أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

ag. 3

رغـم قـلّـة شـغـف قـرّاء الـلـغـة الـعـربـيـة بـالـرّوايـات الـبـولـيـسـيـة كـنـوع أدبي، وهـو مـا تـعـجّ بـه الـمـكـتـبـات (مـحـلّات بـيـع الـكـتـب والـمـكـتـبـات الـخـاصـة والـعـامـة) في الأنـحـاء الأخـرى مـن الـعـالـم، فـإنّ الـقـارئ الـعـربي عـامـة يـعـرف أجـاثـا كـريـسـتي. وربّـمـا قـرأ لـهـا روايـة بـولـيـسـيـة أو روايـتـيـن.

فـمـن كـانـت هـذه الـكـاتـبـة الـشّـديـدة الـشّـهـرة الّـتي بـيـع مـن كـتـبـهـا أكـثـر مـن بـلـيـون نـسـخـة بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة وأكـثـر مـن بـلـيـون نـسـخـة مـن تـرجـمـاتـهـا إلى 44 لـغـة أجـنـبـيـة (مـن بـيـنـهـا الـلـغـة الـعـربـيـة )؟

ولـدت Agatha Mary Clariss في 1890، في عـائـلـة بـريـطـانـيـة مـيـسـورة الـحـال مـن الـطّـبـقـة الـوسـطى. قـد رفـضـت أمّـهـا أن تـدخـلـهـا في مـدرسـة، وفـضّـلـت أن تـتـولى تـعـلـيـمـهـا في الـدّار، مـمـا تـرك لـلـطّـفـلـة الـصّـغـيـرة وقـتـاً لـتـنـمـيـة حـبّـهـا لـلـقـراءة وحـبّـهـا لـلـحـيـوانـات بـدلاً مـن الـلـعـب مـع الأطـفـال الآخـريـن. وعـنـدمـا بـلـغـت سـن الـحـاديـة عـشـرة تـوفي والـدهـا. وقـد ذكـرت بـعـد ذلـك أنّ طـفـولـتـهـا انـتـهـت بـوفـاة والـدهـا. وسـاءت حـالـة الـعـائـلـة الـمـاديـة. ودخـلـت أجـاثـا في الـعـام الـتّـالي مـدرسـة لأوّل مـرّة في حـيـاتـهـا، ولـكـنّـهـا وجـدت الـنّـظـام الّـذي لـم تـكـن قـد تـعـودت عـلـيـه صـعـبـاً. وقـد أرسـلـت في سـن الـخـامـسـة عـشـرة إلى بـاريـس، في فـرنـسـا، وغـيّـرت الـمـدرسـة الـدّاخـلـيـة ثـلاث مـرّات قـبـل أن تـنـهي دراسـتـهـا وتـعـود إلى إنـكـلـتـرة في 1910، وكـانـت في الـعـشـريـن مـن عـمـرهـا.

وقـد اكـتـشـفـت عـنـد عـودتـهـا إلى إنـكـلـتـرة أنّ أمّـهـا كـانـت مـريـضـة وأنّ الأطـبّـاء نـصـحـوهـا بـتـغـيـيـرالـجـو والـذّهـاب إلى بـلـد طـقـسـه جـاف وحـار. وكـانـت مـصـر أنـذاك وجـهـة الـبـريـطـانـيـيـن الـمـفـضّـلـة، فـصـاحـبـت أجـاثـا أمّـهـا إلى الـقـاهـرة. وقـد اغـتـنـمـت الـفـرصـة لـزيـارة الـمـعـالـم الـفـرعـونـيـة، ومـع ذلـك لـم يـظـهـر شـغـفـهـا بـمـصـر الـقـديـمـة إلّا بـعـد ذلـك بـسـنـوات طـويـلـة، في آخـر فـتـرة مـن حـيـاتـهـا.

وفي 1912، إلـتـقـت أجـاثـا بـأرشـيـبـولـد كـريـسـتي Archibald Christie . ثـمّ انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى في 1914، وأرسـل Archibald لـلـقـتـال في فـرنـسـا، فـتـطـوعـت أجـاثـا لـلـخـدمـة في مـسـتـشـفى. وفي نـهـايـة عـام 1914، عـاد Archibald في إجـازة إلى لـنـدن وتـزوّجـا. وأخـذت أجـاثـا اسـم زوجـهـا وأصـبـحـت : أجـاثـا كـريـسـتي Agatha Christie .

وبـعـد مـحـاولات فـاشـلـة لـنـشـر روايـة بـولـيـسـيـة، قـبـلـت دار نـشـر The Bodley Head في 1920 أن تـنـشـر لـهـا روايـتـهـا الأولى الّـتي اكـتـشـف فـيـهـا الـقـراء شـخـصـيـة الـمـحـقـق هـرقـل بـواروت. وكـان ذلـك بـدايـة شـهـرتـهـا الّـتي لـم تـتـوقـف بـعـد ذلـك. وقـد نـشـرت أجـاثـا كـريـسـتي حـتّى عـام وفـاتـهـا في 1976 : 79 روايـة بـولـيـسـيـة ومـجـمـوعـة قـصـصـيـة، و 19 مـسـرحـيـة أشـهـرهـا : مـصـيـدة الـفـئـران. كـمـا نـشـرت سـتّ روايـات تـحـت اسـم مـسـتـعـار: Mary Westmacott .

وبـيـع مـن كـتـبـهـا أكـثـر مـن بـلـيـون نـسـخـة بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة وأكـثـر مـن بـلـيـون نـسـخـة مـن تـرجـمـاتـهـا إلى 44 لـغـة أجـنـبـيـة (مـن بـيـنـهـا الـلـغـة الـعـربـيـة). ومـاعـدا أعـمـالـهـا الـرّوائـيـة والـقـصـصـيـة والـمـسـرحـيـة، نـشـرت أجـاثـا كـريـسـتـي أربـعـة كـتـب مـن بـيـنـهـا سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة An Autobiography الّـتي صـدرت في 1977، أي بـعـد عـام مـن وفـاتـهـا، وكـتـاب Come, Tell Me How You Live الّـذي تـتـكـلّـم فـيـه عـن عـدّة بـعـثـات تـنـقـيـب شـاركـت فـيـهـا مـع زوجـهـا الـثّـاني عـالـم الآثـارمـاكـس مـالـوان Max MALLOWAN.

أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق :

بـعـد أن طـلّـقـت Archibald في 1928، سـافـرت أجـاثـا كـريـسـتي إلى الـعـراق في 1929، وزارت الـتّـنـقـيـبـات الأثـريّـة في أور والّـتي كـان يـشـرف عـلـيـهـا لـيـونارد وويـلي Leonard WOOLLEY . ورغـم أنّ وويـلي كـان يـرفـض دخـول الـسّـواح إلى الـمـوقـع، فـقـد قـبـل أن يـسـتـقـبـل أجـاثـا كـريـسـتي لأنّ زوجـتـه كـاثـريـن كـانـت مـن الـمـعـجـبـات بـروايـاتهـا. وفي الـعـام الـتّـالي 1930، بـعـثـت لـهـا كـاثـريـن بـدعـوة ثـانـيـة لـتـزور الـمـوقـع. وطـلـبـت مـن عـالـم الآثـار، الّـذي كـان في وقـتـهـا مـبـتـدءاً، مـاكـس مـالـوان Max MALLOWANأن يـكـون دلـيـلاً لـلـكـاتـبـة في زيـارتـهـا لـلـمـوقـع. وعـنـدمـا قـطـعـت أجـاثـا كـريـسـتي زيـارتـهـا لـتـعـود إلى إنـكـلـتـرة بـعـد أن جـاءهـا خـبـر مـرض ابـنـتـهـا، صـاحـبـهـا مـالـوان، ثـم عـاد إلى أور. وذهـب مـالـوان مـن جـديـد بـعـد عـدّة أشـهـر إلى إنـكـلـتـرة لـيـطـلـب مـن أجـاثـا أن تـتـزوّجـه، وقـبـلـت. وكـانـت أجـاثـا في الأربـعـيـن مـن عـمـرهـا.

ag. 5

وقـررمـالـوان أن يـتـرك الـتّـنـقـيـبـات في أور لـيـبـحـث عـن مـوقـع يـمـكـن لأجـاثـا أن تـصـاحـبـه فـيـه. وبـدءا في 1931/ 1932 مـوسـم تـنـقـيـبـاتـهـمـا الأوّل في نـيـنـوى، وقـد شـاركـت فـيـهـا أجـاثـا كـمـسـاعـدة تـنـظّـف الـقـطـع الأثـريـة وتـرمـمـهـا وتـصـنّـفـهـا، كـمـا الـتـقـطـت صـوراً فـوتـوغـرافـيـة لـلـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـرعـلـيـهـا في الـمـوقـع. ثـمّ مـوّل الـمـتـحـف الـبـريـطـاني تـنـقـيـبـات في مـوقـع تـلّ عـربـجـيـة Tell Arpachiyah ، بـدأ مـالـوان بـالإشـراف عـلـيـهـا في ربـيـع 1933، وبـقـيـت أجـاثـا مـع زوجـهـا في نـيـنـوى إلى عـام 1934.

وفي 1947،عـيّـن مـالـوان مـديـراً لـلـمـدرسـة الـبـريـطـانـيـة لآثـارالـعـراق British School of Archaeology in Iraq وأشـرف عـلى الـتّـنـقـيـبـات الّـتي نـظّـمـتـهـا الـمـدرسـة بـالإشـتـراك مـع الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في مـوقـع نـمـرود والّـتي اسـتـمـرت عـدّة مـواسـم مـن 1948/ 1949 وإلى 1958. وقـد وجـدت في هـذه الـحـمـلات مـنـحـوتـات عـاجـيـة (1)، ويـذكـر مـالـوان أنّ أجـاثـا هي الّـتي نـصـحـتـه أن يـخـرج هـذه الـقـطـع مـن مـخـابـئـهـا تـدريـجـيـاً حـتّى لا تـجـفّ في الـهـواء الـسّـاخـن وتـتـكـسـر.

ag. 1

وتـحـكي أجـاثـا كـريـسـتي في سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة : An Autobiography  الّـتي صـدرت في تـشـريـن الـثّـاني 1977، بـعـد مـا يـقـارب عـامـيـن مـن وفـاتـهـا في كـانـون الـثّـاني 1976، كـيـف كـانـت تـنـظّـف هـذه الـمـنـحـوتـات : “وقـد شـاركـت في تـنـظـيـف عـدد مـنـهـا. وكـانـت آلـتي الـمـفـضّـلـة عـود بـرتـقـالي الـلـون يـشـبـه إبـرة حـيـاكـة، كـان مـن أدوات طـبـيـب أسـنـان تـركـه ، أو بـالأحـرى أعـطـاه لي، وعـلـبـة مـن مـرهـم تـجـمـيـل لـلـوجـه. وكـان هـذا أفـضـل مـا وجـدتـه لإخـراج الـوسـاخـة الـمـتـراكـمـة في الـشّـقـوق مـن غـيـر أن أكـسّـر الـعـاج. وقـد اسـتـعـمـلـت كـمـيـات كـبـيـرة مـن هـذه الـدّهـون حـتّى لـم يـبـق في الـعـلـبـة، بـعـد أسـبـوعـيـن، مـا أدهـن بـه وجـهي الـمـسـكـيـن !” (2) كـمـا أنّـهـا الـتـقـطـت صـوراً فـوتـوغـرافـيـة لـكـلّ الـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا في الـمـوقـع.

ag. 6

ag. 7

وتـتـكـلّـم أجـاثـا كـريـسـتـي عـن الـعـراق خـاصـة في أربـعـة كـتـب : روايـتـيـن بـولـيـسـيـتـيـن : جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia الّـتي  تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان “جـريـمـة في الـعـراق” (1)، و They Came to Baghdad الّـتي تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان :”مـوعـد في بـغـداد”. وفي كـتـابـيـن سـردت فـيـهـمـا ذكـريـاتـهـا : تـعـال اخـبـرني كـيـف تـعـيـش Come, Tell Me How You Live الّـذي صـدر في 1946، وسـيـرتـهـا الـذّاتـيـة : An Autobiography الّـتي صـدرت في تـشـريـن الـثّـاني 1977.

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) نـقّـب مـاكـس إدغـار لـوسـيـان مـالـوان Sir Max Edgar Lucien MALLOWAN بـعـد الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة في مـوقـع نـمـرود لـحـسـاب الـمـدرسـة الـبـريـطـانـيـة لـلآثـارفي الـعـراق The British School of Archaeology in Iraq ، واسـتـمـرت الـحـمـلات عـدّة مـواسـم بـيـن 1949 و 1963. وقـد اكـتـشـف فـيـهـا مـنـحـوتـات عـاجـيـة يـعـود تـاريـخـهـا إلى مـابـيـن الـقـرن الـتّـاسـع والـقـرن الـسّـابـع قـبـل الـمـيـلاد. ويـبـدو أنّـهـا كـانـت مـن الـغـنـائـم الّـتي جـلـبـهـا الـجـيـش مـن حـمـلاتـه الـحـربـيـة، فـنـحـن نـعـرف أنّ الآشـوريـيـن لـم يـنـحـتـوا الـعـاج. وقـد احـتـفـظ الـمـعـهـد الـبـريـطـاني لـدراسـة الـعـراقThe British Institute For The Study Of Iraq بـهـذه الـقـطـع الّـتي لـم تـعـرض حـتّى عـام 2011. وفي ذلـك الـعـام بـاع الـمـعـهـد ثـلـث مـجـمـوعـتـه (مـا يـقـارب 6000 قـطـعـة) إلى الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن. كـمـا يـنـوي الـمـعـهـد إهـداء ثـلـث آخـر إلى نـفـس الـمـتـحـف، وإعـادة الـثّـلـث الـبـاقي إلى الـعـراق.

(2) أقـام الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن عـام 2002 مـعـرضـاً عـن “أجـاثـا كـريـسـتـي وعـلـم الآثـار: لـغـز في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن

The exhibition Agatha Christie and Archaeology: Mystery in Mesopotamia (8 November 2001- 24 March 2002).

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

Advertisements

مـجـمـوعـة آثـارعـراقـيـة قـديـمـة يـعـلـوهـا الـغـبـار في مـتـحـف فـرنـسي صـغـيـر

الـدّكـتـور صـباح الـنّـاصـري

نص غوديا 001

(نـشـر هـذا الـمـقـال في جـريـدة الـمـدى، الـعـدد 3205 الـصّـادر في 31/ 10/ 2014)(1)

عـنـدمـا دخـلـت لأوّل مـرّة في مـتـحـف الآثـار Musée des Antiquités في مـديـنـة روان Rouen في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي، شـمـال فـرنـسـا، لـم أجـد إلّا ثـلاثـة أو أربـعـة زوّار يـنـظـرون بـمـلـل إلى قـطع مـنـحـوتـة مـن الـقـرون الـوسـطى جـلـبـت مـن خـرائـب قـصـور أو كـنـائـس قـديـمـة وإلى شـظـايـا زجـاجـيـات نـوافـذ إظلـمّـت ألـوانـهـا وإلى خـشـبـيـات مـنـحـوتـة إهـتـرأت والـتهـم الـدّود مـعـظم أجـزائـهـا، ثـمّ درت مـعـهـم حـول آثـار رومانـيـة قـديـمـة مـن بـيـنـهـا فـسـيـفـساء رمـمـت وأكـمـلـت حـتّى لـم يـعـد بـالإمـكان الـتّـفـريـق بـيـن أجـزائـهـا الأصـلـيـة والـمـضافـة.

ولـكـنـني لـم أأت لـهـذا رغـم فـضـولي وحـبّي لـكـلّ مـا هـو قـديـم، فـقـد أتـيـت لأنّي قـرأت أن الـمـتـحـف يـمـتـلـك مـجـمـوعـة آثـارمـصـريـة و”آثـار شـرقـيـة”.

وبـعـد أن عـبـرت كـلّ هـذه الـقـاعـات، وصـلـت إلى مـمـر ضـيّـق ألـصـقـت عـلى جـدرانـه دوالـيـب بـواجـهـات زجـاجـيـة في بـعـضـهـا قـطـع أثـريـة مـصـريـة جـذب نـظـري أمـامـهـا عـجـوزان ألـصـقـا نـظـاراتـهـمـا عـلى الـزّجـاج يـحـاولان تـمـيـيـز أشـكـال الـقـطع وألـوانـهـا، وخـلـف الـعـجـوزيـن، في الـواجـهـة الـتّـالـيـة ،فـوجـئـت بـلـوح مـن ألـواح غـوديـا يـظهـرأمـام عـيـنيّ.

وسـرت مـشـدوهـاً حـتّى وقـفـت أمـام الـلـوح وقـرأت الـنّـص الـمـسـمـاري الـمـكـتـوب عـلـيـه بـالـلـغـة الـسّـومـريـة :

” الإلـهـة غـا ـ تـوم ـ دو                           dingir ga- tum-du

ربـتـه                                                        nin -a – ni

غـوديـا                                                     gu- dé -a

أمـيـر                                             énsi (PA. TE. SI)

لـغـش                                 lagash (SHIR. BUR. LA) ki

مـديـنـة الإلـهـة غـا ـ تـوم ـ دو       ur- dingir-ga-tum-du- ke

مـعـبـدهـا في غـرـ سـو                            é-gir-su ki-ka-ni

شـيّـده                                                   mu- na- du   “.

و لاحـظـت حـول نـصّ غـوديـا ألـواحـاً مـسـمـاريـة بـعـضـهـا مـغـلـفـة بـظـروفـهـا الـكـامـلـة أوالـمـكـسـورة وبـعـضهـا عـاريـة مـن غـيـرظـروف، وقـطـع سـومـريـة أخـرى مـنـهـا مـسـامـيـر تـأسـيـس ومـنـهـا أخـتـام أسـطوانـيـة وضعـت هـكـذا أمـام الـواجـهـة الـزّجـاجـيـة لـم يـكـتـب أمـامـهـا ولا حـولـهـا شئ، يـتـيـمـة لا تـسـمـيـات لـهـا، يـمـر الـزّوارأمـامـهـا مـن غـيـر أن يـعـرفـوا أنّـهـا من أقـدم مـا أنـتـجـتـه الـبـشـريـة مـن نـصـوص وأعـمـال فـنّ !

وعـنـدمـا اسـتـجـوبـت الـحـارس، أجـابـني أنّـه لا يـعـرف عـنـهـا شـيـئـاً، وأخـبـرني أنـني لا أسـتـطـيـع تـصـويـر الـواجـهـة الـزّجـاجـيـة فـالـتّـصـويـر مـمـنـوع في الـمـتـحـف. ودفـعـه مـلـلـه مـن أن يـبـقى سـاكـنـاً بـلا حـركـة طيـلـة الـنّـهـار إلى أن يـقـتـرح عـليّ مـصاحـبـتي إلى “مـكـتـبـة الـمـتـحـف” عـلّـنـا نـجـد فـيـهـا مـا يـشـبـع فـضـولي.

وكـانـت الـمـكـتـبـة زاويـة ضـيّـقـة مـن الـمـتـحـف تـبـاع فـيـهـا، إلى جـانـب الـبـطـاقـات الـمـصـورة، كـتـيّـبـات صـغـيـرة عـن الـمـعـروضـات. ولـم يـكـن فـيـهـا طـبـعـاً ذكـر لـبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن ولا لـلـقـطـع الأثـريـة الّـتي جـلـبـت مـنـهـا. وعـنـدهـا اقـتـرح عـليّ الـحـارس أن يـعـطـيـني اسـم الـمـسـؤولـة ورقـم هـاتـفـهـا فـهي تـسـتـطـيـع أن تـجـيـب عـلى أسـئـلـتي وربّـمـا اسـتـطـاعـت أن تـبـعـث لي بـصور لـلـقـطـع الأثـريـة مـمـا يـمـتـلـكـه الـمـتـحف عـنـهـا وركـض يـبـحـث عـن ورقـة وقـلـم ويـسـجـل لي الـمـعـلـومـات. وطـبـعـاً فـقـد شـكـرتـه كـثـيـراً عـلى لـطـفـه، وبـدا سـعـيـداً بـذلـك.

الأب دو جُـنـويّـاك :

h_degenouillac

وقـد ظـلـلـت أفـكّـر في طريـق عـودتي كـيـف وصـلـت هـذه الـقـطع إلى هـذا الـمـتـحـف، عـنـدمـا عـاد إلى ذاكـرتي أنّ أحـد الـمـنـقـبـيـن الـفـرنـسـيـيـن الأربـعـة الّـذيـن تـتـالـوا عـلى مـوقـع لـغـش / غـرسـو الـسّـومـري كـان الأب دو جُـنـويّـاك Abbé de Genouillac الّـذي ولـد في الـمـنـطـقـة ونـقّـب في الـعـراق مـرتـيـن : في تـلّ الأحـيـمـر (مـوقـع كـيـش) في 1911/ 1912 ، وفي تـلّـو / تـلّ لـوح (مـوقـع لـغـش / غـرسـو) مـن 1929 إلى 1931، قـبـل أن يـعـود إلى قـريـة فـيـلـيـيـن سـورسـيـن في الـنّـورمـانـدي لـيـكـمـل مـا كـان قـد بـدأه فـيـهـا في مـطلـع شـبـابـه، خـوريـاً في كـنـيـسـتـهـا ، حـتّى مـات فـيـهـا عـام 1940.

وعـنـدمـا بـحـثـت في الـمـسـاء عـمّـا كـنـت قـد كـتـبـتـه عـن الأب هـنـري دو جُـنـويّـاك بـيـن مـن كـتـبـت عـنـهـم وجـدت أنّـه ولـد في روان Rouen، في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي شـمـال فـرنـسـا عـام 1881. وبـعـد أن تـابـع دراسـتـه في حـلـقـة دراسـيـة ديـنـيـة إشـتـغـل خـوريـاً في قـريـة صـغـيـرة فـيـلـيـيـن سـورسـيـن. وقـد بـدأ يـهـتـمّ أيـضـاً في  مـطـلـع شـبـابـه بـبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، ونـشـرعـام  1908(وكـان في الـسّـابـعـة والـعـشـريـن مـن عـمـره) كـتـابـاً عـن الأدب الـبـابـلي: عـبـرالأدب الـبـابـلي A travers la littérature babylonienne. وفي 1909 كـتـابـاً نـشـرنـصـوصـاً ســومـريـة مـن الـفـتـرات الـقـديـمـة مـع تـرجـمـاتـهـا إلى الـفـرنـسـيـة: ” Tablettes sumeriennes archaïques ” . وفي 1910 نـشـر كـتـابـاً عـن نـصـب الـنّـصـرالـسّـومـري الـقـديـم الـمـحـفـوظ في مـتـحـف الـلـوفـر في بـاريـس.

وبُـعـث بـعـد ذلـك إلى إسـطـنـبـول لـدّراسـة الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة الـمـحـفـوظـة في الـمـتـحـف الـعـثـمـاني، وأعـدّ جـرداً كـامـلاً لـلألـواح الـمـسـمـاريـة الّـتي كـانـت قـد وجـدت في مـوقـع تـلّـو، ونـشـرهـا في عـدّة مـجـلـدات. وعـهـد إلـيـه بـالإشـراف عـلى الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة الـفـرنـسـيـة الّـتي جـرت بـيـن كـانـون الـثّـاني ونـيـسـان 1912 في تـلّ الأحـيـمـر (مـوقـع كـيـش الـقـديـمـة)، والّـتي نـشـرت نـتـائـجـهـا في جـزئـيـن، في 1924 و 1925.

وقـد نـقّـب الأب دو جُـنـويّـاك في تـلّـو (تـلّ لـوح) أي مـوقـع مـديـنـة لـغـش/ غـرسـو الـقـديـمـة مـن عـام 1929 إلى عـام 1931، لـحـسـاب مـتـحـف الـلـوفـر و وزارة الـتّـعـلـيـم الـعـام الـفـرنـسـيـة، وكـان أوّل مـوقـع نُـقّـبـه فـرنـسـيـون لـسنـوات طـويـلـة مـتـعـاقـبـة.

921_002

وكـان أرنـسـت دو سـرزيـك Ernest de SARZEC ، نـائـب الـقـنـصـل الـفـرنـسي في الـبـصـرة قـد بـدأ تـنـقـيـب هـذا الـمـوقـع مـن 1877 إلى 1900، ثـمّ اسـتـمـرّ غـاسـتـون كـرو Gaston CROS  في تـنـقـيـبـه مـن 1903 إلى 1909.

و قـد اصـطـحـب الأب دو جُـنـويّـاك مـعـه إلى تـلّـو عـالـم آثـار كـان شـابـاً في ذلـك الـزّمـن : أنـدريـه بـارو André PARROT لـيـشـارك في الـتّـنـقـيـب. وبـعـد أن تـوقـف دو جُـنـويّـاك عـن الـتّـنـقـيـب حـلّ مـحـلـه أنـدريـه بـارو الّـذي نـقّـب في الـمـوقـع مـن 1931 إلى 1933. وبـعـد أن تـرك الأب دو جُـنـويّـاك الـعـراق، عـاد إلى قـريـة فـيـلـيـيـن سـورسـيـن في الـنّـورمـانـدي لـيـكـمـل مـا كـان قـد بـدأه فـيـهـا في مـطـلـع شـبـابـه، خـوريـاً في كـنـيـسـتـهـا ، حـتّى مـات فـيـهـا عـام 1940.

وكـان قـد أهـدى قـبـل وفـاتـه إلى مـتـحـف الآثـار في مـديـنـة روان مـجـمـوعـة تـحـتـوي عـلى 650 قـطـعـة أثـريـة مـن بـيـن مـا كـان قـد عـثـر عـلـيـه في تـنـقـيـبـاتـه في الـعـراق أو مـا اشـتـراه مـن مـهـربي الآثـار. والـغـالـبـيـة الـمـطـلـقـة مـن هـذه الـقـطـع نـصـوص بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة.

مـاذا حـدث لـهـذه الـمـجـمـوعـة الأثـريـة ؟

إتّـصـلـت في الـيـوم الـتّـالي بـالـمـسـؤولـة الّـتي أخـبـرتـني أنّ الـ 650 قـطـعـة أثـريـة تـرقـد في مـخـازن الـمـتـحـف وأنّ أحـداً لا يـمـكـنـه أن يـراهـا فـقـد بـدأوا بـجـردهـا وبـعـث صـور لـهـا لـعـلـمـاء آشـوريـات بـاريـسـيـيـن لـيـقـرأوا مـحـتـويـاتـهـا ! وكـان ذلـك قـبـل عـامـيـن، أي بـعـد 72 عـامـاً عـلى إهـداء الأب لـهـا إلى الـمـتـحـف ! وظـلّـت الأمـور عـلى حـالـهـا عـنـدمـا عـدت إلى الـمـتـحـف في الـعـام الـمـاضي.

وعـنـدمـا عـدت إلى الـمـتـحـف في الأسـبـوع الـمـاضي، إتـجـهـت مـبـاشـرة إلى الـمـمـر الـضّـيـق، وفـوجـئـت بـه مـغـلـقـاً يـعـمـل فـيـه عـمّـال عـلى تـركـيـب دوالـيـب جـديـدة، وطـبـعـاً فـلـم يـكـونـوا يـعـرفـون شـيـئـاً عـن مـا حـدث لـلـقـطـع الـقـلـيـلـة الّـتي كـانـت مـعـروضـة فـيـه. وسـألـت حـارسـاً كـان يـغـفـو عـلى كـرسـيـه فـأشـار لي بـأن أسـتـديـر إلى الـيـسـار … ولـم أرد أن أيـقـظـه تـمـامـاً مـن نـومـه فـتـركـتـه مـن غـيـر إلـحـاح. واسـتـدرت إلى الـيـسـار، وعـبـرت قـاعـة تـضـم بـقـايـا مـحـتـويـات قـبـر نـقّـب في الـمـنـطـقـة … وأبـصـرت في نـهـايـتـهـا بـمـمـر ضـيّـق صـغـيـر آخـر لـمـحـت في واجـهـة زجـاجـيـة فـيـه تـمـثـالاً لـرأس غـوديـا !

وكـان مـمـراً ضـيـقـاً يـمـتـد عـرضـاً بـيـن بـاب يـبـدو أنّ خـلـفـه مـكـتـب يـدخـلـه مـوظـفـون ويـخـرجـون مـنـه، وبـيـن بـاب يـفـضي إلى حـديـقـة الـمـتـحـف. وكـانـت الـدّوالـيـب الـمـثـبّـتـة عـلى جـداره تـحـتـوي في يـمـيـنـهـا عـلى خـزف عـثـمـاني وفي يـسـارهـا عـلى بـعـض قـطـع مـجـمـوعـة الأب دو جُـنـويّـاك.

ولـم أجـد لـوح غـوديـا الّـذي يـتـوجـه فـيـه لإلـهـتـه غـا ـ تـوم ـ دو. ووجـدت بـدلاً مـنـه خـمـسـة ألـواح طـيـنـيـة بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة تـعـود إلى سـلالـة أور الـثّـالـثـة (نـحـو 2112 ـ 2004 قـبـل الـمـيـلاد ) وإلى سـلالـة بـابـل الـقـديـمـة ، حـكـم شـمـشـو إلـونـا ( 1749ـ 1712 قـبـل الـمـيـلاد) ، وخـمـسـة أخـتـام أسـطـوانـيـة تـعـود إلى الـسّـلالات [ الـسّـومـريـة ] الـقـديـمـة الـثّـانـيـة ( 2750ـ 2600 قـبـل الـمـيـلاد)، وفـتـرة أكّـد ( 2340 ـ 2200 ق. م. ) ، والـفـتـرة الـسّـومـريـة الـجـديـدة ـ الـنـيـو سـومـريـة ـ (2140ـ 2004 ق. م.)، وسـلالـة بـابـل الأولى ( 1894ـ 1596).

كـمـا عـرض إنـاء صغـيـرعـلـيـه نـقـش مـكـتـوب مـن فـتـرة حـكـم الـمـلـك الـبـابـلي نـبـوخـذنـصـر ( 604ـ 562 ق. م.) وإنـاء مـن الـجـص نـحـتـت عـلـيـه أسـود وثـيـران مـن فـتـرة جـمـدة نـصـر ( 3100ـ 2900 ق.م.)، ومـنـحـوتـة بـارزة طـيـنـيـة مـن فـتـرة الـسّـلالات [ الـسّـومـريـة ] الـقـديـمـة الـثّـانـيـة ( 2700 ـ 2550 ق. م.)، وجـزء صـغـيـر مـن مـنـحـوتـة أخـرى مـن نـفـس الـفـتـرة. كـمـا أضـيـفـت إلى هـذه الـقـطـع الّـتي لا تـجـذب نـظـر الـزّوّار نـسـخ جـبـسـيـة لأربـع قـطـع أثـريـة مـهـمـة كـان أرنـسـت دو سـرزيـك قـد عـثـر عـلـيـهـا في لـغـش / غـرسـو في 1881، وأصـولـهـا مـعـروضـة في مـتـحـف الـلـوفـر في بـاريـس.

وخـلاصـة الـقـول إنّ الـمـتـحـف لـم يـعـرض إلّا 14 قـطـعـة أثـريـة مـن بـيـن الـ 650 قـطـعـة الّـتي أهـداهـا لـه الأب دو جُـنـويّـاك . ولـم تـنـشـر بـعـد ولـو دراسـة صـغـيـرة عـن هـذه الـمـجـمـوعـة بـعـد 74 سـنـة مـن وصـولـهـا إلى الـمـتـحـف.

ـــــــــــــــــــــ

(1) وأخـذت هـذا الـمـقـال عـن جـريـدة الـمـدى عـدّة مـواقـع وجـرائـد إلـكـتـرونـيـة بـعـد أن حـذف بـعـضـهـا اسـم الـكـاتـب !

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

رحـلـة عـبـد الـكـريـم خـوجـة الـكـشـمـيـري إلى الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

Portrait-of-Nadir-Shah

وجـدت نـصّـاً كـتـبـه عـبـد الـكـريـم خـوجـة الـكـشـمـيـري في الـقـرن الـثّـامـن عـشـر وبـالـلـغـة الـفـارسـيـة عـن رحـلـة قـام بـهـا مـن بـلاد الـفـرس إلى مـكّـة، دامـت عـشـر سـنـوات (مـن 1739 إلى 1749 م.). ومـرّ خـلالـهـا بـالـعـراق الّـذي خـصـص لـه عـدداً مـن الـصّـفـحـات.

وقـد تـرجـم الـنّـصّ إلى الإنـكـلـيـزيـة ونـشـر في كـلـكـتـا، الـهـنـد في 1788 م. تـحـت عـنـوان : ” The Memoirs of Khojeh Abdul-Kureem ”

ولـم أعـثـر بـعـد عـلى ذكـر لـعـبـد الـكـريـم خـوجـة في مـنـشـورات عـربـيـة كـمـا لـم أعـثـر عـلى تـرجـمـة لـنّـصـه، فـقـررت أن أقـوم بـهـذا الـعـمـل.

مـاذا نـعـرف عـن عـبـدالـكـريـم خـوجـة ؟

لا بـد أنّ عـبـد الـكـريـم بـن أكـيـبـات بـن مـحـمـد بـلاكي ( Abdul- Kureem ibn Akibat ibn Muhammad Bulâkî al-Kashmiri) قـد ولـد في كـشـمـيـر، فـهـو يـلـقّـب بـالـكـشـمـيـري.

وفي الـهـنـد دخـل في خـدمـة طـهـمـاسـب قـولي خـان Tahmâs-Qouly-Khan، الّـذي اسـتـولى عـلى الـحـكـم في بـلاد فـارس تـحـت اسـم نـادرشـاه، وقـام بـحـمـلـة حـربـيـة في الـهـنـد. وبـعـد أن انـتـهى مـن حـمـلـتـه، صـاحـبـه عـبـد الـكـريـم في طـريـق عـودتـه إلى بـلاد فـارس في 1739 م.

وقـد اسـتـطـاع عـبـد الـكـريـم خـوجـة أن يـحـصـل مـن الـشّـاه عـلى إذن لـمـصـاحـبـة رئـيـس أطـبـائـه مـيـرزا مـحـمّـد هـاشـم ، الـمـعـروف بـعـلـوي خـان إلى مـكّـة.

borgm_00620

وقـد مـرّ عـبـد الـكـريـم خـوجـة وأصـحـابـه في طـريـقـهـم إلى مـكّـة بـقـزويـن ثـمّ بـبـغـداد. وزاروا كـربـلاء والـنّـجـف والـكـوفـة قـبـل أن يـعـودوا إلى بـغـداد لـيـكـمـلـوا مـسـيـرهـم إلى مـكّـة والـمـديـنـة عـن طـريـق حـلـب ودمـشـق. وعـاد عـبـد الـكـريـم إلى بـلـده في 1749 م.

وهـو قـد زارالـعـراق إذن في بـدايـة أربـعـيـنـات الـقـرن الـثّـامـن عـشـر وكـتـب نـصّ رحـلـتـه بـعـد عـودتـه إلى الـهـنـد وأسـمـاه “بـيـاني واقـعـيـة Byâni ouâqi’a “.

نـصّ الـرّحـلـة :

يـبـدأ الـجـزء الـمـخـصـص لـلـعـراق بـالـفـصـل الـثّـامـن الّـذي وصـل فـيـه إلى بـغـداد ويـنـتـهي بـالـفـصـل الـحـادي عـشـر عـنـدمـا غـادر الـمـوصـل :

” الـفـصـل الـثـامـن :

أرسـل والي الـمـديـنـة (أحـمـد بـاشـا) وجـيـهـاً عـالي الـمـقـام لـيـسـتـقـبـلـنـا قـبـل أن نـصـل إلى بـغـداد. وقـد طـلـب مـنـه أن يـكـون لـنـا دلـيـلاً فـيـهـا. وعـنـدمـا دخـلـنـا الـمـديـنـة، إسـتُـقـبـلـنـا بـحـفـاوة وإكـرام.

ومـديـنـة بـغـداد الـجـديـدة كـثـيـرة الـسّـكّـان. وفي داخـل الأسـوار كـثـيـر مـن الأراضي الـمـزروعـة. وقـد شـيّـدت الـمـديـنـة عـلى ضـفـة دجـلـة الـشّـرقـيـة، تـقـريـبـاً مـقـابـل الـمـديـنـة الـقـديـمـة الّـتي تـقـع عـلى الـضّـفـة الـغـربـيـة لـلـنّـهـر. وهـذه الـمـديـنـة الـقـديـمـة صـارت خـرابـاً في أيـامـنـا هـذه. ولـكـنّ الـمـديـنـة الـجـديـدة تـحـيـط بـهـا أسـوار عـالـيـة وحـصـون طـلـيـت جـدرانـهـا بـطـبـقـات كـثـيـفـة مـن الـطّـيـن لـكي تـخـفـف مـن عـنـف ضـربـات قـذائـف الـمـدافـع فـتـدخـل في ثـخـنـهـا وتـضـعـف وتـبـقى في داخـلـهـا، مـتـفـاديـة بـذلـك نـتـائـجـهـا الـمـدمـرة. والـمـديـنـة يـحـمـيـهـا كـذلـك خـنـدق. وقـد ضـرب نـادر شـاه الـحـصـار أمـامـهـا أحـد عـشـر شـهـراً بـدون جـدوى.

وقـصـرآنـوشـروان Nouchyrwan الـشّـهـيـر الّـذي تـتـكـلّـم عـنـه حـكـايـات الـعـرب والـفـرس عـلى بـعـد سـتّـة فـراسـخ مـن بـغـداد و 555 خـطـوة مـن دجـلـة. ومـا زالـت عـدّة جـدران مـنـه مـنـتـصـبـة.

وعـلى الـضّـفـة الـغـربـيـة مـن دجـلـة، عـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ مـن الـمـديـنـة الـقـديـمـة زرنـا ضـريـحي الإمـام مـوسى الـكـاظـم والإمـام مـحـمّـد الـتّـقي الـلـذيـن يـسـمـيـان بـالـكاظـمـيـن ومـن اسـمـيـهـمـا جـاء اسـم الـقـريـة.

وبـيـن الـكـاظـمـيـن وبـغـداد الـقـديـمـة يـتـرامى ربّـمـا ألـف قـبـر، لاحـظـنـا مـن بـيـنـهـا قـبـر الـشّـيـخ مـعـروف الـكـرخي الّـذي شـيّـد عـلـيـه مـسـجـد، مـثـلـمـا شـيّـد مـسـجـد عـلى ضـريـحي الـكـاظـمـيـن. ولـكـنّ مـسـجـد الـكـرخي أقـلّ سـعـة وأهـمـيـة.

وعـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ مـن الـمـديـنـة الـجـديـدة يـقـع ضـريـح الإمـام أبي حـنـيـفـة الّـذي ولـد في الـكـوفـة. والـمـسـجـد الّـذي شـيّـد فـوقـه أحـسـن مـن قـبـورالـشّـيـوخ الأربـعـة قـربـه : جـنـيـد الـبـغـدادي والـسّـري الـسّـقـطي ومـنـصـور الـعـمـري وداود الـطّـاهـري.

ورأيـنـا أيـضـاً قـبـر بـهـلـول الـحـكـيـم ، الّـذي كـان يـسـلي هـرون الـرّشـيـد. وقـبـر مـنـصـور الـحـلّاج. وقـد سـألـت أهـل الـبـلـد كـيـف يـمـكـن أن يـكـون لـلـحـلّاج قـبـر وقـد أحـرق جـسـده ونـثـر رمـاده في دجـلـة، فـأجـابـوني أنّـهـم سـمـعـوا بـذلـك ولـكـنّـهـم لا يـعـرفـون مـاذا في الـقـبـر.

وهـنـاك جـامـع كـان في الـمـاضي مـعـبـداً لـيـهـودي، ولـكـنّ مـعـجـزة حـدثـت فـقـد انـفـتـحـت بـئـر تـحـتـه عـنـدمـا رمى بـحـجـر عـلى عـلي، وسـقـط فـيـه.

وفي الـمـديـنـة الـجـديـدة عـدّة قـبـور لـشـيـوخ ألـحـقـت بـهـا جـوامـع ومـدارس، مـثـل قـبـر الـسّـيّـد عـبـد الـقـادر الّـذي ولـد في جـيـلان. وجـامـعـه واسـع بـديـع الـتّـشـيـيـد، وفي جـنـوب بـاب الـمـدرسـة دفـن ابـنـه عـبـد الـرزّاق، وقـبـر الـشّـيـخ شـهـاب الـدّيـن الـسّـهـروردي وهـو كـبـيـر حـسـن الـتّـشـيـيـد. وكـان الـشّـاعـر سـعـدي الـشّـيـرازي الـذّائـع الـصّـيـت مـن بـيـن تـلامـيـذه.

الـفـصـل الـتّـاسـع :

وبـعـد أن زرنـا قـبـور بـغـداد ومـا حـولـهـا، تـوجـهـنـا إلى كـربـلاء. وتـوقـفـنـا أولاً في خـان شـور (الّـذي يـعـني الـمـاء الأجـاج بـالـفـارسـيـة). ولـم نـجـد مـاءً نـشـربـه إلّا بـثـمـن بـاهـظ. وتـوقـفـنـا مـرّة ثـانـيـة في الـمـسـيّـب عـلى ضـفـة الـفـرات. وعـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ عـلى نـفـس الـضّـفـة وجـدنـا قـبـري ولـدي مـسـلـم بـن عـقـيـل. وقـد شـيّـدت عـلى الـقـبـريـن قـبّـة واحـدة في وسـط أرض خـلاء. و وصـلـنـا إلى كـربـلاء في الـيـوم الـثّـالـث، وهي عـلى بـعـد 15 فـرسـخـاً مـن بـغـداد.

كـربـلاء

وكـربـلاء كـثـيـرة الـسّـكّـان، فـقـد دفـع حـكـم الـفـرس الـجـائـر الـنّـاس عـلى الـهـجـرة إلـيـهـا. ومـوقـعـهـا فـيـه تـجـارة كـثـيـرة مـنـذ أن شـيّـدت قـنـاة تـربـطـهـا بـالـفـرات. وقـد سـاعـدهـا ذلـك عـلى الإزدهـار.

وكـان والي بـغـداد ، حـسـن بـاشـا، قـد بـدأ أعـمـالاً خـصص لـهـا عـشـرة آلاف طـومـان، ولـكـنّ الـمـوت لـم يـمـهـلـه لـيـرى نـتـائـج مـشـاريـعـه. ( تـوفي حـسـن بـاشـا في 1724 وخـلـفـه ابـنـه أحـمـد بـاشـا ) وقـد أكـمـل هـذه الأعـمـال مـيـرزا ــ أشـرف، أحـد الـمـقـربـيـن مـن شـاه طـهـمـاسـب، مـلـك الـفـرس. وتـحـيـط بـالـمـديـنـة بـسـاتـيـن وغـابـات نـخـيـل حـسـنـة.

وضـريـح الـحـسـيـن بـن عـلي في داخـل أسـوار الـمـديـنـة، وكـذلـك قـبـر ابـنـه عـبـدالله. وفي داخـل الـمـديـنـة أيـضـاً قـبّـة دفـن تـحـتـهـا الـشّـهـداء الّـذيـن قـتـلـوا مـعـه. وعـلى بـعـد عـشـريـن خـطـوة مـن الـنّـافـذة الـجـنـوبـيـة لـضـريـح الـحـسـيـن فـسـحـة مـن الأرض هي الـمـكـان الّـذي كـان قـد قـتـل فـيـه. وقـد حـفـرت فـيـهـا حـفـرة بـحـجـم الـتّـابـوت مـلـئـت تـرابـاً جـلـب مـن مـكـان كـان [الـحـسـيـن] قـد نـصـب فـيـهـا خـيـامـه. وعـلى هـذه الـحـفـرة ألـواح مـن الـخـشـب. والّـذيـن يـزورون الـمـكـان يـعـطـون لـلـخـادم بـعـض الـنّـقـود لـيـأخـذوا قـلـيـلاً مـن هـذا الـتّـراب الّـذي يـسـمى بـ “خـاكي كـربـلا Khaki Karbala ” أي تـراب كـربـلاء. ويـقـال إنّ لـهـذا الـتّـراب قـدرات عـجـيـبـة مـن بـيـنـهـا تـهـدئـة الـعـواصـف إذا مـا رمي بـشئ مـنـه في الـرّيـح الـهـابّـة.

وفي كـربـلاء أيـضـاً ضـريـح عـبّـاس ـ عـلي، الإبـن الـثّـاني لـعـلي، ولـكـنّـه لـيـس ابـن فـاطـمـة. وشـيّـد عـلـيـه مـسـجـد. ويـعـتـقـد الـنّـاس أنّ مـن يـسئ إلى الـقـبـر تـسـقـط عـلـيـه مـصـيـبـة هـائـلـة.

وعـلى بـعـد فـرسـخ مـن الـمـديـنـة قـبـر الـشّـهـيـد حـرّ، وقـربـه قـبـر أمّـه الّـتي حـاولـت أن تـمـنـعـه مـن الـلـحـاق بـالـحـسـيـن، ولـهـذا يـرمي الـزّوّار بـحـجـارة عـلى قـبـر هـذه الـمـرأة. وقـد خـرّب تـمـام الـتّـخـريـب وعـلاه كـوم مـن الـحـجـارة يـرتـفـع يـومـاً بـعـد يـوم.

وبـيـن كـربـلاء والـنّـجـف الأشـرف 12 فـرسـخـاً بـطـريـق تـخـتـرق صـحـراء قـاحـلـة لـيـس فـيـهـا مـاء. وبـيـنـهـمـا 16 إذا مـررنـا بـالـحـلّـة، وسـلـكـنـا طـريـق الـحـلّـة، والـطـريـق عـلى هـذا الـشّـكـل :

مـن كـربـلاء إلى الـحـلّـة       7 فـراسـخ،

مـن الـحـلّـة إلى ذي الـكـفـل  5 فـراسـخ،

مـن ذي الـكـفـل إلى الـنّـجـف 4 فـراسـخ.

الـحـلّـة

والـحـلّـة مـديـنـة كـثـيـرة الـسّـكّـان، تـقـع عـلى ضـفـة نـهـر الـفـرات. وعـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ عـلى نـفـس الـضّـفـة، نـجـد قـبـر أيـوب، وامـرأتـه الّـتي أخـلـصـت لـه الـوفـاء ولـم تـتـركـه عـنـدمـا حـلّـت بـه الـمـصـائـب. وقـرب الـقـبـريـن نـبـع بـدا لي شـديـد الـحـسـن، ويـقـال إنّ مـاءه يـعـالـج كـلّ داء مـهـمـا كـان عـضّـالاً. وقـبـر أيـوب صـغـيـر تـسـاقـطـت بـعـض جـدرانـه مـن قـلّـة مـا خـصص لـلإعـتـنـاء بـه.

وبـعـد أن تـركـنـا الـمـديـنـة اجـتـزنـا سـهـلـيـن، ثـمّ وصـلـنـا إلى قـبـر شُـعـيـب ، والـد امـرأة مـوسى. وقـرب مـحـراب الـمـسـجـد الـمـشـيّـد فـوق قـبـر شـعـيـب لاحـظـت قـبـوراً أخـرى، وقـد رأيـت مـثـل هـذا في أمـاكـن أخـرى مـن دولـة الأتـراك، وهـو يـعـارض تـمـام الـمـعـارضة مـا ورد في الـحـديـث الـنّـبـوي : “لا تـدفـنـوا مـوتـاكـم في الـمـسـاجـد”.

والـقـبـلـة في هـذه الـمـسـاجـد مـن جـهـة بـيـت الـمـقـدس أكـثـر مـنـهـا مـن جـهـة مـكّـة، ولـهـذا يـمـكـنـنـا أن نـتـصـوّر أنّـهـا كـانـت في الأصـل كـنـائـس حـوّلـهـا الأتـراك إلى مـسـاجـد ولـكـن هـذا رأي فـقـط، فـلـيـس لي عـلـيـه إثـبـات.

مـنـارة مـسـجـد شـعـيـب الـمـهـتـزّة :

وكـنّـا قـد سـمـعـنـا، قـبـل أن نـصـل إلى الـحـلّـة عـن مـنـارة مـسـجـد شـعـيـب الـمـهـتـزّة. وعـنـدمـا وصـلـنـا تـعـجـبـنـا مـن ذلـك، فـقـد وجـدنـاه صـحـيـحـاً. وهـذه الـمـنـارة الّـتي شـيّـدت في حـوش الـمـسـجـد ضـخـمـة إلى حـد أنّ كـلّ درجـة مـن درجـات سـلّـمـهـا بـعـرض خـطـوتـيـن. وعـنـدمـا يـصـل الـمـرء إلى أعـلاهـا يـضـع يـده عـلى الـكـرة الـمـعـدنـيـة الّـتي تـعـلـوهـا، ويـصـيـح بـصـوت مـرتـفـع : ” يـامـنـارة، بـجـاه عـبـاس ـ عـلي ، إهـتـزّي !”.

ولإنّي أحـبّ كـلّ مـا هـو غـريـب وخـارق لـلـعـادة، فـقـد صـعـدت إلى الـمـنـارة مـع عـدّة أشـخـاص آخـريـن. وفـعـلـت مـا قـيـل لي أن أفـعـل، ولـكـنّـهـا ظـلّـت ثـابـتـه مـثـل جـبـل مـن الـصّـخـر. ورجـوت خـادم الـمـسـجـد أن يـحـاول هـو بـنـفـسـه، ومـا أن فـتـح فـمـه لـيـصـيـح حـتّى بـدأت الـمـنـارة تـهـتـزّ. وكـان اهـتـزازهـا شـديـداً فـالـتـصـقـنـا الـواحـد بـالآخـر لـشّـدة خـوفـنـا مـن الـسّـقـوط. وكـان رفـيـقي في الـسّـفـر قـد بقي في الـحـوش ، في أسـفـل الـمـنـارة ، وقـد دهـش مـمـا رآه. ومـع أنّ الـخـادم أعـاد الـكـرّة مـرّات عـديـدة فـلـم يـدرك أحـد مـنّـا سـبـب هـذا الإهـتـزاز الـغـريـب.

وذهـبـنـا مـن الـحـلّـة إلى ذي الـكـفـل ، وفـيـهـا قـبـرهـذا الـنّـبي وقـبـور خـلـفـائـه الأربـعـة، وهي بـنـايـات جـمـيـلـة نـزلـنـا إلـيـهـا بـأربـعـة سـلالـم ، وداخـلـهـا مـعـتـم لا نـكـاد نـمـيـز فـيـه الأشـيـاء.

الـنّـجـف :

وذهـبـنـا أيـضـاً إلى الـنّـجـف، وهي أقـلّ سـكّـانـاً مـن كـربـلاء لـبـعـدهـا عـن الـنّـهـر. والأراضي حـولـهـا قـلـيـلـة الـزّراعـة. وتـحـيـق الأخـطـار بـمـن يـبـقى خـارج الـمـديـنـة ، لأنّ الأعـراب غـالـبـاً مـا يـعـيـثـون بـالـمـنـطـقـة فـسـاداً، وهـم يـصـلـون إلى أسـوارهـا لـلـنّـهـب.

ومـقـام عـلي الّـذي شـيّـد في وسـط الـمـديـنـة بـالـغ الـجـمـال. وقـد طـعّـم الـضّـريـح الّـذي يـحـوي جـثـمـان هـذا الـخـلـيـفـة بـالـجـواهـر. وعـنـدمـا كـنّـا في الـمـديـنـة وصـل زركـر بـاشي، رئـيـس صـاغـة نـادرشـاه. وقـد بـعـثـه الـشّـاه لـيـضـع عـلى قـبّـة ضـريـح الـحـسـيـن في كـربـلاء وضـريـح عـلي في الـنّـجـف غـطـاءً مـن الـنّـحـاس يـطـلـيـه بـالـذّهـب ، مـثـلـمـا عـلى قـبـة ضـريـح الإمـام الـرّضـا في مـشـهـد.

وكـانـت مـبـالـغ هـائـلـة قـد انـفـقـت لـفـتـح قـنـاة مـن الـفـرات إلى الـنّـجـف ولـكـنّ الـمـشـروع تـوقّـف عـنـدمـا تـوفي نـادر شـاه بـعـد أن حـفـر مـنـهـا ثـلاثـة فـراسـخ. وكـان قـد قـدر لـهـا أن تـحـفـر عـلى مـدى 35 فـرسـخـاً.

ويـؤكّـد أهـل الـنّـجـف عـلى أنّ قـبـري آدم ونـوح مـازالا قـرب قـبـر عـلي، ولـكـنـنـا لـم نـجـد مـا يـثـبـت هـذا الـقـول.

الـكـوفـة :

وعـنـدمـا كـانـت الـكـوفـة عـاصـمـة الـخـلافـة، كـانـت الـنّـجـف تـابـعـة لـهـا. وقـد أشـاد كـثـيـر مـن الـمـؤرخـيـن بـعـظـمـة مـديـنـة الـكـوفـة الـقـديـمـة ، ولا شـكّ في أنّ الله عـاقـب أهـلـهـا عـلى شـرّهـم لأنـنـا لا نـجـد فـيـهـا الآن مـن مـجـدهـا الـقـديـم إلّا الـجـامـع الّـذي جـرح فـيـه عـلي وتـوفي. ويـقـع هـذا الـجـامـع عـلى بـعـد فـرسـخ مـن ضـريـحـه. ونـقـرأ عـلى الـمـحـراب بـالـحـروف الـعـربـيـة : “هـذا هـو الـمـكـان الّـذي قـتـل فـيـه عـلي بـن أبي طـالـب رحـمـه الله”.

ويـدّعي الـبـعـض أنّ هـذا الـمـكـان أنـشـأه نـوح. ولـكـنّي أعـتـقـد أنّـه كـان في الأصـل مـعـبـد وثـنـة، فـقـد غـطى الـمـسـلـمـون جـداره الـغـربي بـالـجـصّ، ولـكـنّ مـرور الـزّمـن وقـسـاوة الـطّـقـس أسـقـطـا بـعـض أجـزائـه، فـنـرى مـن خـلالـهـا صـوراً نـحـتـت عـلى الـحـجـر. وعـنـدمـا نـتـفـحـص أجـزاءً أخـرى نـخـمـن مـنـحـوتـات أخـرى مـا زالـت خـفـيـفـة الـتّـغـطـيـة. وهـذا الـجـدار كـلّ مـا بـقي مـن الـبـنـاء الـقـديـم ، فـقـد بـنـيـت الـجـدران الأخـرى في فـتـرات لاحـقـة.

ومـع أنّ شـرّ أهـل الـكـوفـة كـان سـبـب خـراب الـمـديـنـة ، فـلا يـنـبـغي أن نـنـسى أنّ الـكـوفـة والـمـدائـن قـد اهـمـلـتـا عـنـدمـا اخـتـار الـمـنـصـور بـغـداد عـاصـمـة لـدولـتـه. ومـا زالـت بـغـداد أكـبـر مـدن الـعـراق الـعـربي.

الـطّـريـق إلى مـكّـة :

يـذكـر عـبـد الـكـريـم خـوجـة أنّ الـطّـريـق الأقـصـر لـلـذّهـاب إلى مـكّـة هي الّـتي تـمـرّ بـالـصـحـراء ، ولـكـنّ الـحـروب بـيـن عـشـائـر الـعـرب وعـدائـهـم لأحـمـد بـاشـا جـعـلـتـه وأصـحـابـه يـنـكـصـون عـن سـلـكـهـا. وقـد اخـتـاروا طـريـق حـلـب ودمـشـق ، وهي أطـول بـكـثـيـر مـن الأولى. وغـادروا بـغـداد نـحـو كـركـوك ثـم ّ ألـتـان كـوبـري فـقـرقـوش فـالـمـوصـل فـديـار بـكـر …

الـفـصـل الـحـادي عـشـر :

بـعـد أن غـادرنـا بـغـداد مـررنـا بـقـريـة نـكـجـة في طـريـقـنـا إلى سـرمـن رأى والّـتي تـدعى عـمـومـاً سـامـراء. وفـيـهـا زرنـا قـبـرالإمـام عـلي الـنّـقي والإمـام حـسـن الـعـسـكـري الـلـذيـن دفـنـا في داريـهـمـا وهـمـا بـنـاءان حـسـنـا الـمـظـهـر.

وخـدم الـقـبـريـن ومـن يـعـمـل فـيـهـمـا كـانـوا أنـاسـاً شـديـدي الـجـشـع ويـجـبـرون الـزّوّار عـلى دفـع كـثـيـر مـن الـهـدايـا. ويـعـتـقـد الـشّـيـعـة أتـبـاع عـلي أنّ الإمـام الـمـهـدي غـاب في زاويـة مـن مـسـجـد في سـامـراء.

وبـعـد أن سـرنـا فـتـرة مـن الـزّمـن وصـلـنـا إلى كـركـوك. ويـذكـر بـعـض قـدمـاء الـمـؤرخـيـن أنّـهـا كـانـت جـزءاً مـن بـلاد الـكـلـدان. وقـد زرنـا فـيـهـا قـبـري الـنّـبـيـيـن دانـيـال والـعـزيـر(عـزرا) الـلـذيـن شـيّـدت عـلـيـهـمـا قـبّـة واحـدة.

الـمـوصـل

والـمـوصـل مـديـنـة كـبـيـرة شـيّـدت عـلى ضـفـة دجـلـة. وفـيـهـا قـادونـا إلى قـبـر الـقـديـس جـرجـيـس. أمّـا قـبـر الـنّـبي يـونـس فـهـو خـارج الأسـوار. وهـذان الـقـبـران كـبـيـران حـسـنـا الـتّـشـيـيـد. وبـعـد بـحـث طـويـل عـرفـت أنّ تـيـمـور الأعـرج (تـيـمـو لـنـك) كـان هـو الّـذي أمـر بـتـشـيـيـدهـمـا ، عـنـدمـا فـتـح هـذه الـبـلاد. وعـلى الـطّـريـق بـيـن كـركـوك والـمـوصـل رأيـنـا عـلى يـسـارنـا جـبـالاً مـرتـفـعـة.

ويـؤمـن سـكـان هـذه الـجـبـال بـإلـهـيـن الأوّل خـلـق الـخـيـر والآخـر خـلـق الـشّـر. وهـم يـرجـمـون بـالـحـجـارة مـن يـجـرؤ عـلى أن يـقـرأ أمـامـهـم الآيـة : “أعـوذ بـالله مـن الـشّـيـطـان الـرّجـيـم”. وهـذه الـجـمـاعـة الـمـكـروهـة تـسـكـن في قـريـة أب زرب. وهـم لا يـقـبـلـون بـخـتـان الـصّـبـيـان ولا يـخـفـون عـوراتـهـم. ومـن الـصـعـب عـبـور الـنّـهـر الّـذي يـخـتـرق قـريـتـهـم مـن غـيـر عـونـهـم. وهـم يـطـلـبـون مـن الـمـسـافـريـن أجـراً بـاهـظـاً لـيـسـاعـدوهـم في إمـرار جـمـالـهـم. وقـد عـرفـنـاهـم كـلـصـوص لـيـس مـثـلـهـم لـصـوص قـبـل أن نـصـل إلى الـمـوصـل، وقـد رأيـتـهـم بـنـفـسي يـرتـكـبـون أفـعـالاً شـنـيـعـة عـلى الـمـسـاكـيـن سـكـان الـقـرى الـمـجـاورة. وقـد خـشـونـا خـوفـاً مـن أحـمـد بـاشـا ورهـبـة مـن نـادرشـاه، فـقـد عـرفـوا أنـنـا نـسـافـر تـحـت حـمـايـتـهـمـا. ولـم يـقـع لـنـا طـيـلـة الـطّـريـق مـكـروه، وقـد اسـتـقـبـلـنـا كـلّ مـسـؤولي الـمـنـاطـق الّـتي مـررنـا بـهـا بـالـمـهـابـة والإحـتـرام. ومـع ذلـك فـقـد نـهـب بـعـض مـن كـان مـعـنـا في الـقـافـلـة وسـلـبـوا.وبـقـيـنـا في الـمـوصـل سـتّـة أيّـام قـبـل أن تـتـابـع الـقـافـلـة مـسـيـرهـا “.

وهـنـا يـنـتـهي مـا يـتـعـلّـق بـالـعـراق مـمـا كـتـبـه عـبـد الـكـريـم خـوجـة.

تـرجـمـات الـنّـصّ إلى الـلـغـات الأجـنـبـيـة :

تـرجـم نـصّ وصـف رحـلـة عـبـد الـكـريـم خـوجـة مـن الـفـارسـيـة إلى الإنـكـلـيـزيـة في 1788 :

The Memoirs of Khojeh Abdul-Kureem, a Cachmerian of distinction who accompanaied Nadir Shah on his return from Hindoustan to Persia, from whence he travelled to Baghdâd, Damascus and Aleppo, and after visiting Medina and Mecca from 1739 to 1749 … Translated from the Persian by Francis Galdwin

Calcutta, William Mackay 1788 (217 pages).

وتـرجـم إلى الـفـرنـسـيـة في 1797 :

Voyage de l’Inde à la Mekke, Par A’bdoûl-Kérym, favori de Tahmâs-Qouly-Khan; Extrait et traduit de la version anglaise de ses Mémoires. Par L. La,glès. Paris , Imprimerie de Crapelet 1797.

Louis Langlès, Voyage dans l’Inde , en Perse, etc…

In ” Collection Portative des voyages” , 8 volumes,Paris 1797 -1835.