تـبـادل الـسّـفـراء بـيـن هـرون الـرّشـيـد و شـارلـمـان

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

نـشـرتُ هـذا الـمـقـال في عـام 2014 بـمـنـاسـبـة مـرور 1200 عـام عـلى وفـاة الإمـبـراطـور شـارلـمـان في 814 م. وأعـيـد نـشـره هـنـا، فـقـد وجـدت عـدداً مـن الـمـقـالات الّـتي نـشـرت مـن غـيـر أن يـطّـلـع كـاتـبـوهـا عـلى الـنّـصـوص الأسـاسـيـة الّـتي ذكـرت هـذه الأحـداث الـتّـاريـخـيـة.

مـن كـان شـارلـمـان ؟

chrlemagne

إعـتـلى شـارلـمـان (أي شـارل الأكـبـر) عـرش دولـة الإفـرنـج (الّـتي كـانـت أراضـيـهـا تـقـع في غـرب ألـمـانـيـا وشـرق فـرنـسـا الـحـالـيـتـيـن ) في 768 م. ثـمّ اسـتـولى عـلى مـمـلـكـة الـلـومـبـارد في شـمـال إيـطـالـيـا. وقـرر بـعـد ذلـك أن يـعـيـد إنـشـاء الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة (الّـتي كـانـت قـد سـقـطـت في 476 م.). ونـصـب نـفـسـه في 800 م. إمـبـراطـوراً عـلى مـا أسـمـاه بـالإمـبـراطـوريـة الـمـقـدّسـة. وقـد بـارك بـابـا رومـا هـذا الـتّـنـصـيـب. كـان شـارلـمـان إذن مـعـاصـراً لـلـخـلـيـفـة الـعـبّـاسي هـرون الـرشّـيـد الّـذي بـويـع لـه بـالـخـلافـة سـنـة 786 م.

Harun_Al-Rashid_and_the_World_of_the_Thousand_and_One_Nights

عـلاقـات شـارلـمـان بـهـرون الـرّشـيـد :

يـشـكّ كـثـيـر مـن الـمـؤرخـيـن الّـذيـن درسـوا هـذه الـفـتـرة بـصـحـة قـيـام عـلاقـات ودّيـة بـيـن شـارلـمـان وهـرون الـرّشـيـد. ويـحـتـجـون عـلى ذلـك بـعـدم وجـود أدنى إشـارة لـهـذه الـعـلاقـات عـنـد الـمـؤرخـيـن الـعـرب الـقـدمـاء الّـذيـن تـكـلّـمـوا بـالـتـفـصـيـل عـن كـلّ مـا حـدث خـلال فـتـرة خـلافـة الـرّشـيـد. ومـع ذلـك فـقـد ذكـر إيـنـهـار، مـؤرّخ شـارلـمـان، في كـتـابـه “سـيـرة شـارل الأكـبـر Vita Karoli Magni ” تـبـادل سـفـراء بـيـن الـخـلـيـفـة والإمـبـراطـور. كـمـا ذكـرت “الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة Annales Francorum ” الّـتي سـجّـلـت حـوادث فـتـرة حـكـم شـارلـمـان سـنـة بـسـنـة، سـفـارة بـعـثـهـا شـارلـمـان إلى بـلاط الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد في بـغـداد وسـفـارتـيـن بـعـثـهـمـا هـرون الـرّشـيـد إلى بـلاط الإمـبـراطـور في آخـن. ولا يـمـكـنـنـا تـجـاهـل هـذه الـنّـصـوص. ومـن الـصّـعـب اعـتـبـار كـلّ مـا ورد فـيـهـا تـلـفـيـقـاً كـان الـهـدف مـنـه تـقـويـة مـكـانـة شـارلـمـان بـجـعـلـه كـفـؤاً لـلـخـلـيـفـة الّـذي كـان يـحـكـم جـزءاً كـبـيـراً مـن الـعـالـم يـمـتـدّ مـن حـدود الـهـنـد إلى أقـصى شـمـال أفـريـقـيـا.

مـن كـان إيـنـهـار؟

Eginhard1

درس إجـيـنـهـار Eginhard (أو إيـنـهـار Einhard) في مـدرسـة قـصـر شـارلـمـان. وهي الـمـدرسـة الّـتي أنـشـاهـا الإمـبـراطـور في عـاصـمـتـه آخـيـن لـتـكـويـن إداريـيـن يـمـكـن أن يـعـتـمـد عـلـيـهـم. ولـنـبـاهـة إيـنـهـار وتـمـيّـزه عـلى الآخـريـن، قـرّبـه شـارلـمـان حـتّى صـار مـن بـيـن مـسـتـشـاريـه. وجـعـل مـنـه مـؤرّخـه الـشّـخـصي. وبـعـد مـوت شـارلـمـان، أبـقـاه ابـنـه لـويـس الـتّـقي (ويـسـمى أيـضـاً بـلـويـس الـحـلـيـم ) قـربـه في الـبـلاط وطـلـب مـنـه أن يـؤلّـف كـتـابـاً عـن حـيـاة أبـيـه فـكـتـب : “سـيـرة شـارل الأكـبـر Vita Karoli Magni “. كـمـا كـتـبـت في زمـن لـويـس الـتّـقي بـن شـارلـمـان حـولـيـات الـمـلـوك الإفـرنـج : بـيـبـان الـقـصـيـر وشـارلـمـان بـن بـيـبـان ولـويـس بـن شـارلـمـان سـنـة بـسـنـة. وقـد عـرف هـذا الـمـؤلَـف بـ “الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة Annales Francorum ” الّـتي أسـمـيـت أيـضـاً بـ “حـولـيـات إيـنـهـار” لأنّ الإعـتـقـاد كـان سـائـداً بـأنّـهـا مـن تـألـيـف إيـنـهـار. ولـكـنّ بـعـض الـدّراسـات الـحـديـثـة الّـتي نـشـرت في الـسّـنـوات الأخـيـرة تـشـكّ في إسـنـاد تـألـيـف الـحـولـيـات إلـيـه. والّـذي يـهـمـنـا مـن كـلّ هـذا هـو أنّ هـذه الـنّـصـوص تـكـاد أن تـكـون مـعـاصـرة لـلأحـداث الّـتي تـتـكـلّـم عـنـهـا.

سـيـرة شـارل الأكـبـر :

Éginhard_Vita_Caroli_magni_imperatoris-Lettrine_V_historiée_Charlemagne_assis

كـتـب إيـنـهـار “سـيـرة شـارل الأكـبـر Vita Karoli Magni ” بـعـد مـوت شـارلـمـان، ربّـمـا بـيـن 829 و836 م. في زمـن حـكـم لـويـس الـتّـقي، إبـن شـارلـمـان. ويـبـدو أنّ لـويـس هـو الّـذي طـلـب مـنـه أن يـكـتـبـهـا لـحـفـظ مـكـارم أبـيـه. ونـجـد في هـذه الـسّـيـرة الـمـقـطـع الـتّـالي :

“هـرون مـلـك الـفـرس وحـاكـم كـلّ الـشّـرق مـاعـدا الـهـنـد ربـطـتـه بـه [ أي بـشـارلـمـان] صـداقـة صـافـيـة. وكـان يـفـضـل مـودّتـه عـلى كـلّ مـودّات الـمـلـوك وعـظـمـاء الـدّنـيـا. وكـان يـعـتـبـره الـوحـيـد الّـذي يـسـتـحـق تـكـريـمـه وهـدايـاه. وهـكـذا، عـنـدمـا بـعـث شـارل (الأكـبـر) بـرسـلـه يـحـمـلـون الـهـبـات إلى قـبـر الـمـسـيـح الـمـقـدّس [ في الـقـدس]، ذهـبـوا إلى بـلاط هـرون و وقـفـوا بـيـن يـديـه وأعـلـمـوه بـرغـبـات الإمـبـراطـور. ولـم يـكـتـفِ مـلـك الـفـرس بـتـلـبـيـة طـلـبـات الإمـبـراطـور، بـل وهـبـه مـلـكـيـة الـمـكـان، أي مـهـد ديـنـنـا الـمـقـدّس، و وضـعـه تـحـت سـلـطـتـه. وعـنـدمـا ذهـب هـؤلاء الـسّـفـراء إلـيـه لـيـأذن لـهـم بـالـعـودة إلى بـلـدهـم، بـعـث مـعـهـم بـسـفـراء مـن عـنـده لـيـصـاحـبـوهـم وحـمـلـوا مـن الـهـدايـا لـشـارل، مـا عـدا الـثّـيـاب والـعـطـور، أشـيـاء فـاخـرة أخـرى مـمـا يـنـتـجـه الـشّـرق. وكـان هـرون قـد بـعـث قـبـل سـنـوات ، مـجـيـبـاً لـطـلـب الإمـبـراطـور، بـالـفـيـل الـوحـيـد الّـذي كـان لـه في ذلـك الـوقـت ”

الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة :

تـتـكـلّـم الـحـولـيـات عـن أمـور تـتـعـلّـق بـهـرون الـرّشـيـد في الـسّـنـوات 801 و 802 و 807 و 810. وهي تـصـفـه أيـضـاً بـمـلـك بـلاد الـفـرس لأنّ الأوربـيـيـن في ذلـك الـزّمـن لـم يـكـونـوا يـعـرفـون الـشّـرق إلّا مـن خـلال مـا كـان قـد كـتـبـه الإغـريـق (الـيـونـانـيـون الـقـدمـاء) والـرّومـان. وكـانـت مـعـرفـتـهـم بـالـشّـرق الـمـعـاصـر لـهـم مـحـدودة جـدّاً. وكـانـوا يـعـتـقـدون أنّ خـلـيـفـة بـغـداد مـن سـلالـة أكـاسـرة الـفـرس الّـذيـن كـتـب عـنـهـم الإغـريـق والـرّومـان.

كـمـا أسـمـت الـحـولـيـات هـرون في الـكـلام عـمّـا حـدث في سـنـة 810 بـمـلـك “الـسّـرزانـيـيـن”.  و”الـسّـرزانـيـون” اسـم كـان يـطـلـقـه الأوربـيـون عـلى الـمـسـلـمـيـن “الـشّـرقـيـيـن” تـفـريـقـاً لـهـم عـن “الـمـور” أو “الـمـوريـيـن” أي سـكـان بـلاد الـمـغـرب في شـمـال أفـريـقـيـا والّـذيـن أسـمـاهـم الـعـرب، بـعـد الـفـتـح الإسـلامي، بـالـبـربـر.

وقـد تـرجـمـتُ الـمـقـاطـع الـتّـالـيـة مـن الـطّـبـعـة الّـتي حـقـقـهـا ونـشـرهـا M.Guizot في 1824، وقـارنـتـهـا بـالـطـبـعـة الّـتي حـقـقـهـا ونـشـرهـا A. Teulet في 1840.

ونـعـرف مـن قـراءة أحـداث سـنـة 801 م. أنّ شـارلـمـان كـان قـد بـعـث قـبـل ذلـك بـأربـع سـنـوات أي في سـنـة 797 م. بـسـفـارة إلى بـلاط الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد في بـغـداد تـتـألّـف مـن سـيـجـيـسـمـونـد Sigismond ولانـفـريـد Lanfried بـصـحـبـة يـهـودي اسـمـه إسـحـق، وأنّ سـيـجـيـسـمـونـد و لانـفـريـد كـانـا قـد مـاتـا وعـاد إسـحـق إلى أوربـا بـصـحـبـة سـفـيـر بـعـثـه هـرون الـرشـيـد (مـلـك بـلاد الـفـرس !) وآخـر بـعـثـه أمـيـر مـن الـمـغـرب، وأنّـهـم عـبـروا الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط مـن أفـريـقـيـا (أي تـونـس) إلى إيـطـالـيـا حـامـلـيـن هـدايـا الـخـلـيـفـة ومـن ضـمـنـهـا فـيـل. وهـذا هـو نـصّ الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة :

سـنـة 801 :

بـعـد أن وصـل شـارل الأكـبـر (شـارلـمـان) إلى بـافي في شـمـال إيـطـالـيـا بـلـغـه الـخـبـر بـوصـول سـفـراء بـعـثـهـم لـه هـرون، مـلـك بـلاد الـفـرس إلى مـيـنـاء بـيـزا (في غـرب إيـطـالـيـا)، وبـعـث بـعـض فـرسـانـه لـيـصـطـحـبـوهـم إلـيـه، وقـدّمـوهـم إلـيـه عـنـدمـا كـان في طـريـقـه بـيـن مـديـنـتي فـيـركـوي وإيـفـريـه. وكـان أحـدهـمـا (فـقـد كـانـا إثـنـيـن) فـارسـيـاً مـن الـشّـرق أرسـلـه مـلـك بـلاد الـفـرس، والآخـر سـرزانـيـاً مـن أفـريـقـيـا أرسـلـه الأمـيـر إبـراهـيـم Emir Abraham الّـذي يـحـكـم بـلاد فـاس في أطـراف أفـريـقـيـا. وقـد أخـبـرا الإمـبـراطـور بـأنّ إسـحـاق الـيـهـودي الّـذي كـان قـد أرسـلـه قـبـل أربـع سـنـوات إلى مـلـك بـلاد الـفـرس بـصـحـبـة سـيـجـيـسـمـونـد Sigismond و لانـفـريـد Lanfried قـد عـاد حـامـلاً هـدايـا عـظـيـمـة، وأنّ سـيـجـيـسـمـونـد و لانـفـريـد قـد مـاتـا. وعـنـدهـا بـعـث الإمـبـراطـور كـاتـب الـعـدل إرشـيـنـبـالـد Erchenbald إلى لـيـغـوريـا لـيـعـدّ سـفـنـاً يـحـمّـل عـلـيـهـا الـفـيـل الّـذي جـلـبـه إسـحـق والـهـدايـا الأخـرى. في شـهـر تـشـريـن الأوّل مـن هـذه الـسّـنـة وصـل إسـحـق الـيـهـودي مـن أفـريـقـيـا ومـعـه الـفـيـل إلى مـيـنـاء فـنـدريـس، وقـضى الـشّـتـاء في فـيـركـوي لأنّـه لـم يـسـتـطـع اخـتـراق جـبـال الألـب الّـتي كـانـت تـغـطّـيـهـا الـثّـلـوج.

سـنـة 802 :

وفي 20 تـمّـوز مـن هـذه الـسّـنـة وصـل إسـحـق مـصـطـحـبـاً الـفـيـل لـلإمـبـراطـور والـهـدايـا الأخـرى الّـتي بـعـثـهـا لـه مـلـك الـفـرس. وكـان اسـم الـفـيـل أبـو الـعـبّـاس Abulabaz “. وتـذكـر الـحـولـيـات في أحـداث سـنـة 807 م. وصـول سـفـيـر آخـر بـعـثـه هـرون الـرشّـيـد إلى شـارلـمـان والـهـدايـا الّـتي بـعـثـهـا الـخـلـيـفـة لـلإمـبـراطـور. وفي مـا يـلي نـصّ الـحـولـيـات : ”

سـنـة 807 :

وصـل مـبـعـوث مـلـك بـلاد فـارس إلى بـلاط الإمـبـراطـور بـصـحـبـة راهـبـيـن جـاءا بـه مـن الـقـدس. وكـان تـومـا، بـطـريـارك الـقـدس قـد عـهـد لـهـمـا بـهـذه الـمـهـمـة. واسـمـا الـرّاهـبـيـن فـلـيـكـس وجـورج وكـان جـورج أبـاً في جـبـل الـزّيـتـون، وهـو مـن أصـل ألـمـاني واسـمـه الـحـقـيـقي إنـجـلـبـالـد. وقـد حـمـلـوا ثـلاثـتـهـم لـشـارل الـهـدايـا الّـتي بـعـثـهـا لـه مـلـك بـلاد فـارس والّـتي تـتـكـوّن مـن قـمـاش خـيـمـة [ ويـعـني بـهـا ولا شـك نـوعـاً مـن الـسّـرادق الّـتي يـسـتـقـبـل بـهـا الـمـلـوك ضـيـوفـهـم] وسـتـائـرغـرف واسـعـة الـمـقـايـيـس يـخـلـب جـمـالـهـا الألـبـاب. وهي مـن الـكـتّـان. والـسّـتـائـر وحـبـالـهـا صـبـغـت بـألـوان مـتـنـوّعـة. وكـان مـن بـيـن هـدايـا مـلـك بـلاد فـارس عـدد مـن مـعـاطـف الـحـريـر لا تـقـدّر أثـمـانـهـا ، وعـطـور وتـوابـل ومـراهـم، وسـاعـة مـن الـنّـحـاس الـمـطـلي بـالـذّهـب، صـنـعـت بـفـنّ يـثـيـر الإعـجـاب، وبـحـيـل [ مـيـكـانـيـكـيـة] يـحـركـهـا الـمـاء تُـعـلـم عـن تـتـابـع الإثـنـتي عـشـرة سـاعـة. وعـنـدمـا تـحـلّ كـلّ سـاعـة تـسـقـط كـريّـات مـن الـقّـلـز بـعـددهـا عـلى صـنـج وضـع تـحـتـهـا وتـقـرع بـسـقـوطـهـا عـدد الـضّـربـات الـمـطـلـوبـة. وعـنـدمـا تـدقّ الـسّـاعـة الـثّـانـيـة عـشـرة تـنـفـتـح اثـنـتـا عـشـرة نـافـذة يـخـرج مـنـهـا اثـنـا عـشـر فـارسـاً. وبـقـوة الإهـتـزاز الّـتي يـحـدثـهـا خـروجـهـم تـنـغـلـق الـنّـوافـذ خـلـفـهـم. وفي هـذه الـسّـاعـة أشـيـاء كـثـيـرة أخـرى تـدعـو لـلإعـجـاب، ولـكـن يـنـقـصـنـا الـمـكـان هـنـا لـنـوفـيـهـا حـقـهـا. وكـان مـن بـيـن الـهـدايـا شـمـعـدانـان كـبـيـران مـن الـقُـلـز لـيـس بـعـد جـمـالـهـمـا جـمـال. وقـد جـلـبـت كـلّ هـذه الأشـيـاء لـلإمـبـراطـور في قـصـره في آخـيـن. وقـد أبـقي بـقـربـه الـسّـفـيـر والـرّاهـبـيـن فـتـرة مـن الـزّمـن ثـمّ أرسـلـهـمـا إلى إيـطـالـيـا لـيـبـحـروا مـنـهـا [عـائـديـن إلى الـشّـرق].

وذكـرت الـحـولـيـات في الـمـقـطـع الأخـيـر الّـذي يـتـعـلّـق بـهـاتـيـن الـسّـفـارتـيـن عـن الـفـيـل (أبـو الـعـبّـاس) الّـذي كـان قـد ارسـلـه الـخـلـيـفـة هـديـة لـلإمـبـراطـور مـع الـيـهـودي إسـحـاق سـنـة 801 م.

سـنـة 810 :

“الـفـيـل الّـذي كـان قـد بـعـثـه لـه هـرون، مـلـك الـسّـرزانـيـيـن، مـات مـوتـاً مـفـاجـئـاً”.

وهـنـا يـنـتـهي ذكـرالـحـولـيـات لـمـا يـتـعـلّـق بـهـرون الـرّشـيـد، فـقـد مـات الـخـلـيـفـة في سـنـة 809. وشـغـلـت الـحـرب الّـتي تـقـاتـل فـيـهـا ابـنـاه الأمـيـن والـمـأمـون عـلى الـعـرش الـدّولـة الـعـبـاسـيـة عـن شـؤون الـعـالـم الـخـارجـيـة.

الـخـلاصـة :

إذا مـا أردنـا أن نـرتـب تـرتـيـبـاً زمـنـيـاً الأحـداث الّـتي ذكـرهـا إنـيـهـار في “سـيـرة شـارل الأكـبـر Vita Karoli Magni ” ومـا ذكـرتـه “الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة Annales Francorum “، وهـمـا الـمـصـدران الـوحـيـدان الـمـعـاصـران لـهـذه الأحـداث فـسـنـتـوصـل إلى مـا يـلي :

أراد شـارلـمـان سـنـة 797 م. أن يـفـرض سـلـطـتـه عـلى مـديـنـة الـقـدس الّـتي اعـتـبـر أنّـهـا تـخـضـع لـه بـصـفـتـه حـاكـم “الإمـبـراطـوريـة الـمـقـدّسـة”. ولـيـتـوصـل إلى ذلـك أرسـل مـبـعـوثـيـن : سـيـجـيـسـمـونـد Sigismond و لانـفـريـد Lanfried يـحـمـلان الـهـبـات إلى قـبـر الـمـسـيـح . وفي الـقـدس عـرفـا أنّ الـمـديـنـة تـخـضـع لـلـخـلـيـفـة الـعـبّـاسي هـرون الـرشـيـد. وهـكـذا ذهـبـا بـصـحـبـة يـهـودي اسـمـه إسـحـاق “إلى بـلاط هـرون و وقـفـوا بـيـن يـديـه وأعـلـمـوه بـرغـبـات الإمـبـراطـور”. وقـد لـبّى الـخـلـيـفـة طـلـب شـارلـمـان و “وهـبـه مـلـكـيـة الـمـكـان ووضـعـه تـحـت سـلـطـتـه”.

ولـم يـصـلـنـا مـن الـنّـصـوص الـتّـاريـخـيـة أو مـن الـوثـائـق مـا يـثـبـت ادعـاء كـاتـب الـنّـصّ مـن أنّ هـرون الـرّشـيـد وهـب مـلـكـيـة الـقـدس لـشـارلـمـان أو أنّـه وضـعـهـا تـحـت سـلـطـتـه. ويـبـدو هـذا الـمـقـطـع كـدعـايـة سـيـاسـيـة هـدفـهـا مـسـانـدة ادعـاء شـارلـمـان بـأنّـه امـبـراطـور كـلّ الـمـسـيـحـيـيـن.

ثـمّ تـذكـر الـحـولـيـات أنّ سـيـجـيـسـمـونـد و لانـفـريـد قـد مـاتـا. ولا نـعـرف مـتى ولا أيـن ولا كـيـف مـاتـا. وقـد سـمـع شـارلـمـان بـذلـك سـنـة 801 م. عـنـدمـا وصـل سـفـيـر مـن هـرون بـصـحـبـة سـفـيـر آخـر “أرسـلـه الأمـيـر إبـراهـيـم Emir Abraham الّـذي يـحـكـم بـلاد فـاس في أطـراف أفـريـقـيـا”. ولا شـكّ في أنّـهـمـا عـبـرا الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط مـن أفـريـقـيـا، أي مـن تـونـس الّـتي كـان يـسـمـيـهـا الـجـغـرافـيـون الـعـرب “إفـريـقـيـة”.

وهـنـا نـذكّـر الـقـارئ بـأنّ الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد واجـه تـمـرد قـبـائـل الـبـربـر في “إفـريـقـيـة” ومـا إلى غـربـهـا حـتّى الـمـغـرب الأقـصى. ولـيـتـخـلـص مـن هـذه الإضـطـرابـات ويـكـرّس جـهـوده وقـواتـه لـمـواجـهـة الـبـيـزنـطـيـيـن في الـشّـمـال وأعـداء الـدّولـة في شـرق الـفـرات فـقـد عـيّـن سـنـة 800 م. إبـراهـيـم بـن الأغـلـب عـامـلاً عـلى إفـريـقـيـة ومـا بـعـدهـا حـتّى الـمـغـرب الأقـصى يـحـكـمـهـا كـمـا يـشـاء عـلى أن يـدفـع لـه عـلى ذلـك مـبـلـغـاً مـن الـمـال. وهـكـذا خـرجـت بـلاد الـمـغـرب مـن سـلـطـة الـدّولـة الـعـبـاسـيـة لـتـدخـل في حـكـم الأغـالـبـة.

أمّـا عـن بـلاد فـاس وأمـيـرهـا إبـراهـيـم فـقـد اخـتـلـطـت الأحـداث والـسّـنـوات عـنـد كـاتـب الـحـولـيـات. ونـحـن نـعـرف أنّ إدريـس بـن عـبـدالله، حـفـيـد الـحـسـن بـن عـلي بـن أبي طـالـب هـرب مـن الـعـبـاسـيـيـن والـتـجـأ عـنـد قـبـائـل الـبـربـر في الـمـغـرب الأقـصى في حـوالي سـنـة 788 م. ويـقـال إنّـه شـيّـد عـلى ضـفـة نـهـر فـاس مـا أصـبـح بـعـد ذلـك مـديـنـة فـاس. وبـعـد أن تـوفي في حـوالي 793 م. خـلـفـه ابـنـه إدريـس الـثّـاني عـلى “الـدّولـة” الّـتي أنـشـأهـا واتـخـذ مـن فـاس عـاصـمـة لـه. وهـكـذا نـرى أن إبـراهـيـم الّـذي تـذكـره الـحـولـيـات لا يـمـكـن أن يـكـون أمـيـر بـلاد فـاس في سـنـة 801 م. ولا شـكّ في أنّ كـاتـب الـحـولـيـات يـتـكـلّـم عـن إبـراهـيـم بـن الأغـلـب الّـذي أرسـل هـرون سـفـيـره عـنـده لـيـبـعـث مـعـه مـصـاحـبـاً يـعـرف أوربـا ويـتـكـلّـم الـلـغـة الـلاتـيـنـيـة لـيـسـهـل لـه مـهـمـتـه.

وهـكـذا وصـل سـفـيـر هـرون بـصـحـبـة مـبـعـوث إبـراهـيـم إلى مـيـنـاء بـيـزا في إيـطـالـيـا، ثـمّ وصـل بـعـدهـمـا الـيـهـودي إسـحـاق مـصـطـحـبـاً الـفـيـل الّـذي بـعـثـه هـرون هـديـة لـشـارلـمـان. ولأنّـه وصـل في شـهـر تـشـريـن الـثّـاني لـم يـسـتـطـع اخـتـراق جـبـال الألـب الّـتي كـانـت تـغـطـيـهـا الـثّـلـوج. ولـم يـسـتـطـع مـواصـلـة مـسـيـره نـحـو عـاصـمـة شـارلـمـان في الـشّـمـال إلّا بـعـد انـتـهـاء الـشّـتـاء، ووصـل مـع الـفـيـل في شـهـر تـمّـوز مـن سـنـة 802 م.

وتـتـكـلّـم حـولـيـات سـنـة 807 م. عـن سـفـيـر آخـر بـعـثـه “مـلـك بـلاد الـفـرس” أي هـرون الـرّشـيـد إلى بـلاط شـارلـمـان مـرّ بـالـقـدس وجـاء بـصـحـبـة راهـبـيـن مـنـهـا إلى أوربـا. ولا شـكّ في أنّـهـم عـبـروا الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط مـن “إفـريـقـيـة” إلى إيـطـالـيـا لأنّ الـمـقـطـع يـذكـر أنّـهـم عـادوا إلى الـشّـرق عـن هـذه الـطّـريـق. وقـد جـلـبـوا مـعـهـم إلى قـصـر شـارلـمـان في آخـيـن هـدايـا الـخـلـيـفـة الّـتي بـعـثـهـا مـن بـغـداد ومـن بـيـنـهـا : الـسّـتـائـر وحـبـالـهـا ومـعـاطـف الـحـريـر وعـطـور وتـوابـل ومـراهـم، وسـاعـة مـن الـنّـحـاس الـمـطـلي بـالـذّهـب أثـارت الـعـجـب والإعـجـاب وشـمـعـدانـان كـبـيـران مـن الـقُـلـز لـيـس بـعـد جـمـالـهـمـا جـمـال.

ولا يـذكـر الـنّـصّـان خـدم الـسّـفـراء ولا تـابـعـيـهـم ولا كـيـف تـنـقّـلـوا وحـمـلـوا هـدايـاهـم، فـهـمـا يـركـزّان عـلى الأحـداث الـرّئـيـسـيـة.

وإذا مـا قـارنّـا بـيـن نـصّ “سـيـرة شـارل الأكـبـر Vita Karoli Magni  “ونـصّ “الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة Annales Francorum ” نـجـد اخـتـلافـاً وتـفـاوتـاً بـيـنـهـمـا، فـنـحـن نـفـهـم مـن “سـيـرة شـارل الأكـبـر” أنّ عـلاقـات هـرون بـشـارلـمـان كـانـت قـد بـدأت قـبـل أن يـبـعـث الإمـبـراطـور بـسـفـارة إلى الـخـلـيـفـة في بـغـداد وأنّ الـخـلـيـفـة كـان قـد بـعـث إلى الإمـبـراطـور مـجـيـبـاً لـطـلـبـه بـالـفـيـل الـوحـيـد الّـذي كـان لـه في ذلـك الـوقـت. ويـذكـر الـنّـصّ أنّ سـفـراء شـارلـمـان عـادوا إلى بـلاطـه مـع سـفـراء بـعـثـهـم هـرون لـيـصـاحـبـوهـم ويـحـمـلـوا هـدايـا الـخـلـيـفـة. ولا يـذكـر الـنّـصّ كـم كـان عـدد الـسّـفـراء. بـيـنـمـا نـجـد في نـصّ الـحـولـيـات أنّ سـفـيـري شـارلـمـان كـانـا قـد مـاتـا قـبـل أن يـصـل سـفـيـر هـرون إلى بـلاط شـارلـمـان في 801 م. بـصـحـبـة مـبـعـوث الأمـيـر إبـراهـيـم، وأنّ الـفـيـل وصـل بـعـدهـم . أمّـا الـهـدايـا الـمـشـهـورة فـقـد بـعـثـت مـع سـفـيـر آخـر بـعـد ذلـك بـسـبـع سـنـوات أي في سـنـة 807 م.

ويـمـكـنـنـا أن نـدرك مـن هـذه الإخـتـلافـات في سـرد الأحـداث لـمـاذا يـشـكّ بـعـض الـمـؤرّخـيـن في صـحـة مـا ذكـر في الـنّـصّـيـن. ولـكـنـنـا مـع ذلـك نـعـتـقـد أنّ الـخـلـيـفـة والإمـبـراطـور تـبـادلا الـسّـفـراء. ومـن الـصـعـب عـلـيـنـا أن نـتـصـوّر أنّ إيـنـهـار أو أي كـاتـب آخـر قـد اسـتـطـاع اخـتـلاق كـلّ هـذه الأحـداث بـتـفـاصـيـلـهـا وجـزئـيـاتـهـا فـقـط لـيـرفـع مـن مـنـزلـه سـيّـده ويـجـعـل مـنـه نـدّاً لـلـخـلـيـفـة الّـذي كـان يـحـكـم جـزءاً كـبـيـراً مـن الـعـالـم.

ويـعـزي الـمـؤرّخـون الّـذيـن يـقـبـلـون بـصـحـة مـا جـاء في الـنّـصّـيـن عـلاقـات الـخـلـيـفـة بـالإمـبـراطـور إلى الـمـصـالـح الـمـشـتـركـة بـيـنـهـمـا، فـقـد كـانـت تـجـمـعـهـمـا الـعـداوة اتـجـاه الـدّولـة الـبـيـزنـطـيـة في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة، واتـجـاه الـخـلافـة الأمـويـة في الأنـدلـس. ولـكـنـنـا مـع ذلـك لا نـعـرف شـيـئـاً عـن مـعـاهـدات وقّـعـت بـيـنـهـمـا، وحـتّى إن كـان هـنـاك مـعـاهـدات.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s