روايـة “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia ” لأجـاثـا كـريـسـتي.

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

murder 2

تـكـلّـمـنـا في مقال سـابـق : “أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق” (في أرشـيـفـات يـونـيـو 2015) عـن حـيـاة الـكـاتـبـة الـبـريـطـانـيـة أجـاثـا كـريـسـتي Agatha Christie، وذكـرنـا كـيـف وصـلـت إلى الـعـراق وزارت مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات في أور، ثـمّ كـيـف تـزوّجـت بـعـالـم الآثـار مـاكـس مـالـوان M. MALLOWAN وسـاعـدتـه في عـدد مـن الـتّـنـقـيـبـات الّـتي قـام بـهـا في نـيـنـوى ونـمـرود.

ونـخـصـص هـذا الـمـقـال لأولى روايـاتـهـا الـبـولـيـسـيـة الّـتي تـدور أحـداثـهـا في الـعـراق وتـتـكـلّـم فـيـهـا عـن تـجـربـتـهـا الـعـراقـيـة.

تـتـكـلّـم أجـاثـا كـريـسـتـي عـن الـعـراق خـاصـة في أربـعـة كـتـب : روايـتـيـن بـولـيـسـيـتـيـن : “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia” الّـتي تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان: “جـريـمـة في الـعـراق”(1)، و« They Came to Baghdad » الّـتي تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان : “مـوعـد في بـغـداد” و “لـقـاء في بـغـداد”.

وفي كـتـابَـيـن تـسـرد فـيـهـمـا ذكـريـاتـهـا : “تـعـال اخـبـرني كـيـف تـعـيـش « Come, Tell Me How You Live الّـذي صـدر في 1946. والـعـنـوان مـقـتـبـس مـن نـصّ لـويـس كـارول “مـن خـلال الـمـرآة”. وسـيـرتـهـا الـذّاتـيـة : « An Autobiography » الّـتي صـدرت في تـشـريـن الـثّـاني 1977، أي بـعـد مـا يـقـارب عـامـيـن مـن وفـاتـهـا في كـانـون الـثّـاني 1976. وهي تـذكّـر أنّـهـا بـدأت الـكـتـاب في 2 نـيـسـان 1950 في دار بـعـثـة الـتّـنـقـيـبـات في نـمـرود، وأنـهـتـه في إنـكـلـتـرة في 11 تـشـريـن الأوّل 1965. وقـد اسـتـعـمـلـت في كـتـابـتـه صـفـحـات مـن يـومـيـات ومـلاحـظـات كـانـت قـد كـتـبـتـهـا خـلال سـنـوات حـيـاتـهـا.

Murder in Mesopotamia :

murder 3

نـشـرت الـرّوايـة الـبـولـيـسـيـة الأولى الّـتي تـدور أحـداثـهـا في الـعـراق تـحـت عـنـوان : Murder in Mesopotamia  في 1936 (1) ، أي بـعـد سـبـع سـنـوات مـن زيـارتـهـا لـتـنـقـيـبـات مـقـبـرة أور الـمـلـكـيـة الّـتي الـتـقـت خـلالـهـا بـزوجـهـا الـثّـاني، عـالـم الآثـار مـاكـس مـالـوان. كـمـا كـانـت أجـاثـا كـريـسـتي قـد صـاحـبـت زوجـهـا مـالـوان في تـنـقـيـبـات نـيـنـوى مـن مـوسـم 1931/ 1932 إلى 1934. وقـد اسـتـعـمـلـت في كـثـيـر مـن تـفـاصـيـلـهـا تـجـربـتـهـا الّـتي عـاشـتـهـا في الـتّـنـقـيـبـات.

murder 1

وهـدفـنـا في هـذا الـمـقـال لـيـس تـلـخـيـص الـرّوايـة تـلـخـيـصـاً دقـيـقـاً أو كـتـابـة نـقـد أدبي لـنـصّـهـا، فهي تـنـتـمي إلى نـوع مـن الـنّـصـوص الـمـشـوقـة الـحـبـكـة الـسّـهـلـة الـقـراءة الـمـوجـهـة لـلـجـمـهـور الـواسـع. وإنّـمـا هـدفـنـا أن نـتـابـع وصـفـهـا لـلـعـراق والـعـراقـيـيـن والـصّـور الّـتي تـظـهـرهـا عـنـهـم. ولا شـكّ في أنّ كـتـابـات أجـاثـا كـريـسـتي شـاركـت في تـرسـيـخ بـعـض “الـكـلـيـشـيـهـات” عـنّـا في أذهـان الـغـربـيـيـن لـسـبـبـيـن : لأنّ هـذه الـصّـور تـتـسـلـل إلى الـمـخـيـلـة بـصـورة لا إراديـة مـن خـلال مـتـابـعـة الأحـداث الـمـشّـوقـة، ولأنّ هـذه الـكـتـب نـشـرت ومـا زالـت تـنـشـر بـطـبـعـات مـتـنـوعـة وبـلـغـات مـخـتـلـفـة وبـأعـداد هـائـلـة مـن الـنّـسـخ. فـتـأثـيـرهـا يـتـجـاوز بـمـئـات الـمـرّات تـأثـيـر الـدّراسـات الـرّصـيـنـة الّـتي يـؤلـفـهـا بـاحـثـون تـصـعـب قـراءتـهـم.

murder 5

وأوّل مـا نـلاحـظـه عـنـد قـراءة هـذه الـرّوايـة هـو أنّـهـا لـم تـسـتـعـمـل اسـم الـعـراق Iraq في الـعـنـوان رغـم تـكـويـن مـمـلـكـة الـعـراق في 1921 والّـتي جـمـعـت الـولايـات الـعـثـمـانـيـة الـثّـلاث : بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل، ورغـم دخـول الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة في “عـصـبـة الأمـم” كـدولـة مـسـتـقـلّـة في 1932. ويـمـكـنـنـا أن نـعـزي اسـتـعـمـالـهـا لاسـم Mesopotamia الّـذي جـاء مـن الإغـريـقـيـة (الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة) والّـذي يـعـني : “مـا بـيـن الـنّـهـريـن” لـسـبـبـيـن : أوّلـهـمـا أنّ الأوربـيـيـن اسـتـعـمـلـوه خـلال قـرون طـويـلـة لـلـدّلالـة عـلى بـلاد مـا بـيـن دجـلـة والـفـرات، وهـو الاسـم الّـذي اسـتـعـمـلـه الـرّحّـالـة وعـلـمـاء الآثـار، ولـهـذا يـدلّ حـالاً في أذهـان الـقـراء عـلى جـو الـرّوايـة الّـتي تـجـري أحـداثـهـا في مـوقـع تـنـقـيـبـات أثـريـة. وثـانـيـهـمـا أنّ الإسـم لـم يـعـد يـسـتـعـمـل عـلى الـخـرائـط الـجـغـرافـيـة واكـتـسى نـوعـاً مـن الـغـمـوض والإبـهـام عـنـد الـنّـاس، فـهـم سـمـعـوا بـه ولـكـنّـهـم لا يـسـتـطـيـعـون تـحـديـد مـكـانـه بـالـضـبـط، وهـذا مـا يـنـاسـب تـمـامـاً مـشـروع روايـة بـولـيـسـيـة تـجـري أحـداثـهـا الـخـيـالـيـة في مـكـان يـبـعـد الـقـارئ عـن هـمـوم حـيـاتـه الـيـومـيـة. والـمـلاحـظـة الـثّـانـيـة هي غـيـاب الـعـراقـيـيـن في هـذه الـرّوايـة، فـمـاعـدا إشـارات نـادرة إلى بـغـداد ودجـلـة وعـمـال الـمـوقـع ، كـان يـمـكـن لـلـكـاتـبـة أن تـضـع أحـداثـهـا في أي مـكـان كـان مـن الـعـالـم.

والـقـصّـة تـرويـهـا Amy Leatheran ، وهي في الـرّوايـة مـمـرضـة جـاءت إلى بـغـداد تـصـاحـب امـراة إنـكـلـيـزيـة. ولـكـنّـهـا، بـعـد انـتـهـاء مـهـمـتـهـا، قـبـلـت أن تـعـتـني بـانـكـلـيـزيـة أخـرى، لـويـز زوجـة عـالـم الآثـار الـسّـويـدي الـدّكـتـور إريـك لايـنـدر Erich Leinder. وسـأتـرجـم الـمـقـاطـع الّـتي تـهـمـنـا في هـذا الـمـقـال مـبـاشـرة مـن الـنّـص الإنـكـلـيـزي. وسـيـبـدأ كـلّ اسـتـشـهـاد مـأخـوذ مـن الـرّوايـة بـمـعـقـوفـتـيـن (“) وسـيـنـتـهي بـمـعـقـوفـتـيـن (“).

ونـجـد الـرّاويـة (الـمـمـرضـة) في الـفـصّـل الأوّل جـالـسـة في صـالـة فـنـدق Tigris Palace Hotel تـنهى رسـالـة لأحـدى صـديـقـاتـهـا في لـنـدن كـتـبـت فـيـهـا : “لا يـمـكـنـك أن تـتـصـوّري الـوسـاخـة dirt والـفـوضى mess في بـغـداد ــ وهي لـيـسـت رومـانـسـيـة إطـلاقـاً كـمـا يـمـكـنـك أن تـتـخـيّـلـيـهـا مـن قـراءة ألـف لـيـلـة ولـيـلـة !”، و “الـمـديـنـة قـبـيـحـة ولـيـس فـيـهـا مـخـازن تـسـتـحـق هـذا الإسـم”. “وقـد اصـطـحـبـني الـمـاجـور كـيـلـسي إلى الأسـواق. وطـبـعـاً لا يـمـكـنـنـا أن نـنـكـر أنّ فـيـهـا شـيـئـاً مـن الـطّـرافـة، وإن كـانـت سـلـعـهـا تـبـدو نـفـايـات ـ وطـرق الـصّـفـافـيـر عـلى الـصّـحـون يـوجـع الـرّأس ويـثـيـر الـصّـداع …”.

ثـمّ نـفـهـم أنّ عـالـم الآثـار الـسّـويـدي الّـذي سـتـعـتـني الـمـمـرضـة بـزوجـتـه جـاء لـلإشـراف عـلى تـنـقـيـبـات أثـريـة تـقـوم بـهـا بـعـثـة مـن جـامـعـة بـتـسـتـاون University of Pittstown Expedition. وأنّ هـذه الـتّـنـقـيـبـات تـجـري في مـوقـع مـديـنـة آشـوريـة كـبـيـرة “مـثـل نـيـنـوى شـيـئـاً مـا “، إسـمـه تـل يـاريـمـجـه Tell Yarimjah، قـرب مـديـنـة اسـمـهـا الـحـسـنـيـة Hassanieh ، تـقـع عـلى مـسـافـة مـسـيـرة يـوم ونـصـف مـن بـغـداد.

وتـركـب الـمـمـرضـة آمي لـذرن الـقـطـار في بـغـداد لـتـصـل في صـبـاح الـيـوم الـتّـالي إلى كـركـوك. وكـان في اسـتـقـبـالـهـا أحـد أعـضـاء الـبـعـثـة. وبـعـد أن عـبـروا الـنّـهـر عـلى عـبّـارة، سـارت بـهـم الـسّـيّـارة أربـع سـاعـات قـبـل أن يـصـلـوا إلى الـحـسـنـيـة. ولـم تـذكـر الـكـاتـبـة في أي اتـجـاه سـاروا. الـمـهـم هـو أنّ الـمـمـرضـة فـوجـئـت بـأنّ الـحـسـنـيـة كـانـت مـديـنـة كـبـيـرة “تـبـدو شـديـدة الـجـمـال قـبـل أن نـعـبـر إلـيـهـا مـن الـجـانـب الـمـقـابـل مـن الـنّـهـر، تـنـتـصـب بـيـضـاء سـاحـرة بـمـنـاراتـهـا. ولـكـنـهـا كـانـت مـخـتـلـفـة، عـنـدمـا عـبـرنـا الـجـسـر ودخـلـنـاهـا. روائـح لا تـطـاق وكـلّ الأبـنـيـة مـهـدمـة ومـتـسـاقـطـة ووحـول وفـوضى في كـلّ مـكـان”.

ونـجـد كـلـمـة “وسـخـة ” مـن جـديـد : “هـنـاك أمـاكـن فـاتـنـة picturesque فـيـهـا … ولـكـنّـهـا غـايـة في الـوسـاخـة”.

وقـد عـرفـت الـمـمـرضـة بـعـد أن الـتـقـت بـلـويـز أنّـهـا تـزوّجـت بـالـدّكـتـور لايـنـدر مـنـذ عـامـيـن فـقـط . وكـانـت قـد تـزوجـت قـبـل 15 سـنـة (أي خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى) بـألـمـاني كـان يـعـمـل لـحـسـاب الأمـريـكـان، ولـكـنّـه كـان في الـحـقـيـقـة جـاسـوسـاً لـحـسـاب ألـمـانـيـا. ولـم يـدم زواجـهـمـا طـويـلاً فـقـد ألـقي الـقـبـض عـلى زوجـهـا وحـكـم عـلـيـه بـالإعـدام، ولـكـنّـه فـلـح في الـهـرب خـلال حـادث اصـطـدام الـقـطـار الّـذي كـان يـنـقـلـه، بـيـنـمـا اعـتـقـد الـمـحـقـقـون أنّـه قـتـل في الـحـادث.

وخـرجـت الـمـمـرضـة لـتـرى الـمـكـان : “كـانـت أمـسـيـة عـذبـة. وكـان الـطّـريـق يـمـرّ بـيـن حـقـول الـشّـعـيـر ثـمّ وسـط أشـجـار فـواكـه أزهـرت، قـبـل أن يـوصـلـنـا إلى ضـفـة دجـلـة. وكـان عـلى يـسـارنـا الـتّـلّ بـعـمـالـه الّـذيـن كـانـوا يـتـرنّـمـون بـغـنـاء غـريـب رتـيـب (لا ارتـفـاع في أنـغـامـه ولا انـخـفـاض). وعـلى يـمـيـنـنـا نـاعـورة واسـعـة تـرسـل أنـيـنـاً غـريـبـاً أثـار أعـصـابي في الـبـدايـة، ولـكـنـني تـعـوّدت عـلـيـهـا حـتّى أحـبـبـتـهـا وأصـبـح لـهـا شـئ مـن الـتّـأثـيـر الـغـريـب الـمـهـدئ لي. ووراء مـكـان الـنّـاعـورة تـمـتـدّ الـقـريـة الّـتي يـأتي مـنـهـا الـعـمـال.

قـالـت مـسـز لايـنـدر: هـو مـكـان جـمـيـل، ألـيـس كـذلـك ؟

أجـبـتـهـا : هـو مـكـان هـدوء وطـمـأنـيـنـة، ولـكـنّـه يـبـدو غـريـبـاً لي أن يـكـون عـلى هـذا الـبـعـد، مـنـعـزلاً عـن كـلّ شئ”.

ونـلاحـظ أنّ الـكـاتـبـة اسـتـعـمـلـت كـلـمـة غـريـب queer ثـلاث مـرّات في هـذا الـمـقـطـع الـقـصـيـر.

وتـعـود كـلـمـة غـريـب في مـقـطـع آخـر :”كـان عـبـد الله، الـصّـبي الـصّـغـيـر الّـذي عـهـد إلـيـه بـغـسـل قـطـع الـفـخـاريـات، جـالـسـاً كـعـادتـه في وسـط الـحـوش، وكـان كـعـادتـه أيـضـاً يـخـنّ بـغـنـائـه الـغـريـب”. وهـذا يـعـني أنّ الـرّاويـة (أو الـكـاتـبـة ) كـانـت تـسـمـع الأصـوات تـخـرج مـن أنـوف الـنّـاس لا مـن أفـواهـهـم !

والـمـرّة الـوحـيـدة الّـتي وصـفـت فـيـهـا الـكـاتـبـة “عـراقـيـاً” كـانـت عـنـدمـا تـكـلّـمـت عـن عـلي يـوسـف، الّـذي عـرفـنـا في نـهـايـة الـرّوايـة أنّـه كـان “نـصـف تـركي”. فـقـد كـان هـنـاك اخـتـلاف بـيـن وصـف الأب لافـيـني، أحـد الـمـشـاركـيـن في الـتّـنـقـيـبـات، لـه ووصـف الـمـمـرضـة. فـعـنـدمـا وصـفـه الأب بـأنّـه fair أي وسـيـم أو فـاتـح الـبـشـرة، فـهـو يـعـلـل ذلـك :”أقـصـد أنّـه وسـيـم (فـاتـح الـلـون) كـعـراقي، وأعـتـقـد أنّ الـمـمـرضـة سـتـصـفـه بـالـغـامـق”. وحـقـاً وصـفـتـه الـمـمـرضـة بـأنّ ” لـونـه أصـفـر غـامـق وسـخ” !

وقـلـيـلاً مـا تـكـلّـمـت راويـة الـقـصّـة (الـمـمـرضـة) عـن الـعـلاقـات بـيـن الـمـنـقـبـيـن وأهـل الـبـلـد أي عـمـال الـحـفـريـات والـخـدم ، فـلـم يـكـن في الـمـوقـع عـلـمـاء آثـار عـراقـيـيـن.

وهـنّـا أذكّـر الـقـارئ إلى أنّ أوّل عـلـمـاء الآثـار الّـذيـن أكـمـلـوا دراسـتـهـم في الـخـارج لـم يـعـودوا إلى بـغـداد قـبـل 1938 مـثـل طـه بـاقـر وفـؤاد سـفـر، ولـم يـبـدأوا بـالـمـشـاركـة في الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة إلّا بـعـد ذلـك بـسـنـوات. وقـد كـانـت الـمـواقـع الأثـريـة في الـعـراق في زمـن كـتـابـة أجـاثـا كـريـسـتي لـهـذه الـرّوايـة مـيـدانـاً مـخـصـصـاً لـلـعـلـمـاء الأوربـيـيـن والأمـريـكـان.

وكـان الـحـديـث بـيـن الأجـانـب وأهـل الـبـلـد لا يـتـعـدى بـعـض الـكـلـمـات أو الـجـمـل الـبـسـيـطـة. فـطـبـيـب الـبـعـثـة في الـرّوايـة، وهـو يـتـكـلّـم “الـعـربـيـة”، يـقـول لـلـمـمـرضـة في مـقـطـع مـن الـنّـص :

ــ : “سـيـجـلـب لـك الـصّـبـيـان boys الـمـاء الـسّـاخـن قـبـل الـغـداء والـعـشـاء، وفي الـصّـبـاح طـبـعـاً. وإذا احـتـجـت إلى قـلـيـل مـنـه في أي وقـت كـان فـمـا عـلـيـك إلّا أن تـخـرجي إلى الـحـوش وتـصـفـقي يـديـك. وعـنـدمـا يـأتي الـصّـبـيـان قـولي لـهـم : جـيـب مـاي حـار jib mai’ har ، هـل تـعـتـقـديـن أنّـك سـتـتـذكـريـن الـجـمـلـة؟” وقـلـت لـه إنـني أعـتـقـد ذلـك، وأعـدت الـجـمـلـة بـتـعـثـر وتـردد.

ــ : ” حـسـنـاً، قـولـيـهـا بـثـقـة وصـيـحي بـهـم، فـالـعـرب لا يـفـهـمـون شـيـئـاً تـقـولـيـنـه بـطـريـقـة كـلام الإنـكـلـيـز الـعـاديـة”.

كـمـا تـتـكـلّـم الـكـاتـبـة عـن طـريـقـة عـمـل مـسـتـر كـولـيـمـان في مـوقـع الـحـفـريـات : يـقـف بـيـن الـعـمـال ويـصـيـح بـهـم : “يـا الله Y’Allah’”.

وتـذكـر الـكـاتـبـة الـفـرق بـيـن الـعـربـيـة الـفـصـحى وبـيـن الـعـامـيـة عـلى لـسـان أحـد أشـخـاص الـرّوايـة، الأب لافـيـني : “أتـدري أنـني خـجـلان مـن نـفـسي. درسـت الـلـغـات الـشّـرقـيـة ولا يـفـهـم أحـد مـن الـعـمـال مـا أقـول! هـذا مـخـزٍ لي، ألا تـعـتـقـد ذلـك ؟ وقـد حـاولـت أن أتـحـدّث بـعـربـيـتي مـع هـذا الـرّجـل، وهـو مـن سـكّـان الـمـدن لأرى هـل يـفـهـمـني، ولـكـن بـدون نـتـيـجـة. قـال لي الـدّكـتـور لايـنـدر إنّ لـغـتي الـعـربـيـة شـديـدة الـفـصـاحـة عـلـيـهـم”.

وبـعـد أسـبـوع مـن وصـول الـمـمـرضـة وجـد الـدّكـتـور لايـنـدر زوجـتـه مـيّـتـة في غـرفـتـهـا. وكـانـت قـد ضـربـت مـواجـهـةً بـشئ أمـلـس ثـقـيـل، ولـم يـكـن في الـغـرفـة أثـر لـهـذا “الـسّـلاح”. وجـاء الـكـابـتـن مـيـتـلانـد لـيـحـقـق في الـقـضـيـة، بـيـنـمـا فـحـص الـطـبـيـب الـدّكـتـور رايـلي Dr. Reilly  الـجـثـمـان.

ثـمّ سـمـع الـطّـبـيـب بـأنّ صـديـقـه الـمـحـقـق الـبـلـجـيـكي هـرقـل بـواروت (الّـذي يـتـدخـل في كـثـيـر مـن روايـات أجـاثـا كـريـسـتي لـيـجـد الـحـلـول لأغـرب الـجـرائـم وأكـثـرهـا غـمـوضـاً وإبـهـامـاً) كـان في جـولـة في الـعـراق. واتـصـل بـه لـيـأتي إلى مـوقـع الـجـريـمـة.

وقـد اقـتـنـع الـجـمـيـع بـأنّ الـقـاتـل كـان واحـداً مـنـهـم، لأنّ أحـداً لـم يـرغـريـبـاً يـقـتـرب مـن الـمـوقـع عـنـدمـا حـدثـت الـجـريـمـة. وكـان الـمـدخـل الـوحـيـد لـلـغـرفـة مـن حـوش الـدّار فـالـشّـبـاك عـلـيـه قـضـبـان حـديـديـة. وعـنـدمـا وصـل الـمـحـقـق بـواروت بـدأ اسـتـجـواب الـكـلّ. وأخـبـرتـه الـمـمـرضـة بـقـصّـة زواج لـويـزلايـنـدر الأوّل

وبـعـد دفـن جـثـمـان لـويـز لايـنـدر، صـعـدت الـمـمـرضـة إلى الـسّـطـح، و وجـدت مـس جـونـسـون، عـالـمـة الآثـار ومـسـاعـدة الـدّكـتـور لايـنـدر في الـتّـنـقـيـبـات، الّـتي أخـبـرتـهـا أنّـهـا وجـدت كـيـف يـمـكـن لأحـد دخـول الـدّار مـن غـيـر أن يُـلاحـظ، ولـكـنـهـا لـم تـشـرحـه لـهـا، وفي تـلـك الـلـيـلـة سُـمـمـت مـس جـونـسـون، واسـتـطـاعـت أن تـلـفـظ فـقـط : “الـنّـافـذة ! الـنّـافـذة !” قـبـل أن تـمـوت بـيـن يـدي الـمـمـرضـة.

وبـعـد أن اسـتـجـوب الـمـخـبـر هـرقـل بـواروت كـلّ واحـد مـن الـحـاضـريـن وحـلـل شـخـصـيـتـه، وبـعـد أن بـعـث بـبـرقـيـات إلى كـلّ أنـحـاء الـعـالـم لـيـتـأكـد مـن بـعـض الـمـعـلـومـات، وبـعـد أن رسـم مـخـطـطـاً لـدار الـتّـنـقـيـبـات يـظـهـر حـجـرهـا وغـرفـهـا ومـداخـلـهـا ومـخـارجـهـا جـمـعـهـم كـلّـهـم في الـيـوم الـتّـالي لـيـخـبـرهـم بـالـحـلّ الّـذي وجـده، وبـدأ حـديـثـه بـالـبـسـمـلـة : “بـسـم الله الـرّحـمـن الـرّحـيـم Bismillahi ar rahman ar rahim. هـذا هـو الـتـعـبـيـر الـعـربي الّـذي يـسـتـعـمـلـه الـمـرء عـنـدمـا يـشـرع في الـسّـفـر. ونـحـن أيـضـاً نـبـدأ بـرحـلـة. رحـلـة إلى الـمـاضي. رحـلـة إلى مـنـاطـق غـريـبـة مـن الـنّـفـس الإنـسـانـيـة”. وكـانـت نـتـيـجـة هـذا الـتّـعـمـق في الـنّـفـس الـبـشـريـة أنّـه وجـد أنّ لـويـز لايـنـدر ومـس جـونـسـن قـتـلـهـمـا الـدّكـتـور لايـنـدر، الّـذي هـو في الـحـقـيـقـة زوج لـويـز الأوّل الألـمـاني، والّـذي لـم يـقـتـل في حـادث اصـطـدام الـقـطـار. وقـد وجـد بـيـن الـضّـحـايـا جـثـمـان عـالـم آثـار سـويـدي Erich Leinder ، وأخـذ بـطـاقـة هـويـتـه. وبـعـد أن مـرّت 15 سـنـة، إدّعى أنّـه عـالـم الآثـار وتـزوّج مـن جـديـد بـزوجـتـه الأولى الّـتي لـم تـتـعـرف عـلـيـه، ولـكـنـه اكـتـشـف أنّـهـا تـحـبّ زمـيـلـه كـاري، فـقـررقـتـلـهـا. ثـمّ شـرح الـمـخـبـر هـرقـل بـواروت كـيـف اسـتـطـاع الـقـاتـل قـتـل زوجـتـه : فـفي عـصـريـة بـقـيـت فـيـهـا زوجـتـه في الـغـرفـة صـعـد هـو إلى الـسّـطـح لـيـصـنـف قـطـعـاً فـخـاريـة وجـدت في الـتّـنـقـيـبـات، وأنـزل أمـام شـبـاك غـرفـتـهـا قـنـاعـاً فـخـاريـاً رأتـه فـاقـتـربـت مـن الـنّـافـذة حـتّى وضـعـت رأسـهـا بـيـن الـقـضـبـان لـتـرى مـن أنـزلـه، وعـنـدهـا ضـربـهـا بـالـنـصـف الـعـلـوي مـن رحـاة حـجـريـة (2) كـان قـد ربـطـهـا مـن الـثّـقـب الّـذي في وسـطـهـا بـحـبـل، وقـد رمـاهـا عـنـف الـضـربـة إلى الـوراء واسـتـطـاعـت أن تـنـادي الـمـمـرضـة الّـتي ركـضـت نـحـوهـا قـبـل أن تـسـقـط مـيّـتـة بـيـن يـديـهـا ! أمّـا مـس جـونـسـون فـقـد غـيّـر الـقـاتـل الـمـاء في كـأسـهـا بـحـامـض الـهـيـدروكـلـوريـك الّـذي قـتـلـهـا بـعـد أن شـربـتـه.

وقـد حـلّ الـمـخـبـر بـواروت لـغـزاً آخـر حـدث في مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات، فـقـد وجـد الـمـنـقـبـون رجـلاً انـسـلّ إلى الـغـرفـة الّـتي تـحـفـظ فـيـهـا الـقـطـع الأثـريـة. وقـد تـعـرّف فـيـه عـلى عـلي يـوسـف الّـذي يـعـمـل مـع راؤول مـنـيـيـه، سـارق الآثـار ومـهـربـهـا. وقـد اكـتـشـف أنّ مـنـيـيـه كـان قـد انـضـمّ إلى فـريـق الـتّـنـقـيـبـات مـتـنـكّـراً تـحـت هـويـة كـاذبـة، فـقـد ادّعى أنّـه الأب لافـني، الـمـخـتـص بـقـراءة الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة الـمـعـروف. وهـكـذا اسـتـطـاع أن يـسـرق كـثـيـراً مـمـا وجـد في الـتّـنـقـيـبـات وأبـدلـهـا بـنـسـخ مـزيـفـة.

وقـد أوقـفـت الـشّـرطـة الـمـهـربـيـن في بـيـروت، قـبـل أن يـركـبـا في بـاخـرة مـتـجـهـة إلى أوربـا.

وبـعـد أن أكـمـلـت الـمـمـرضـة سـرد الـقـصـة بـأكـمـلـهـا تـسـاءلـت : “كـيـف يـمـكـنـني أن أنـهي حـكـايـتي؟ يـا لـيـتـني اسـتـطـعـت أن أجـد تـعـبـيـراً مـنـاسـبـاً لـذلـك. عـليّ أن أسـأل الـدكـتـور رايـلي عـن تـعـبـيـر بـالـعـربـيـة. مـثـل ذاك الّـذي اسـتـعـمـلـه مـسـتـر بـواروت : بـسـم الله الـرّحـمـن الـرّحـيـم In the name of Allah, the Merciful, the Compassionate…. شـئ مـن هـذا الـقـبـيـل”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تـرجـمـت الـرّوايـة إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان “جـريـمـة في الـعـراق”، دار الـكـتـب لـلـطّـبـاعـة والـنّـشـر والـتّـوزيـع 1973 ( 237 ص.)، وأعـيـد طـبـعـهـا في الـقـاهـرة، الـمـكـتـبـة الـثّـقـافـيـة 1997. ولأني لـم أسـتـطـع الـحـصـول عـلى الـتّـرجـمـة فـقـد تـرجـمـت الـمـقـاطـع الّـتي اسـتـشـهـدت بـهـا مـن الأصـل الإنـكـلـيـزي مـبـاشـرة.

(2) لا شـكّ في أنّ بـعـض قـرائي لـم يـروا رحـاة حـجـريـة. وكـانـت هـذه الـرّحـاة تـتـكـوّن مـن جـزئـيـن : قـاعـدة دائـريـة ثـبّـت في وسـطـهـا وتـد مـن الـخـشـب، وقـرص مـن الـحـجـر مـثـقـوب الـوسـط لـيـدخـل فـيـهـا وتـد الـجـزء الـسّـفـلى، وتـديـر الـمـرأة الـجـزء الـعـلـوي عـلى الـجـزء الاسـفـل لـتـطـحـن الـحـبـوب.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s