رحـلات الـفـرنـسي تـافـرنـيـيـه الـسـتّ إلى الـشّـرق في الـقـرن الـسّابـع عـشـر

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

Nicolas_de_Largillière_002 (640x987)

قـام الـتّـاجـر الـفـرنـسي جـان بـاتـسـت تـافـرنـيـيـه Jean-Baptiste Tavernier بـسـتّ رحـلات إلى الـشّـرق مـن عـام 1631 إلى عـام  1668. وقـد مـرّ بـالـعـراق في ثـلاث مـن هـذه الـرّحـلات : مـرّ بـبـغـداد مـروراً سـريـعـاً في رحـلـتـه الأولى. ومـرّ بـالـمـوصـل في رحـلـتـه الـثّـالـثـة. ونـزل دجـلـة عـلى كـلـك مـن الـمـوصـل إلى بـغـداد، ثـمّ أكـمـل طـريـقـه إلى الـبـصـرة في رحـلـتـه الـرّابـعـة. وهـو يـسـرد مـا حـدث لـه في رحـلاتـه الـسّـتّ في كـتـاب صـدر في بـاريـس 1676، ثـمّ أعـيـد طـبـعـه مـراراً، ومـازالـت طـبـعـات مـخـتـصـرة أو مـخـتـارات مـن الـكـتـاب تـصـدر مـن حـيـن إلى حـيـن وبـعـدّة لـغـات.

Tavernier-titre

وقـد تـرجـم كـوركـيـس عـواد وبـشـيـر فـرنـسـيـس الـمـقـاطـع الّـتي تـكـلّـم فـيـهـا تـافـرنـيـيـه عـن الـعـراق ونـشـراهـا في بـغـداد عـام 1944.(1) ولـكـنّ دراسـات كـثـيـرة نـشـرت مـنـذ ذلـك الـحـيـن وحـسّـنـت مـعـرفـتـنـا بـتـافـرنـيـيـه وزمـنـه، وقـد اسـتـطـعـت قـراءة الـنّـص بـطـبـعـتـه الأصـلـيـة الّـتي تـحـتـفـظ الـمـكـتـبـة الـوطـنـيـة في بـاريـس بـنـسـخـة مـنـهـا، وتـرجـمـت الـمـقـاطـع عـنـهـا مـبـاشـرة.

 جـان بـاتـسـت تـافـرنـيـيـه : 

ولـد جـان بـاتـسـت تـافـرنـيـيـه Jean-Baptiste Tavernier(1) في مـديـنـة بـاريـس، عـاصـمـة فـرنـسـا، سـنـة 1605 بـعـد الـمـيـلاد. وكـان أبـوه تـاجـراً بـروتـسـتـانـتـيـاً يـبـيـع الـخـرائـط الـجـغـرافـيـة هـاجـر إلى أنـفـيـر في بـلـجـيـكـا هـربـاً مـن اضـطهـاد الـكـاثـولـيـكـيـيـن. ونـحـن نـعـرف أنّ الـبـروتـسـتـانـتـيـيـن الّـذيـن حـرمـوا مـن الـدّخـول في أرسـتـقـراطـيـة الـجـيـش وأرسـتـقـراطـيـة الـقـضـاء والإدارة (كـلّ قـواد الـجـيـش والـقـضـاة كـانـوا مـن الـكـاثـولـيـكـيـيـن) تـوجـهـوا نـحـوالـتّـجـارة. وقـد شـاركـوا بـذلـك في تـكـويـن طـبـقـة بـرجـوازيـة غـنـيّـة وقـويّـة. ولا شـكّ في أنّ جـان بـاتـسـت قـضى جـزءاً مـن طـفـولـتـه في مـحـلّ تـجـارة أبـيـه بـيـن الـخـرائـط الّـتي كـانـت تـظـهـر لـه ولاشــكّ عـالـمـاً مـلـيـئـاً بـمـنـاطـق عـجـيـبـة وغـريـبــة، فـقـد كـانـت الـدّقـة تـنـقـصـهـا في ذلـك الـزّمـن. ولا شــكّ في أنّ أحـاديـث أبـيـه وزبـائـن أبـيـه عـن أجـزاء جـديـدة مـن الـعـالـم اكـتـشـفـهـا الـبـحّـارة والـتّـجّـار ووضـعـوا أسـمـاءهـا الـسّـاحـرة الألـفـاظ عـلى الـخـرائـط  قـد فـتـنـت الـصّـبي وأعـدّتـه لـمـا ســيـفـعـلـه فـيـمـا بـعـد. وهـكـذا بـدأ جـان بـاتـيـسـت يـسافـر قـبـل أن يـبـلـغ الـعـشـريـن مـن عـمـره. وبـدأ بـبـلـد قـريـب، بـإنـكـلـتـرة. وقـد كـتـب بـعـد ذلـك :  “وقـبـل أن أبـلـغ الـثّـانـيـة والـعـشـريـن كـنـت قـد رأيـت أجـمـل مـنـاطـق أوربـا، فـرنـسـا وإنـكـلـتـرة  والـبـلاد الـمـنـخـفـضـة (هـولـنـدة) وألـمـانـيـا وســويـسـرة وبـولـنـدة والـمـجـر وإيـطـالـيـا”.

وفي أوربـا الّـتي خـربـتـهـا حـرب الـثّـلاثـيـن سـنـة، يـبـدو أنّ فـكـرة الـدّخـول في الـجـيـش قـد راودت فـتـانـا الـبـروتـسـتـانـتي، وقـد بـقي أربـع ســنـوات في خـدمـة نـائـب مـلـك الـمـجـر. ولـكـن تـربـيـتـه الّـتي بـذرت في قـلـبـه حـبّ الـمـال تـغـلـبـت عـلى ذلـك فـعـاد إلى أسـفـاره. وذهـب إلى إيـطالـيـا، ومـنـهـا إلى شــمـال أوربـا. ووصـل إلى ريـغـنـسـبـورغ  Regensburg  في ألـمـانـيـا في فـتـرة تـتـويـج فـرنـانـد الـثّـالـث إمـبـراطـوراً عـام 1637. وفـيـهـا الـتـقى بـالأب جـوزيـف الّـذي كان الـمـسـتـشـار الـسّـرّي لـلـكـرديـنـال ريـشـلـيـو وزيـر لـويـس الـثّـالـث عـشـر، مـلـك فـرنـسـا. واقـتـرح عـلـيـه الأب جـوزيـف أن يـصـاحـب نـبـيـلـيـن مـن نـبـلاء فـرنـسـا إلى الأرض الـمـقـدّسـة (فـلـسـطـيـن) مـروراً بالـقـسـطـنـطيـنـيـة. وكـان الأب الـكـبـوشي جـوزيـف أوّل رجـل سـيـاسـة فـرنـسي اهـتـمّ بـعـقـد عـلاقـات مـع بـلاد الـفـرس الّـتي كـان غـيـاب الـفـرنـسـيـيـن عـنـهـا تـامّـاً، بـيـنـمـا كـان الـهـولـنـديـون قـد عـززوا سـيـطرتـهـم في الـمـحـيـط الـهـنـدي، وعـزز الإنـكلـيـز حـضـورهـم فـيـه بـعـد أن تـعـاهـدوا مـع الـشّـاه الـصّـفـوي عـلى طـرد الـبـرتـغـالـيـيـن مـن مـضـيـق هـرمـز في الـخـلـيـج عـام 1622. أمّـا الـبـعـثـات الـتّـبـشـيـريـة في أصـفـهـان فـقـد كـانـت بـأيـدي الـبـرتـغـالـيـيـن.

وقـد اســتـمـع الـكـرديـنـال ريـشـلـيـو لـنـصـيـحـة الأب جـوزيـف الّـذي كـان تـأثـيـره عـلـيـه شـديـداً، وقـرر أن يـبـعـث بـسـفـيـر إلى بـلاط الـصّـفـويـيـن في أصـفـهـان . ونـحـن نـعـرف أنّ صـراعـات الـصّـفـويـيـن مـع الـعـثـمـانـيـيـن دفـعـتـهـم لـلـتـحـالـف مـع الأوربـيـيـن رغـبـةً مـنـهـم في إحـاطـة الأراضي الـعـثـمـانـيـة ومـحـاصـرتـهـا لـلـضغـط عـلـيـهـا مـن الـجانـبـيـن. وكـانـت جـمـهـوريـة الـبـنـدقـيـة في إيـطـالـيـا أوّل مـن عـقـد مـعـاهـدات مـع الـبـلاط الـفـارسي، ولـهـذا كـان الـعـثـمـانـيـون يـراقـبـون كـلّ أوربي يـودّ أن يـمـرّ إلى بـلاد الـفـرس، إنّ لـم يـكـن تـاجـراً، ويـنـظـرون إلـيـه بـعـيـن الـرّيـبـة.

وكـان الأب جـوزيـف، قـبـل أن يـلـتـقي بـتـافـرنـيـيـه، قـد أرسـل الأب الـكابـوشي بـاسـفـيـك دو بـروفـان  Pacifique de Provins  إلى أصـفـهـان لـيـتـرأس الـبـعـثـة الـتّـبـشـيـريـة فـيـهـا، وحـمّـلـه رسـالـة مـن لـويـس الـثّـالـث عـشـر إلى الـشّـاه عـبّـاس الأوّل. وبـعـد وصـول الأب دو بـروفـان إلى أصـفـهـان عـام  1628 عـيّـنـه الـشّـاه سـفـيـراً. ورغـم أن تـافـرنـيـيـه كـان قـد قـبـل بـأن يـصـاحـب الـنّـبـيـلـيـن إلى فـلـسـطـيـن، فـإنّـه عـنـدمـا وصـل إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة عـام 1631، تـركـهـمـا يـعـبـران الـبـحـر وحـدهـمـا إلى الإسـكـنـدريـة بـيـنـمـا بـقي هـو يـنـتـظـر قـافـلـة تـوصـلـه إلى بـلاد الـفـرس. وقـد بـقي تـافـرنـيـيـه يـنـتـظـر الـقـافـلـة أكـثـر مـن أحـد عـشـر شـهـراً جـمـع خـلالـهـا مـا يـكـفي مـن الـمـعـلـومـات لـتـألـيـف كـتـاب “وصـف الـسّـراي  Relation du sérail” الّـذي نـشـره عـام 1675، قـبـل نـشـر كـتـاب الـرّحـلات.

وكـانـت الـقـســطـنـطـيـنـيـة، في تـلـك الـسّـنـوات، تـعـيـش صـراعـات وصـعـوبـات داخـلـيـة وخـارجـيـة، فـلـم يـكـن مـراد الـرّابـع قـد وصـل بـعـد سـنّ الـبـلـوغ، وقـد اسـتـطـاعـت نـسـاء الـحـريـم الـسّـيـطـرة عـلى الـقـصـر بـمـسـاعـدة الـخـصـيـان. كـمـا أنّ أنـاضـولـيـا الّـتي كـانـت قـد أنـهـكـتـهـا ثـورات الـفـلاحـيـن، لـم تـعـد قـادرة عـلى دفـع الـضّـرائـب لـلـدّولـة في الـوقـت الّـذي اشـتـدت فـيـه حـاجـة الـدّولـة لـزيـادة الـضّـرائـب لـتـمـويـل حـروبـهـا مـع الـدّول الأوربـيـة. وهـكـذا أجـبـرت الـدّولـة عـلى بـيـع الـوظـائـف الإداريـة لـمـن يـدفـع لـهـا ثـمـنـاً أكـبـر. ثـمّ جـهـد مـن اشـتــروهـا في اسـتـغـلال وظـائـفـهـم لاسـتـرجـاع مـبـالـغ أكـثـر مـمـا دفـعـوه، عـارفـيـن أنّ الـسّـراي سـيـسـحـب مـنـهـم الـوظـائـف بـسـرعـة لـيـعـيـد بـيـعـهـا لآخـريـن يـدفـعـون أكـثـر مـنـهـم، فـتـتـابـع الـبـاشـوات عـلى الـولايـات لا يـبـقـون فـيـهـا إلّا فـتـرات قـصـيـرة أنـهـكـت الأرض وسـكّـانـهـا حـتّى تـحـولـت إلى خـراب. ولأنّ بـعـض هـؤلاء الـبـاشـوات لـم يـجـدوا الـوقـت لاسـتـرجـاع مـا دفـعـوه لـلـدّولـة، فـقـد فـضّـلـوا أن يـثـوروا عـلى الـدّولـة بـدلاً مـن تـرك وظـائـفـهـم، وكـوّنـوا قـوّات مـن فـلّاحي الـولايـة لـقـتـال الـولاة الـجـدد الّـذيـن دفـعـوا ثـمـنـاً غـالـيـاً لـنـفـس الـوظـيـفـة. وإذا مـا طـال الـصّـراع وبـاع الـسّـراي نـفـس الـوظـيـفـة لـثـالـث يـلـحـق بـاثـنـيـن مـنـهـمـا ، فـغـالـبـاً مـا يـتـحـد الإثـنـان ضـدّ الـثّـالـث. وهـكـذا اسـتـشـرى الـجـشع في الـوظـائـف الإداريـة وسـاد الـخـراب في أنـحـاء أنـاضـولـيـا الّـتي زارهـا تـافـرنـيـيـه.

أمّـا عـن الـوضـع الـخـارجي، فـقـد كـانـت الـدّولـة في حـرب ضـدّ الـبـنـدقـيـة لانـتـزاع جـزيـرة كـريـت مـنـهـا. وقـد طـالـت الـحـرب وتـوسّـعـت حـتّى اسـتـطـاع أسـطـول الـبـنـدقـيـة سـدّ مـنـفـذ الـبـوسـفـور خـانـقـاً الـقـسـطـنـطـيـنـيـة الّـتي كـان يـأتـيـهـا قـمـحـهـا و كـلّ ذهـبـهـا مـن مـصـر. واسـتـغـل الـفـرس الـصّـفـويـون ضعـف الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة ومـشـاكـلـهـا الّـتي كـانـت تـتـخـبّـط فـيـهـا فـاحـتـلّـوا بـغـداد.

الـرّحـلـة الأولى :

تـرك تـافـرنـيـيـه الـقـسـطـنـطـيـنـيـة في 1632 لـيـسـلـك طريـق الـقـوافـل الـقـديـمـة الّـتي تـمـرّ بـأرضـروم وتـبـريـز إلى أصـفـهـان. وقـد وجـد تـافـرنـيـيـه في بـلاد الـصّـفـويـيـن نـظامـاً سـيـاسـيـاً يـسـري عـلى أراضٍ تـبـدو أكـثـر ازدهـاراً في مـظـهـرهـا، ولـكـنّـهـا كـانـت تـعـاني مـن نـفـس مـشـاكـل الـفـسـاد الّـتي كـانـت تـعـاني مـنـهـا الـولايـات الـعـثـمـانـيـة.  فـبـيـنـمـا اجـتـهـد الـعـثـمـانـيـون لـمـدّة  قـرون عـلى تـدمـيـر كـلّ الـتّـركـيـبـات الـقـبـلـيـة ، إرتـكـز الـصّـفـويـون عـلى تـحـالـفـات قـبـلـيـة  تـدّعي كـلّـهـا الـرّجـوع إلى جـدّ واحـد : مـؤسـس الـدّولـة الـشّـاه إسـمـاعـيـل. ولـم يـكـن سـراي أصـفـهـان بـأحـسن مـن سـراي الـقـسـطـنـطـيـنـة، ولا تـنـظـيـم الـدّولـة الـصّـفـويـة بـأحـسـن مـن تـنـظـيـم الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة، فـنـظـام الإقـطـاع الـسّـائـد في بـلاد الـفـرس يـعـادل في تـأثـيـراتـه الـتّـخـريـبـيـة بـيـع الـوظـائـف الـعـثـمـانـيـة.

وصـل تـافـرنـيـيـه إلى أصـفـهـان في نـهـايـة ربـيـع 1632، في الـسّـنـة الـرّابـعـة مـن حـكـم الـشّـاه صـفي، أوّل مـلـوك الـسّـلالـة الـصّـفـويـة. ولا يـحـتـمـل أنّ يـكـون مـسـافـرنـا قـد اسـتـطاع مـقـابـلـة الـشّـاه في سـفـرتـه الأولى هـذه، فـلـم يـكـن بـعـد تاجـراً غـنـيّـاً، ولـم يـكـن يـقـوم إلّا بـمـهـمـة طـلـب مـنـه أن يـنـفـذّهـا. ويـظـهـر لـنـا في كـتـابـاتـه كـمـسـافـر عـادي، ويـذكـر في مـراسـلاتـه مـع الأب جـوزيـف أنّـه سـكـن عـنـد الأب باسـفـيـك رئـيـس الآبـاء الـكـبـوشـيـيـن في أصـفـهـان. ولـم يـبـق تـافـرنـيـيـه في هـذه الـمـديـنـة، في مـرّتـه الأولى هـذه إلّا ثـلاثـة أشـهـر.

tavernier

ونـذكّـر الـقـارئ هـنـا أنّـه في الـوقـت الّـذي بـدأت فـيـه عـلاقـات فـرنـسـا تـتـوثـق مـع بـلاد الـفـرس، أنـشـأ بـعـض الـفـرنـسـيـيـن شـركـة خـاصـة لـلـمـتـاجـرة مـع الـمـحـيـط الـهـنـدي. وقـد وصـلـت أربـعـة مـن سـفـنـهـا إلى جـزيـرة جـاوة، ولـكـنـهـا أحـرقـت بـتـآمـر حـاكـه الـهـولـنـديـون ضـدّهـا. وقـررأحـد بـحـارتـهـا أن يـعـود إلى أوربـا عـن طـريـق الـبـر، لـكـنّـه سـقـط مـريـضـاً قـرب مـديـنـة كـنـغـفـا، فـبـعـث الآبـاء الـكـبـوشــيـون  تـافـرنـيـيـه  لـلإعـتـنـاء بـه. وهـكـذا عـاد تـافـرنـيـيـه مـعـه عـن طـريـق بـغـداد الّـتي كـانـت تـحـت حـكـم الـفـرس في ذلـك الـزّمـن، ثـمّ اسـتـمـرّا نـحـو حـلـب. ومـن حـلـب إلى الإســكـنـدونـة الّـتي أبـحـرا مـنـهـا إلى فـرنـسـا. و وصـلا في 1633.

الـرّحـلـة الـثّـانـيـة :

خـصـص تـافـرنـيـيـه رحـلـتـه الـثّـانـيـة ( ورحـلاتـه الـتّـالـيـة) لـلـتّـجـارة. وغـادر مـيـنـاء مـرسـيـلـيـا في 13 أيـلـول 1638 بـصـحـبـة أخـيـه الأصـغـر دانـيـال. ووصـلا في أواخـر تـشـريـن الأوّل إلى مـيـنـاء قـرب الإسـكـنـدرونـة، ووصـلا إلى حـلـب في بـدايـة تـشـريـن الـثّـاني.

وكـانـت الـحـالـة الـسّـيـاسـيـة قـد تـغـيّـرت خـلال الـسّـنـوات الـخـمـس الّـتي فـصـلـت بـيـن نـهـايـة رحـلـتـه الأولى وبـدايـة الـثّـانـيـة، فـقـد بـلـغ مـراد الـرّابـع سـنّ الـرّشـد واعـتـلى عـرش الـعـثـمـانـيـيـن. وبـعـد أن فـرض نـظـامـاً صـارمـاً في داخـل الـدّولـة شـرع في حـروب لـتـوسـيـعـهـا. وفي 1638 قـاد الـسّـلـطـان بـنـفـسـه قـوّاتـه نـحـو بـغـداد الّـتي كـانـت تـحـت سـلـطـة الـفـرس. وقـد شـاهـد تـافـرنـيـيـه وصـول الـسّـلـطـان إلى حـلـب ووصـول بـاشـا مـصـر عـلى رأس قـوّاتـه لـمـسـانـدة قـوّات الـسّـلـطـان.

وتـرك تـافـرنـيـيـه حـلـب في 25 كـانـون الأوّل. ولـتـحـاشي حـالـة الـحـرب الـسّـائـدة فـقـد سـلـكـت قـافـلـتـه طـريـق الـبـاديـة ومـرّت بـعـيـداً عـن بـغـداد لـتـصـل إلى الـبـصـرة في بـدايـة شـهـر آذار. وفي نـهـايـة الـشّـهـر ركـب سـفـيـنـة عـبـرت بـه الـخـلـيـج وأوصـلـتـه إلى مـيـنـاء قـرب بـوشـهـر، ثـمّ اسـتـمـرّ عـن طـريـق الـبـرّ إلى شـيـراز ومـنـهـا إلى أصـفـهـان الّـتي وصـلـهـا في نـهـايـة نـيـسـان. ولا نـجـد في سـرد رحـلاتـه ذكـراً لـمـا حـدث لـه بـعـد ذلـك، ولا نـعـرف شـيـئـاً عـمّـا فـعـل حـتّى عـام 1641. ونـجـده في ذلـك الـعـام في الـهـنـد. ورجـع إلى أوربـا في الـعـام الـتّـالي ووصـل إلى بـاريـس في 1642.

 الـرّحـلـة الـثّـالـثـة :

ونـجـد تـافـرنـيـيـه في بـاريـس في كـانـون الأوّل 1643 يـسـتـعـدّ لـلـشّـروع في رحـلـتـه الـثّـالـثـة. ولإنّـه اعـتـبـر عـارفـاً بـالـشّـرق بـعـد رحـلـتـيـه الـسّـابـقـتـيـن فـقـد طـلـب مـنـه أن يـوصـل رجـل الـدّيـن الـكـبـوشي، الأب رفـائـيـل دو مـان إلى أصـفـهـان الّـتي عـيّـن رئـيـسـاً لإرسـالـيـتـهـا الـتـبـشـيـريـة.

ونـذكـر الـقـارئ هـنـا إلى أنّ الـسّـلـطـان مـراد الـرّابـع كـان قـد تـوفي سـنـة 1640، وخـلـفـه إبـراهـيـم الّـذي اشـتـهـر بـضـعـف قـواه الـعـقـلـيـة. وقـد حـلّـت الـفـوضى في أطـراف الـدّولـة خـلال سـنـوات خـلافـتـه.

ووصـل تـافـرنـيـيـه إلى حـلـب في شـبـاط عـام 1644، وغـادرهـا بـصـحـبـة الأب دو مـان وأب كـبـوشي آخـر. وكـان في الـقـافـلـة إيـطـالي مـن الـبـنـدقـيـة. وعـبـروا الـفـرات في : “بـيـرة Bir أو Berygeon كـمـا يـسـمـيـهـا أهـل الـبـلـد” مـتـجـهـيـن نـحـو ديـار بـكـر الّـتي يـكـتـبـهـا : ” Diarbek ”  والـرّهـا ونـصـيـبـيـن.

ويـكـتـب تـافـرنـيـيـه في الـفـصـل الـرّابـع مـن الـكـتـاب الـثّـاني : ” وفي نـصـيـبـيـن جـمـعـنـا مـن الـمـؤونـة مـا يـكـفي لـنـسـافـر إلى الـمـوصـل الّـتي تـبـعـد عـنـهـا بـمـسـيـرة خـمـسـة أيّـام. والـمـنـطـقـة بـكـامـلـهـا تـقـريـبـاً فـلاة لا سـكـان فـيـهـا. ولـم نـجـد عـلى الـطّـريـق إلّا مـكـانـيـن فـيـهـمـا مـاء، وكـان أجـاجـاً فـوق ذلـك. وقـد غـادرنـا نـصـيـبـيـن في الأوّل مـن نـيـسـان […] ووصـلـنـا بـعـد خـمـسـة أيّـام إلى الـمـوصـل، وهي قـريـبـة مـن مـديـنـة نـيـنـوى الـقـديـمـة. والـمـديـنـة حـسـنـة الـمـظـهـر مـن الـخـارج، تـحـيـطـهـا أسـوار عـالـيـة شـيّـدت بـحـجـارة جـيّـدة الـقـطـع. ولـكّـنّـهـا مـن الـدّاخـل تـبـدو خـرابـاً تـقـريـبـاً، ولـيـس فـيـهـا إلّا أسـواق صـغـيـرة، وقـصـر صـغـيـر يـطـلّ عـلى دجـلـة يـسـكـنـه الـبـاشـا. وبـاخـتـصـار، فـلـيـس في الـمـوصـل مـا يـسـتـحـق الـرؤيـة. ولـيـس لـلـمـكـان مـن أهـمـيـة إلّا أن كـثـيـراً مـن الـتّـجـار يـمـرّون بـه : عـرب وأكـراد (وهـم سـكّـان بـلاد آشـور الـقـديـمـة الّـتي نـسـمـيـهـا الآن كـردسـتـان).

وفي الـمـديـنـة أربـعـة أنـواع مـن الـمـسـيـحـيـيـن : الـيـونـان والأرمـن والـنّـسـاطـرة والـمـارونـيـون. ولـلآبـاء الـكـبـوشـيـيـن دار صـغـيـرة عـلى ضـفـة دجـلـة. ولأنّـهـم أرادوا تـوسـيـعـهـا بـدون إذن الـبـاشـا فـقـد أجـبـروا عـلى تـركـهـا. والـمـديـنـة يـحـكـمـهـا بـاشـا لـه مـن الإنـكـشـاريـة والـسّـبـاهـيـن مـا يـقـرب الألـفي رجـل. ولـيـس في الـمـوصـل إلّا خـانـيـن حـقـيـريـن لإيـواء الـمـسـافـريـن.  ولأنـنـا وجـدنـاهـمـا مـلـيـئـيـن فـقـد نـصـبـنـا خـيـامـنـا في الـمـيـدان. وهي الـسّـاحـة الّـتي يـقـام فـيـهـا الـسّـوق”.

وبـعـد أن تـكـلّـم عـن سـرقـة حـدثـت في خـيـامـهـم أكـمـل : “وقـبـل أن نـعـبـر الـنّـهـر عـلى جـسـر مـن الـقـوارب ونـذهـب لـزيـارة نـيـنـوى الـقـديـمـة سـأذكـر بـعـض الـمـلاحـظـات الـعـامـة عـن دجـلـة الـفـرات: بـدا لي مـاء الـفـرات مـحـمـرّاً، ومـجـراه أقّـل سـرعـة مـن مـجـرى مـيـاه دجـلـة الّـتي بـدت لي أكـثـر ابـيـضـاضـاً وتـشـبـه مـيـاه نـهـر الـلـوار (في فـرنـسـا). ومـجـرى الـفـرات أطـول بـكـثـيـر مـن مـجـرى دجـلـة”.

” ونـيـنـوى الّـتي شـيّـدت عـلى الـضّـفـة الـيـسـرى لـدجـلـة مـن جـهـة بـلاد آشـور لـيـسـت الآن إلّا خـلـيـطـاً مـن مـنـازل قـديـمـة مـتـداعـيـة تـمـتـدّ حـوالي أربـعـة كـيـلـومـتـرات بـمـحـاذاة الـنّـهـر. […] وعـلى حـوالي كـيـلـومـتـريـن مـن الـنّـهـر نـرى تـلّاً واطـئـاً تـحـيـطـه عـدّة مـنـازل وفي أعـلاه جـامـع حـسـن الـتّـشـيـيـد. وهـنـا دفـن الـنّـبي يـونـس حـسـب مـا يـقـول أهـل الـبـلـد. وهـم يـقـدّسـونـه ولا يـتـركـون مـسـيـحـيـاً يـدخـلـه إلّا بـمـحـابـاة اسـتـثـنـائـيـة أو بـدفـع مـبـلـغ مـن الـمـال. وبـهـذه الـطّـريـقـة دخـلـتـه مـع الأبـويـن الـكـبـوشـيـيـن.  ولـكـن كـان عـلـيـنـا أن نـنـتـظـر حـلـول الـظّـلام وأن نـخـلـع أحـذيـتـنـا حـسـب الـعـرف. ورأيـنـا في وسـط الـجـامـع ضـريـحـاً غـطي بـسـجـادة فـارسـيـة حـيـكـت بـخـيـوط مـن الـحـريـر والـفـضّـة، وفي زوايـا الـجـامـع الأربـعـة أربـعـة شـمـعـدانـات كـبـيـرة مـن الـنّـحـاس فـيـهـا شـمـوع، مـاعـدا مـصـابـيـح عـديـدة عـلّـقـت في الـسّـقـف. ورأيـنـا عـدداً كـبـيـراً مـن الـنّـاس خـارج الـجـامـع ورأيـنـا في داخـلـه درويـشـيـن يـقـرآن الـقـرآن” . “وهـنـاك قـرب الـمـوصـل ديـر كـبـيـر خـراب أمـامـه سـاحـة تـحـيـطـهـا جـدران عـالـيـة مـا زال بـعـضـهـا قـائـمـاً. وبـقـيـنـا في الـمـوصـل ثـمـانـيـة أيّـام أو عـشـرة ايّـام ثـمّ أكـمـلـنـا طـريـقـنـا”. ويـتـكـلّـم تـافـرنـيـيـه بـعـد عـدّة صـفـحـات عـن تـرجـمـانـه  trucheman الّـذي كـان شـابـاً ذكـيّـاً مـن بـغـدادBagdat  ويـتـكـلّـم سـتّ لـغـات.

وقـد وصـل تـافـرنـيـيـه وأصـحـابـه إلى أصـفـهـان في بـدايـة أيّـار. وكـان شـاه صـفي قـد تـوفي وخـلـفـة الـشّـاه عـبـاس الـثّـاني الّـذي عـقـد مـعـاهـدة صـلـح مـع الـعـثـمـانـيـيـن في 1639. وبـعـد أن قـضى تـافـرنـيـيـه الـرّبـيـع والـصّـيـف في أصـفـهـان ، ذهـب إلى الـهـنـد ، ثـمّ عـاد إلى أصـفـهـان في الـعـام الـتّـالي ، ثـمّ تـركـهـا مـن جـديـد إلى سـيـلان. وعـاد تـافـرنـيـيـه إلى أوربـا في أوائـل عـام 1649.

الـرّحـلـة الـرّابـعـة :

وشـرع تـافـرنـيـيـه في رحـلـتـه الـرّابـعـة إلى الـشّـرق في 18 حـزيـران 1651 عـنـدمـا غـادر مــيـنـاء مـرسـيـلـيـا نـحـوالإسـكـنـدرونـة ثـمّ حـلـب. ومـن حـلـب انـطـلـق مـع قـافـلـة نـحـو الـمـوصـل الّـتي وصـلـهـا في الـثّـاني مـن شـبـاط 1652. ومـنـهـا انـحـدر عـلى مـيـاه دجـلـة في كـلـك نـحـو بـغـداد الّـتي وصـلـهـا في 25 شـبـاط. وتـرك بـغـداد عـن طـريـق دجـلـة إلى الـبـصـرة الّـتي وصـلـهـا في 25 آذار.

ويـتـكـلّـم تـافـرنـيـيـه عـن هـذه الـرّحـلـة في الـفـصـلـيـن الـسّـابـع والـثّـامـن مـن الـكـتـاب الـثـاني ،إبـتـداءً مـن صـفـحـة 202:

” وصـلـنـا إلى الـمـوصـل أو نـيـنـوى في الـثّـاني مـن شـبـاط، وبـقـيـنـا فـيـهـا إلى الـخـامـس عـشـر مـن نـفـس الـشّـهـر، فـلـقـد كـان عـلـيـنـا أن نـنـتـظـر إعـداد الأكـلاك kilets  وهي مـراكـب الـبـلـد. وكـنّـا نـحـتـاج إلى أربـعـة مـنـهـا فـقـد كـان في الـقـافـلـة كـثـيـر مـن الـمـسـافـريـن.ولـم يـكـن لأهـل الـبـلـد أكـلاك جـاهـزة فـهـم لا يـبـدأون صـنـعـهـا إلّا إذا جـاءهـم رجـال مـعـهـم بـضـائـع يـريـدون تـحـمـيـلـهـا.

الـكـلـك :

وعـليّ هـنـا أن أصـف هـذه الأكـلاك : فـهي مـن أخـشـاب مـربـعـة، يـضـعـون طـبـقـتـيـن مـنـهـا حـتّى لا تـبـتـل الـرّجـال والـبـضـائـع، الـواحـدة مـنـهـا فـوق الأخـرى. ولـكـن لـيـتـركـوا مـكـانـاً لـلـمـجـذفـيـن الّـذيـن يـجـلـسـون في كـلّ زاويـة مـن زوايـا الـكـلـك الأربـع فـالـطّـبـقـة الـعـلـيـا أصـغـر بـحـوالي قـدمـيـن مـن الـطّـبـقـة الـسّـفـلى وهي تـعـلـوهـا كـمـنـصّـة. وتـربـط تـحـتـهـا أعـداد مـن الـقـرب الـمـنـفـوخـة حـسـب سـعـة الـكـلـك وحـسـب كـمـيـة الـبـضـائـع الـمـحـمـلـة عـلـيـه، وتـصـل في بـعـض الأكـلاك إلى 300 قـربـة. وكـان الـكـلـك الّـذي سـافـرت عـلـيـه يـطـفـو فـوق 150 قـربـة. والـقـرب مـن جـلـد الـمـاعـز الّـتي يـعـاد نـفـخـهـا كـلّ صـبـاح وكـلّ مـسـاء. وهـم يـراقـبـونـهـا بـاسـتـمـرار خـشـيـة أن تـثـقـبـهـا الـصـخـور أو الأغـصـان في مـجـرى الـنّـهـر. وكـان كـلـكـنـا يـحـمـل ثـلاثـيـن مـسـافـراً وسـتـيـن قـنـطـاراً مـن الـبـضـائـع حـسـب الـمـيـزان الـحـلـبي أي مـا يـعـادل ثـلاثـة وثـلاثـيـن ألـف رطـل بـاريـسي.

حـمـام الـعـلـيـل :

تـركـنا الـمـوصـل في الـخـامـس عـشـر مـن شـبـاط. وبـعـد أن سـافـرنـا عـلى الـمـيـاه سـتّ سـاعـات  خـرجـنـا لـنـقـضى الـلـيـل قـرب حـمّـام مـيـاه ســاخـنـة (2) عـلى بـعـد طـلـقـة بـنـدقـيـة مـن نـهـر دجـلـة.  ووجـدنـا فـيـه كـثـيـراً مـن الـمـرضى الّـذيـن جـاءوا لـيـتـعـالـجـوا بـه. و قـد تـنـاوبـنـا عـلى الـحـراسـة طـيـلـة الـلـيـل. ولـكـن لأنّ الـنّـاس يـنـامـون عـلى شـاطئ الـنّـهـر فـوق مـسـطـحـات ركـبـت خـصـيـصـاً لـذلـك ، فـلـم نـفـلـح في أخـذ كـلّ الإحـتـيـاطـات لـنـتـحـاشـى أن يـأتي بـعـض الـعـرب في الـلـيـل سـبـاحـة  لـسـرقـة غـطـائـيـن مـن تـاجـر ومـلابـس تـركي مـن قـافـلـتـنـا ذهـب إلى الـحـمّـام. ومـا أن أبـصـرنـا بـمـا حـدث، حـتّى أخـذ كـلّ مـنّـا سـلاحـه وأطـلـقـنـا طـلـقـتي بـنـدقـيـة أو ثـلاثـة. وسـمـعـنا حـالاً، في عـدّة أماكـن مـن الـقـريـة مـثـل ضجـيـج سـرب مـن الـبـط يـلـقي بـنـفـسـه في الـمـاء، وكانـت تـلـك أصـوات الـعـرب الّـذيـن دفـعـهـم الـخـوف من أسـلحـتـنـا إلى الـهـرب، وإلـقـاء أنـفـسـهـم في الـمـاء.

وفي الـيـوم الـسّـادس عـشـر، بـعـد أن جـدّف أصـحـاب كـلـكـنـا خـمـس سـاعـات، وصـلـنـا قـرب سـدّ يـخـتـرق دجـلـة مـن ضـفـة إلى ضـفـة، عـرضـه مـئـتـا قـدم، ويـتـسـاقـط الـمـاء مـنـه شـلالاً مـن عـلـو عـشـريـن ذراع  تـقـريـبـاً.  وقـد شـيّـد بـحـجـارة كـبـيـرة صـلـبـت بـمـرور الـزّمـن حـتّى صـارت مـثـل الـصّخـر. ويـقـول الـعـرب إنّ الإسـكـنـدرالـمـقـدوني هـو الّـذي شـيّـده لـيـغـيـر مـجـرى الـنّـهـر. ويـقـول آخـرون إنّـه كـان داريـا (الـفـارسي) لـيـمـنع الـمـقـدونـيـيـن مـن اجـتـيـازه. ونـزلـنـا مـن الـكـلـك. وكـان عـلـيـنـا أن نـنـظـم نـقـل الـبـضـائـع إلى فـرسـخ أبـعـد مـن الـمـكـان الّـذي كـنّـا فـيـه عـلى ظـهـور خـيـل وثـيـران أتى لـنـا بـهـا الـعـرب.

وعـبـورهـذا الـسّـدّ أمـر يـسـتـحـقّ الإعـجـاب ، فـلا يـمـكـن أن نـرى مـن غـيـر تـعـجّـب سـقـوط الـكـلـك مـن عـلـو سـتّـة وعـشـرين قـدمـاً ثـمّ مـروره عـلى الـمـيـاه الـهـائـجـة بـيـن الـصّخـور وبـقـاءه  طـافـيـاً فـوق قـربـه الـمـنـفـوخـة  عـلى الـنّـهـر. والـرّجـال الّـذيـن يـسـيّـرونـه يـربـطـون أنـفـسـهـم بـعـصـا طـويـلـة تـعـوجّ كـنـصـف دائـرة، ومـجـاذيـفـهـم مـربـوطـة أيـضـاً لـكي لا تـجـرفـهـا الـمـيـاه. وهـذا الـسّـدّ هـو الّـذي يـعـيـق الـمـراكـب مـن نـزول دجـلـة. وبـعـد أن وصـل كـلـكـنـا إلى الـمـكـان الّـذي انـتـظـرنـاه فـيـه عـلى الـشّـاطئ، حـمّـلـنـا عـلـيـه بـضـائـعـنـا مـن جـديـد. ونـمـنـا في نـفـس الـمـكـان عـلى شـاطئ الـنّـهـر. وكـان عـلـيـنا أن نـتـشـدد في الإحـتـيـاط  والـحـراسـة فـالـعـرب عـنـدمـا لا يـبـصـرون عـلى الـكـلـك إلّا بـرجـلـيـن أو ثـلاثـة، ويـدركـون أنّ الـتّـجار نـامـوا عـلى الـضّـفـة، يـقـطعـون حـبـال الـكـلـك ويـتـركـونـه يـنـحـدر وحـده وهـم يـتـبـعـونـه سـابـحـيـن وتـحـت بـطونـهـم قـرب مـنـفـوخـة، ثـمّ يـأخـذون مـنـهـم مـا يـسـتـطـيـعـون حـمـلـه.

وفي الـيـوم الـسّـابـع عـشـر، بـعـد تـجـديـف ثـلاث سـاعـات، وصـلـنـا إلى الـنّـهـر الـمـسـمى بـالـزّاب، الّـذي يـصـبّ في دجـلـة مـن جهـة بـلاد الـكـلـدان. وعـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ فـوق هـذا الـنّهـر قـصـر مـن طـابـوق شـيـدّ فـوق مـرتـفـع صـغـيـر.(3) ولـكـن لأنـه كـان مـهـجـوراً فـقـد بـدأ بـالـتّـداعي والإنـهـيـار.

وبـقـيـنـا، في هـذا الـنّـهـار ثـماني سـاعات نـنـحـدر فـوق الـنّـهـر ، ونـمـنـا في مـكـان كان فـيـه حُـريـج. وقـطـعـنـا حـطـبـاً وأوقـدنـا نـاراً حـولـنـا فـالأسـود تـخـتـبئ في هـذا الـمـكان، وكـنّـا بـيـن الـحـيـن والـحـيـن نـطـلـق الـنّـار مـن قـربـيـنـاتـنـا.

وفي الـيـوم الـثّـامـن عـشـر، أكـمـلـنـا انـحـدارنـا عـلى الـمـاء ثـلاث عـشـرة سـاعـة، وبـتـنـا عـلى ضـفـة الـنّهـر مـن جـهـة بـلاد آشـور. وجـلـب لـنـا الـعـرب في الـمـساء لـبـنـاً وزبـدة طـازجـة. جـاءوا سـبـاحـة مـن الـضّـفـة الـمـقـابـلـة، ربـط كـلّ مـنـهـم قـربـة مـنـفـوخـة تـحـت بـطـنـه وأخـرى فـوق رأسـه وضـع فـيـهـا ما جـلـبـه لـنـا. ولـم يـريـدوا أن نـسـدد لـهـم ثـمـنـهـا نـقـوداً بـل تـبـغـاً أو بـسـكـويـتـاً أو بـهـاراً.

وفي الـيـوم الـتّـاسع عـشـر وبـعـد أربـع سـاعات مـن الـتّـجـديـف أبـصـرنـا بـالـنّهـر الـمـسـمى ألـتـون سـو، أي نـهـرالـذّهـب. (4) وهـو يـأتي مـن جـبال الـمـيـديـيـن ، وكـنـت قـد حـاذيـتـه ثـلاثـة أيـام تـقـريـبـاً عـنـدمـا عـدت من طـوروس إلى حـلـب. ومـاء هـذا الـنّـهـر في غـايـة الـجـودة، ويـصـبّ في دجـلـة مـن جـهـة بـلاد آشـور. وفي هـذا الـمـكـان أيـضـاً، بـمـحـاذاة دجـلـة، عـدّة عـيـون فـوّارة يـخـرج مـنهـا الـقـار وعـيـون أخـرى حـارّة نـشـمّ  فـيـها رائـحـة الـكـبـريـت. ولـم نـر، كـلّ ذلـك الـنّهـار، إلّا عـربـاً وأكـراداً يـسـيـرون بـجـانـب الـنّـهـر، الـعـرب مـن جـهـة الـمـيـزوبـوتـامـيـا  والأكـراد مـن جـهـة بـلاد آشـور. وقـد كـانـوا في حـرب ويـسـيـرون بـانـتـظـام مـن كـلّ مـن الـجـانـبـيـن. يـتـقـدّمـهـم الـشّـبـان حـامـلـيـن أقـواسـاً ونـبـالاً وبـعـض بـنادق الـفـتـائـل، وكـان عـدد مـنـهـم يـحـملـون رمـاحـاً قـصـيـرة. ورأيـنـا وراءهـم الـنّـسـاء والـبـنـات والأطـفـال وقـطعـان ثـيـرانهـم وخـرافـهـم وأعـداد كـبـيـرة مـن الإبـل، ويـتـبـعـهـم الـعـجـائـز والـشّـيـوخ في آخـر الـمسـيـرة. ومـن جانـب الـعـرب كـمـا مـن جـانـب الأكـراد يـرتـقي ثـلاثـة أو أربـعـة مـن الـفـرسـان بـعـض الـمـرتـفـعـات، وحـالـمـا يـجـدون الـفـرصة لـلإرتـماء عـلى أعـدائهـم، يـعـبـرون الـنّهـر سـبـاحـة عـلى خـيـلـهـم. ولأنـنـا لـم نـكـن نـثـق بـهـؤلاء الـنّـاس، فـقـد جـدّفـنـا تـسـع عـشـر سـاعـة بـلا تـوقـف لـنـتـحـاشـاهـم.

تـكـريـت :

وفي الـيـوم الـعـشـريـن، إنـحـدرنا إحـدى عـشـرة سـاعـة عـلى مـاء الـنّهـر، وتـوقّـفـنا لـنـنـام قـرب مـديـنـة اسـمـها تـغـريـت Tegrit  (5) مـن جـهـة الـمـيـزوبـوتـامـيـا. وفـيـهـا قـصـر تـهـدّم نـصـفـه ولـكـن مـا زالـت فـيـه غـرف جـمـيـلـة، ويـكـون الـنّـهـر لـه كـخـنـدق يـحـيـطـه مـن جهـتي الـشّـمـال والـشّـرق، بـيـنـمـا حـفـر حـولـه خـنـدق غـمـيـق كُـسـيَ بـحـجـارة حـسـنـة الـقـطـع مـن جـهـتي الـجـنـوب والـغـرب. ويـقـول الـعـرب  إنّـه كـان أقـوى حـصـون مـيـزوبـوتـامـيـا في الـمـاضي، بـالـرّغـم مـن أنّـه يـشـرف عـلـيـه مـرتـفـعـان شـديـدا الـقـرب مـنـه. وكـان لـلـمـسـيـحـيـيـن مـسـاكـنـهـم عـلى بـعـد ربـع فـرســخ مـن الـمـديـنـة، ومـا زلـنـا نـرى في مـقـامـهـم خـرائـب كـنـيـسـة وجـزءاً مـن بـرج نـاقـوسـهـا الـذّي يـشـهـد عـلى أنّـهـا كـانـت بـنـاءً عـظـيـمـاً.

الإمـام الـدّور:

وفي الـيـوم الـحـادي والـعـشـريـن ، وبـعـد ثـلاث سـاعـات مـن الـمـلاحـة، وجـدنـا قـريـة مـن جـهـة بـلاد آشـور اســمـها أمـت الـتـورAmet-el-tour (6) بـاسـم الـذّي دفـن في جـامـعـهـا، والّـذي يـعـتـبـرونـه عـنـدهـم قـدّيـسـاً. وهـو مـكـان تـعـبّـد لهـؤلاء الـنّـاس ويـأتـيـه كـثـيـر مـن الـبـشـر لـلـزّيـارة.  وقـد ظـلـلـنـا، ذلـك الـيـوم، إثـنـتي عـشـرة سـاعـة نـنـحـدر عـلى صـفـحـة الـمـاء ونـمـنـا عـلى ضـفـة الـنّـهـر.

سـامـراء :

وبـعـد أن انـحـدرنـا جـنـوبـاً عـلى مـاء الـنّهـر مـدّة سـاعـتـيـن، في الـيـوم الـثّـاني والـعـشـريـن لاقـيـنـا قـنـاةً مـن جـهـة مـيـزوبـوتـامـيـا، حـفـرت في جـانـب دجـلـة لـتـروي الأراضي الـمـزروعـة ، وتـسـتـمـر إلى مـا أمـام بـغـدات  حـيـث تـعـود إلى دجـلـة وتـصـبّ فـيـه. وعـنـدهـا اقـتـربـنـا مـن الـضّـفـة ونـزلـنـا مـن جـهـة بلاد الـكـلـدان الـقـديـمـة ، فـقـد أراد بـعـض الأتـراك أن يـؤدوا الـصّـلاة في جـامـع  يـسـمـونـه  سـامـراء. وهـو لا يـبـعـد أكـثـر مـن نـصـف فـرسـخ عـن الـشّـاطئ، ويـأتـيـه كـثـيـر مـن الـمـحـمّـديـيـن لـلـتّـعـبّـد، وخـاصـة هـنـود وتـرتـر، فـفـيـه كـمـا يـقـولـون، دفـن أربـعـون مـن أنـبـيـائـهـم. وعـنـدمـا عـرفـوا أنـنـا مـســيـحـيـون رفـضـوا أن نـدخـلـه رغـم الـمـال الّـذي عـرضـنـاه عـلـيـهـم. وعـلى بـعـد خـمـس مـائـة خـطـوة مـن هـذا الـجـامـع، يـمـكـن رؤيـة بـرج شــيّـد بـبـراعـة شـديـدة يـتـسـلـقـه  درجـان يـدوران حـول وجـهـه الـخـارجي، يـدخـل أحـدهـمـا بـعـمـق أكـثـر مـن الآخـر في الـجـدار الـخـارجي. ولـو أتـيـح لي أن أقـتـرب مـنـه لاســتـطـعـت أن أتـفـحّـصـه بـتـمـعـن. وأشـيـر هـنـا فـقـط إلى أنّـه شــيّـد بـالـطّـابـوق، وأنّـه شـديـد الـقـدم.

وعـلى بـعـد  نـصـف فـرسـخ نـرى ثـلاث بـوابـات ضـخـمـة تـبـدو كـمـا لـو كـانـت مـدخـل قـصـر مـا في الـمـاضي. ويـمـكـن أن نـسـتـنـتـج أنّـه كـان هـنـا، في قـديـم الـزّمـان مـديـنـة كـبـيـرة، لأنـنـا لـم نـرَ إلّا خـرائـب لا تـنـتـهي طـيـلـة أكـثـر مـن ثـلاثـة فـراسـخ حـاذيـنـا فـيـهـا الـشّـاطئ. وقـد بـقـيـنـا ذلـك الـيـوم إثـنـتي عـشـرة سـاعـة نـنـحـدر فـوق الـنّهـر. ونـمـنـا كـعـادتـنـا عـلى ضـفـة دجـلـة.

وفي الـيـوم الـثّـالـث والـعـشـريـن، لـم نـنـزل إلى الـشّـاطئ طـيـلـة الـنّـهـار إلّا لـطـبـخ أكـلـنـا وظـلّ كـلـكـنـا يـجـري فـوق الـمـاء عـشـريـن سـاعـة، ولـم نـر عـلى كـلـتي الـضّـفـتـيـن إلّا أكـواخـاً حـقـيـرة مـن سـعـف الـنّـخـيـل يـسـكـن فـيـهـا مـسـاكـيـن يـديـرون نـواعـيـر لـرفـع مـاء يـســقـون بـه الأراضي الـمـجـاورة.

ووجـدنـا ذلـك الـيـوم نهـراً اسـمـه أودوان Odoine (7)، يـصـبّ في دجـلـة مـن جـهـة بـلاد الـكـلـدان الـقـديـمـة.

وفي الـيـوم الـرّابـع عـشـر، بـقـيـنـا اثـنـتـيـن وعـشـريـن سـاعـة نـنـحـدر عـلى الـمـاء نـحـو الـجـنـوب مـن غـيـر أن نـخـرج مـن الـكـلـك. والـسّـبـب في ذلـك أنّ الـتّـجـار أخـذوا مـن الـكـلـك أمـوالـهـم وأغـلـب بـضائـعـهـم  وتـركـوه لـفـلاحـيـن لـيـحـفـظـوه لـهـم ويـنـزلـوه إلى بـغـدات الّـتي كـانـوا يـذهـبـون إلـيـهـا هـم أنـفـسـهـم لـبـيـع مـنـتـجـاتـهـم الـزّراعـيـة. ويـفـعـل الـتّـجـار هـذا لـكي لا يـدفـعـوا الـخـمـسـة بـالـمـائـة الّـتي تـأخـدهـا مـنـهـم مـكـوس هـذه الـمـديـنـة.  وقـد أعـطـيـتـهـم بـعـض مـا أمـلـك لـيـحـفـظـوه لي، وأرجـعـوه لي كـامـلاً مـثـلـمـا أرجـعـوا بـضائـع الآخـريـن لأصـحـابـهـا، وهـم يـرضـون بـالـقـلـيـل أجـرة عـلى جـهـدهـم.

بـغـداد :

وفي حـوالي الـرّابـعـة صـبـاحـاً مـن الـيـوم الـخـامـس والـعـشـريـن وصـلـنـا إلى بـغـدات، والّـتي اعـتـدنـا  أن نـسـمـيـهـا أيـضـاً بـابـل. ويـفـتـحـون أبـوابـهـا في حـدود الـسّـادسـة صـبـاحـاً، وأمـامـهـا رجـال الـجـمـارك لـيـفـتـشـوا بـضـائـع الـتّـجّـار، وحـتّى أجـسـامـهـم. وإن لـم يـجـدوا شـيـئـاً مـعـهـم يـتـركـونـهـم يـدخـلـون. ولـكـن إذا كان مـعـهـم مـا يـسـتـوجـب الـدّفـع عـلـيـه أخـذوهـم إلى مـكـتـب لـيسـجـلّـوا مـا يـمـلـكـون ثـمّ يـتـركـونـهـم  يـذهـبـون لـحـال سـبـيـلهـم. وقـد حـمـلـت أمـامـهـم كـلّ الـبـضـائع الّـتي كـانـت عـلى الـكـلـك، وسـيـأخـذهـا الـتّـجـار يـومـيـن أو ثـلاثـة بـعـد ذلـك، بـعـد أن يـدفـعـوا مـا يـتـوجّـب عـلـيـهـم.  وكـلّ هـذا يـجـري حـسـب تـنـظـيـم وتـرتـيـب وبـدون ضـجّـة.

كـنـت قـد جـئـت إلى بـغـداد قـبـل ذلـك، في عـام  1632، ولـم أبـق فـيـهـا آنـذاك إلّا خـمـسـة أيّـام. ولـكـنّي في هـذه الـسّـفـرة الّـتي أتـكـلّـم عـنـهـا هـنـا، تـوقّـفـت فـيـهـا عـشـريـن يـومـاً قـضـيـتـهـا في رؤيـة كـلّ مـا يـسـتـحـق الـرّؤيـة في هـذه الـمـديـنـة . وقـد سـكـنـت عـنـد الآبـاء الـكـبـوشـيـيـن.

وبـالـرّغـم مـن أنّ بـغـدات تـسـمـى أيـضـاً بـابـل، إلّا أنّـها في الـحـقـيـقـة كـثـيـرة الـبـعـد عـن بـابـل الـقـديـمـة.

وهـذه هي حـال بـغـداد الآن، وقـد صـارت مـنـذ فـتـرة طويـلـة مـيـدانـاً لـلـصّـراع بـيـن الـفـرس والأتـراك :

بـغـدات مـديـنـة عـلى ضـفـة دجـلـة مـن جـهـة بـلاد فـارس، ويـفـصـلـهـا هـذا الـنّـهـرعـن الـمـيـزوبـوتـامـيـا (ويـعـني مـابـيـن غـرب دجـلـة وبـيـن الـفـرات).

ويـقـول مـؤرخـو الـعـرب إنّ أحـد خـلـفـائـهـم الـمـسـمى بـالـمـنـصـور شـيّـدهـا في عـام 145 مـن هـجـرة مـحـمّـد  و 762 مـن الـمـسـيـحـيـة  تـقـريـبـاً. ويـسـمـونهـا  دارالـسّـني  Dar-al-sani أي مـكـان أو دار الـسّـلام . ويـقـول الـبـعـض إنّ اسـمـهـا جـاء مـن اســم صـومـعـة كـانـت وسـط مـرج بـنـيـت عـلـيـه الـمـديـنـة الـحـالـيـة. وكـان الـمـرج قـد وهـب لـزاهـد سـكـنـه. ومـعـنى بـغـدات بـالـفـارسـيـة “الـبـسـتـان الـمـوهـوب “. وقـبـل حـوالي أربـعـيـن أو خـمـسـيـن سـنـة، عـنـدمـا حـفـرت أســس لـخـان لـلـتّـجّـار،عـثـر في قـبـو تـحـت الأرض عـلى جـثـمـان كـامـل ،مـلابـسـه مـثـل مـلابـس أســقـف وبـقـربـه مـبـخـرة. كـمـا ظـهـرت في ذلـك الـمـكـان أيـضـاً، بـعـض غـرف الـرّهـبـان، ومـن هـذا يـمـكـنـنـا أن نـصـدّق مـا ذكـره عـدّة مـؤرخـيـن عـرب بـأنّـه كـان في الـمـكـان الّـذي بـنـيـت فـيـه بـغـدات  ديـرعـظـيـم حـولـه عـدد كـبـيـر مـن الـدّور كـان يـسـكـنـهـا الـمـسـيـحـيـون.

وطـول الـمـديـنـة حـوالي ألـف وخـمـس مـائـة قـدم وعـرضـهـا سـبـع أو ثـمـاني مـائـة. ولا يـمـكـن أن يـكـون مـحـيـطـهـا أكـثـر مـن ثـلاثـة آلاف قـدم. أسـوارهـا كـلّـهـا مـن الـطّـابـوق عـلـيـهـا سـطـوح في بـعـض الأمـاكـن وفـيهـا أبـراج ضـخـمـة عـلى شـكـل حـصـون. وعـلى كـلّ أبـراجـهـا حـوالي سـتـيـن مـدفـع ، أكـبـرهـا لا يـمـكـن أن يـطـلـق قـذيـفـة أثـقـل مـن خـمـسة أرطـال أو سـتّـة. وخـنـادقـهـا عـريـضـة عـمـقـهـا خـمـس قـامـات أو ســتّ. ولـيـس لـهـا إلّا أربـع بـوابـات : ثـلاثـة مـن جـهـة الـبـر، وواحـدة مـن جـهـة الـنّـهـر، يـعـبـر إلـيهـا عـلى جـسـر ثـبّـت عـلى قـوارب يـبـعـد الـواحـد مـنـهـا عـن الآخـر بـعـرض قـارب.

أمّـا الـقـصـر فـهـو في الـمـديـنـة قـرب إحـدى الـبـوابـات الـمـسـمـاة بـالـمـازان (الـمـعـظـم)  El-Maazin ، مـن جـهـة الـشّــمـال. وجـزء مـنـه شــيّـد فـوق الـنّـهـر، يـحـيـطـه حـائـط  في بـعـض أمـاكـنـه سـطـوح  وأبـراج صغـيـرة عـلـيـهـا حـوالي مـائـة وخـمـسـيـن مـدفـعـاً صغـيـراً لا مـسـانـد لـهـا. وخـنـدقـه ضـيّـق، ولا يـتـجاوز عـمـقـه قـامـتـيـن أو ثـلاث. ولـيـس أمـام بـاب الـقـصـر جـسـر يـرفـع  ويـنـزل. وحـامـتـيـه ثـلاثـمـائـة انـكـشـاري يـرأسـهـم أغـا. والـمـديـنـة يـحـكـمـهـا بـاشـا يـكـون عـادة وزيـراً. وداره بـمـحـاذاة الـنّـهـر مـهـيـبـة الـمـظهـر، ولـديـه سـتّـمـائـة أو سـبـعـمـائـة فـارس دائـمـو الإسـتـعـداد.

وهـنـاك أيـضـاً أغـا يـتـرأس ثـلاثـمـائـة أوأربـعـمـائـة  صـفـاهي. ولـديـهـم نـوع مـن الـفـرسـان يـسـمـونـهـم جـنـغـلي لـر ginguliler ، أي الـشّـجـعـان ، يـرأسـهـم أغـوان اثـنـان. وهـم عـادة ثـلاثـة آلاف ســواء في الـمـديـنـة أو في الـقـرى الـمـحـيـطـة. ومـفـاتـيـح أبـواب الـمـديـنـة والـجـسـر في يـد أغـا لـديـه مـائـتي انـكـشـاري تـحـت أوامـره. وهـنـاك أخـيـراً ســتّـمـائـة مـن الـمـشـاة عـلى رأسـهـم أغـا خـاص بـهـم ، وحـوالي سـتـيـن مـدفـعـيـاً عـلى رأسـهـم رجـل حـاذق يـدعى سـنـيـور مـيـكـائـيـل  signor Michaël ، يـعـتـبـرنـه  إفـرنـجـيـاً مـع أنّـه ولـد في جـزيـرة كـريـت. وقـد ارتـبـط  بـالـسّـلـطـان مـراد عـنـدمـا جـاء لـيـحـاصـر بـغـدات في  1638.  وقـد حـالـفـه الـحـظ  واسـتـولى عـلـيـهـا بـسـرعـة، ولـكـن ذلـك لـم

يـكـن بـفـضـل الـثّـغـرة الّتي فـتـحـتـهـا مـدافـع الـسّـنـيـور مـيـكـائـيـل، بـل بـسـبـب الـتّـمـرّد الّـذي انـدلـع في نـفس الـوقـت في الـمـديـنـة. وهـذه قـصـتـه مـلـخّـصـة :

كـان الـخـان الّـذي قـاوم الـحـصـار مـن أصـل أرمـني، واسـمـه صـفي خـولي خـان (8)، وكـان يـحـكـم الـمـديـنـة مـنـذ فـتـرة طـويـلـة، ودافـع عـنـهـا مـرتـيـن قـبـل ذلـك ضـدّ جـيـش الأتـراك الـذّيـن لـم  يـسـتـطـيـعـوا فـتـحـهـا. ولـكـنّ مـلـك الـفـرس بـعـث أحـد رجـال حـاشـيـتـه لـيـحـلّ مـحـلـه، ودخـل الـمـديـنـة قـبـل أن تـفـتـح الـمـدافـع الـثّـغـرة في الأسـوار.  وعـنـدمـا رأى الـخـان الـعـجـوز رسـائـل اعـتـمـاد الـقـادم الـجـديـد فـضّـل أن يـمـوت عـلى أنّ يـتـحـمّـل عـار الـعـزل. وبـمـحـضـر مـن ضـبّـاطـه وجـنـوده، إسـتـدعى زوجـتـه وابـنـه. وأخـذ ثـلاث كـؤوس مـلـيـئـة سـمّـاً، وقـال لـزّوجـتـه إنّـهـا إن كـانـت تـحـبّـه فـسـتـثـبـتـه لـه بـقـبـولـهـا الـمـوت مـعـه. وقال نـفـس الـشّـئ لابـنـه. وابـتـلع الـثّـلاثـة وفي نـفـس الـوقـت كـؤوسـهـم وسـقـطـوا مـوتى. وعـنـدما رأى الـجـنـود، الّـذيـن كانـوا يـحـبّـون حـاكـمهـم ، هـذا الـمـشـهـد الـفـظـيـع، وكـانـوا يـعـرفـون أنّ الـسّــلطـان الـعـثـمـاني يـسـتـعـدّ لـلـهـجـوم  وأنّ الـثّـغـرة في الـسّـور تـوسّـعـت، أعـلـنـوا عـصـيـانـهـم عـلى الـخـان الـجـديـد وثـاروا ضـدّه. وتـفـاوضـوا مـع الأتـراك  عـلى أن يـتـركـوهـم يـخـرجـون بـأسـلـحـتـهـم وأمـتـعـتـهـم . ولـكنّ الأتـراك لـم يـوفـوا بـوعـودهـم. فـمـا أن دخـلـوا الـمـديـنـة حـتّى نـصـح الـبـاشـوات الـسّـلـطـان بـأن يـقـتـل كـلّ جـنـودهـا لـيُـضعـف بـذلـك عـزة عـدوه مـلـك الـفـرس. وهـكـذا قـتـلـوهـم، وكانـوا اثـنـيـن وعـشـريـن ألـفـاً. واسـتـولى الأتـراك عـلى مـسـاكـن الـرّهـبـان الـكـبـوشـيـيـن، و لـكنّ الـسّــنـيـور مـيـكـائـيـل رئـيـس الـمـدفـعـيـة ، أعـادهـا لـهـم. واعـتـرافـاً لـه بـالـجـمـيـل ، كـتـب الـكـبـوشـيـون لـلأب جـوزيـف في فـرنـسـا لـيـرجـو الـكرديـنـال دو ريـشـلـيـو لـلـحـصـول مـن الـمـلـك عـلى رسـائل لـتـنـبـيـل الـسّـنـيـور مـيـكائـيـل الّـذي مـنـع عـدّة مـرّات طـرد هـؤلاء الـرّهـبان مـن الـمـديـنـة.

أمّـا عـن حـكـومـة بـغـدات الـمـدنـيـة، فـلـيـس فـيهـا إلّا قـاضي أو رئـيـس يـقـوم بـكـلّ الـمهـمّـات، وحـتّى وظـيـفـة الـمـفـتي. ومـعـه شــيـخ الإسـلامchiekelaslan   أو دفـتـردارtefterdar   يـجـبي الضّـرائـب والـمـكـوس لـلـسّـلـطـان. وفي بـغـدات خـمـسـة مـسـاجـد، إثـنـان مـنـهـا عـلى شـئ مـن الـجـمـال تـزيـنـهـمـا قـبـاب ضـخـمـة يـغـطـيـهـا آجـر مـزجـج بـألـوان مـخـتـلـفـة. وفـيـهـا عـشـرة خـانـات لـلـتّـجّـار رديـئـة الـبـنـاء، مـا عـدا إثـنـيـن يـبـدو أنّ فـيـهـمـا بـعـض وسـائـل الـرّاحـة. والـمـديـنـة عـمـومـاً رديـئـة الـبـنـاء ، ولا نـجـد فـيـهـا مـن جـيّـد الـمـبـاني إلّا الأســواق الـتّـامّـة الـتّـسـقـيـف، ولـولا هـذه الـسّـقـوف لـمـا اسـتـطاع الـتّـجار الـبـقـاء فـيـها لـشـدّة الـحـرارة. ويـنـبـغي أن تـرشّ بـالـماء مـرتـيـن أو ثـلاثـة في الـنّـهـار، وهـذا مـا يـفـعـلـه عـدد مـن الـفـقـراء يـدفـع لـهـم أجـر عـلـيـه.

والـمـديـنـة كـثـيـرة الـتّـجـارة، ولـكـن لـيـس بـالـقـدر الّـذي كـانـت عـلـيـه في تـبـعـيـتـهـا لـمـلـك الـفـرس، فـعـنـدمـا أخـذهـا الأتـراك قـتـل كـثـيـر مـن أغـنـيـاء تـجّـارهـا. والـنّـاس يـأتـون إلـيـهـا مـن كـلّ الـجـهـات، إمّـا لـلـبـيـع والـشّــراء وإمّـا لـلـتّـعـبّـد. وكـلّ الّـذيـن يـتـبـعـون مـلّـة عـلي يـعـتـقـدون أنّـه أقـام في بـغـدات. وعـنـدما يـعـزمـون عـلى الـذّهـاب إلى مـكّـة عـن طـريـق الـبـرّ يـجـب عـلـيـهـم أن يـمـرّوا بـهـا، ويـدفـع كـلّ حـاج أربـع دراهـم لـلـبـاشـا.

وعـليّ أن أذكـر أن الـمـحـمّـديـيـن في بـغـدات عـلى نـوعـيـن : نـوع يـسـمـونهـم الـرّافـضـيّـة rafedis  أي الـخـارجـيـن عـلى الـمـلّـة ، والآخـرون الـذّيـن يـسـمـونـهـم أصـحـاب الـسّـنـة، والّـذيـن هـم عـلى نـفـس طـريـقـة الـقـسـطـنـطـيـنـيـة في أمـورالـدّيـن. والـرّافـضـيـة لا يـقـبـلـون الأكـل والـشّـرب مـع  الـمـسـيـحـيـيـن إطـلاقـاً، وهـم لا يـقـبـلـون أن يـفـعـلـوا ذلـك مع الـمـحـمّـديـيـن الآخـريـن إلّا بـصـعـوبـة شـديـدة. وإن حـدث أن شـربـوا مـعـهـم مـن نـفـس الـطّـاسـة أو مـسّــوهـم ، فـهـم يـذهـبـون حالاً لـيـغـتـسلـوا، لاعـتـقـادهـم بـأنّـهـم أنـجـاس. أمّـا الـمـحـمّـديـون الآخـرون فـهـم لـيـسـوا بـهـذا الـتّـزمـت، ويـأكلـون ويـشـربـون مـع كـلّ الـنّـاس مـن غـيـر تـفـريـق.

وفي سـنـة 1639، بـعـد أن أخـذ الـسّـلـطان الـعـثـمـاني بـغـدات ، لـم يـقـبـل أحـد الـرّافـضـة أن يـسـقي يهـوديـاً طـلـب مـنـه الـمـاء في الـسّـوق، بـل شـتـمـه. وذهـب الـيهـودي يـشـكـوه إلى الـقـاضي الّـذي بـعـث حـالاً بـمـن يـأتي لـه بـه مـع قـربـتـه وطـاسـتـه. ولـمـا وقـف الـسّـقّـاء بـيـن يـدي الـقـاضي، أخـذ مـنـه الـقـاضي طـاسـتـه وسـقى بـهـا الـيـهـودي ثـمّ شـرب مـنهـا هـو نـفـسـه، وأمـر بـجـلـد الـسّـقـاء وهـو يـوبـخـه بـأنـنـا كـلـنّا مـخلـوقـات الله ، الـمـسـلـم  كـالـمـسـيـحي والـيـهـودي. وهـذا يـمـنـعـهـم الآن مـن إظـهـار احـتـقـارهـم  رغـم كـثـرة أعـدادهـم وأنّـهـم أغـلـبـيـة ســكّـان الـمـديـنـة.

وأذكـرهـنـا مـا لاحـظـتـه في حـدادهـم عـلى الـمـوتى. فـعـنـدما يـمـوت رجـل، تـنـزع امـرأتـه فـوطـتـهـا وتـتـرك شـعـرها مـنـثـوراً، وتـسـوّد وجـهـهـا بـسـخـام قـدر حـرقـتـه الـنّـار، ثـمّ تـشـرع بـالـوثـب والـتّـقـافـز بـطريـقـة بـدت لي مـضحـكـة أكـثـر مـنـهـا مـبـكـيـة. ويـجـتـمـع كـلّ الأهـل والأصـدقـاء والـجـيـران في دار الـفـقـيـد ويـنـسـحـبـون جـانـبـاً في انـتـظـار الـتّـشـيـيع، ولـكـنّ الـنّـسـاء بـيـنـهـنّ يـقـمـن بـحـركـات الـقـردة : يـلـطـمـن وجـوهـهـنّ ويـصـرخـن كـمـعـتـوهـات، ثـمّ يـشــرعـن فـجـأة في الـرّقـص عـلى أصـوات دنـابـك تـشـبـه دنـابـك الـبـشـكـش تـضـرب عـلـيـهـا نـسـاء لـمـدة ربـع سـاعـة. وبـيـنـهـنّ واحـدة اعـتـادت عـلى هـذا الـنّـوع مـن الـمـسـخـرة تـرفـع صـوتـهـا بـأنـغـام مـفـجـعـة وتـجـيـبـهـا الأخـريـات وهـنّ يـبـالـغـن في الـصّـراخ، حـتّى يـمـكـن أن يُـسـمـعـن مـن بـعـيـد. وعـنـدهـا يـسـتـحـيـل الـتّـخـفـيـف عـن حـزن أطـفـال الـمـيّـت  لأنّـهـم يـهـتـاجـون و يـفـقـدون الـتّـحـكـم بـعـواطـفـهـم  ولا يـصـغـون لأحـد. وهـم مـجـبـرون عـلى أن يـتـصـرفـوا بـهـذه الـطّريـقـة لـكي لا يـوبـخـهـم الـنّـاس بـقـلّـة مـحـبـتـهـم لأبـيـهـم.

وعـنـدمـا يـنـزلـون الـتّـابـوت في الـقـبـر، يـجـتـمـع حـولـهـم أسـراب مـن الـفـقـراء يـحـمـلـون رايـات وأهـلّـة ثـبـتـوهـا فـوق قـضـبـان طـويـلـة يـحـمـلـونـهـا مـثـل رمـاح، ويـنـشــدون سـائـريـن أنـغـامـاً مـأتـمـيـة.  ولا تـحـضـر الـنّـسـاء الـدّفـن، لأنـهـنّ لا يـسـتـطعـن الـخـروج مـن دورهـنّ إلّا في أيّـام الـخـمـيـس، الّـتي يـذهـبـن فـيهـا إلى الـمـقـابـر لـلـدّعـاء عـلى الـقـبـور. ولأن ّالـرّجـل، حـسـب ديـنـهـم ، مـجـبـر عـلى مـبـاضعـة زوجـتـه، وخـاصـة لـيـلـة الـخـمـيـس، فـالـنّـسـاء يـذهـبـن أيـضـاً إلى الـحـمّـام  يـوم الـجـمـعـة للإغـتـسـال، ويـلـقـيـن بـكـثـيـر مـن الـمـاء والـعـطور عـلى أجـسـادهـنّ وعـلى رؤوسـهـنّ(9).  ويـسـتـطعـن الـخـروج أيـضـاً عـنـدما يـسـمـح الـرّجـل لـهـنّ بـالـذّهـاب لـزيـارة الأهـل. وعـنـدمـا يـخـرجـن إلى الـمـديـنـة يـتـلـفـعـن بـما يـشــبـه الـكـفـن من الـرأس إلى الـقـدمـيـن، لـيـس فـيـه إلّا ثـقـبـيـن أمـام الـعـيـنـيـن لـيـريـن طـريـقـهـنّ. (10) ولا يـمـكـن أن يـتـعـرف أحـد عـلى امـرأة تـحـت هـذا الـغـطاء ولا حـتّى زوجـهـا لـو لاقـاهـا في الـطّريـق.

ونـسـاء بـغـدات بـاهـرات الـمـلـبـس،عـلى طـريـقـتـهـنّ وعـلى طـراز بـلـدهـنّ. ولـكـن لـو كـنّ في بـلـدنـا لـظهـرن لـنـا مـضـحـكـات، فهـنّ لا يـكـتـفـيـن بـالـذّهـب والـمـجـوهـرات في الأسـورة والأقـراط بـل يـحـطـن بـهـا وجـوهـهـنّ ويـثـقـبـن خـنّـافـة أنـوفـهـنّ لـيـضعـن فـيهـا حـلـقـاً. ونـسـاء الـعـرب يـكـتـفـيـن بـثـقـب مـا بـيـن الـمـنـخريـن ويـمـررن فـيـهـا حـلـقـة مـن الـذّهـب قـطـرهـا قـطـر أنـبـوب ريـشـة الـطّـائـر مـفـرغـة لـتـكـون خـفـيـفـة ولـلإقـتـصاد في الـذّهـب. وفـوق ذلـك، ولـزيـادة حـسـنهـنّ، فهـنّ يـسـوّدن مـا حـول أعـيـنـهـنّ بـسـواد خـاص. والـرّجـال مـثـل الـنّـسـاء يـضـعـون مـنـه في أعـيـنـهـم في الـبـوادي، لـيـحـمـيـهـا مـن لـهـب الـشّـمـس، كـمـا يـقـولـون.

وعـليّ الآن أن أتـكـلّـم عـن الـمـسـيـحـيـيـن الّـذيـن يـسـكـنـون مـديـنـة بـغـدات . وهـم عـلى ثـلاثـة أصنـاف : الـنّـسـاطـرة ، ولهـم كـنـيـسـتهـم ، والأرمـن والـيـعـاقـبـة الّـذيـن لـيـس لـهـم كـنـيـسـة ، والّـذيـن يـأتـون عـنـد الآبـاء الـكـبـوشـيـيـن لـتـنـاول الـقـربـان الـمـقـدّس. وغـالـبـاً مـا يـذهـب الـمـسـيـحـيـون لـلـتّـعـبـد في مـصـلّى كُـرّس لـقـدّيـس يـسـمـونـه خـضـر إلـيـاس عـلى بـعـد ربـع فـرسـخ مـن الـمـديـنـة. ولـكي يـدخـلـوه فـهـم يـدفـعـون مـبـلـغـاً ضـئـيـلاً لـلأتـراك الّـذيـن يـحـتـفـظـون بـمـفـاتـيـحـه.

وعـلى بـعـد مـسـيـرة  يـومـيـن مـن الـمـديـنـة،هـنـاك كـنـيـسـة خـربـة قـرب قـريـة حـقـيـرة، وهـم يـدّعـون أنّ الـقـديـسـيـن سـمـعـان و جـود قـد اسـتـشـهـدا في هـذا الـمكـان ودفـنـا فـيـه. وإذامـات مـسـيـحيّ جـاء كـلّ الآخـريـن لـتـشـيـيـعـه، وعـنـدمـا يـعـودون يـجـدون أكـلاً جـاهـزاً في دار الـفـقـيـد. ويـعـودون في الـغـد إلى قـبـره لـلـدعـاء لـه، وكـذلـك في الـيـوم الـثّـالـث الّـذي يـعـدّون فـيـه الـعـشـاء لـكـلّ مـن يـأتي عـنـدهـم . وتـصـل أعـدادهـم في بـعـض الأحـيـان إلى مـائـة أو مـائـة وخـمـسـيـن شـخـصـاً. ويـكـررون الـمـأتـم في الـيـوم الـسّـابـع والـخـامـس عـشـر والـثّـلاثـيـن والأربـعـيـن لـشـدّة إكـرامهـم لـلـمـوتى. وكـثـيـراً مـا يـدعـون لـهـم بـحـسـن الـثّـواب. وعـادة الإطـعـام هـذه تـضـرّ بـالـفـقـراء، لأنّـهـم في رغـبـتهـم بـأن يـقـلـدوا الأغـنـيـاء ، وعـدم قـدرتـهـم عـلى ذلـك يـسـتـديـنـون كـثـيـراً، ثـمّ لا يـسـتـطيـعـون تـسـديـد ديـونهـم فـيـضـطـرون لـبـيـع أطـفـالـهـم لـلأتـراك.

وفي بـغـدات أيـضـاً يـهـود. ويـأتـيـهـا كـلّ عـام كـثـيـر مـنهـم لـلـتّـعـبّـد وزيـارة قـبـر الـنّـبي حـزقـيـل. وهـو عـلى بـعـد مـسـيـرة نـهـار ونـصـف مـن الـمـديـنـة.

وأخـيـراً، فـمـنـذ أن اسـتـولى الـسّـلـطـان مـراد عـلى الـمـديـنـة لـم يـتـجـاوز عـدد سـكـانـهـا خـمـسة عـشـر ألـفـاً وهـو قـلـيـل لـمـديـنـة بـسـعـتـهـا.

ونـرى عـلى بـعـد مـسـيـرة نهـار ونـصـف مـن بـغـدات مـن جهـة مـيـزوبـوتـامـيـا، في مـنـتـصـف الـمـسـافـة الـفـاصلـة بـيـن دجـلـة والـفـرات تـقـريـبـاً، تـلّاً عـالـيـاً مـن الـتّـراب مازال يـدعى نـمـرود. وهـو في وسـط الـرّيـف ونـبـصـر بـه مـن بـعـيـد. ويـعـتـقـد الـجـهـلـة أنّـه بـقـايـا بـرج بـابـل. ولـكـن الـمـعـقـول هـو مـا يـقـولـه الـعـرب من أنّ اسـمـه عـقـرقـوف. ويـقـولـون أنّ أمـيـراً عـربـيـاً شـيّـده  لـيـشـعـل فـوقـه الـنّـار ويـجـمـع أنـصـاره وقـت الـحـرب.  وهـذا وصـف الـبـرج كـمـا رأيـتـه : مـحـيـطـه ثـلاثـمـائـة قـدم، ولـكـن لـيـس مـن الـسّـهـل تـقـديـر مـدى ارتـفـاعـه في الأصـل فـهـو قـد تـسـاقـط  خـرابـاً، ومـا بـقي مـنـه لا يـمـكـن أن يـتـجـاوز ثـمـاني عـشـرة أو عـشـريـن قـامـة عـلـوّاً. والـبـرج مـبـني بـالـطّابـوق الـنّـيئ الّـذي جـفـف في الـشّـمـس. وفـوق كـلّ طـبـقـة مـن الـقـصـب الـمـخـلـوط  بـالـقـشّ سـبـع طـبـقـات مـن الـطّـابـوق ثـمّ طـبـقـة مـن نـفـس الـقـصـب  فـوقـهـا سـتّ طـبـقـات مـن الـطّـابـوق، وهـكـذا تـقـلّ طـبـقـات الـطّـابـوق كـلـمـا ارتـفـع الـبـنـاء. ومـن الـصّـعـب تـصـور شـكـل الـبـنـاء فـقـد تـسـاقـط مـن كـلّ الـجهـات، ولـكـن يـبـدو أنّـه كـان مـربـعـاً ولـم  يـكـن دائـريـاً. وهـو لا يـسـتـحـق مـشـقـة الـذّهاب إلـيـه لـرؤيـتـه. فـهـو لا يـبـدو شـبـيـهـاً بـبـرج بـابـل الـقـديـم حـسـب وصـف مـوسـى لـه فـي قـصـة بـدء الـخـلـيـقـة (في الـتّـوراة).

تـكـمـلـة الـرّحـلـة بـنـفـس الـطّـريـق مـن بـغـدات Bagdat   إلى بـلـصـرة Balsara : 

في الـخـامـس عـشـر مـن آذار، ركـبـنـا مـركـبـاً لـنـنـزل عـلى نـهـر دجـلـة مـن بـغـدات إلى بـلـصـرة . يـنـقـسـم هـذا الـنّـهـر جـنـوبـاً، بـعـد أن يـتـرك بـغـدات إلى ذراعـيـن تـخـتـرقـهـمـا عـدّة قـنـوات صغـيـرة. وعـنـدما وصـلـنـا إلى الـمكـان الّـذي يـنـقـسـم فـيـه الـنّهـر إلى قـسـمـيـن رأيـنـا بـقـايـا أسـوار مـديـنـة كـان مـحـيـطـهـا في الـزّمـن الـقـديـم أكـثـر مـن فـرسـخ. وأجـزاء الأسـوارالـبـاقـيـة عـريـضـة إلى حـدّ أنّ سـتّ عـربـات يـمـكـن أن تـمـرّ عـلـيـهـا جـنـبـاً لـجـنـب. وهي مـن الـطّـابـوق الـمـفـخـور. ويـقـول مـؤرخـو الـبـلـد أنّ هـذه آثـار مـديـنـة بـابـل الـقـديـمـة (11).

وقـد تـبـعـنـا ذراع دجـلـة الّـذي يـمـرّ مـن جـهـة بـلاد الـكـلـدان لـخـوفـنـا مـن أن نـسـقـط بـيـن بـراثـن الـعـرب الّـذيـن كـانـوا في حـرب ضـدّ بـاشـا بـغـدات لـكي لا يـدفـعـوا الـضّـرائـب لـلـسّـلـطـان الـتّـركي. وقـد بـقـيـنـا عـشـرة أيّـام عـلى الـنّـهـر قـبـل أن نـصـل إلى بـلـصـرة. ونـمـنـا في الـمـركـب وطـبـخـنـا فـيـه. وعـنـدما كـنّـا نـجـد قـريـة، نـبـعـث بـخـدمـنـا لـشـراء الـغـذاء الّـذي كـان رخـيـصـاً. وهـذه أسـماء الـقـرى الّـتي مـررنـا بـهـا على طـريـق دجـلـة : الـعـمـارة Amarat   الّـتي فـيها حـصـن مـن الـطّـابـوق الـنـيئ ، والـشّــطـرة Satarat   الّـتي فـيـهـا حـصـن يـشــبـهـه، والـمـنـصـوريـة Mansoury ، قـريـة كـبـيـرة ، والـمـجـر Magar والـعـزيـر  Gazer والـقـرنـة Gorno  (12).

وفي الـقـرنـة يـخـتـلـط الـفـرات بـدجـلـة، وفـيـهـا ثـلاثـة قـصـور:  واحـد في نـقـطـة الـتـقـاء الـنّـهـريـن ، وهـو أشـدّ الـثّـلاثـة تـحـصـيـنـاً ، وكـان ابـن أمـيـر الـبـصـرة حـاكـمـاً عـلـيـه. والـثّـاني مـن جـهـة بـلاد الـكلـدان، والـثّـالـث مـن جهـة بـلاد الـعـرب. ومـع أنّـهـم يـدقـقـون في جـبي الـجـمـارك فـهـم لا يـفـتـشـون الـنّاس. ويـصـعـد مـدّ الـبـحـر إلى هـذا الـمـكان، ولـهـذا لـم نـحـتـج إلّا لـسـبـع سـاعـات لـنـنـزل الـخـمـسـة عـشـر فـرسـخـاً إلى بـلـصـرة بـفـضـل الـرّيـح و جـزر الـبـحـر. وكـلّ الـبـلاد الّـتي تـمـتـدّ مـن بـغـدات إلى بـلـصـرة تـتـقـاطـع فـيـهـا الـقـنـوات والـسّــدود مـثـلـمـا في هـولـنـدة ، وبـيـن مـديـنـة وأخـرى حـوالي ســتـيـن فـرسـخـاً. وهي مـن بـيـن أحـسـن الـبـلاد الّـتي يـتـسـلّـط عـلـيـهـا سـلـطـان الأتـراك. ولا نـرى في كـلّ أرجـائـهـا إلّا مـروجـاً واسـعـة ومـراعي في غـايـة الـجـودة تـربى فـيـهـا أعـداد كـبـيـرة مـن الـحـيـوانـات وخـاصـة الـخـيـل والـجـامـوس.  ومـدة حـمـل أنـثى الـجـامـوس اثـنـا عـشـر شـهـراً، وهي كـثـيـرة الـحـلـيـب. ومـنـهـا مـن تـدرّ أحـد عـشـر لـتـراً في الـيـوم. ويـصـنـعـون مـنـهـا كـمـيـات هـائـلـة مـن الـزّبـدة حـتّى أنـنـا رأيـنـا، في بـعـض الـقـرى الّـتي مـررنـا بـهـا، إلى حـدّ عـشـريـن أو اثـنـيـن وعـشـريـن  قـاربـاً مـحـمّـلـة بـالـزّبـدة يـبـيـعـونـهـا عـلى  طـول ضـفـاف الـخـلـيـج مـن جـهـة بـلاد الـفـرس كـمـا مـن جـهـة جـزيـرة الـعـرب.

وفي مـنـتـصـف الـطّـريـق بـيـن بـغـدات  وبـلـصـرة لـمـحـنـا عـدّة سـرادق مـنـصـوبـة قـرب ضـفـة الـنّـهـر.  وقـد نـزلـنـا  لـنـرى مـا كـانـت ، فـعـرفـنـا أنّـهـا خـيـام  دفـتـردار جـاء مـن قـسـطـنـطـيـنـة لـجـبي ضـرائـب

الـسّـلـطـان عـلى هـذه الـبـلاد. ذهـبـت لأراه، وأهـديـتـه مـا يـقـارب أربـعـة أمـتـار مـن الـقـمـاش الإنـكـلـيـزي وطـبـنـجـة جـيـب.  وبـعـث لي مـتـلـطّـفـاً خـروفـيـن واثـنـتي عـشـرة دجـاجـة وزبـدة  ورز. وكـان سـعـيـداً بـتـوقـفي عـنـده ولـو لـمـدّة قـصـيـرة. وفي حـديـثـه معـه اخـبـرني إنّـه يـجـبي عـلى كـلّ الـجـامـوس ، ذكـراً كـان أم أنـثى، ومـن بـغـدات إلى الـقـرنـة، درهـمـاً ونـصـف عـلى كـلّ رأس. وهـذا يـجـلـب لـلـسّـلـطـان مـائـة وثـمـانـيـن ألـف درهـم كـلّ عـام. ماعـدا مـا يـدفـع عـلى الـخـيـل والـغـنـم. وإنّـه  لـولا غـشّ الـفـلاحـيـن وخـداعـهـم لـجـبى خـمـسـيـن ألـف درهـم فـوق ذلـك. وبـعـد أن تـركـنـا الـدّفـتـردار، رأى صـاحـب الـمـركـب اعـتـدال الـجـو في الـمـسـاء وأمـانـة الـمـلاحـة عـلى الـنّـهـر فـقـرر أن يـسـتـمـرّ في الـسّـيـر طـيـلـة الـلـيـل. ووصـلـنـا إلى الـقـرنـة في صـبـاح الـخـامـس والـعـشـريـن مـن آذار.

والـقـرنـة حـصـن جـيّـد الـبـنـاء عـلى نـقـطـة الـتـقـاء الـنّـهـريـن ، ومـن كـلّ جـهـة هـنـاك حـصـن صـغـيـر، مـمـا يـعـزز حـراســة الـمـرور.  ووجـدنـا في الـحـصـن الـرئـيـسي ، الّـذي تـحـمـيـه مـدافـع كـثـيـرة، إبـن أمـيـر بـلـصـرة، حـاكـم هـذه الـبـلاد. وفي هـذا الـحـصـن مـكـتـب الـجـمـارك. ومع أنّـهـم فـتّـشـوا الـمـراكـب بـدّقـة شــديـدة، فـقـد عـامـلـونـا بـلـطـف ولـم يـفـتـشـوا الـنّاس. ويـسـجـلـون الـبـضـائـع عـلى سـجـلّات، ولـكـن لا نـدفـع إلّا في بـلـصـرة.

وفي نـفـس الـنّـهـار، عـنـدمـا دخـلـنـا في الـقـنـاة الّـتي حـفـروهـا لـيـوصـلـوا بـيـن الـفـرات وبـلـصـرة ، وجـدنـا رئـيـس الـهـولـنـديـيـن ، وهـو يـشـرف عـلى تـجـارتـهـم ، وأظهـر لـنـا كـثـيـراً مـن عـلامـات الـلـطـف. وكـان يـتـنـزه عـلى الـنّـهـر في مـركـب أسـدلـت عـلـيه أقـمـشــة الأرجـوان، و ذهـبـنـا مـعـاً إلى بـلـصـرة. وفي كـلّ مـدّة بـقـائـنـا فـيـهـا لـم يـقـبـل أن نـسـكـن إلّاعـنـده.

ولأنّي سـافـرت مـرتـيـن إلى بـلـصـرة، الأولى عـام  1639،  وبـقـيـت  فـيـهـا اثـنـيـن وعـشـريـن يـومـاً، وهـذه الـمـرّة وقـضـيـت فـيـهـا أربـعـة عـشـر يـومـاً، فـأنـا أسـتـطـيـع أن أتـكـلّـم عـن حـال هـذه الـمـديـنـة :

بـلـصـرة مـن جـهـة بـاديـة الـعـرب،عـلى بـعـد فـرسـخـيـن مـن آثـارمـديـنـة  كان اســمـهـا في قـديـم الـزّمان  تـيـردون Térédon  (13) الّـتي كانـت في الـصّحـراء. ومـا زلـنـا نـرى فـيـها قـنـاة مـبـنـيـة بـالـطّـابـوق كـانـت تـأتي بـالـمـاء مـن الـفـرات. وتـشهـد آثـارهـا عـلى أنّـهـا كانـت مـديـنـة كـبـيـرة، ثـمّ اقـتـلع الـعـرب طـابـوقهـا لـيـبـيـعـوه في بـلـصـرة، ووضـع في أسـس الـدّور.

ومـديـنـة بـلـصـرة عـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ مـن الـفـرات الّـذي يـســمـيـه الـعـرب ، في لـغـتـهـم ، شــطّ الـعـرب Scetel-areb   أي نـهـر بـلاد الـعـرب. ويـجـلـب مـنـه سـكّـان بـلـصـرة الـمـاء بـقـنـاة طـولـهـا نـصـف فـرسـخ في آخـرهـا حـصـن يـحـرسـهـا. ويـبـعـد الـبحـر خـمـسـة عـشـر فـرسـخـاً. والـبـلاد واطـئـة جـدّاً، ولـولا ســدّ يـفـصـلهـا عـنـه ، بُـني بـحـجـارة حـسـنـة الـقـطـع لـغـرقـت مـراراً.

وبـلـصـرة صـارت في أيـدي عـرب الـبـاديـة مـنـذ مـائـة سـنـة تـقـريـبـاً، ولـم يـكـن لـهـا تـجـارة مـع شـعـوب أوربـا.  وهـؤلاء الـنّـاس يـكـفـيـهـم أكـل تـمـرهـم الّـذي لـديـهـم مـنـه كـمـيـات هـائـلـة، ويـعـيـشـون مـنـه. وهـو ما نـجـده أيـضـاً عـلى طـول ضـفـتي الـخـليـج مـن الـجـهـتـيـن:  مـن بـلـصـرة إلى نـهـر الـهـنـدوس ، ســتّـمـائـة فـرســخ. ومـن الـجـهـة الـمـقـابـلـة حـتّى مـسـقـط ، لا يـعـرف الـنّـاس الـبـسـطـاء طـعـم الـخـبـز ولا طـعـم الـرّز، ولا يـعـيـشـون إلّا عـلى الـتّـمـر والـسّـمـك الـمـمـلـح الـمـجـفـف في الـرّيـح.

ولا تـأكـل الأبـقـار الـعـشـب. ورغـم أنّـهـا تـذهـب إلى الـحـقـول، فـهي لا تـجـد بـيـن الـعـلّـيـق مـا تـنـتـفـع مـنـه ، ولـكـنّهـا تـجـد، كـلّ صـبـاح قـبـل أن تـذهـب إلى الـحـقـول، وكـلّ مـسـاء عـنـدمـا تـعـود مـنـهـا، رؤوس أسـمـاك ونـوى تـمـر طـبـخـت مـعـاً طـعـامـاً لـهـا.

وعـنـدمـا حـارب الأتـراك الـعـرب ، أخـذوا بـلـصـرة مـنـهـم. ولـكـن لأنّ الـعـرب كـانـوا يـحـومـون حـولـهـا كـلّ يـوم، ويـنهـبـون مـا يـقـدرون عـلى نـهـبـه، فـقـد هـادنـوهـم واتّـفـقـوا عـلى أن يـحـتـفـظ الـعـرب بـسـيـطـرتـهـم عـلى الـبـوادي وتـبـقى الـمـديـنة وفـرسـخ حـولـهـا بـأيـدي الأتـراك الّـذيـن عـيـنـوا عـلـيـهـا بـاشـا لـيـحـكـمـهـا. ولـم تـدم الـمـعـاهـدة طـويـلاً، فـقـد كـان في وسـط الـمـديـنـة حـصـن اسـمـه حـوش الـبـاشـا Auchel Bacha  ، كـان قـد بـنـاه الأتـراك. وحـامـيـتـه مـن جـنـودهـم . ولـم يـتـحـمّـل الـسّـكـان وهـم مـن الـعـرب هـذا الـتّـسـلّـط ، فـكـانـوا يـتـقـاتـلـون أحـيـانـاً مـع الأتـراك. وجـاء عـرب الـبـوادي لـنـصـرة الـسّـكّـان وحاصـروا الـبـاشـا في حـصـنـه. ثـمّ لأنّـه لـم يـسـتـطـع أن يـعـقـد مـعـهـم عـهـداً، فـقـد جـاء بـاشـا آخـر اسـمـه عـيـود Aiud ، وبـعـد مـنـاوشـات وتـمـردات ضـدّه، قـرر أن يـتـخـلـص مـن كـلّ هـذا الـعـنـاء والـغـم فـبـاع وظـيـفـتـه بـأربـعـيـن ألـف درهـم لـسـيّـد غـني مـن الـبـلـد. وجـنّـد الـسّـيّـد الـجـديـد عـدداً كـبـيـراً مـن الـرّجـال لـضـبـط الـنّـاس. وقـد أسـمى نـفـسـه عـفـرسـيـاس بـاشـا     Efrasias Bacha  (14) ، وهـو جـد حـسـيـن بـاشـا الّـذي كـان يـحـكـمـها عـنـدما مـررت بـهـا. وعـفـرسـيـاس هـذا هـو الّـذي عـتـق نـفـسـه مـن نـيـر الأتـراك وصـار أمـيـراً لـلـبـصـرة. أمّـا الـبـاشـا الّـذي بـاع وظـيـفـتـه فـقـد خـنـقـوه عـنـدمـا عـاد إلى قـسـطـنـطـيـنـيـة. والّـذي اشـتـراهـا، كـمـا ذكـرت، لـم يـعـد يـريـد الإعـتـراف بـسـلـطـة الأتـراك واســتـقـلّ بـالـبـلـد. ولـكـن، مـنـذ أن فـتـح الـسّـلـطان مـراد بـغـدات ، ولـيـحـسّـن عـلاقـتـه بـالـبـاب الـعالي، يـبـعـث أمـيـر بـلـصـرة لـه بـهـدايـا بـيـن الـحـيـن والـحـيـن، وغـالـبـاً مـا تـكـون خـيـلاً، فـهي بـالـغـة الـجـمـال في هـذه الـبـلاد.

وبـعـد أن سـيـطـر الـشّـاه عـبـاس، مـلـك الـفـرس، عـلى هـرمـز بـعـث بـجـيـش مـكـيـن يـقـوده إمـام خـولي خـانIman-couli-Kan  ، حـاكـم شـيـراز، لأخـذ بـلـصـرة. ولـكـن الأمـيـر الّـذي يـحـكـمـهـا أدرك قـلّـة قـدرتـه عـلى مـقـاومـة الـفـرس، وتـعـاهـد مـع عـرب الـبـاديـة عـلى أن يـفـتـحـوا لـه ثـغـرات في الـسّـدّ الّـذي يـحـمي الـمـديـنـة مـن الـبـحـر. وفـتـحـوا لـه الـثّـغـرات فـتـدفـق الـمـاء عـلى الـبـلاد بـقـوة ووصـل إلى الـبـصـرة وحـتّى إلى أربـع فـراسـخ بـعـدهـا، وأحـاط  بـجـيـش الـفـرس، فـتـركـوا حـصـار الـمـديـنـة وخـاصـة بـعـد أن بـلـغـهـم  مـوت الـشّـاه عـبـاس. وتـركـوا أمـامـهـا مـدفـعـاً رأيـتـه في سـفـرتيّ.  وكـان هـذا الـطّـوفـان الـسّـبـب في أنّ عـدداً مـن الـبـسـاتـيـن والأراضي لـم تـعـد تـنـتـج شــيـئـاً أو قـلـيـلاً جـدّاً لـكـثـرة مـلـح الـبـحـر الّـذي ظـلّ يـغـطـيـهـا.

وارتـبـط أمـيـر بـلـصـرة بـروابـط  ودّيـة مـع عـدّة دول أجـنـبـيـة، والـنّـاس يـأتـون إلى هـنـا مـن كـلّ الـبـلاد ويـلاقـون تـرحـيـبـا. والـحـريـات تـحـتـرم هـنـا، والأمـن سـائـد حـتّى أنّ الـمـرء يـمـكـنـه الـسّـيـر في  دروبـهـا لـيـلاً لا يـخـشـى مـن شئ.  والـهـولـنـديـون يـأتـون كـلّ عـام لـيـبـيـعـوا الـتّـوابـل، ويـأتي الإنـكـلـيـز أيـضـاً بـالـبهـار وبـعـض كـبـش الـقـرنـفـل، ولـكـنّـه أوقـف الـتّـجارة مـع الـبـرتـغـالـيـيـن ، وانـسـحـب مـعـهـم الآبـاء الأوغـسـطـيـنـيـون الّـذيـن كـانـوا هـنـا. ويـجـلـب الـهـنـود الـقـمـاش وصـبـغـة الـنّـيـلـة وأنـواع أخـرى مـن الـبـضائـع . وغـالـبـاً مـا نـجـد في هـذه الـمـديـنـة تـجّـاراً مـن قـسـطـنـطـيـنـيـة  وإزمـيـر وحـلـب ودمـشــق والـقـاهـرة وأمـاكـن أخـرى مـن تـركـيـا، يـشـتـرون الـبـضـائـع الآتـيـة مـن الـهـنـد، ويـحـمّـلـونهـا عـلى ظـهـور صـغـار الإبـل الّـتي  يـشـتـرونـهـا هـنـا حـيـث يـجـلـب الـعـرب إبـلـهـم لـيـبـيـعـوهـا. والـمـديـنـة مـركـز مـهـمّ لـبـيـعـهـا وشـرائـهـا.

والّـذيـن يـأتـون إلى بـلـصـرة مـن ديـار بـكـر والـمـوصـل وبـغـدات، ومـن مـيـزبـوتـامـيـا وبـلاد آشــور يـصـعـدون مـع بـضـائـعـهـم عـلى دجـلـة بـجـهـد شــديـد وبـتـكالـيـف بـاهـظـة، فـهـم لا يـجـدون لـسـحـب مـراكـبهـم إلّا رجـالاً لا يـقـدرون عـلى سـحـبـهـا أكـثـر مـن مـسـافـة فـرسـخـيـن ونـصـف في الـيـوم ، وهـم فـوق ذلـك لا يـقـدرون عـلـيـه إذا كـانـت الـرّيـح مـعـاكـسـة.  وهـكـذا يـقـضـون أكـثـر مـن شـهـريـن لـلـصّعـود مـن بـلـصـرة إلى بـغـدات ، ومـنـهـم مـن قـضـوا ثـلاثـة أشـهـر لـلـوصـول إلـيـهـا.

وجـمـارك بـلـصـرة تـتـقـاضى خـمـسـة بـالـمائـة،  ولـكـنـنـا نـلاقي دائـمـاً مـن تـلـطّـف صـاحـب الـجـمـارك أو مـن الأمـيـر مـا يـجـعـلـها لا تـتـجاوز في الـحـقـيـقـة أكـثـر مـن أربـعـة بـالـمـائـة.  وأمـيـر بـلـصـرة هـذا حـاذق في عـمـلـه مـمـا يـســمـح لـه بـأن يـضـع جـانـبـاً كـلّ عـام ثـلاثـة مـلايـيـن لـيـرة. وتـأتـيـه مـوارده الـرّئـيـسـيـة مـن أربـعـة أشـيـاء : مـن الـنّـقـود ومـن الـخـيـل ومـن الإبـل ومـن الـنّـخـيـل. ولـكـنّ الـنّـخـيـل هـي ثـروتـه الأسـاسـيـة.  كـلّ الأراضي، مـن بـدايـة الـتـقـاء الـنّـهـريـن حـتّى الـبـحـر، عـلى مـسـافـة ثـلاثـيـن فـرسـخـاً، تـغـطّـيـها الـنّـخـيـل. ولا يـجـرؤ أحـد عـلى مـسّ تـمـرة واحـدة مـنـهـا قـبـل أن يـشـتـريـهـا. وأربـاحـه مـن الـنّـقـود تـأتـيـه مـن أنّ الـتّـجـار الـغـربـاء  مـجـبـرون عـلى إبـدال ريـالاتـهـم

بـعـمـلـتـه مـمـا يـجـلـب لـه مـا يـقـارب الـثّـمـاني بـالـمـائـة في الـصّـرف.  أمّـا عـن الـخـيـل، فـلا يـوجـد مـكـان في الـعـالـم نـجـد فـيـه خـيـلاً أكـثـر جـمـالاً ولا أشــدّ تـحـمّـلاً لـلـتّـعـب مـن هـذا الـمـكـان. ومـنهـا مـن تـسـتـطـيـع الـسّـيـر حـتّى ثـلاثـيـن سـاعـة مـتـواصـلـة مـن غـيـر أكـل ولا شـرب وخـاصـة الأفـراس.

ولـكـن لـنـعـود إلى نـخـيـلـنـا ، فـمـا يـسـتحـق الـذّكـر هـو أنّ غـرسـهـا يـسـتـدعي خـبـرة بـهـا أكـثـر مـن غـيـرهـا مـن الأشـجـار. فـتـحـفـر حـفـرة في الأرض يـوضـع  فـيـها مـائـة وخـمـسـيـن أو ثـلاثـمـائـة نـواة  بـعـضـهـا  فـوق بـعـض عـلى شـكـل هـرم مـدبـب الأعـلى لـيـس عـلـيـه إلّا نـواة واحـدة، هي الّـتي تـنـبـت مـنـهـا الـنّـخـلـة بـعـد أن تـغـطّى بـالـتّـراب. ويـقـول عـدد مـن أهـل الـبـلـد أنّ في الـنّـخـيـل الـذّكـر والأنـثى، ولـهـذا يـنـبـغي أن تـزرع مـتـقـاربـة وإلّا لـن تـثـمـر الأنـثى. ويـؤكـد آخـرون عـلى أنّ ذلـك لـيـس ضروريـاً فـيـكـفي أن نـأخـذ مـن نـوّار الـذّكـر لـتـوضـع  في الـنّـخـلـة الأنـثى في أعـلى ســعـفـهـا، وإلّا ســقـط الـطّـلـع قـبـل أن يـتـمـر.

وفي بـلـصـرة، كـمـا في تـركـيـا  قـاضٍ يـقـيـم الـعـدل. وهـو تـحـت أوامـر الأمـيـر. وفي بـلـصـرة ثـلاثـة أنـواع مـن الـمـسـيـحـيـيـن : الـيـعـاقـبـة ، والـنّـسـاطـرة ومـسـيـحـيـو حـنّـا الـمـعـمـدان (15).  وفـيـهـا مـقـرّ لـلـكـارمـيـة الـحـفـاة الإيـطـالـيـيـن، وكـان  فـيـهـا مـقـرّ لـلأوغـسـطـيـنـيـيـن الـبـرتـغـالـيـيـن ، كـمـا ذكـرت ســابـقـاً، ولـكـنّـهـم تـركـوها عـنـدما تـركـت أمّـتـهـم الـتّـجـارة مـعـهـا”.

وفي بـدايـة نـيـسـان، غـادر تـافـرنـيـيـه الـبـصـرة وعـبـر الـخـلـيـج إلى بـنـدر عـبّـاس، ومـن هـنـاك سـافـر مـبـاشـرة إلى الـهـنـد. وبـعـد أن انـتـهـت أشـغـالـه في الـهـنـد عـاد إلى بـنـدر عـبّـاس في 11 آذار 1654، ومـنـهـا تـوجّـه إلى كـرمـنـشـاه وأصـفـهـان ثـمّ إلى أرمـيـنـيـا وتـركـيـا الّـتي عـاد مـنـهـا إلى أوربـا.

الـرّحـلـة الـخـامـسـة :

بـدأت رحـلـة تـافـرنـيـيـه الـخـامـسـة في شـبـاط 1657، ووصـل إلى إلى أصـفـهـان عـن طـريـق تـركـيـا وأرمـيـنـا في أواخـر صـيـف ذلـك الـعـام. وقـد أقـام في الـمـديـنـة مـا يـقـارب الـسّـنـة والـنّـصـف، ثـمّ تـركـهـا ذاهـبـاً إلى الـهـنـد. ويـذكـر أنّـه عـاد إلى بـنـدرعـبّـاس في بـدايـة 1661، ثـمّ ذهـب مـن جـديـد إلى أصـفـهـان الّـتي أقـام فـيـهـا حـتّى الـعـام الـتّـالي ، ثـمّ تـوجّـه عـن طـريـق تـبـريـز مـخـتـرقـاً الـكـردسـتـان إلى حـلـب والإسـكـنـدرونـة فـأوربـا.

وقـد تـزوّج تـافـرنـيـيـه في 1663، وكـان في الـثّـامـنـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـره بـابـنـة تـاجـر جـواهـر بـروتـسـتـانـتي مـثـلـه.

وعـنـدمـا أصـبـح كـولـبـيـر مـسـتـشـاراً ووزيـر بـحـريـة لـمـلـك فـرنـسـا، لـويـس الـرّابـع عـشـر أثـار مـن جـديـد رغـبـة فـرنـسـا في تـنـمـيـة هـيـمـنـتـهـا الـتّـجـاريـة في الـشّـرق. وأنـشـأ كـولـبـيـر وظـائـف قـنـصـلـيـة في مـدن الـشّـرق، وأسـس شـركـة بـلاد الـهـنـد الـشّـرقـيـة La Compagnie des Indes Orientales في 1664، ثـمّ شـركـة الـمـشـرق  La Compagnie du Levantفي 1670.

الـرّحـلـة الـسّـادسـة :

وشـرع تـافـرنـيـيـه في رحـلـتـه الأخـيـرة إلى الـشّـرق في 27 تـشـريـن الـثّـاني 1663، أي بـعـد حـوالي شـهـر ونـصـف مـن مـغـادرة الـفـرنـسي تـيـفـونـو بـاريـس في رحـلـتـه الـثّـانـيـة نـحـو الـشّـرق. وقـد وصـل في 1665 إلى أصـفـهـان الّـتي غـادرهـا مـتّـجـهـاً إلى الـهـنـد وعـاد مـنـهـا في 1666 إلى بـنـدر عـبّـاس، ووصـل إلى بـاريـس في نـهـايـة عـام 1668. وكـانـت تـلـك آخـر اتـصـالاتـه بـالـشّـرق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   الـعـراق في الـقـرن الـسّـابـع عـشـر كـمـا رآه الـفـرنـسي تـافـرنـيـيـه، تـرجـمـة وتـحـقـيـق كـوركـيـس عـواد و بـشـيـر فـرنـسـيـس. بـغـداد، دار الـمـعـارف 1944. وهـمـا يـكـتـبـان اسـمه جـان بـابـتـسـت رغـم أنّ حـرف الـ P  في اسـم Baptiste  لا يـلـفـظ في الـلـغـة الـفـرنـسـيـة، فـيـقـال بـاتـسـت ولـيـس بـابـتـســت.(2)  حـمـام الـعـلـيـل . (3)   Thévenot يـذكـر أنّ اسـمـه  كـوشـاف Kochaf ، بـيـنـمـا يـذكـر Kinneir  أن اسـمـه سـهـاف Sehaff . (4) وهـو الـزّاب الـصّـغـيـر. (5)  تـكـريـت، الـتي يـقـول عـنـهـاThévenot : “عـلـمـت أنّـهـا كـانـت مـديـنـة مـهـمـة في الـمـاضي، ولـكـن لـيـس فـيـهـا الآن إلّا خـرائـب، ولا تـعـادل قـريـة كـبـيـرة”. (6) الإمـام  مـحـمّـد الـدّور ، وهـو يـتـكـلّـم عـن مـديـنـة الـدّور. (7)   لا بـد أنّـه يـتـكـلّـم عـن نـهـر الـعـظـيـم. (8)   لا يـذكـر الـمـؤرخـون الأتـراك هـذا الاسـم ولا الـقـصـة الـتّي سـيـحـكـيـهـا  تـافـرنـيـيـه، بـل يـذكـرون أنّ حـاكـم بـغـداد كـان في وقـت الـحـصـار بـخـتـاش خـان. (9)   لـنـفـهـم  دهـشـة تـفـارنـيـيـه مـن كـثـرة الـمـاء الّـذي يُـغـتـسـل بـه  عـلـيـنـا أن نـتـذكّـر أنّ فـرنـسـيّ زمـنـه كـانـوا لا يـغـتـسـلـون ، فـقـد كـانـوا يـعـتـبـرون الـمـاء مـضـرّاً لـلـبـشـرة. ولـم يـكـن في قـصـور لـويـس الـرّابـع عـشـر، مـلـك فـرنـسـا أنـذاك حـمـامـات. وكـانـوا يـكـتـفـون بـرشّ الـعـطـور عـلى أجـسـادهـم.  (10)  يـقـول ابـن بـطـوطـة في رحـلـتـه :  “ويـخـرجـن مـلـتـحـفـات مـتـبـرقـعـات فـلا يـظهـر مـنـهـنّ شـئ”.  (11)  وهي في الـحـقـيـقـة آثـار طـيـسـفـون، وتـعـود آثـارهـا الـظـاهـرة لـلـعـيـان لـزمـن الـسّـاسـانـيـيـن. (12)   لـم يـذكـر تـافـرنـيـيـه الـمـدن بـالـتّـرتـيـب، و بـعـضـهـا لـيـسـت عـلى الـمـجـرى الـرّئـيـسـي لـدجـلـة. (13)    وكـانـت مـديـنـة هـيـلـنـسـكـيـة ، فـقـدت أهـمـيـتـهـا قـبـل الـفـتـح الإســلامي وخـربـت. وكـانـت تـسـمى ” الـخـرابـة”. (14)  لـم أجـد اسـم هـذا الـبـاشـا بـالـلـغـة الـعـربـيـة ، وهـو ولا شـك مـخـتـلـف عـن تـشــويـه تـافـرنـيـيـه لـه. (15)  و يـقـصـد بـهـم  الـصّـابـئـة الـمـنـدائـيـيـن.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s