رحـلـة عـبـد الـكـريـم خـوجـة الـكـشـمـيـري إلى الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

Portrait-of-Nadir-Shah

وجـدت نـصّـاً كـتـبـه عـبـد الـكـريـم خـوجـة الـكـشـمـيـري في الـقـرن الـثّـامـن عـشـر وبـالـلـغـة الـفـارسـيـة عـن رحـلـة قـام بـهـا مـن بـلاد الـفـرس إلى مـكّـة، دامـت عـشـر سـنـوات (مـن 1739 إلى 1749 م.). ومـرّ خـلالـهـا بـالـعـراق الّـذي خـصـص لـه عـدداً مـن الـصّـفـحـات.

وقـد تـرجـم الـنّـصّ إلى الإنـكـلـيـزيـة ونـشـر في كـلـكـتـا، الـهـنـد في 1788 م. تـحـت عـنـوان : ” The Memoirs of Khojeh Abdul-Kureem ”

ولـم أعـثـر بـعـد عـلى ذكـر لـعـبـد الـكـريـم خـوجـة في مـنـشـورات عـربـيـة كـمـا لـم أعـثـر عـلى تـرجـمـة لـنّـصـه، فـقـررت أن أقـوم بـهـذا الـعـمـل.

مـاذا نـعـرف عـن عـبـدالـكـريـم خـوجـة ؟

لا بـد أنّ عـبـد الـكـريـم بـن أكـيـبـات بـن مـحـمـد بـلاكي ( Abdul- Kureem ibn Akibat ibn Muhammad Bulâkî al-Kashmiri) قـد ولـد في كـشـمـيـر، فـهـو يـلـقّـب بـالـكـشـمـيـري.

وفي الـهـنـد دخـل في خـدمـة طـهـمـاسـب قـولي خـان Tahmâs-Qouly-Khan، الّـذي اسـتـولى عـلى الـحـكـم في بـلاد فـارس تـحـت اسـم نـادرشـاه، وقـام بـحـمـلـة حـربـيـة في الـهـنـد. وبـعـد أن انـتـهى مـن حـمـلـتـه، صـاحـبـه عـبـد الـكـريـم في طـريـق عـودتـه إلى بـلاد فـارس في 1739 م.

وقـد اسـتـطـاع عـبـد الـكـريـم خـوجـة أن يـحـصـل مـن الـشّـاه عـلى إذن لـمـصـاحـبـة رئـيـس أطـبـائـه مـيـرزا مـحـمّـد هـاشـم ، الـمـعـروف بـعـلـوي خـان إلى مـكّـة.

borgm_00620

وقـد مـرّ عـبـد الـكـريـم خـوجـة وأصـحـابـه في طـريـقـهـم إلى مـكّـة بـقـزويـن ثـمّ بـبـغـداد. وزاروا كـربـلاء والـنّـجـف والـكـوفـة قـبـل أن يـعـودوا إلى بـغـداد لـيـكـمـلـوا مـسـيـرهـم إلى مـكّـة والـمـديـنـة عـن طـريـق حـلـب ودمـشـق. وعـاد عـبـد الـكـريـم إلى بـلـده في 1749 م.

وهـو قـد زارالـعـراق إذن في بـدايـة أربـعـيـنـات الـقـرن الـثّـامـن عـشـر وكـتـب نـصّ رحـلـتـه بـعـد عـودتـه إلى الـهـنـد وأسـمـاه “بـيـاني واقـعـيـة Byâni ouâqi’a “.

نـصّ الـرّحـلـة :

يـبـدأ الـجـزء الـمـخـصـص لـلـعـراق بـالـفـصـل الـثّـامـن الّـذي وصـل فـيـه إلى بـغـداد ويـنـتـهي بـالـفـصـل الـحـادي عـشـر عـنـدمـا غـادر الـمـوصـل :

” الـفـصـل الـثـامـن :

أرسـل والي الـمـديـنـة (أحـمـد بـاشـا) وجـيـهـاً عـالي الـمـقـام لـيـسـتـقـبـلـنـا قـبـل أن نـصـل إلى بـغـداد. وقـد طـلـب مـنـه أن يـكـون لـنـا دلـيـلاً فـيـهـا. وعـنـدمـا دخـلـنـا الـمـديـنـة، إسـتُـقـبـلـنـا بـحـفـاوة وإكـرام.

ومـديـنـة بـغـداد الـجـديـدة كـثـيـرة الـسّـكّـان. وفي داخـل الأسـوار كـثـيـر مـن الأراضي الـمـزروعـة. وقـد شـيّـدت الـمـديـنـة عـلى ضـفـة دجـلـة الـشّـرقـيـة، تـقـريـبـاً مـقـابـل الـمـديـنـة الـقـديـمـة الّـتي تـقـع عـلى الـضّـفـة الـغـربـيـة لـلـنّـهـر. وهـذه الـمـديـنـة الـقـديـمـة صـارت خـرابـاً في أيـامـنـا هـذه. ولـكـنّ الـمـديـنـة الـجـديـدة تـحـيـط بـهـا أسـوار عـالـيـة وحـصـون طـلـيـت جـدرانـهـا بـطـبـقـات كـثـيـفـة مـن الـطّـيـن لـكي تـخـفـف مـن عـنـف ضـربـات قـذائـف الـمـدافـع فـتـدخـل في ثـخـنـهـا وتـضـعـف وتـبـقى في داخـلـهـا، مـتـفـاديـة بـذلـك نـتـائـجـهـا الـمـدمـرة. والـمـديـنـة يـحـمـيـهـا كـذلـك خـنـدق. وقـد ضـرب نـادر شـاه الـحـصـار أمـامـهـا أحـد عـشـر شـهـراً بـدون جـدوى.

وقـصـرآنـوشـروان Nouchyrwan الـشّـهـيـر الّـذي تـتـكـلّـم عـنـه حـكـايـات الـعـرب والـفـرس عـلى بـعـد سـتّـة فـراسـخ مـن بـغـداد و 555 خـطـوة مـن دجـلـة. ومـا زالـت عـدّة جـدران مـنـه مـنـتـصـبـة.

وعـلى الـضّـفـة الـغـربـيـة مـن دجـلـة، عـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ مـن الـمـديـنـة الـقـديـمـة زرنـا ضـريـحي الإمـام مـوسى الـكـاظـم والإمـام مـحـمّـد الـتّـقي الـلـذيـن يـسـمـيـان بـالـكاظـمـيـن ومـن اسـمـيـهـمـا جـاء اسـم الـقـريـة.

وبـيـن الـكـاظـمـيـن وبـغـداد الـقـديـمـة يـتـرامى ربّـمـا ألـف قـبـر، لاحـظـنـا مـن بـيـنـهـا قـبـر الـشّـيـخ مـعـروف الـكـرخي الّـذي شـيّـد عـلـيـه مـسـجـد، مـثـلـمـا شـيّـد مـسـجـد عـلى ضـريـحي الـكـاظـمـيـن. ولـكـنّ مـسـجـد الـكـرخي أقـلّ سـعـة وأهـمـيـة.

وعـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ مـن الـمـديـنـة الـجـديـدة يـقـع ضـريـح الإمـام أبي حـنـيـفـة الّـذي ولـد في الـكـوفـة. والـمـسـجـد الّـذي شـيّـد فـوقـه أحـسـن مـن قـبـورالـشّـيـوخ الأربـعـة قـربـه : جـنـيـد الـبـغـدادي والـسّـري الـسّـقـطي ومـنـصـور الـعـمـري وداود الـطّـاهـري.

ورأيـنـا أيـضـاً قـبـر بـهـلـول الـحـكـيـم ، الّـذي كـان يـسـلي هـرون الـرّشـيـد. وقـبـر مـنـصـور الـحـلّاج. وقـد سـألـت أهـل الـبـلـد كـيـف يـمـكـن أن يـكـون لـلـحـلّاج قـبـر وقـد أحـرق جـسـده ونـثـر رمـاده في دجـلـة، فـأجـابـوني أنّـهـم سـمـعـوا بـذلـك ولـكـنّـهـم لا يـعـرفـون مـاذا في الـقـبـر.

وهـنـاك جـامـع كـان في الـمـاضي مـعـبـداً لـيـهـودي، ولـكـنّ مـعـجـزة حـدثـت فـقـد انـفـتـحـت بـئـر تـحـتـه عـنـدمـا رمى بـحـجـر عـلى عـلي، وسـقـط فـيـه.

وفي الـمـديـنـة الـجـديـدة عـدّة قـبـور لـشـيـوخ ألـحـقـت بـهـا جـوامـع ومـدارس، مـثـل قـبـر الـسّـيّـد عـبـد الـقـادر الّـذي ولـد في جـيـلان. وجـامـعـه واسـع بـديـع الـتّـشـيـيـد، وفي جـنـوب بـاب الـمـدرسـة دفـن ابـنـه عـبـد الـرزّاق، وقـبـر الـشّـيـخ شـهـاب الـدّيـن الـسّـهـروردي وهـو كـبـيـر حـسـن الـتّـشـيـيـد. وكـان الـشّـاعـر سـعـدي الـشّـيـرازي الـذّائـع الـصّـيـت مـن بـيـن تـلامـيـذه.

الـفـصـل الـتّـاسـع :

وبـعـد أن زرنـا قـبـور بـغـداد ومـا حـولـهـا، تـوجـهـنـا إلى كـربـلاء. وتـوقـفـنـا أولاً في خـان شـور (الّـذي يـعـني الـمـاء الأجـاج بـالـفـارسـيـة). ولـم نـجـد مـاءً نـشـربـه إلّا بـثـمـن بـاهـظ. وتـوقـفـنـا مـرّة ثـانـيـة في الـمـسـيّـب عـلى ضـفـة الـفـرات. وعـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ عـلى نـفـس الـضّـفـة وجـدنـا قـبـري ولـدي مـسـلـم بـن عـقـيـل. وقـد شـيّـدت عـلى الـقـبـريـن قـبّـة واحـدة في وسـط أرض خـلاء. و وصـلـنـا إلى كـربـلاء في الـيـوم الـثّـالـث، وهي عـلى بـعـد 15 فـرسـخـاً مـن بـغـداد.

كـربـلاء

وكـربـلاء كـثـيـرة الـسّـكّـان، فـقـد دفـع حـكـم الـفـرس الـجـائـر الـنّـاس عـلى الـهـجـرة إلـيـهـا. ومـوقـعـهـا فـيـه تـجـارة كـثـيـرة مـنـذ أن شـيّـدت قـنـاة تـربـطـهـا بـالـفـرات. وقـد سـاعـدهـا ذلـك عـلى الإزدهـار.

وكـان والي بـغـداد ، حـسـن بـاشـا، قـد بـدأ أعـمـالاً خـصص لـهـا عـشـرة آلاف طـومـان، ولـكـنّ الـمـوت لـم يـمـهـلـه لـيـرى نـتـائـج مـشـاريـعـه. ( تـوفي حـسـن بـاشـا في 1724 وخـلـفـه ابـنـه أحـمـد بـاشـا ) وقـد أكـمـل هـذه الأعـمـال مـيـرزا ــ أشـرف، أحـد الـمـقـربـيـن مـن شـاه طـهـمـاسـب، مـلـك الـفـرس. وتـحـيـط بـالـمـديـنـة بـسـاتـيـن وغـابـات نـخـيـل حـسـنـة.

وضـريـح الـحـسـيـن بـن عـلي في داخـل أسـوار الـمـديـنـة، وكـذلـك قـبـر ابـنـه عـبـدالله. وفي داخـل الـمـديـنـة أيـضـاً قـبّـة دفـن تـحـتـهـا الـشّـهـداء الّـذيـن قـتـلـوا مـعـه. وعـلى بـعـد عـشـريـن خـطـوة مـن الـنّـافـذة الـجـنـوبـيـة لـضـريـح الـحـسـيـن فـسـحـة مـن الأرض هي الـمـكـان الّـذي كـان قـد قـتـل فـيـه. وقـد حـفـرت فـيـهـا حـفـرة بـحـجـم الـتّـابـوت مـلـئـت تـرابـاً جـلـب مـن مـكـان كـان [الـحـسـيـن] قـد نـصـب فـيـهـا خـيـامـه. وعـلى هـذه الـحـفـرة ألـواح مـن الـخـشـب. والّـذيـن يـزورون الـمـكـان يـعـطـون لـلـخـادم بـعـض الـنّـقـود لـيـأخـذوا قـلـيـلاً مـن هـذا الـتّـراب الّـذي يـسـمى بـ “خـاكي كـربـلا Khaki Karbala ” أي تـراب كـربـلاء. ويـقـال إنّ لـهـذا الـتّـراب قـدرات عـجـيـبـة مـن بـيـنـهـا تـهـدئـة الـعـواصـف إذا مـا رمي بـشئ مـنـه في الـرّيـح الـهـابّـة.

وفي كـربـلاء أيـضـاً ضـريـح عـبّـاس ـ عـلي، الإبـن الـثّـاني لـعـلي، ولـكـنّـه لـيـس ابـن فـاطـمـة. وشـيّـد عـلـيـه مـسـجـد. ويـعـتـقـد الـنّـاس أنّ مـن يـسئ إلى الـقـبـر تـسـقـط عـلـيـه مـصـيـبـة هـائـلـة.

وعـلى بـعـد فـرسـخ مـن الـمـديـنـة قـبـر الـشّـهـيـد حـرّ، وقـربـه قـبـر أمّـه الّـتي حـاولـت أن تـمـنـعـه مـن الـلـحـاق بـالـحـسـيـن، ولـهـذا يـرمي الـزّوّار بـحـجـارة عـلى قـبـر هـذه الـمـرأة. وقـد خـرّب تـمـام الـتّـخـريـب وعـلاه كـوم مـن الـحـجـارة يـرتـفـع يـومـاً بـعـد يـوم.

وبـيـن كـربـلاء والـنّـجـف الأشـرف 12 فـرسـخـاً بـطـريـق تـخـتـرق صـحـراء قـاحـلـة لـيـس فـيـهـا مـاء. وبـيـنـهـمـا 16 إذا مـررنـا بـالـحـلّـة، وسـلـكـنـا طـريـق الـحـلّـة، والـطـريـق عـلى هـذا الـشّـكـل :

مـن كـربـلاء إلى الـحـلّـة       7 فـراسـخ،

مـن الـحـلّـة إلى ذي الـكـفـل  5 فـراسـخ،

مـن ذي الـكـفـل إلى الـنّـجـف 4 فـراسـخ.

الـحـلّـة

والـحـلّـة مـديـنـة كـثـيـرة الـسّـكّـان، تـقـع عـلى ضـفـة نـهـر الـفـرات. وعـلى بـعـد نـصـف فـرسـخ عـلى نـفـس الـضّـفـة، نـجـد قـبـر أيـوب، وامـرأتـه الّـتي أخـلـصـت لـه الـوفـاء ولـم تـتـركـه عـنـدمـا حـلّـت بـه الـمـصـائـب. وقـرب الـقـبـريـن نـبـع بـدا لي شـديـد الـحـسـن، ويـقـال إنّ مـاءه يـعـالـج كـلّ داء مـهـمـا كـان عـضّـالاً. وقـبـر أيـوب صـغـيـر تـسـاقـطـت بـعـض جـدرانـه مـن قـلّـة مـا خـصص لـلإعـتـنـاء بـه.

وبـعـد أن تـركـنـا الـمـديـنـة اجـتـزنـا سـهـلـيـن، ثـمّ وصـلـنـا إلى قـبـر شُـعـيـب ، والـد امـرأة مـوسى. وقـرب مـحـراب الـمـسـجـد الـمـشـيّـد فـوق قـبـر شـعـيـب لاحـظـت قـبـوراً أخـرى، وقـد رأيـت مـثـل هـذا في أمـاكـن أخـرى مـن دولـة الأتـراك، وهـو يـعـارض تـمـام الـمـعـارضة مـا ورد في الـحـديـث الـنّـبـوي : “لا تـدفـنـوا مـوتـاكـم في الـمـسـاجـد”.

والـقـبـلـة في هـذه الـمـسـاجـد مـن جـهـة بـيـت الـمـقـدس أكـثـر مـنـهـا مـن جـهـة مـكّـة، ولـهـذا يـمـكـنـنـا أن نـتـصـوّر أنّـهـا كـانـت في الأصـل كـنـائـس حـوّلـهـا الأتـراك إلى مـسـاجـد ولـكـن هـذا رأي فـقـط، فـلـيـس لي عـلـيـه إثـبـات.

مـنـارة مـسـجـد شـعـيـب الـمـهـتـزّة :

وكـنّـا قـد سـمـعـنـا، قـبـل أن نـصـل إلى الـحـلّـة عـن مـنـارة مـسـجـد شـعـيـب الـمـهـتـزّة. وعـنـدمـا وصـلـنـا تـعـجـبـنـا مـن ذلـك، فـقـد وجـدنـاه صـحـيـحـاً. وهـذه الـمـنـارة الّـتي شـيّـدت في حـوش الـمـسـجـد ضـخـمـة إلى حـد أنّ كـلّ درجـة مـن درجـات سـلّـمـهـا بـعـرض خـطـوتـيـن. وعـنـدمـا يـصـل الـمـرء إلى أعـلاهـا يـضـع يـده عـلى الـكـرة الـمـعـدنـيـة الّـتي تـعـلـوهـا، ويـصـيـح بـصـوت مـرتـفـع : ” يـامـنـارة، بـجـاه عـبـاس ـ عـلي ، إهـتـزّي !”.

ولإنّي أحـبّ كـلّ مـا هـو غـريـب وخـارق لـلـعـادة، فـقـد صـعـدت إلى الـمـنـارة مـع عـدّة أشـخـاص آخـريـن. وفـعـلـت مـا قـيـل لي أن أفـعـل، ولـكـنّـهـا ظـلّـت ثـابـتـه مـثـل جـبـل مـن الـصّـخـر. ورجـوت خـادم الـمـسـجـد أن يـحـاول هـو بـنـفـسـه، ومـا أن فـتـح فـمـه لـيـصـيـح حـتّى بـدأت الـمـنـارة تـهـتـزّ. وكـان اهـتـزازهـا شـديـداً فـالـتـصـقـنـا الـواحـد بـالآخـر لـشّـدة خـوفـنـا مـن الـسّـقـوط. وكـان رفـيـقي في الـسّـفـر قـد بقي في الـحـوش ، في أسـفـل الـمـنـارة ، وقـد دهـش مـمـا رآه. ومـع أنّ الـخـادم أعـاد الـكـرّة مـرّات عـديـدة فـلـم يـدرك أحـد مـنّـا سـبـب هـذا الإهـتـزاز الـغـريـب.

وذهـبـنـا مـن الـحـلّـة إلى ذي الـكـفـل ، وفـيـهـا قـبـرهـذا الـنّـبي وقـبـور خـلـفـائـه الأربـعـة، وهي بـنـايـات جـمـيـلـة نـزلـنـا إلـيـهـا بـأربـعـة سـلالـم ، وداخـلـهـا مـعـتـم لا نـكـاد نـمـيـز فـيـه الأشـيـاء.

الـنّـجـف :

وذهـبـنـا أيـضـاً إلى الـنّـجـف، وهي أقـلّ سـكّـانـاً مـن كـربـلاء لـبـعـدهـا عـن الـنّـهـر. والأراضي حـولـهـا قـلـيـلـة الـزّراعـة. وتـحـيـق الأخـطـار بـمـن يـبـقى خـارج الـمـديـنـة ، لأنّ الأعـراب غـالـبـاً مـا يـعـيـثـون بـالـمـنـطـقـة فـسـاداً، وهـم يـصـلـون إلى أسـوارهـا لـلـنّـهـب.

ومـقـام عـلي الّـذي شـيّـد في وسـط الـمـديـنـة بـالـغ الـجـمـال. وقـد طـعّـم الـضّـريـح الّـذي يـحـوي جـثـمـان هـذا الـخـلـيـفـة بـالـجـواهـر. وعـنـدمـا كـنّـا في الـمـديـنـة وصـل زركـر بـاشي، رئـيـس صـاغـة نـادرشـاه. وقـد بـعـثـه الـشّـاه لـيـضـع عـلى قـبّـة ضـريـح الـحـسـيـن في كـربـلاء وضـريـح عـلي في الـنّـجـف غـطـاءً مـن الـنّـحـاس يـطـلـيـه بـالـذّهـب ، مـثـلـمـا عـلى قـبـة ضـريـح الإمـام الـرّضـا في مـشـهـد.

وكـانـت مـبـالـغ هـائـلـة قـد انـفـقـت لـفـتـح قـنـاة مـن الـفـرات إلى الـنّـجـف ولـكـنّ الـمـشـروع تـوقّـف عـنـدمـا تـوفي نـادر شـاه بـعـد أن حـفـر مـنـهـا ثـلاثـة فـراسـخ. وكـان قـد قـدر لـهـا أن تـحـفـر عـلى مـدى 35 فـرسـخـاً.

ويـؤكّـد أهـل الـنّـجـف عـلى أنّ قـبـري آدم ونـوح مـازالا قـرب قـبـر عـلي، ولـكـنـنـا لـم نـجـد مـا يـثـبـت هـذا الـقـول.

الـكـوفـة :

وعـنـدمـا كـانـت الـكـوفـة عـاصـمـة الـخـلافـة، كـانـت الـنّـجـف تـابـعـة لـهـا. وقـد أشـاد كـثـيـر مـن الـمـؤرخـيـن بـعـظـمـة مـديـنـة الـكـوفـة الـقـديـمـة ، ولا شـكّ في أنّ الله عـاقـب أهـلـهـا عـلى شـرّهـم لأنـنـا لا نـجـد فـيـهـا الآن مـن مـجـدهـا الـقـديـم إلّا الـجـامـع الّـذي جـرح فـيـه عـلي وتـوفي. ويـقـع هـذا الـجـامـع عـلى بـعـد فـرسـخ مـن ضـريـحـه. ونـقـرأ عـلى الـمـحـراب بـالـحـروف الـعـربـيـة : “هـذا هـو الـمـكـان الّـذي قـتـل فـيـه عـلي بـن أبي طـالـب رحـمـه الله”.

ويـدّعي الـبـعـض أنّ هـذا الـمـكـان أنـشـأه نـوح. ولـكـنّي أعـتـقـد أنّـه كـان في الأصـل مـعـبـد وثـنـة، فـقـد غـطى الـمـسـلـمـون جـداره الـغـربي بـالـجـصّ، ولـكـنّ مـرور الـزّمـن وقـسـاوة الـطّـقـس أسـقـطـا بـعـض أجـزائـه، فـنـرى مـن خـلالـهـا صـوراً نـحـتـت عـلى الـحـجـر. وعـنـدمـا نـتـفـحـص أجـزاءً أخـرى نـخـمـن مـنـحـوتـات أخـرى مـا زالـت خـفـيـفـة الـتّـغـطـيـة. وهـذا الـجـدار كـلّ مـا بـقي مـن الـبـنـاء الـقـديـم ، فـقـد بـنـيـت الـجـدران الأخـرى في فـتـرات لاحـقـة.

ومـع أنّ شـرّ أهـل الـكـوفـة كـان سـبـب خـراب الـمـديـنـة ، فـلا يـنـبـغي أن نـنـسى أنّ الـكـوفـة والـمـدائـن قـد اهـمـلـتـا عـنـدمـا اخـتـار الـمـنـصـور بـغـداد عـاصـمـة لـدولـتـه. ومـا زالـت بـغـداد أكـبـر مـدن الـعـراق الـعـربي.

الـطّـريـق إلى مـكّـة :

يـذكـر عـبـد الـكـريـم خـوجـة أنّ الـطّـريـق الأقـصـر لـلـذّهـاب إلى مـكّـة هي الّـتي تـمـرّ بـالـصـحـراء ، ولـكـنّ الـحـروب بـيـن عـشـائـر الـعـرب وعـدائـهـم لأحـمـد بـاشـا جـعـلـتـه وأصـحـابـه يـنـكـصـون عـن سـلـكـهـا. وقـد اخـتـاروا طـريـق حـلـب ودمـشـق ، وهي أطـول بـكـثـيـر مـن الأولى. وغـادروا بـغـداد نـحـو كـركـوك ثـم ّ ألـتـان كـوبـري فـقـرقـوش فـالـمـوصـل فـديـار بـكـر …

الـفـصـل الـحـادي عـشـر :

بـعـد أن غـادرنـا بـغـداد مـررنـا بـقـريـة نـكـجـة في طـريـقـنـا إلى سـرمـن رأى والّـتي تـدعى عـمـومـاً سـامـراء. وفـيـهـا زرنـا قـبـرالإمـام عـلي الـنّـقي والإمـام حـسـن الـعـسـكـري الـلـذيـن دفـنـا في داريـهـمـا وهـمـا بـنـاءان حـسـنـا الـمـظـهـر.

وخـدم الـقـبـريـن ومـن يـعـمـل فـيـهـمـا كـانـوا أنـاسـاً شـديـدي الـجـشـع ويـجـبـرون الـزّوّار عـلى دفـع كـثـيـر مـن الـهـدايـا. ويـعـتـقـد الـشّـيـعـة أتـبـاع عـلي أنّ الإمـام الـمـهـدي غـاب في زاويـة مـن مـسـجـد في سـامـراء.

وبـعـد أن سـرنـا فـتـرة مـن الـزّمـن وصـلـنـا إلى كـركـوك. ويـذكـر بـعـض قـدمـاء الـمـؤرخـيـن أنّـهـا كـانـت جـزءاً مـن بـلاد الـكـلـدان. وقـد زرنـا فـيـهـا قـبـري الـنّـبـيـيـن دانـيـال والـعـزيـر(عـزرا) الـلـذيـن شـيّـدت عـلـيـهـمـا قـبّـة واحـدة.

الـمـوصـل

والـمـوصـل مـديـنـة كـبـيـرة شـيّـدت عـلى ضـفـة دجـلـة. وفـيـهـا قـادونـا إلى قـبـر الـقـديـس جـرجـيـس. أمّـا قـبـر الـنّـبي يـونـس فـهـو خـارج الأسـوار. وهـذان الـقـبـران كـبـيـران حـسـنـا الـتّـشـيـيـد. وبـعـد بـحـث طـويـل عـرفـت أنّ تـيـمـور الأعـرج (تـيـمـو لـنـك) كـان هـو الّـذي أمـر بـتـشـيـيـدهـمـا ، عـنـدمـا فـتـح هـذه الـبـلاد. وعـلى الـطّـريـق بـيـن كـركـوك والـمـوصـل رأيـنـا عـلى يـسـارنـا جـبـالاً مـرتـفـعـة.

ويـؤمـن سـكـان هـذه الـجـبـال بـإلـهـيـن الأوّل خـلـق الـخـيـر والآخـر خـلـق الـشّـر. وهـم يـرجـمـون بـالـحـجـارة مـن يـجـرؤ عـلى أن يـقـرأ أمـامـهـم الآيـة : “أعـوذ بـالله مـن الـشّـيـطـان الـرّجـيـم”. وهـذه الـجـمـاعـة الـمـكـروهـة تـسـكـن في قـريـة أب زرب. وهـم لا يـقـبـلـون بـخـتـان الـصّـبـيـان ولا يـخـفـون عـوراتـهـم. ومـن الـصـعـب عـبـور الـنّـهـر الّـذي يـخـتـرق قـريـتـهـم مـن غـيـر عـونـهـم. وهـم يـطـلـبـون مـن الـمـسـافـريـن أجـراً بـاهـظـاً لـيـسـاعـدوهـم في إمـرار جـمـالـهـم. وقـد عـرفـنـاهـم كـلـصـوص لـيـس مـثـلـهـم لـصـوص قـبـل أن نـصـل إلى الـمـوصـل، وقـد رأيـتـهـم بـنـفـسي يـرتـكـبـون أفـعـالاً شـنـيـعـة عـلى الـمـسـاكـيـن سـكـان الـقـرى الـمـجـاورة. وقـد خـشـونـا خـوفـاً مـن أحـمـد بـاشـا ورهـبـة مـن نـادرشـاه، فـقـد عـرفـوا أنـنـا نـسـافـر تـحـت حـمـايـتـهـمـا. ولـم يـقـع لـنـا طـيـلـة الـطّـريـق مـكـروه، وقـد اسـتـقـبـلـنـا كـلّ مـسـؤولي الـمـنـاطـق الّـتي مـررنـا بـهـا بـالـمـهـابـة والإحـتـرام. ومـع ذلـك فـقـد نـهـب بـعـض مـن كـان مـعـنـا في الـقـافـلـة وسـلـبـوا.وبـقـيـنـا في الـمـوصـل سـتّـة أيّـام قـبـل أن تـتـابـع الـقـافـلـة مـسـيـرهـا “.

وهـنـا يـنـتـهي مـا يـتـعـلّـق بـالـعـراق مـمـا كـتـبـه عـبـد الـكـريـم خـوجـة.

تـرجـمـات الـنّـصّ إلى الـلـغـات الأجـنـبـيـة :

تـرجـم نـصّ وصـف رحـلـة عـبـد الـكـريـم خـوجـة مـن الـفـارسـيـة إلى الإنـكـلـيـزيـة في 1788 :

The Memoirs of Khojeh Abdul-Kureem, a Cachmerian of distinction who accompanaied Nadir Shah on his return from Hindoustan to Persia, from whence he travelled to Baghdâd, Damascus and Aleppo, and after visiting Medina and Mecca from 1739 to 1749 … Translated from the Persian by Francis Galdwin

Calcutta, William Mackay 1788 (217 pages).

وتـرجـم إلى الـفـرنـسـيـة في 1797 :

Voyage de l’Inde à la Mekke, Par A’bdoûl-Kérym, favori de Tahmâs-Qouly-Khan; Extrait et traduit de la version anglaise de ses Mémoires. Par L. La,glès. Paris , Imprimerie de Crapelet 1797.

Louis Langlès, Voyage dans l’Inde , en Perse, etc…

In ” Collection Portative des voyages” , 8 volumes,Paris 1797 -1835.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s