كـتـاب تـأبـيـن الـبـغـداديـة سـتّ مـعـاني زوجـة ديـلّا فـالـيـه

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

معاني 2

مـا زالـت عـدّة مـكـتـبـات في الـعـالـم تـحـتـفـظ بـنـسـخ مـن كـتـاب صـدر في مـديـنـة رومـا، في إيـطـالـيـا عـام 1627 عـنـوانـه : “حـفـل تـأبـيـن الـسّـيّـدة سـتّي مـعـاني الـجـويـري ديـلـلا فـالـيـه الّـذي أقـيـم في رومـا عـام 1627:

Funerale della signora Sitti Maani Gioerida della Valle celebrato in Roma l’anno 1627 “.

ولـكـن مـن كـانـت سـت مـعـاني هـذه، وكـيـف وصـلـت إلى رومـا ؟

بـدأت قـصّـة الـحـبّ الـعـجـيـبـة الّـتي أسـردهـا عـلـيـكـم في تـشـريـن الأوّل عـام 1616 عـنـدمـا وصـل شـاب إيـطـالي في الـثّـلاثـيـن مـن عـمـره إلى بـغـداد بـصحـبـة قـافـلـة اخـتـرقـت الـبـاديـة مـن حـلـب. وكـان هـذا الإيـطـالي : بـيـيـتـرو ديـلّا فـالـيـه Pietro DELLA VALLE  مـن عـائـلـة عـريـقـة في الـنّـبـل مـعـروفـة في مـديـنـة رومــا،عـاصـمـة إيـطـالـيـا.

وكـانـت الـقـافـلـة الّـتي أوصـلـت بـيـيـتـرو إلى بـغـداد ضـخـمـة فـيـهـا أكـثـر مـن ألـف وخـمـسـمـائـة مـسـافـر. وفي الـطـريـق تـعـرّف بـيـيـتـرو عـلى مـسـافـر مـعـه قـصّ عـلـيـه حـبّـه الّـذي لا أمـل لـه مـنـه لـفـتـاة بـغـداديـة اسـمـهـا سـتّي مـعـاني  Sitti Maani . والـغـريـب أنّ هـذا جـعـل بـيـيـتـرو يـنـشـغـف حـبّـاً بـهـذه الـفـتـاة الّـتي لـم يـكـن قـد رآهـا، بـل لـم يـسـمـع حـتّى بـاسـمـهـا مـن قـبـل. وعـنـدمـا وصـل إلى بـغـداد، ذهـب بـيـيـتـرو إلى أهـل مـعـاني الـجـويـري يـطلـب يـدهـا مـنـهـم. وبـعـد أن تـخـطى كـثـيـراً مـن الـصّعـوبـات وقـهـر كـثـيـراً مـن الـعـقـبـات تـزوّجـهـا في كـانـون الأوّل. وحـسـب تـقـالـيـد الإيـطـالـيـيـن، أصـبـح اسـم الـفـتـاة الـبـغـداديـة بـعـد زواجـهـا : الـسّـت مـعـاني الـجـويـري ديـلّا فـالـيـه  Sitti Maani Gioerida della Valle.

بـيـيـتـرو ديـلّا فـالـيـه :

ويـنـبـغي عـليّ هـنـا أن أبـدأ بـالـبـدايـة وأذكـر لـكـم كـيـف جـاء هـذا الإيـطـالي الـعـجـيـب إلى بـغـداد: ولـد بـيـيـتـرو في عـائـلـة غـنـيـة مـن الـنّـبـلاء في رومـا عـام 1584. وتـلّـقى تـعـلـيـمـاً  راقـيـاً عـالي الـمـسـتـوى يـنـاسـب مـتـطـلّـبـات طـبـقـتـه الإجـتـمـاعـيـة. ثـمّ انـضـمّ في شـبـابـه إلى الأكـاديـمـيـة ديـلـيي أومـوريـسـتي  Accademia degli Umoristi  ، الّـتي كـونّـهـا مـجـمـوعـة مـن مـثـقـفي زمـانـه بـهـدف إدخـال بـعـض الـمـرح والـدّعـابـة عـلى الـدّراسـات الأدبـيـة. وفي 1611، شـارك في حـمـلـة قـام بـهـا الأسـطـول الإسـبـاني ضـدّ الـقـراصـنـة الـمـقـيـمـيـن عـلى سـاحـل تـونـس.

وبـعـد أن عـاد إلى رومـا تـعـرّف عـلى طـبـيـب عـالـم اســمـه مـاريـو سـكـيـبـانـو Mario Schipano ، وتـلـقى عـلى يـديـه أوّل دروسـه في الـلـغـة الـعـربـيـة، وأخـذ عـنـه الـرّغـبـة في الـتّـعـرّف عـلى الـثّـقـافـات الأجـنـبـيـة. وكـان بـيـيـتـرو يـقـضي بـعـضـاً مـن وقـتـه أيـضـاً في تـألـيـف الـمـوسـيـقى ونـظـم أوبـرات صـغـيـرة. ثـمّ قـرر شـدّ الـرّحـال لـلـحـج إلى فـلـسـطـيـن (الأرض الـمـقـدّسـة). وبـعـد أن كـرّسـه خـوري إحـدى كـنـائـس نـابـولي كـ “مـؤهـل لـلـحـج ” أبـحـر مـنـطـلـقـاً مـن الـبـنـدقـيـة  Venezia  في 1614. وكـان قـد اتـفـق مـع مـاريـو سـكـيـبـانـو عـلى أن يـكـتـب لـه عـن كـلّ مـا يـلاقـيـه في أســفـاره لـيـتـرجـمـه لـه إلى الـلـغـات الأوربـيـة ويـنـشـره.  ودامـت الـمـرحـلـة الأولى مـن سـفـرتـه عـدّة أشـهـر زار خـلالـهـا عـدّة أمـاكـن مـن الـيـونـان ووصـل في نـهـايـتـهـا إلى إسـطـنـبـول في شـهـر آب 1614.

وفي إسـطـنـبـول، إرتـاد الـسـفـراء الأوربـيـيـن حـول الـباب الـعـالي. وبـدأ يـبـعـث لـسـكـيـبـانـو بـوصـف لـطـرق مـعـيـشـة الأتـراك وعـاداتـهـم وتـقـالـيـدهـم، ولـمـعـمـارهـم ومـوسـيـقـاهـم … وبـعـد أن قـضى أكـثـر مـن سـنـة في إســطنـبـول، تـعـلّـم خـلالهـا الـلـغـة الـتّـركـيـة عـبـر الـبـحـر في شـهـر أيـلـول 1615 إلى الإسـكـنـدريـة ثـمّ الـقـاهـرة، واهـتـم كـثـيـراً بالـمـوسـيـقى الـمـصـريـة ورقـص هـزّ الـبـطـن. ثـمّ  وصـل في آخـر الـمـطـاف إلى مـديـنـة الـقـدس في ربـيـع 1616 لإقـامـة الـحـج الّـذي جـاء مـن أجـلـه. وعـنـدمـا انـتـهى مـنـه، خـلـع ثـيـاب الـحـج وارتـدى ثـيـاب الـسّـفـر مـنـطـلـقـاً إلى حـلـب. وكـان هـدفـه، مـا عـدا اكـتـشـاف آلات مـوسـيـقى جـديـدة وتـوابـل وبـهـارات لـم يـر مـثـلـهـا مـن قـبـل، أن يـلـتـقي بـشـاه بـلاد فـارس الـصّـفـوي عـبّـاس الأوّل لـيـقـتـرح عـلـيـه تـعـاهـداً مـع أوربـا الـكـاثـولـيـكـيـة ضـدّ الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني. ومـن الـقـدس سـافـر إلى حـلـب ومـنـهـا إلى بـغـداد. وقـد رأيـنـا كـيـف تـزوّج فـيـهـا بـبـغـداديـة.

ولـم يـمـنـعـه ذلـك مـن إشـبـاع فـضـولـه لـلـمـعـرفـة  فـذهـب بـيـيـتـرو إلى مـوقـع بـابـل قـرب الـحـلّـة. وكـان أوّل مـن وجـد مـوقـع الـمـديـنـة الـقـديـمـة الـحـقـيـقي، فـقـد كـان الأوربـيـون قـبـلـه يـعـتـقـدون أنّ عـقـرقـوف (مـوقـع مـديـنـة  دور كـوريـغـالـزو Dur-Kurigalzu  الـقـديـمـة ) كـانـت بـابـل وأنّ بـغـداد هي “بـابـل الـجـديـدة” الّـتي أعـيـد تـشـيـيـدهـا قـرب مـوقـع الـمـديـنـة الـقـديـمـة. وقـد رسّـخـت هـذه الـفـكـرة في أذهـانـهـم وجـود آثـار قـديـمـة قـربـهـا فـتـصـوّروا أنّ زقـورة عـقـرقـوف هي بـرج بـابـل.

ولـكـنّ بـيـيـتـرو لـم يـفـلـح في الـعـثـورعـلى بـرج بـابـل أيّ زقـورة “إتـمـنَـنـكي” الـمـكـرّسـة لـلإلـه مـردوخ، وظـنّ أنـهـا كـانـت تـحـت ركـام “تـلّ بـابـل”  (الّـذي كـشـفـت الـتّـنـقـيـبـات بـعـد ذلـك أنّـه “الـقـصـر الـصّـيـفي”  لـلـمـلـك نـبـوخـذنـصـر الـثّـاني).

ورغـم أنّ خـيـبـة أمـل شـديـدة تـمـلـكـتـه عـنـدمـا رأى الـخـرائـب، فـقـد تـفـحـصّ الـمـوقـع بـكـثـيـر مـن الـتّـدقـيـق ولاحـظ الـمـواد الـمـسـتـعـمـلـة في الـبـنـاء. وطـلـب أن يـحـفـر لـه حـول الـجـدران لـيـرى مـخـطـط  الأبـنـيـة، واقـتـرح لـهـا تـأريـخـاً تـقـريـبـيـاً، وحـتّى أنّـه طـلـب أن تـرسـم لـه لـوحـتـان عـن الـمـوقـع (إسـتـعـمـلـهـمـا كـرشـيـر Kircher  بـعـد ذلـك في كـتـابـه عـن بـرج بـابـل عـام 1679).

وكـان بـيـيـتـرو ديـلـلا فـالـيـه أوّل رحّـالـة جـاب بـقـاع مـا بـيـن الـنّـهـريـن ومـعـه رسّـام مـمـتـهـن، أجّـره لـيـصـاحـبـه ويـرسـم لـه الـمـواقـع الأثـريـة وقـطـع الـفـخـار والـطّـابـوق الـمـنـقـوش بـكـتـابـات مـسـمـاريـة وأجـزاء مـن أخـتـام أسـطـوانـيـة. كـمـا رسـم لـه قـطـع مـن الـجـدران عـلـيـهـا آثـار قـار وقـصـب خـلـعـهـا مـن أمـاكـنـهـا وأخـذهـا مـعـه لـيـدعـم بـهـا مـلاحـظـاتـه عـن طـرق الـبـنـاء الـقـديـمـة.

بـيـيـتـرو  في بـلاد الـفـرس والـهـنـد :

وفي الـرّابـع مـن كـانـون الـثّـاني 1917 كـتـب لـســكـيـبـانـو أنّـه غـادر بـغـداد بـصـحـبـة زوجـتـه مـعـاني نـحـو أصـفـهـان الّـتي وصـلـهـا في شـبـاط. ولـكـنّ الـشّـاه عـبّـاس كـان قـد تـرك عـاصـمـتـه لـيـقـاتـل سـلـطـان الأتـراك، فـقـرر بـيـيـتـرو أن يـنـتـظـر رجـوعـه. وبـعـد أن طـال انـتـظـاره وتـجـاوز سـنـة كـامـلـة ، قـرر أن يـذهـب لـلـقـاء الـشّـاه في مـعـسـكـره. وقـد اسـتـطاع بـيـيـرو أن يـفـاوض الـشّـاه طـويـلاً مـن غـيـر أن يـصـل إلى نـتـيـجـة. وبـعـد هـذا الـفـشـل في عـقـد تـعـاهـد مـع الـشّـاه الـفـارسي، حـدث مـا أقـلـق بـيـيـتـرو قـلـقـاً شـديـداً فـهـو لـم يـعـد يـسـتـلـم أجـوبـة سـكـبـيـانـو عـلى رسـائـلـه : فـهـل نـسـاه أهـل بـلـده وتـركـوه وحـيـداً في هـذه الـبـلاد الـغـريـبـة. وهـكـذا قـرر أن يـتـرك أصـفـهـان في تـشـريـن الأوّل 1621لـيـسـلـك طـريـق الـعـودة إلى رومـا، ولـم تـكـن قـافـلـة بـيـيـتـرو الـصّـغـيـرة  تـشـمـل إلّا مـعـاني وشـقـيـقـهـا وخـادمـة جـيـورجـيـة في الـثّـانـيـة عـشـرة مـن عـمـرهـا : مـاريـا تـيـنـاتـيـن  وبـضـعـة خـدم. وعـنـد وصـولـهـم إلى الـخـلـيـج الـعـربي كـانـت الـمـلاريـا تـنـتـظـرهـم فـتـسـاقـطـوا مـرضى. وكـانـت مـعـاني حـامـلاً فـفـقـدت جـنـيـنـهـا ثـمّ مـاتـت. وبـقي بـيـيـتـرو بـجـانـب الـجـثـمـان سـبـع لـيـالٍ قـبـل أن يـجـعـلـه يُـحـنّـط ،لأنّـه كـان قـد وعـد زوجـتـه قـبـل مـوتـهـا أن يـعـود بـهـا إلى رومـا. وكـان هـو نـفـسـه مـريـضـاً ولـكـنّـه اسـتـطـاع في هـرمـز أن يـجـد سـفـيـنـة إنـكـلـيـزيـة في بـدايـة 1623 أوصـلـتـهـم  بـصـحـبـة الـجـثـمـان الـمـحـنـط الّـذي وضـع في صـنـدوق مـصـفـح بـالـرّصـاص إلى ضـفـاف غـرب الـهـنـد. وظـلّ سـنّـة في الـهـنـد نـزل فـيـهـا حـتّى كـلـكـتـا. وفي آخـر سـنـة 1624 وجـد ســفـيـنـة أوصـلـتهـم إلى مـسـقـط في عـمـان،  مـنـهـا صـعـدوا إلى الـبـصـرة.

ومـرّ بـيـيـتـرو في 1625 بـتـلّ الـمـقـيّـر، مـوقـع مـديـنـة أور الـقـديـمـة، وتـمـعّـن في فـحـصـه والـتـقـط مـنـه شـظـايـا فـخـار وقـطـع طـابـوق عـلـيـهـا كـتـابـات مـسـمـاريـة وأجـزاء مـن أخـتـام أسـطـوانـيـة. ثـمّ تـابـع سـفـره إلى حـلـب فـالاسـكـنـدرونـة. وقـد سـبـب لـه نـقـل جـسـد زوجـتـه الـمـحـنّـط مـعـه مـا لا يـحـصى مـن الـمـصـاعـب، وكـان عـلـيـه أن يـحـرسـه باسـتـمـرار ضـدّ الـلـصـوص الّـذيـن كـانـوا يـعـتـقـدون أنّـه كـان يـخـفي كـنـزاً. ولـم يـصـل بـيـيـتـرو مـع جـثـمان زوجـتـه والـخـادمـة الـصّـغـيـرة إلى نـابـولي إلّا في بـدايـة  1626.

وعـنـدمـا وصـل عـنـد أهـلـه في رومـا أراد أن يـريـهـم جـمـال زوجـتـه الـبـغـداديـة الـمـحـنّـطـة فـوجـد الـكـافـور قـد حـافـظ عـلى الـجـسـد كـمـا هـو ولـكـنّ الـوجـه كـان قـد تـفـسّـخ. ودفـنـت مـعـاني في قـبـر شـديـد الـجـمـال في سـرداب الـمـقـبـرة الـعـائـلي في كـنـيـسـة سـانـتـا مـاريـا داراكـويـلي فـوق مـرتـفـع الـكـابـيـتـول.

وأهـدى بـيـيـتـرو ديـلـلا فـالـيـه إلى مـتـحـف Museum Kircherianum   في رومـا مـا كـان قـد جـلـبـه مـعـه مـن بـابـل وأور مـن قـطـع أثـريـة قـديـمـة. وكـان مـن بـيـنـهـا نـصـوص مـسـمـاريـة مـن أوائـل مـا وصـل إلى أوربـا.

وبـعـد أن اسـتـقـرّ بـيـيـتـرو في رومـا عـيّـنـه الـبـابـا أوربـيـن الـثّـامـن في وظـيـفـة شـرف. وعـاد بـيـيـتـرو إلى دراسـة لـغـاتـه الـشّـرقـيـة ومـوسـيـقـاه، واسـتـمـرّ يـكـتـب مـدافـعـاً عـن فـنّ الأوبـرا الـيـافـع ضـدّ عـداوة الـمـوسـيـقى الـتّـقـلـيـديـة. وشـرع يـعـرض الآلات الـمـوسـيـقـيـة الّـتي جـلـبـهـا مـعـه مـن الـشّـرق، ومـنـهـا الـقـانـون والـسّـنـطـور عـلى هـواة الـمـوسـيـقى ويـعـلّـمـهـم طريـقـة الـعـزف عـلـيـهـا. كـمـا شـرع في صـنـع آلات مـوسـيـقـيـة مـبـتـكـرة لـم يـكـتـب لـهـا الـبـقـاء. وتـزوّج بـيـيـتـرو  بـمـاريـا تـيـنـاتـيـن، خـادمـة زوجـتـه مـعـاني الّـتي أنـجـبـت لـه أربـعـة عـشـر ولـداً وبـنـتـاً.

وتـوفي بـيـيـتـرو ديـلّا فـالـيـه في نـيـسـان 1652 ، ودفـن في سـرادب الـمـقـبـرة الـعـائـلي في كـنـيـسـة سـانـتـا مـاريـا داراكـويـلي بـجـانـب زوجـتـه الأولى، الـبـغـداديـة مـعـاني.

تـشـيـيـع جـثـمـان الـسّـت مـعـاني وكـتـاب الـتّـأبـيـن:

رأيـنـا أنّ مـعـاني دفـنـت بـعـد عـودة بـيـيـتـرو إلى رومـا عـام 1626 في سـرداب مـقـبـرة عـائـلـتـه في كـنـيـسـة سـانـتـا مـاريـا داراكـويـلي فـوق مـرتـفـع الـكـابـيـتـول. ولـكـنّ الـمـأتـم أو بـالأحـرى حـفـل الـتّـأبـيـن لـم يـقـام إلّا بـعـد عـدّة أشـهـر: في 27 آذار 1627. وقـد نـشـر بـهـذه الـمـنـاسـبـة كـتـابـاً بـمـائـة وخـمـسـيـن صـفـحـة عـنـوانـه : “حـفـل تـأبـيـن الـسّـيّـدة سـتّي مـعـاني الـجـويـري ديـلّا فـالـيـه الّـذي أقـيـم في رومـا عـام 1627:Funerale della signora Sitti Maani Gioerida della Valle celebrato in Roma l’anno 1627 “.

معاني 1

ونـرى عـلى  غـلاف الـكـتـاب شـعـار عـائـلـة ديـلّا فـالـيـه الّـذي يـمـثّـل خـوذة حـديـديـة يـعـلـوهـا نـسـر وتـحـيـطـهـا تـزيـيـنـات نـبـاتـيـة  في وسـطـهـا أربـع مـربـعـات : إثـنـان مـنـهـا يـمـثـلان رايـة الـعـائـلـة (أسـدان مـتـقـابـلان يـعـلـوهـمـا نـسـر) وأضـيـف إلـيـهـمـا مـربـعـيـن كـرايـة لـسـتّ مـعـاني نـقـرأ عـلـيـهـمـا بـالـسّـريـانـيـة مـا مـعـنـاه : “أمـة الـرّب مـعـاني”. وبـعـد مـقـدمـة بـالـلـغـة الإيـطـالـيـة عـن الـسّـت مـعـاني، يـحـتـوي الـكـتـاب مـن ص. 19 إلى ص. 30 عـلى نـصـوص عـنـهـا بـعـدّة لـغـات : الـلاتـيـنـيـة والـكـلـدانـيـة (ويـقـصـد بـهـا الـسّـريـانـيـة) والإيـطـالـيـة والـعـربـيـة والـبـرتـغـالـيـة والـتّـركـيـة والـفـرنـسـيـة والـفـارسـيـة والإسـبـانـيـة والأرمـنـيـة والإغـريـقـيـة (أي الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة) والـيـونـانـيـة (الـحـديـثـة).

ونـقـرأ في الـنّـص الـعـربي ص. 22: “غـربـتي إلى بـابـل. لأخـلّـص ذاتي مـن خـطـور الأعـداء. تـغـرّبـت إلى بـلـد الـعـجـم. لاتـبـع عـريـسي في خـطـور الـحـرب والـقـتـال. ولـكي أكـون مـعـه بـالـراحـة في بـلـده. فـكـنـت مـسـتـعـدة لـلـغـربـة مـعـه. في الـبـر والـبـحـر. حـتى إلى رومـة الـعـظـمـا. فـلـم يـاذن لي الـمـوت بـذلـك: واه. والان مـن ذات خـاطـري. أنـا مـنـغـرّبـة إلى الـسـمـا. فـلـم أنـسـاك مـن الـتّـظـرع لله. مـن أجـلـك. يـا حـبـيـبي “.

معاني 5

ويـحـتـوي الـقـسـم الـتّـالي، مـن ص. 31 إلى ص. 114 عـلى أكـثـر مـن ثـلاثـيـن قـطـعـة شـعـريـة في رثـاء الـسّـتّ مـعـاني نـظـمـهـا أعـضـاء الأكـاديـمـيـة ديـلـيي أومـوريـسـتي مـن أصـحـاب بـيـيـتـرو بـالـلـغـتـيـن الـلاتـيـنـيـة والإيـطـالـيـة. ولأنّ أحـداً مـنـهـم لـم يـر الـسّـتّ مـعـاني فـقـد تـخـيـلـوا فـيـهـا كـلّ الـفـضـائـل الـمـمـكـنـة حـسـب تـعـلـيـمـات بـيـيـتـرو، ونـقـرأ مـثـلاً : “وقـد أسـمـوهـا مـعـاني، وهـو مـا يـدلّ بـالـعـربـيـة عـلى : significance  أي الـمـعـنى، و intelligence أي الـذّكـاء، وconcepts  أي الـمـفـاهـيـم، و eloquence أي الـفـصـاحـة أو بـالأحـرى الأمـثـال سـواء كـان ذلـك في الـنّـثـر أو في الـشّـعـر”. وكـان بـيـيـتـرو قـد أعـطـاهـم نـسـخـاً مـن الـرّسـائـل الأربـع والـخـمـسـيـن الّـتي كـان قـد بـعـثـهـا مـن الـشّـرق لـصـديـقـه سـكـيـبـانـو. ونـجـد بـعـضـهـا في سـرد رحـلـتـه إلى الـشّـرق (Viaggi) الّـذي نـشـره بـعـد ذلـك في رومـا بـيـن 1650 و1653.

أمّـا الـقـسـم الأخـيـر، مـن ص. 115 إلى ص. 149 فـقـد خـصـص لـنـصـوص نـثـريـة يـرثي فـيـهـا بـيـيـتـرو زوجـتـه الـرّاحـلـة سـتّ مـعـاني. وتـظـهـر الـسّـت مـعـاني مـن مـجـمـوع نـصـوص الـتّـأبـيـن زوجـة مـثـالـيـة وامـرأة حـازمـة قـويـة الـشّـخـصـيـة بـل زنـوبـيـا حـديـثـة ! والأهـمّ مـن كـلّ هـذا مـسـيـحـيـة شـرقـيـة سـريـانـيـة (كـلـدانـيـة) كـانـت مـسـتـعـدّة لـلـدخـول في طـاعـة الـكـنـيـسـة الـكـاثـولـيـكـيـة في رومـا.

ويـحـتـوي الـكـتـاب عـلى ثـلاثـة رسـوم مـحـفـورة عـلى الـمـعـدن ومـطـبـوعـة، مـا عـدا رسـم الـغـلاف. ونـجـد في الـصّـفـحـة الـثّـالـثـة رسـمـاً لـسـتي مـعـاني (الّـذي وضـعـنـاه في بـدايـة الـمـقـال). ونـعـرف مـن رسـالـة كـتـبـهـا بـيـيـرو في 21 تـشـريـن الأوّل 1619 أنّـه طـلـب مـن رسّـام أن يـصـور لـه زوجـتـه لـيـبـعـث بـالـرّسـم إلى عـائـلـتـه في رومـا. ونـقـرأ في ص. 61 مـن الـقـسـم الـسّـابـع مـن الـجـزء الـثّـاني مـن سـرد الـرّحـلـة : “بـعـثـت إلى رومـا بـصـورة زوجـتي الـسّـت مـعـاني الّـتي تـودّ عـائـلـتي رؤيـتـهـا. وهي بـالـحـجـم الـطّـبـيـعي، تـرتـدي ثـوبـاً سـريـانـيـاً مـع أنّـهـا نـادراً مـا تـرتـديـه اعـتـيـاديـاً”. ويـذكـر أنّـه هـو نـفـسـه كـان يـرتـدي مـلابـس الـمـنـطـقـة الّـتي يـقـيـم فـيـهـا وحـسـب حـالـة الـطّـقـس، وهـو مـا كـانـت تـفـعـلـه زوجـتـه أيـضـاً. ويـضـيـف بـيـيـتـرو في كـلامـه عـن صـورة زوجـتـه : “وأنـا آسـف لأنّ الـصّـورة لـيـسـت بـالـتّـكـامـل الّـذي كـنـت أودّ أن تـكـون عـلـيـه مـا دمـت لـم أجـد رسّـامـاً عـظـيـمـاً لـيـنـفّـذهـا فـارتـضـيـت بـهـذا الـرّسّـام الـفـلامـيـنـكي الـشّـاب الّـذي كـان في خـدمـتي. وهـو عـلى كـلّ حـال لـم يـكـمـلـهـا قـبـل أن يـتـرك خـدمـتي”.

ويـذكـر بـيـيـتـرو في سـرد رحـلـتـه هـذا الـرّسّـام عـدّة مـرّات، فـقـد الـتـقى بـه في مـديـنـة الـبـنـدقـيـة  Venezia عـام 1612، قـبـل أن يـشـرع في رحـلـتـه. وقـد أجّـره لـيـصـاحـبـه ويـرسـم لـه مـا يـسـتـحـق الـرّسـم مـن مـلابـس غـريـبـة ومـنـاظـر لـم يـرهـا مـن قـبـل. وكـان اسـمـه يـان فـان هـاسـيـلـت  Jan Lucaszoon van Hasselt.

ويـذكـر بـيـيـتـرو أنّـه لـم يـظـهـر في صـورة زوجـتـه الـحـلي الّـتي تـلـبـسـهـا الـشّـرقـيـات، وأنّ زوجـتـه خـلـعـت الـحـلـقـة الّـتي كـانـت تـضـعـهـا في مـنـخـارهـا : “والـشّـرقـيـات يـضـعـنـهـا كـمـا تـوضـع الـحـلـقـات في خـيـاشـيـم الـجـوامـيـس” !  كـمـا أنّ الـرّسّـام صـوّر الـخـنـجـر الّـذي تـحـمـلـه زوجـتـه مـن غـيـر ذهـب أو جـواهـر.

وقـد ضـاعـت هـذه الـلـوحـة ولـم يـصـلـنـا مـنـهـا إلّا هـذا الـرّسـم الـمـطـبـوع. وكـان بـيـيـتـرو يـنـوي أن يـطـلـب مـن أشـهـر رسـامي إيـطـالـيـا أن يـرسـمـو سـت مـعـاني بـعـد أن يـعـود مـعـهـا إلى رومـا. ولـكـن الـمـوت لـم يـأذن لـه بـذلـك. وبـقي لـنـا أيـضـاً وصـف بـيـيـتـرو لـمـعـاني : “جـمـالـهـا يـوافـق مـعـايـيـر الـجـمـال في بـلـدهـا. أي أنّ لـبـشـرتـهـا لـون حـارّ يـعـتـبـر في أعـيـن الإيـطـالـيـيـن أقـرب إلى الـبـنّي مـنـه إلى الأبـيـض. ويـقـرب شـعـرهـا مـن الـسّـواد، وكـذلـك حـاجـبـاهـا وأهـدابـهـا الّـتي تـطـيـلـهـا بـالـكـحـل عـلى طـريـقـة الـشّـرقـيـات. وتـشـعّ عـيـنـاهـا بـنـفـس الـلـون (أي الأسـود)”.

ونـجـد بـيـن صـفـحـتي 16 و17 رسـمـيـن حـفـرا عـلى الـمـعـدن وطـبـعـا : صـورة الـمـنـصّـة الّـتي تـمـثّـل الـنـعـش في حـفـل الـتّـأبـيـن،

معاني 3

صـنـعـت عـلى الأسـلـوب الـبـاروكي الـطّـاغي في ذلـك الـزّمـان. وشـعـار الـسّـت مـعـاني

معاني 4

فـلـكي تـعـتـبـر نـبـيـلـة في أعـيـن الإيـطـالـيـيـن كـان عـلـيـه أن يـخـتـرع لـهـا شـعـاراً خـاصّـاً بـهـا. وهـو دائـرتـان تـحـيـط الـواحـدة مـنـهـمـا بـالأخـرى. في وسـط الـدّائـرة الـصّـغـيـرة نـصّ مـخـطـوط  بـالـسّـريـانـيـة : “أمـة الـرّب مـعـاني”.  وفي الـدّائـرة الـواسـعـة نـصّ طـويـل بـالـخـط الـعـربي مـتـشـابـك الـحـروف يـمـكـن أن نـقـرأ فـيـه :  “الله الـقـديـم الأسـمى الأشـرف الأرفـع الأعـلى الـسّـت مـعـاني بـنـت الـسّـيـد الـحـبـيـب جـان الـمـادسي ؟ جـويـري مـن الأصـل في الـجـزيـرة”.  ولـكـنّ هـذه الـقـراءة لـيـسـت أكـيـدة.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s