جـنـائـن بـابـل الـمـعـلّـقـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

jardin13

(صـور الـجـنـائـن خـيـالـيـة مـثـل الأسـطـورة)

لـم تـذكّـر الـنّـصـوص الـبـابـلـيـة الّـتي سُـجّـلـت بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة جـنـائـن مـعـلـقـة في بـابـل، ولـم يـجـد الـمـنـقـبـون خـلال حـمـلات الـتّـنـقـيـبـات الـمـتـتـالـيـة في مـوقـع بـابـل الـقـديـمـة (مـنـذ نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر وطـيـلـة الـقـرن الـعـشـريـن) أثـراً لـهـذه الـجـنـائـن “الـمـعـلّـقـة “.

فـكـيـف تـكـوّنـت هـذه الأسـطـورة عـنـد الإغـريـق (أي الـيـونـانـيـيـن الـقـدمـاء) ومـقـلـديـهـم الـرّومـان ؟ وكـيـف دخـلـت ضـمـن “عـجـائـب الـدّنـيـا الـسّـبـع” الّـتي صـنّـفـوهـا ؟

أوّل ذكـر لـلـجـنـائـن الـمـعـلـقـة في الـقـرنـيـن الـرّابـع والـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد

أوّل ذكـر لـلـجـنـائـن الـمـعـلـقـة كـتـبـه الإغـريـقي مـيـغـاسـتـيـنـس (ولـد سـنـة 340 قـبـل الـمـيـلاد وتـوفي سـنـة 282 قـبـل الـمـيـلاد). وكـان قـد بـعـث في سـفـارة إلى بـلاط الـفـرس، ومـرّ بـبـابـل. وقـد ضـاع كـتـابـه ولـم يـصـلـنـا مـنـه إلّا اسـتـشـهـادات في كـتـاب لأبـيـديـنـوس  Abydenos وفي الـحـقـيـقـة نـحـن لا نـعـرف مـن كـتـاب أبـيـديـنـوس إلّا مـا اقـتـبـسـه مـنـه أوسـيـبـيـوس الـبـامـفـيـلي Eusebius Pamphili الـمـعـروف بـأوسـيـبـيـوس الـقـيـصـري الّـذي عـاش بـعـده في الـقـرن الـثـالـث بـعـد الـمـيـلاد في كـتـابـه عـن تـاريـخ رجـال الـدّيـن. ومـا وصـلـنـا (نـقـلاً عـن نـقـل) مـمـا كـتـبـه مـيـغـاسـتـيـنـس أنّ نـبـوخـذ نـصـرالـثـاني شـيّـد عـدداً مـن الـمـبـاني، وأنّـه : “أمـر أن يـزيـن قـصـره بـأشـجـار، وأسـمى هـذه الـجـنـائـن بـالـمـعـلّـقـة “.

أمّـا بـيـروسـوس  Berossos (واسـمـه بـالـلـغـة الـبـابـلـيـة : بـعـل رعـيـشـو، أي بـعـل راعـيـه)، والّـذي يـسـمى أيـضـاً بـيـروسـوس الـكـلـداني، وكـان رجـل ديـن بـابـلي في مـعـبـد مـردوخ، ولـد في الـزّمـن الّـذي أقـام فـيـه الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في بـابـل أو قـبـلـه بـقـلـيـل أي في أواخـر الـقـرن الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد، فـقـد كـتـب بـالـلـغـة الإغـريـقـيـة (الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة) كـتـاب بـابـل  Babyloniaka  (ويـعـرف أيـضـاً بـكـتـاب بـلاد الـكـلـدان Chaldaika ) الّـذي ألّـفـه لـلـمـلـك الـسّـلـوقي أنـطـيـقـيـوس الأوّل بـيـن 290 و278 ق. م. لـيُـعـرّف الإغـريـق بـحـضـارة بـلـده بـابـل.

ولـم يـصـلـنـا هـذا الـكـتـاب. ولـيـس لـديـنـا مـنـه إلّا تـلـخـيـص الإسـكـنـدرالـمـلـقّـب بـبـولي هـيـسـتـور (أي الـغـزيـر الـعـلـم)  Alexandre Polyhistor  لـه، واقـتـبـاسـات الـكّـتـاب الّـذيـن جـاءوا بـعـده مـثـل بـلـيـنـيـوس الأكـبـر Gaius Pilinus Seconus  وسـنـسـوريـنـوس Censorinus وفـلافـيـوس يـوسـيـفـوس Flavius Josephus   وفـيـتـروفـيـوس Vitruvius . وهـو يـذكـر أن الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة أنـشـأهـا نـبـوخـذ نـصـرالـثـاني (604 ـ 562 ق. م.) لـزوجـتـه الّـتي جـاءت مـن بـلاد مـيـديـا الـجـبـلـيـة في غـرب إيـران لـتـذكّـرهـا بـبـلادهـا وتـسـلـيـهـا في غـربـتـهـا. وهـو يـذكـر أن اسـم الـمـلـكـة كـان أمـتـيـس Amytis  إبـنـة الـمـلـك الـمـيـدي سـيـاخـار Cyaxare الّـتي تـزوّجـهـا الـمـلـك الـبـابـلي لـيـعـزز تـحـالـفـه مـعـه عـنـدمـا قـررا إسـقـاط الإمـبـراطـوريـة الآشـوريـة.

وقـد اسـتـشـهـد فـلافـيـوس يـوسـيـفـوس Flavius Josephus   (وهـو الإسـم الـلاتـيـني لـلـكـاتـب الـيـهـودي يـوسـف بـن مـاتـيـتـيـاهـو هـا كـوهـيـن) بـنـص بـيـروسـوس، وذكـرالـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة  في كـتـابـيـه “ضـدّ أبـيـون” و “الآثـار الـيـهـوديـة “. وهـو يـقـول في كـتـابـه “الآثـارالـيـهـوديـة ” الّـذي كـتـبـه بـالـلـغـة الإغـريـقـيـة في الـقـرن الأول : “ولأنّ الـمـلـكـة الّـتي نـشـأت وتـرعـرعـت في بـلاد مـيـديـا، كـانـت تـودّ أن تـجـد مـا يـذكّـرهـا بـبـلادهـا، فـقـد أمـر(الـمـلـك) بـتـشـيـيـد سـطـوح فـوق قـصـره بـأحـجـاركـبـيـرة حـتّى بـدت كـجـبـال. وغـطّـيـت بـتـراب غـرسـت فـيـه أعـداد هـائـلـة مـن الأشـجـار مـن كـلّ الأنـواع ، حـتّى اعـتـبـرت هـذه الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة مـن بـيـن عـجـائـب الـدّنـيـا “.

ولـكـنّ فـلافـيـوس يـوسـيـفـوس لـم يـقـرأ كـتـاب بـيـروسـوس وإنّـمـا عـرفـه في تـلـخـيـص الإسـكـنـدر بـولـيـهـسـتـور لـه. ويـبـدو أنّ بـولـيـهـسـتـور أخـذ وصـفـه لـلـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة  مـن سـيـرة الإسـكـنـدر الـمـقـدوني الّـتي ألّـفـهـا كـلـيـتـاركـوس الإسـكـنـدري  Clitarchus Alesandria وأضـافـه إلى تـلـخـيـصـه لـبـيـروسـوس. وكـان كـلـيـتـاركـوس الإسـكـنـدري الّـذي عـاش في نـهـايـة الـقـرن الـرّابـع وبـدايـة الـقـرن الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد، وارتـاد بـلاط بـطـلـيـمـوس الأوّل في الإسـكـنـدريـة  قـد ألّـف كـتـاب “تـاريـخ الإسـكـنـدر” بـالـلـغـة الإغـريـقـيـة. وقـد تـأثـر بـالـكـاتـب كـالـيـسـثـيـنـوس الأولـيـنـثي Callisthenos  ، وأثـر عـلى ديـودروس الـصّـقـلي  Diodorus Siculus (بـالـيـونـانـيـة  Διόδωρος Σικελιώτης) وبـومـبـيـوس تـروغـوس  Cneius Pompeius Trogus  وكـيـنـتـوس كـورتـيـوس  Quintus Curtius Rufus  الّـذيـن جـاءوا بـعـده.

الـقـرن الـثّـاني قـبـل الـمـيـلاد:

1520518-8866-thickbox

نـجـد في “الـمـخـتـارات الـبـلاتـيـنـيـة ”  الّـتي جـمـعـت أشـعـاراً إغـريـقـيـة ولاتـيـنـيـة، (ويـرجـع تـاريـخ تـألـيـفـهـا ولا شـك إلى الـقـرن الـخـامـس ب. م.) نـصـاً لـلـشـاعـر أنـتـيـبـاتـروس الـصّـيـداوي Antipatros Sidonios الّـذي عـاش في الـقـرن الـثّـاني ق. م. :

” رأيـت أسـوار بـابـل الـعـتـيـقـة الّـتي تـجـري فـوقـهـا الـعـربـات

و [تـمـثـال] زيـوس هـذا عـلى ضـفـة نـهـر الألـفـيـه.

رأيـت الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة وعـمـلاق الـشّـمـس

والـبـنـاء الـهـائـل لـلأهـرامـات الـعـالـيـة

وضـريـح مـوسـول الـرّائـع”.

الـقـرن الأوّل قـبـل الـمـيـلاد :

يـذكـر ديـودروس الـصّـقـلي  Diodorus Siculus (الّـذي عـاش في زمـن يـولـيـوس قـيـصـر وخـلـفـه الـقـيـصـر أوغـسـطـس الـلـذيـن حـكـمـا رومـا في الـقـرن الأوّل قـبـل الـمـيـلاد) أنّ الـخـراب عـمّ مـديـنـة بـابـل وهـجـرهـا أغـلـب أهـلـهـا، ولـم يـبـق في داخـل الأسـوار إلّا أحـيـاء قـلـيـلـة بـقي فـيـهـا سـكّـانـهـا. ويـصـف في كـتـابـه : “الـمـكـتـبـة الـتّـاريـخـيـة ” الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة وصـفـاً مـفـصّـلاً. ويـذكـر الـقـصـة الّـتي حـكـاهـا بـيـروس عـن الـمـلـك الـبـابـلي (ولـكـنّـه لـم يـذكـر اسـمـه ) الّـذي شـيّـدهـا لـزوجـتـه، ولـكـنّـهـا أصـبـحـت عـنـده “مـحـظـيـة فـارسـيـة”. والـجـنـائـن عـنـده مـربـعـة الـشّـكـل، كـلّ ضـلـع مـنـهـا أربـعـة فـراسـخ. وهي درجـات أو سـطـوح تـرتـفـع فـوق أقـواس تـسـتـنـد عـلى أعـمـدة، وأعـلاهـا تـرتـفـع إلى خـمـسـيـن ذراعـاً. وشـيّـد كـلّ واحـد مـن هـذه الـسّـطـوح بـأحـجـار ضـخـمـة وضـعـت عـلـيـهـا طـبـقـة مـن الـقـصـب سـكـب عـلـيـهـا الـقـار، ثـمّ طـبـقـة مـن الـطّـابـوق الـمـفـخـور والـجـص، ثـمّ طـبـقـة مـن الـرّصـاص. ووضـعـت فـوقـهـا كـمـيـات كـبـيـرة مـن الـتّـراب غـرسـت فـيـهـا أعـداد كـبـيـرة مـن الأشـجـار مـن كـلّ الأنـواع، مـدهـشـة الأحـجـام وخـلّابـة الـجـمـال. ويـذكـر أنّـه كـان فـيـهـا غـرف بـديـعـة. وأنّ أحـد الأعـمـدة الّـتي تـسـنـد الـجـنـائـن كـان مـجـوفـاً مـن أعـلاه إلى أسـفـلـه، وهـوالّـذي كـان يـسـحـب الـمـاء مـن الـنّـهـر، أي الـفـرات، لـسـقي الـجـنـائـن.وهـو يـتـكـلّـم عـن الـزّقـورة ويـذكـر أنّ الـكـلـدان (ويـعـني بـهـم رجـال الـدّيـن) كـانـوا يـرتـقـون طـبـقـاتـهـا عـلى الـسّـلالـم ويـصـلـون إلى أعـلاهـا لـيـراقـبـوا مـسـيـرة الـكـواكـب والـنّـجـوم.

ويـبـدو أنّ ديـودروس الـصّـقـلي أخـد مـعـلـومـاتـه مـن سـيـرة الإسـكـنـدر الـمـقـدوني الّـتي ألّـفـهـا كـلـيـتـاركـوس الإسـكـنـدري حـوالي 300  سـنـة قـبـل الـمـيـلاد. ويـبـدو أنّ كـلـيـتـاركـوس الّـذي ضـاع كـتـابـه، قـد زار بـابـل. كـمـا أنّ ديـودروس الـصّـقـلي اقـتـبـس مـقـاطـع كـثـيـرة مـن كـتـاب إقـطـسـيـاس الإقـنـيـدي   Ktesias Knidos: “كـتـاب الـفـرس Persica”.

الـقـرن الأوّل بـعـد الـمـيـلاد:

كـتـب بـومـبـيـوس تـروغـوس  Cneius Pompeius Trogus ، الّـذي عـاش في الـقـرن الأوّل بـعـد الـمـيـلاد بـيـن مـا كـتـب “الـتّـواريـخ الـفـيـلـيـبـيـة “. وقـد سـمى كـتـابـه هـذا بـاسـم فـيـلـيـبـوس الـمـقـدوني والـد الإسـكـنـدر. ويـتـكـلّـم فـيـه عـن الـمـنـاطـق الّـتي فـتـحـهـا الإسـكـنـدر الـكـبـيـر، إبـن فـيـلـيـبـوس الـمـقـدوني ومـنـهـا بـلاد آشـور. ويـذكـر أنّ تـاريـخ هـذه الـبـلاد يـبـدأ بـمـلـكـهـا (الأسـطـوري) نـيـنـوس. وقـد تـأثـر بـومـبـيـوس تـروغـوس بـمـا قـرأه في “تـاريـخ الإسـكـنـدر”  لـكـلـيـتـاركـوس الإسـكـنـدري ، الّـذي رأيـنـا أنّـه كـتـبـه في بـدايـة الـقـرن الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد  .

أمّـا بـيـلـيـنـوس الأكـبـرGaius Pilinus Seconus ، والّـذي عـاش هـو الآخـر في الـقـرن الأوّل بـعـد الـمـيـلاد ، فـيـنـقـل عـن الـمـؤرخ الإغـريـقي هـيـرودوت وصـفـه لـبـابـل وأنّ مـحـيـط أسـوارهـا كـان 480 غـلـوة. ويـذكـر الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة في مـوسـوعـتـه “الـتّـاريـخ الـطّـبـيـعي” :  “كـان الـقـدمـاء يـعـجـبـون أولاً بـجـنـائـن الـهـسـبـريـديـيـن، ثـمّ بـجـنـائـن الـمـلـكـيـن أدونـيـس وألـسـيـنـوس وبـالـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة الّـتي شـيـدتـهـا سـمـيـرامـيـس أو شـيـدهـا كـورش مـلـك بـلاد آشـور، والّـتي سـنـتـكـلّـم عـنـهـا في كـتـاب آخـر”. ولـم يـصـلـنـا الـكـتـاب الآخـر، وضـاع بـيـن مـا ضـاع. ونـلاحـظ أنّ بـيـلـيـنـوس الأكـبـر يـسـمـي الـمـلـك الـفـارسي الإخـمـيـني كـورش الّـذي أسـقـط بـابـل في 539 قـبـل الـمـيـلاد بـمـلـك بـلاد آشـور، ويـضـعـه بـجـانـب الـمـلـكـة الأسـطـوريـة سـمـيـرامـيـس !

ويـصـف الـمـؤرخ الـرّومـاني كـيـنـتـوس كـورتـيـوس  Quintus Curtius Rufus  الّـذي عـاش في الـقـرن الأوّل بـعـد الـمـيـلاد ، بـابـل والـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة في كـتـابـه تـاريـخ الإسـكـنـدر الـكـبـيـر Historiaum Alexanderi Magni Libiri  (بـالـلـغـة الـلاتـيـنـيـة). وكـتـابـه هـذا كـان بـعـشـرة أجـزاء ضـاع جـزاءهـمـا الأوّل والـثّـاني، كـمـا ضـاع بـعـضٌ مـمـا تـضـمّـنـتـه الأجـزاء الـثّـمـانـيـة الـبـاقـيـة. ويـذكـر الـقـصـة الّـتي حـكـاهـا بـيـروسـوس عـن الـمـلـك الـبـابـلي (ولـكـنّـه لـم يـذكـراسـمـه) الّـذي شـيّـد الـجـنـائـن لـزوجـتـه. وقـد اسـتـعـمـل الـمـعـلـومـات الّـتي وجـدهـا عـنـد كـلـيـتـاركـوس الإسـكـنـدري وإقـطـسـيـاس الإقـنـيـدي  وديـودروس الـصّـقـلي :

“وفـوق الـقـلـعـة كـانـت أحـدى الـعـجـائـب الّـتي رددتـهـا الأسـاطـيـرالإغـريـقـيـة : الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة. وتـوازي قـمـتـهـا أعـالي الأسـوار. ويـأتـيـهـا سـحـرهـا مـن ظـلالـهـا الـوارفـة وارتـفـاع أشـجـارهـا الـكـثـيـرة. والأعـمـدة الّـتي تـسـنـدهـا مـن الـصـخـر وفـوقـهـا سـطـح مـن الأحـجـار الـمـنـحـوتـة عـزز لـيـسـتـطـيـع حـمـل كـمـيـات الـتّـراب الّـتي ألـقـيـت فـوقـه والـمـاء الّـذي يـسـقـيـه. ويـحـمـل الـبـنـاء أشـجـاراً ضـخـمـة يـصـل قـطـر جـذع الـواحـدة مـنـهـا إلى ثـمـانـيـة أذرع ويـرتـفـع إلى 50 قـدم. وتـثـمـر هـذه الأشـجـار كـمـا لـو كـانـت عـلى الأرض. ومـع أنّ مـرور الـزّمـن يـمـحـو لـيـس فـقـط أعـمـال الإنـسـان وإنـمـا أيـضـاً أعـمـال الـطـبـيـعـة ، فـهـذه الـجـنـائـن تـبـقى قـائـمـة وذلـك رغـم ضـغـط جـذور كـلّ أشـجـار هـذه الـغـابـة وثـقـلـهـا. وهـذا لأنّ جـدران الأسـاس الّـذي تـسـتـنـد عـلـيـه يـبـلـغ سـمـكـهـا 20 قـدم، لا يـفـصـل بـيـن الـواحـد والآخـر أكـثـر مـن 11 قـدمـاً. وهـكـذا يـراهـا الـنّـاظـر مـن بـعـيـد كـغـابـات طـبـيـعـيـة عـلى قـمـة جـبـل.  وتـذكـر الأخـبـار الـمـنـقـولـة أنّ الّـذي شـيّـدهـا مـلـك سـوريـا (يـقـصـد بـلاد آشـور) الّـذي كـان وحـكـم بـابـل. دفـعـه إلى ذلـك حـبّـه لـزوجـتـه، فـقـد كـانـت في مـديـنـة الـسّـهـول هـذه تـحـنّ إلى جـبـال بـلـدهـا. وطـلـبـت مـن زوجـهـا أن يـقـلـد بـهـذا الـعـمـل سـحـر الـطّـبـيـعـة “.

وكـتـب الـجـغـرافي الـرّومـاني إسـطـرابـو Strabo الّـذي عـاش في نـهـايـة الـقـرن الأول ق.م. وبـدايـة الـقـرن الـثّـاني ب. م.  وصـفـاً مـفـصـلاً أخـذه مـن سـابـقـيـه لـلـجـنـائـن في كـتـابـه “الـجـغـرافـيـا ” :  “هـذه الـجـنـيـنـة الّـتي هي مـربـع شـاسـع طـول كـلّ ضـلـع مـنـه أربـعـة فـراسـخ. تـرتـفـع سـطـوحـهـا طـبـقـات تـسـنـدهـا أقـواس مـرتـكـزة عـلى أعـمـدة مـربـعـة الأضـلاع. وهـذه الأعـمـدة مـجـوفـة، ومـلأت الـسّـطـوح تـرابـاً غـرسـت فـيـه أعـداد كـبـيـرة مـن الأشـجـار. وشـيّـدت الأعـمـدة والأقـواس والـسّـطـوح بـالـطّـابـوق الـمـفـخـور والـقـار لا غـيـر. ويـتـسـلـق الـصّـاعـد إلى الـطّـابـق الـعـلـوي درجـات سـلّـم ضـخـم تـحـاذيـه لـوالـب يـصـعـد الـمـاء عـلـيـهـا مـن الـفـرات إلى الـجـنـيـنـة، ويـديـرهـا بـلا تـوقـف رجـال عـهـد إلـيـهـم بـذلـك. والـفـرات يـقـسـم الـمـديـنـة مـن وسـطـهـا إلى نـصـفـيـن”.

الـقـرن الـثّـالـث بـعـد الـمـيـلاد :

ويـبـدو أنّ فـيـلـون الـبـيـزنـطي Philon Byzantios  الّـذي عـاش في الـقـرن الـثّـالـث بـعـد الـمـيـلاد هـو الّـذي اقـتـرح قـائـمـة بـ “عـجـائـب الـدّنـيـا” وضـع فـيـهـا جـنـائـن بـابـل الـمـعـلّـقـة. ولـكـنّ كـتـابـه كـمـا وصـلـنـا يـعـجّ بـإضـافـات مــمـن جـاءوا بـعـده :

“زرعـت الـجـنـيـنـة الـمـسـمـاة بـالـمـعـلّـقـة في الـفـضـاء : نـبـاتـاهـا تـعـلـوالأرض، [والـجـنـيـنـة ] تـبـدو سـقـفـاً يـعـلـو الأرض، تـسـنـده أعـمـدة مـن الـحـجـر ركـزت فـوق أسـطـوانـات مـن الـصّـخـر لـمـنـحـوت. وقـد ألـقـيـت فـوقـه كـمـيـات كـبـيـرة مـن الـتّـراب زرعـت فـيـهـا نـبـاتـات واسـعـة الأوراق. وتـنـمـو في هـذه الـجـنـيـنـة كـلّ أنـواع الأشـجـار، وأنـواع مـخـتـلـفـة مـن الأزهـار، أي كـلّ مـا يـحـلـو لـلـنّـظـر ويـمـتـع الـحـواس. وتـوصـل مـجـاري الـسّـقي الـمـاء إلى الأعـلى، إمّـا أن يـنـبـثـق انـبـثـاقـاً مـسـتـقـيـمـاً أو يـصـعـد مـتـلـويـاً في لـوالـب بـحـيـل تـجـعـلـه يـجـري حـول مـراوح وآلات.  ويـسـقي الـمـاء الـمـرفـوع، بـعـد أن يـسـكـب في أحـواض، الـجـنـيـنـة كـلّـهـا. يـتـداخـل في جـذورالـنّـبـاتـات تـداخـلاً عـظـيـمـاً فـتـظـلّ مـنـه الأرض مـبـتـلّـة. ولـهـذا ولاشـكّ كـانـت الأعـشـاب فـيـهـا دائـمـة الإخـضـرار(…) وكـان يـنـتـج عـن هـذا الـعـمـل [الـمـصـطـنـع] مـتـعـة مـلـكـيـة، فـهـو مـعـاكـس لـعـمـل الـطّـبـيـعـة مـادام يـعـلّـق أثـمـار الأرض فـوق رؤوس الـرّافـعـيـن أنـظـارهـم إلـيـهـا لـيـتـأمـلّـوهـا”.

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s