أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

ag. 3

رغـم قـلّـة شـغـف قـرّاء الـلـغـة الـعـربـيـة بـالـرّوايـات الـبـولـيـسـيـة كـنـوع أدبي، وهـو مـا تـعـجّ بـه الـمـكـتـبـات (مـحـلّات بـيـع الـكـتـب والـمـكـتـبـات الـخـاصـة والـعـامـة) في الأنـحـاء الأخـرى مـن الـعـالـم، فـإنّ الـقـارئ الـعـربي عـامـة يـعـرف أجـاثـا كـريـسـتي. وربّـمـا قـرأ لـهـا روايـة بـولـيـسـيـة أو روايـتـيـن.

فـمـن كـانـت هـذه الـكـاتـبـة الـشّـديـدة الـشّـهـرة الّـتي بـيـع مـن كـتـبـهـا أكـثـر مـن بـلـيـون نـسـخـة بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة وأكـثـر مـن بـلـيـون نـسـخـة مـن تـرجـمـاتـهـا إلى 44 لـغـة أجـنـبـيـة (مـن بـيـنـهـا الـلـغـة الـعـربـيـة )؟

ولـدت Agatha Mary Clariss في 1890، في عـائـلـة بـريـطـانـيـة مـيـسـورة الـحـال مـن الـطّـبـقـة الـوسـطى. قـد رفـضـت أمّـهـا أن تـدخـلـهـا في مـدرسـة، وفـضّـلـت أن تـتـولى تـعـلـيـمـهـا في الـدّار، مـمـا تـرك لـلـطّـفـلـة الـصّـغـيـرة وقـتـاً لـتـنـمـيـة حـبّـهـا لـلـقـراءة وحـبّـهـا لـلـحـيـوانـات بـدلاً مـن الـلـعـب مـع الأطـفـال الآخـريـن. وعـنـدمـا بـلـغـت سـن الـحـاديـة عـشـرة تـوفي والـدهـا. وقـد ذكـرت بـعـد ذلـك أنّ طـفـولـتـهـا انـتـهـت بـوفـاة والـدهـا. وسـاءت حـالـة الـعـائـلـة الـمـاديـة. ودخـلـت أجـاثـا في الـعـام الـتّـالي مـدرسـة لأوّل مـرّة في حـيـاتـهـا، ولـكـنّـهـا وجـدت الـنّـظـام الّـذي لـم تـكـن قـد تـعـودت عـلـيـه صـعـبـاً. وقـد أرسـلـت في سـن الـخـامـسـة عـشـرة إلى بـاريـس، في فـرنـسـا، وغـيّـرت الـمـدرسـة الـدّاخـلـيـة ثـلاث مـرّات قـبـل أن تـنـهي دراسـتـهـا وتـعـود إلى إنـكـلـتـرة في 1910، وكـانـت في الـعـشـريـن مـن عـمـرهـا.

وقـد اكـتـشـفـت عـنـد عـودتـهـا إلى إنـكـلـتـرة أنّ أمّـهـا كـانـت مـريـضـة وأنّ الأطـبّـاء نـصـحـوهـا بـتـغـيـيـرالـجـو والـذّهـاب إلى بـلـد طـقـسـه جـاف وحـار. وكـانـت مـصـر أنـذاك وجـهـة الـبـريـطـانـيـيـن الـمـفـضّـلـة، فـصـاحـبـت أجـاثـا أمّـهـا إلى الـقـاهـرة. وقـد اغـتـنـمـت الـفـرصـة لـزيـارة الـمـعـالـم الـفـرعـونـيـة، ومـع ذلـك لـم يـظـهـر شـغـفـهـا بـمـصـر الـقـديـمـة إلّا بـعـد ذلـك بـسـنـوات طـويـلـة، في آخـر فـتـرة مـن حـيـاتـهـا.

وفي 1912، إلـتـقـت أجـاثـا بـأرشـيـبـولـد كـريـسـتيArchibald Christie . ثـمّ انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى في 1914، وأرسـل Archibald لـلـقـتـال في فـرنـسـا، فـتـطـوعـت أجـاثـا لـلـخـدمـة في مـسـتـشـفى. وفي نـهـايـة عـام 1914، عـاد Archibald في إجـازة إلى لـنـدن وتـزوّجـا. وأخـذت أجـاثـا اسـم زوجـهـا وأصـبـحـت : أجـاثـا كـريـسـتي Agatha Christie .

وبـعـد مـحـاولات فـاشـلـة لـنـشـر روايـة بـولـيـسـيـة، قـبـلـت دار نـشـر The Bodley Head في 1920 أن تـنـشـر لـهـا روايـتـهـا الأولى الّـتي اكـتـشـف فـيـهـا الـقـراء شـخـصـيـة الـمـحـقـق هـرقـل بـواروت. وكـان ذلـك بـدايـة شـهـرتـهـا الّـتي لـم تـتـوقـف بـعـد ذلـك. وقـد نـشـرت أجـاثـا كـريـسـتي حـتّى عـام وفـاتـهـا في 1976 : 79 روايـة بـولـيـسـيـة ومـجـمـوعـة قـصـصـيـة، و 19 مـسـرحـيـة أشـهـرهـا : مـصـيـدة الـفـئـران. كـمـا نـشـرت سـتّ روايـات تـحـت اسـم مـسـتـعـار: Mary Westmacott .

وبـيـع مـن كـتـبـهـا أكـثـر مـن بـلـيـون نـسـخـة بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة وأكـثـر مـن بـلـيـون نـسـخـة مـن تـرجـمـاتـهـا إلى 44 لـغـة أجـنـبـيـة (مـن بـيـنـهـا الـلـغـة الـعـربـيـة). ومـاعـدا أعـمـالـهـا الـرّوائـيـة والـقـصـصـيـة والـمـسـرحـيـة، نـشـرت أجـاثـا كـريـسـتـي أربـعـة كـتـب مـن بـيـنـهـا سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة An Autobiography الّـتي صـدرت في 1977، أي بـعـد عـام مـن وفـاتـهـا، وكـتـاب Come, Tell Me How You Live الّـذي تـتـكـلّـم فـيـه عـن عـدّة بـعـثـات تـنـقـيـب شـاركـت فـيـهـا مـع زوجـهـا الـثّـاني عـالـم الآثـارمـاكـس مـالـوان Max MALLOWAN.

أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق :

بـعـد أن طـلّـقـت Archibald في 1928، سـافـرت أجـاثـا كـريـسـتي إلى الـعـراق في 1929، وزارت الـتّـنـقـيـبـات الأثـريّـة في أور والّـتي كـان يـشـرف عـلـيـهـا لـيـونارد وويـلي Leonard WOOLLEY . ورغـم أنّ وويـلي كـان يـرفـض دخـول الـسّـواح إلى الـمـوقـع، فـقـد قـبـل أن يـسـتـقـبـل أجـاثـا كـريـسـتي لأنّ زوجـتـه كـاثـريـن كـانـت مـن الـمـعـجـبـات بـروايـاتهـا. وفي الـعـام الـتّـالي 1930، بـعـثـت لـهـا كـاثـريـن بـدعـوة ثـانـيـة لـتـزور الـمـوقـع. وطـلـبـت مـن عـالـم الآثـار، الّـذي كـان في وقـتـهـا مـبـتـدءاً، مـاكـس مـالـوان Max MALLOWANأن يـكـون دلـيـلاً لـلـكـاتـبـة في زيـارتـهـا لـلـمـوقـع. وعـنـدمـا قـطـعـت أجـاثـا كـريـسـتي زيـارتـهـا لـتـعـود إلى إنـكـلـتـرة بـعـد أن جـاءهـا خـبـر مـرض ابـنـتـهـا، صـاحـبـهـا مـالـوان، ثـم عـاد إلى أور. وذهـب مـالـوان مـن جـديـد بـعـد عـدّة أشـهـر إلى إنـكـلـتـرة لـيـطـلـب مـن أجـاثـا أن تـتـزوّجـه، وقـبـلـت. وكـانـت أجـاثـا في الأربـعـيـن مـن عـمـرهـا.

ag. 5

وقـررمـالـوان أن يـتـرك الـتّـنـقـيـبـات في أور لـيـبـحـث عـن مـوقـع يـمـكـن لأجـاثـا أن تـصـاحـبـه فـيـه. وبـدءا في 1931/ 1932 مـوسـم تـنـقـيـبـاتـهـمـا الأوّل في نـيـنـوى، وقـد شـاركـت فـيـهـا أجـاثـا كـمـسـاعـدة تـنـظّـف الـقـطـع الأثـريـة وتـرمـمـهـا وتـصـنّـفـهـا، كـمـا الـتـقـطـت صـوراً فـوتـوغـرافـيـة لـلـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـرعـلـيـهـا في الـمـوقـع. ثـمّ مـوّل الـمـتـحـف الـبـريـطـاني تـنـقـيـبـات في مـوقـع تـلّ أربـشـايـة Tell Arpachiyah ، بـدأ مـالـوان بـالإشـراف عـلـيـهـا في ربـيـع 1933، وبـقـيـت أجـاثـا مـع زوجـهـا في نـيـنـوى إلى عـام 1934.

وفي 1947،عـيّـن مـالـوان مـديـراً لـلـمـدرسـة الـبـريـطـانـيـة لآثـارالـعـراق British School of Archaeology in Iraq وأشـرف عـلى الـتّـنـقـيـبـات الّـتي نـظّـمـتـهـا الـمـدرسـة بـالإشـتـراك مـع الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في مـوقـع نـمـرود والّـتي اسـتـمـرت عـدّة مـواسـم مـن 1948/ 1949 وإلى 1958. وقـد وجـدت في هـذه الـحـمـلات مـنـحـوتـات عـاجـيـة (1)، ويـذكـر مـالـوان أنّ أجـاثـا هي الّـتي نـصـحـتـه أن يـخـرج هـذه الـقـطـع مـن مـخـابـئـهـا تـدريـجـيـاً حـتّى لا تـجـفّ في الـهـواء الـسّـاخـن وتـتـكـسـر.

ag. 1

وتـحـكي أجـاثـا كـريـسـتي في سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة : An Autobiography  الّـتي صـدرت في تـشـريـن الـثّـاني 1977، بـعـد مـا يـقـارب عـامـيـن مـن وفـاتـهـا في كـانـون الـثّـاني 1976، كـيـف كـانـت تـنـظّـف هـذه الـمـنـحـوتـات : “وقـد شـاركـت في تـنـظـيـف عـدد مـنـهـا. وكـانـت آلـتي الـمـفـضّـلـة عـود بـرتـقـالي الـلـون يـشـبـه إبـرة حـيـاكـة، كـان مـن أدوات طـبـيـب أسـنـان تـركـه ، أو بـالأحـرى أعـطـاه لي، وعـلـبـة مـن مـرهـم تـجـمـيـل لـلـوجـه. وكـان هـذا أفـضـل مـا وجـدتـه لإخـراج الـوسـاخـة الـمـتـراكـمـة في الـشّـقـوق مـن غـيـر أن أكـسّـر الـعـاج. وقـد اسـتـعـمـلـت كـمـيـات كـبـيـرة مـن هـذه الـدّهـون حـتّى لـم يـبـق في الـعـلـبـة، بـعـد أسـبـوعـيـن، مـا أدهـن بـه وجـهي الـمـسـكـيـن !” (2) كـمـا أنّـهـا الـتـقـطـت صـوراً فـوتـوغـرافـيـة لـكـلّ الـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا في الـمـوقـع.

ag. 6

ag. 7

وتـتـكـلّـم أجـاثـا كـريـسـتـي عـن الـعـراق خـاصـة في أربـعـة كـتـب : روايـتـيـن بـولـيـسـيـتـيـن : جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia الّـتي  تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان “جـريـمـة في الـعـراق” (1)، و They Came to Baghdad الّـتي تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان :”مـوعـد في بـغـداد”. وفي كـتـابـيـن سـردت فـيـهـمـا ذكـريـاتـهـا : تـعـال اخـبـرني كـيـف تـعـيـش Come, Tell Me How You Live الّـذي صـدر في 1946، وسـيـرتـهـا الـذّاتـيـة : An Autobiography الّـتي صـدرت في تـشـريـن الـثّـاني 1977.

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) نـقّـب مـاكـس إدغـار لـوسـيـان مـالـوان Sir Max Edgar Lucien MALLOWAN بـعـد الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة في مـوقـع نـمـرود لـحـسـاب الـمـدرسـة الـبـريـطـانـيـة لـلآثـارفي الـعـراق The British School of Archaeology in Iraq ، واسـتـمـرت الـحـمـلات عـدّة مـواسـم بـيـن 1949 و 1963. وقـد اكـتـشـف فـيـهـا مـنـحـوتـات عـاجـيـة يـعـود تـاريـخـهـا إلى مـابـيـن الـقـرن الـتّـاسـع والـقـرن الـسّـابـع قـبـل الـمـيـلاد. ويـبـدو أنّـهـا كـانـت مـن الـغـنـائـم الّـتي جـلـبـهـا الـجـيـش مـن حـمـلاتـه الـحـربـيـة، فـنـحـن نـعـرف أنّ الآشـوريـيـن لـم يـنـحـتـوا الـعـاج. وقـد احـتـفـظ الـمـعـهـد الـبـريـطـاني لـدراسـة الـعـراقThe British Institute For The Study Of Iraq بـهـذه الـقـطـع الّـتي لـم تـعـرض حـتّى عـام 2011. وفي ذلـك الـعـام بـاع الـمـعـهـد ثـلـث مـجـمـوعـتـه (مـا يـقـارب 6000 قـطـعـة) إلى الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن. كـمـا يـنـوي الـمـعـهـد إهـداء ثـلـث آخـر إلى نـفـس الـمـتـحـف، وإعـادة الـثّـلـث الـبـاقي إلى الـعـراق.

(2) أقـام الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن عـام 2002 مـعـرضـاً عـن “أجـاثـا كـريـسـتـي وعـلـم الآثـار: لـغـز في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن

The exhibition Agatha Christie and Archaeology: Mystery in Mesopotamia (8 November 2001- 24 March 2002)

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s