة، فـعـثـمـان بـاشـا الّـذي كـان قـد تـمـرد عـلى الـسّـلـطـان، كـان يـمـنـعـه مـن الـخـروج مـن الـمـوصـل. و ربّـمـا لـم يـأسـف حـسـيـن بـاشـا  لـلـعـراقـيـل الّـتي وضـعـت أمـامـه، فـهـو لـم يـكـن يـجـهـل ولا شـك الـحـالـة الـمـزريـة الّـتي تـعـيـشـهـا ولايـة الـبـصـرة الّـتي أسـنـدت إلـيـه ، ولا الـمـعـارضـة الّـتي سـيـجـدهـا فـيـهـا سـواء مـن أحـمـد بـاشـا أو مـن الـعـرب الّـذيـن كـانـوا قـد عـزمـوا عـلى قـطـع الـطّـريـق عـلـيـه إذا مـا عـبـر الـصـحـراء لـيـأتي إلى الـبـصـرة. ومـع مـرور الـوقـت خـفّ تـنـكـيـد الـمـنـتـفـك، ثـمّ عـرف الـنّـاس أنّ ولايـة الـبـصـرة أعـيـدت لأحـمـد بـاشـا. وزال بـعـض خـوفـنـا عـنـدمـا انـسـحـب سـعـدون وذهـب لـيـنـصـب خـيـامـه في مـنـطـقـة فـوق الـقـرنـة، ولـكـن الـعـرب لـم يـكـونـوا الـسّـبـب الـوحـيـد لـقـلـقـنـا، فـقـد كـنّـا نـخـشى أيـضـاً الـفـرس الّـذيـن كـانـوا ، حـسـب مـا أشـيـع، يـعـدّون عـدتـهـم لأخـذ الـبـصـرة. وقـد عـرفـنـا عـن طـريـق الأرمـن أن خـان الـحـويـزة كـان قـد مـلأ عـدّة مـراكـب بـالـمـؤونـة والـقـوت، وأنّـه كـان يـجـمـع الـجـنـد لـيـعـدّ الـهـجـوم عـلى الـبـصـرة حـالـمـا يـأتـيـه أمـر الـبـلاط بـذلـك. وقـد ذكـر ضابـط فـارسي جـاء إلى الـبـصرة لـيـصـطـحـب مـعـه كـلّ فـرس الـمـديـنـة أنّ الـخـان كـان قـد أخـبـره أنّـه لـن يـبـطئ في الـمـجئ إلـيـهـا، كـمـا اسـتـلـمـتُ أنـا نـفـسـي رسـائـل مـن أصـفـهـان تـؤكـد صـحّـة الإشـاعـات. وكـان كـثـيـر مـن الـنّـاس يـعـتـقـدون أنّ هـدف هـذا الـتّـهـديـد كان مـسـانـدة أحـمـد بـاشـا الّـذي تـآمـر مـع نـادر شـاه. ومـع ذلـك فـنـادر شـاه الّـذي كـان يـبـدو مـسـتـعـداً لإشـعـال الـحـرب ضـدّ الأتـراك ربّـمـا قـرر أن يـأخـذ الـبـصـرة لـحـسـابـه الـخـاص  إذا مـا اسـتـمـرالـسّـلـطـان في رفـضـه لإعـادتـهـا لأحـمـد بـاشـا. الـفـصـل الـعـشـرون رغـم أنّ الـهـدوء قـد عـاد إلى الـبـصـرة فـقـد كـان مـن مـصـلـحـة أحـمـد بـاشـا إقـنـاع الـسّـلـطـان بـصـعـوبـة إخـمـاد تـمـرد الـعـرب، ولـهـذا بـعـث بـكـهـايـتـه سـلـيـمـان بـك عـلى رأس جـيـش لـيـقـاتـلـهـم. وتـقـدم الـجـيـش حـتّى وصـل مـكـانـاً اسـمـه مـنـصـوريـة كـان سـعـدون قـد نـصـب مـضـاربـه فـيـه لـيـتـحـاشى الـتّـصـادم مـع الأتـراك. ومـا أن عـرف سـعـدون بـقـدوم الـجـيـش  حـتّى انـتـقـل إلى الـبـاديـة  ، ونـزل في مـكـان  بـيـنـه وبـيـن الـجـيـش حـوالي خـمـسـة عـشـر فـرسـخـاً.  ولـم يـكـن هـنـاك سـابـقـة تـجـرأ فـيـهـا بـاشـا مـا عـلى مـتـابـعـة الـعـرب في الـبـاديـة , وخـاصـة مـتـابـعـة الـمـنـتـفـك، أشـجـع الأقـوام. ولـهـذا تـصـوّر سـعـدون أنّـه كـان في مـأمـن مـن مـتـابـعـيـه. ولـكـان ذلـك صـحـيـحـاً لـو أنّ الـكِـهـايـة أطـاع أمـر أحـمـد بـاشـا بـأن يـتـرك مـتـابـعـة الـشّـيـخ إذا مـا انـسـحـب إلى الـصّحـراء : لـكـنّ سـلـيـمـان بـك أراد أن يـثـأر لـنـفـسـه مـن   إهـانـة كـان قـد تـلـقّـاهـا مـن سـعـدون واعـتـزم أن يـقـتـلـه مـهـمـا كـان الـثّـمـن الّـذي سـيـدفـعـه، ولـهـذا أرسـل عـربـاً مـن تـابـعي مـانـع خـيـرMinaïkher   ابـن عـمّ سـعـدون لـيـعـرف أيـن انـسـحـب. وكـان ابـن الـعـم هـذا قـد تـآمـر مـع الأتـراك آمـلاً في الـحـصـول عـلى مـشـيـخـة الـمـنـتـفـك. وعـاد هـؤلاء الـعـرب بـعـد أن اكـتـشـفـوا مـخـبـأ سـعـدون لـيـخـبـروا بـه الـكِـهـايـة الّـذي امـتـطى فـرسـه حـالاً مـع نـخـبـة جـنـده وانـطـلـقـوا مـسـرعـيـن حـتّى وصـلـوا الـمـكـان في ثـمـاني سـاعـات. وكـانـت دهـشـة سـعـدون عـظـيـمـة، وأدرك أنّـهـم جـاءوا لـقـتـلـه فـقـرر أن يـبـيـعـهـم حـيـاتـه بـثـمـن بـاهـظ وقـاتـلـهـم بـشـجـاعـة لا مـثـيـل لـهـا. وقـد اخـتـرق عـدّة مـرّات صـفـوف أعـدائـه وألـقى أرضـاً بـكـلّ مـن كـان أمـامـه ، مـرّة بـالـرّمـح ومـرّة بـالـسّـيـف، مـدّة ثـمـاني سـاعـات، ثـمّ سـقـط بـعـد أن حـطّـم مـا لا يـحـصى مـن الـرّمـاح والـسّـيـوف وأهـلـك تـعـبـاً أربـعـة أو خـمـسـة مـن أحـسـن أفـراسـه . وعـنـدهـا هـجـم عـلـيـه أحـد رجـال الأغـا وأمـسـك بـه بـعـد مـقـاومـة وأخـذه أمـام الـكـهـايـة الّـذي قـطـع لـه عـنـقـه حـالاً، خـوفـاً مـن أن يـطـلـق الـبـاشـا سـراحـه لـو أخـذه أسـيـراً. وهـكـذا قـتـل الـشّـيـخ سـعـدون، وبـاء الـبـصـرة وأشـدّ كـلّ عـرب هـذه الـمـنـطـقـة إخـافـة لأعـدائـه.  وكـان أحـمـد بـاشـا يـعـتـرف لـه بـقـيـمـتـه، ويـسـتـعـمـلـه لـخـدمـة مـصـالـحـه عـنـدمـا تـسـنـح الـفـرص بـذلـك. وأرسـل رأسـه إلى الـسّـلـطـان الّـذي لـم يـقـبـل أن يـعـيـد ولايـة الـبـصـرة إلى أحـمـد بـاشـا إلّا بـهـذا الـشّـرط ، أي بـقـتـل سـعـدون، حـسـب مـا يـقـول رجـال مـوثـوق بـهـم”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  الـتّـفـنـكـجي بـاشي كـان آمـر الـجـنـود الـمـسـلـحـيـن بـالـبـنـادق الّـذيـن كـانـوا يـعـمـلـون في قـوات الـبـاشـا، ولـم يـكـن الـبـاشـا يـدفـع لـه مـرتـبـاً ولـكـنّـه كـان يـأخـذ نـسـبـة مـن الـنّـقـود الّـتي كـان يـسـتـعـيـدهـا لـلـبـاشـا مـن غـرمـائـه وكـانـت مـصـالـحـة الـشّـخـصـيـة تـدفـعـه لاسـتـعـمـال الـعـنـف لـلـوصـول إلى ذلـك.

مـلاحـظـة :

بـعـث لي الأسـتـاذ أنـيـس الـقـيـسي بـمـعـلـومـات قـيّـمـة أشـكـره عـلـيـهـا، فـقـد كـتـب : “صدرت ترجمة لهذا الكتاب بعنوان العراق والخليج العربي في رحلة جان أوتر 1736- 1743، ترجمة خالد عبد اللطيف حسين ومراجعة د. أنيس عبد الخالق محمود، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2015، عدد صفحات الكتاب 334 صفحة من القطع الكبير. وتضمنت الترجمة ما يخص العراق والخليج العربي من جزأي الكتاب”

وهـذا يـعـني أنّ هـذه الـتّـرجـمـة صـدرت بـعـد نـشـري لـمـقـالي في صـفـحـتي  “Sabah AL NASSERY – Google+” في 26 نـيـسـان 2014. وأدعـو قـرائي الأعـزاء لـقـراءة الـتّـرجـمـة الـجـديـدة ومـقـارنـتـهـا بـتـرجـمـتي.

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s