رسـوم دونالـد مـاكـسـويـل ولـوحـاتـه عـن الـعـراق في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

تـعـوّد الـكـثـيـر مـنّـا عـلى رؤيـة صـور رسـوم الـبـريـطـاني دونـالـد مـاكـسـويـل Donald  Maxwell ولـوحـاتـه الّـتي تـنـشـر هـنـا وهـنـاك مـن غـيـر ذكـر لاسـم رسّـامـهـا. وبـعـد أن قـرأت كـتـابـه عـن الـعـراق والّـذي يـحـتـوي عـلى هـذه الـرّسـوم بـحـثـت عـمّـا كـتـب عـنـه بـالـلـغـة الـعـربـيـة. ودهـشـت لأنـني لـم أجـد شـيـئـاً يـذكـر :

ولـد دونـالـد مـاكـسـويـل سـنـة 1877 في إنـكـلـتـرة. وبـدأ دراسـتـه لـلـفـنّ في مـدرسـة مـديـنـتـه الـصّـغـيـرة : The Clapham School of Art . وسـافـر بـعـد ذلـك إلى لـنـدن لـيـدرس في The Slade School of Fine Art ، ثـمّ في The Royal College of Art. وقـد بـدأ حـيـاتـه الـمـهـنـيـة يـكـتـب ويـرسـم في مـجـلات عـديـدة.

وقـد شـارك دونـالـد مـاكـسـويـل في الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى كـضـابـط في الـبـحـريـة الـمـلـكـيـة الـبـريـطـانـيـة ، ثـمّ كـرسّـام رسـمي . ورسـم خـلال تـلـك الـفـتـرة سـفـن الـبـحـريـة الـبـريـطـانـيـة وعـمـلـيـاتـهـا الـحـربـيـة.

وقـد بـعـثـه الـمـتـحـف الـحـربي The Imperial War Museum في 1919 إلى الـعـراق لـيـنـفـذ رسـومـاً ولـوحـات عـن الـسّـفـن الـحـربـيـة وعـن الـمـلاحـة في دجـلـة والـفـرات.

(c) IWM (Imperial War Museums); Supplied by The Public Catalogue Foundation

ونـبـدأ مـقـالـنـا بـلـوحـة زيـتـيـة يـحـتـفـظ بـهـا الـمـتـحف الـحـربي في لـنـدن. ونـرى فـيـهـا سـفـيـنـتـيـن بـخـاريـتـيـن مـن سـفـن الـبـحـريـة الـبـريـطـانـيـة تـخـتـرقـان نـهـر دجـلـة في بـغـداد. ونـلاحـظ أنّ جـسـر الـقـوارب قـد فُـتـح لـتـمـرّ الـسّـفـيـنـتـان في وسـطـه. ولا بـد أنّـه كـان مـشـهـداً مـألـوفـاً لأنـنـا نـرى بـحـارة الـسّـفـن الـشّـراعـيـة وأصـحـاب الـقـفـف مـنـشـغـلـيـن بـأمـورهـم ، لا يـعـيـرونـهـمـا اهـتـمـامـاً.

وقـد نـشـر دونـالـد مـاكـسـويـل في لـنـدن (دار نـشـر John Lane ) عـام 1921 كـتـابـاً يـسـرد فـيـه رحـلـتـه هـذه إلى الـعـراق كـمـغـامـرات رسّـام (رسـمي) في جـنّـة عـدن، وانـطـبـاعـاتـه الـشّـخـصـيـة عـن الـبـلـد وسـاكـنـيـه :

«  A Dweller in Mesopotamia, being the Adventures of an official Artist in the Garden of Eden. With sketches in colour, monochrome, and line ».

D. Maxwell 18

وصـاحـب نـصّـه بـعـدد مـن الإسـكـتـشـات بـعـدّة ألـوان أو بـلـون واحـد، وبـعـدد مـن الـتـخـطـيـطـات.

ومـاعـدا كـتـابـه هـذا عـن الـعـراق ، فـقـد نـشـر دونـالـد مـاكـسـويـل أكـثّـر مـن ثـلاثـيـن كـتـابـاً تـصـاحـبـهـا رسـومـه عـن رحـلاتـه في أوربـا والـهـنـد وفـلـسـطـيـن.

الـرّحـلـة إلى الـعـراق :

يـبـدأ كـتـاب دونـالـد مـاكـسـويـل عـن الـعـراق بـوصـولـه مـن عَـبـدان (أو عـبـادان) إلى الـبـصـرة الّـتي يـصـفـهـا في فـصـل عـنـوانـه : ” بـنـدقـيـة الـشّـرق The Venice of the East”. ويـعـني بـذلـك أنّ الـبـصـرة تـشـبـه مـديـنـة الـبـنـدقـيـة Venezia في شـمـال شـرق إيـطـالـيـا الـمـعـروفـة بـكـثـرة قـنـوات الـمـاء الّـتي تـخـتـرقـهـا.

D. Maxwell 2

D. Maxwell 3

ثـمّ يـتـكـلّـم في فـصـل ” سـنـدبـاد الـجـنـدي Sinbad the soldier ” عـن أنـواع الـقـوارب والـمـراكـب الّـتي رآهـا فـيـهـا والّـتي تـنـتـمي إلى كـلّ الأمـم وكـلّ الـعـصـور مـن ” قـفّـة زمـن سـنـحـاريـب ” إلى أحـدث الـسّـفـن الـبـخـاريـة. ورسـم سـفـيـنـة شـراعـيـة مـن الّـتي تـدعى بـ ” الـمـهـيـلـة “.

D. Maxwell 6

وفي طـريـقـه صـاعـداً إلى بـغـداد عـن طـريـق الـنّـهـرعـلى مـتـن سـفـيـنـة بـخـاريـة اسـمـهـا شـوشـان ShusHan

D. Maxwell 5

تـوقّـف لـيـرسـم مـشـاهـد مـن الأهـوار : “رسـمـت تـخـطـيـطـاً لـقـريـة يـسـكـنـهـا عـرب الأهـوار في الـمـسـاء. وعـنـدمـا عـدت إلـيـهـا في صـبـاح الـيـوم الـتّـالي لأتـأكّـد مـن بـعـض الـتّـفـاصـيـل … لـم أجـدهـا ! وتـابـعـت تـيّـارات الـمـيـاه حـتّى وجـدتـهـا في الـظّـهـر عـلى بـعـد حـوالي عـشـرة أمـيـال مـن مـكـانـهـا الـسّـابـق”.

D. Maxwell 4

ثـمّ تـكـلّـم عـن قـبـر الـعـزيـر

D. Maxwell 7

والـفـجـر في الـعـمـارة

D. Maxwell 14

ووضـع رسـمـاً لـسـفـيـنـة يـخـاريـة لـنـقـل الـمـسـافـريـن عـلى دجـلـة

D. Maxwell 15

و رسـمـيـن لآثـار بـابـل.

D. Maxwell 10

D. Maxwell 9

وقـد أقـام دونـالـد مـاكـسـويـل في بـغـداد فـتـرة طـويـلـة ووصـفـهـا وصـفـاً مـفـصّـلاً. ووضـع رسـمـاً لـمـآذن الـكـاظـمـيـن الـمـذهّـبـة

D. Maxwell

ولـجـامـع في بـغـداد

D. Maxwell 13

ولـبـغـداد في الـلـيـل

D. Maxwell 12

D. Maxwell 11

كـمـا زار دونـالـد مـاكـسـويـل عـدداً مـن الـمـنـاطـق الـعـراقـيـة ومـدنـهـا وصـعـد نـهـر الـفـرات ورسـم هـيـت

D. Maxwell 16

و”فـوهـات جـهـنـم ” الّـتي تـنـفـث قـاراً ودخـانـاً مـلـتـهـبـاً قـرب الـمـديـنـة.

Advertisements

“هـرون الـرّشـيـد يـسـتـقـبـل مـبـعـوثي شـارلـمـان” لـوحـة لـيـولـيـوس كـوكـيـرت

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

هرون 3 (6)

كـان الـرّسّـام الألـمـاني يـولـيـوس كـوكـيـرت Julius Köckert (الّـذي ولـد في لايـبـزك في 1827، وتـوفي في مـيـونـيـخ في 1918) مـشـهـوراً في زمـنـه بـرسـم لـوحـات الـحـيـاة الـيـومـيـة والـلـوحـات الـتّـاريـخـيـة. وكـان يـتـقـن مـهـنـتـه كـرّسّـام، ويـمـارسـهـا عـلى الـطّـريـقـيـة الـكـلاسـيـكـيـة الأكـاديـمـيـة. وهـذا يـعـني أنّـه لـم يـأتِ بـأي تـجـديـد ومـن أي نـوع كـان في فـنّ الـرّسـم، مـثـلـه مـثـل آلاف الـرّسّـامـيـن الّـذيـن اخـتـرقـوا تـاريـخ الـفـنّ مـن غـيـر أن يـتـركـوا آثـاراً تـمـيّـزهـم عـن غـيـرهـم.

وقـد رسـم يـولـيـوس كـوكـيـرت في 1864 لـوحـة أسـمـاهـا بـالألـمـانـيـة : Der Kalif Harun al Raschid empfängt im Jahr 786 die Gesandten Karls des Großen in Bagdad أي “هـرون الـرشّـيـد يـسـتـقـبـل مـبـعـوثي شـارل الأكـبـر في بـغـداد عـام 786 م.”. وهي لـوحـة مـا زالـت مـؤسـسـة مـاكـسـيـمـيـلـيـانـوم Räumen der Studienstiftung Maximilianeum في مـيـونـيـخ في ألـمـانـيـا تـحـتـفـظ بـهـا.

هرون 7

ولا شـكّ في أنّ يـولـيـوس كـوكـيـرت كـان يـعـرف لـوحـة الـفـنّـان الـفـلامـنـكي الـشّـهـيـر يـعـقـوب يـوردايـنـس Jacob Jordaens : “مـبـعـوثـو الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد يـجـلـبـون هـدايـا لـشـارلـمـان”، وأنّـه أراد أن يـصـوّر الـسّـفـارة الّـتي سـبـقـت تـلـك الّـتي بـعـثـهـا الـخـلـيـفـة إلى بـلاط الإمـبـراطـور، أي تـلـك الّـتي كـان الإمـبـراطـور قـد أرسـلـهـا إلى بـلاط الـخـلـيـفـة في بـغـداد قـبـل ذلـك. ولا شـكّ في أنّ يـولـيـوس كـوكـيـرت كـان يـعـرف أيـضـاً مـاكـتـبـه إيـنـهـار، مـؤرّخ شـارلـمـان في “سـيـرة شـارل الأكـبـر”، ومـا ذُكـر أيـضـاً في “الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة ” عـن هـذه الـسّـفـارات بـيـن الـخـلـيـفـة الّـذي كـان يـحـكـم كـلّ الـشّـرق وبـيـن “الإمـبـراطـور” الّـذي لـم يـكـن يـحـكـم إلّا جـزءاً صـغـيـراً مـن الـغـرب.

ويـتـذكّـر الـذيـن قـرأوا مـقـالي : “تـبـادل الـسّـفـراء بـيـن هـرون الـرّشـيـد وشـارلـمـان” مـاكـتـبـه إيـنـهـار في “سـيـرة شـارل الأكـبـر” :

“هـرون مـلـك الـفـرس وحـاكـم كـلّ الـشّـرق مـاعـدا الـهـنـد ربـطـتـه بـه [ أي بـشـارلـمـان] صـداقـة صـافـيـة. وكـان يـفـضـل مـودّتـه عـلى كـلّ مـودّات الـمـلـوك وعـظـمـاء الـدّنـيـا، وكـان يـعـتـبـره الـوحـيـد الّـذي يـسـتـحـق تـكـريـمـه وهـدايـاه. وهـكـذا، عـنـدمـا بـعـث شـارل (الأكـبـر) بـرسـلـه يـحـمـلـون الـهـبـات إلى قـبـر الـمـسـيـح الـمـقـدّس [ في الـقـدس]، ذهـبـوا إلى بـلاط هـرون و وقـفـوا بـيـن يـديـه وأعـلـمـوه بـرغـبـات الإمـبـراطـور. ولـم يـكـتـفِ مـلـك الـفُـرس بـتـلـبـيـة طـلـبـات الإمـبـراطـور، بـل وهـبـه مـلـكـيـة الـمـكـان، أي مـهـد ديـنـنـا الـمـقـدّس، و وضـعـه تـحـت سـلـطـتـه. وعـنـدمـا ذهـب هـؤلاء الـسّـفـراء إلـيـه يـطـلـبـون مـنـه الـسّـمـاح لـهـم بـالـعـودة إلى بـلـدهـم ، بـعـث مـعـهـم بـسـفـراء مـن عـنـده لـيـصـاحـبـوهـم. وحـمـلـوا مـن الـهـدايـا لـشـارل، مـا عـدا الـثّـيـاب والـعـطـور، أشـيـاء فـاخـرة أخـرى مـمـا يـنـتـجـه الـشّـرق. وكـان هـرون قـد بـعـث قـبـل سـنـوات، مـجـيـبـاً لـطـلـب الإمـبـراطـور، بـالـفـيـل الـوحـيـد الّـذي كـان لـه في ذلـك الـوقـت”.وهـو ولا شـكّ يـتـكـلّـم عـن الـسّـفـارة الأولى الّـتي ذُكـرت في سـنـة 801 مـن الـحـولـيـات.

وفي مـا يـلي مـا ذكـرتـه الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة عـن سـنـة 801 :

“بـعـد أن وصـل شـارل الأكـبـر (شـارلـمـان) إلى بـافي في شـمـال إيـطـالـيـا بـلـغـه الـخـبـر بـوصـول سـفـراء بـعـثـهـم لـه هـرون، مـلـك بـلاد الـفـرس إلى مـيـنـاء بـيـزا (في غـرب إيـطـالـيـا) وبـعـث بـعـض فـرسـانـه لـيـصـطـحـبـوهـم إلـيـه، وقـدّمـوهـم إلـيـه عـنـدمـا كـان في طـريـقـه بـيـن مـديـنـتي فـيـركـوي وإيـفـريـه. وكـان أحـدهـمـا (فـقـد كـانـا إثـنـيـن) فـارسـيـاً مـن الـشّـرق أرسـلـه مـلـك بـلاد الـفـرس، والآخـر سـرزانـيـاً مـن أفـريـقـيـا أرسـلـه الأمـيـر إبـراهـيـم Emir Abraham الّـذي يـحـكـم بـلاد فـاس في أطـراف أفـريـقـيـا. وقـد أخـبـرا الإمـبـراطـور بـأنّ إسـحـاق الـيـهـودي الّـذي كـان قـد أرسـلـه قـبـل أربـع سـنـوات إلى مـلـك بـلاد الـفـرس بـصـحـبـة سـيـجـيـسـمـونـد Sigismond و لانـفـريـد Lanfried قـد عـاد حـامـلاّ هـدايـا عـظـيـمـة ، وأنّ سـيـجـيـسـمـونـد و لانـفـريـد قـد مـاتـا”.

ولـكـنّ الـرّسّـام أخـطـأ في تـاريـخ الحـدث فـقـد وضـع في عـنـوان الـلـوحـة سـنـة 786 ، مـع أنـنـا نـفـهـم مـن نـصّ إيـنـهـار أن الـسّـفـيـريـن بـعـثـا إلى بـغـداد في 797.

وقـد غـيّـر الـرّسّـام تـفـاصـيـل الـحـادثـة الـتّـاريـخـيـة لـتـنـاسـب مـشـروعـه الـفـنّي فـقـد رسـم هـرون الـرّشّـيـد كـأمـيـر “هـنـدي” يـجـلـس عـلى عـرشـه في الـهـواء الـطّـلـق بـيـن أشـجـار جـوز الـهـنـد ونـبـاتـات الـصّـبّـار

هرون 3 (2)

تـرتـمي نـسـاؤه وأطـفـالـه أمـامـه خـوفـاً مـن خـيـل الإفـرنـج الّـتي تـتـقـافـز كـلابـه حـولـهـا.

هرون 3 (3)

ونـلاحـظ أن الـسّـفـيـريـن لـم يـنـزلا عـن جـواديـهـمـا أمـامـه ، بـل أنّ أحـدهـمـا قـد رفـع سـلاحـه أمـام الـخـلـيـفـة !

هرون 3

بـيـنـمـا فـتـح لـه خـدمـهـمـا الـهـدايـا الّـتي بـعـثـهـا لـه “الإمـبـراطـور”.

هرون 3 (5)

أمّـا عـن الـرّاهـبـيـن الـلـذيـن وقـفـا أمـام الـخـلـيـفـة ويـقـدّم أحـدهـمـا الـسّـفـيـريـن لـه

هرون 3 (4)

فـقـد خـلـط الـرّسّـام بـيـن هـذه الـسّـفـارة إلى بـغـداد وبـيـن الـسّـفـارة الّـتي بـعـثـهـا الـخـلـيـفـة لـلإمـبـراطـور، وربـمـا كـان هـدف كـوكـيـرت مـن إضـافـتـهـمـا إلى الـلـوحـة اسـتـعـمـال نـفـس تـفـاصـيـل لـوحـة يـعـقـوب يـوردايـنـس.

وتـركـيـب الـلـوحـة مـثـلـث يـنـطـلـق مـن الـخـلـيـفـة ويـكـوّن ضـلـعـيـه الـطـويـلـيـن ذراعُ الـرّاهـب في الـمـسـتـوي الـعـلـوي و ذراع الـمـرأة في الـمـسـتـوى الأسـفـل لـيـلـتـقـيـا في نـقـطـة عـلى خـط الأفـق لـيـضـفي ذلـك عـمـقـاً عـلى لـوحـتـه.

وقـد اسـتـعـمل الـرّسّـام كـلّ الـمـثـيـرات ” الإسـتـشـراقـيـة ” لـجـذب الـمـشـاهـد إلى أجـواء غـريـبـة في مـنـاطـق بـعـيـدة عـنـه بـألـوانـهـا الـحـارّة وأشـخـاصـهـا الـغـامـقي الـبـشـرات ومـلابـسـهـم الّـتي تـثـيـر الـدّهـشـة مـن حـريـر ثـوب الـخـلـيـفـة إلى جـلـد الـحـيـوان الّـذي تـرتـديـه الـمـرأة !

ولا نـجـد في هـذه الـلـوحـة مـا وجـدنـاه عـنـد يـعـقـوب يـوردايـنـس مـن تـصـويـر الـعـظـمـة والـهـيـبـة بـحـركـات مـسـرحـيـة بـاروكـيـة تـبـهـر الـنّـاظـر، بـل نـجـد هـنـا حـركـات مـسـرحـيـة رومـانـطـيـقـيـة مـبـالـغ فـيـهـا لـتـثـيـر عـواطـف الـمـشـاهـد وتـهـيـج فـيـه أحـاسـيـسـة الـوطـنـيـة.

وهـذه الـلـوحـة تـشـبـه آلاف الـلـوحـات الّـتي رسـمـت في الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر لا يـمـيـزهـا مـمـيـز عـن غـيـرهـا مـمـا انـتـجـه مـحـتـرفـو الـرسـم بـدقـة تـنـفـيـذهـا الـواقـعي الأكـاديـمي وبـطـريـقـة مـتـواضـع عـلـيـهـا تـقـلّـد الـطّـبـيـعـة تـقـلـيـداً حـرفـيـاً، مـمـلـة في نـقـلـهـا لـكـلّ الـتّـفـاصـيـل والـدّقـائـق والـجـزئـيـات ومـتـعـبـة في إعـادتـهـا وتـكـرارهـا، لا تـجـديـد فـيـهـا ولا خـلـق ولا ابـتـكـار، نـظـلّ أمـامـهـا نـنـظـر إلـيـهـا عـن بـعـد، لا نـدخـلـهـا ولا نـلـتـحـم بـأجـوائـهـا.

“مـبـعـوثـو الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد”، لـوحـة لـلـفـنّـان يـوردايـنـس

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

هرون الرشيد

يـحـتـفـظ مـتـحـف الـفـنـون الـجـمـيـلـة في مـديـنـة أراسArras ، شـمـال شـرق فـرنـسـا، بـلـوحـة لـلـفـنّـان الـفـلامـنـكي يـعـقـوب يـوردايـنـس Jacob Jordaens عـنـوانـهـا : “مـبـعـوثـو الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد يـجـلـبـون هـدايـا لـشـارلـمـان”.

وقـد ولـد يـوردايـنـس في مـديـنـة أنـتـويـرب (في بـلـجـيـكـا الـحـالـيـة ) سـنـة 1593 ، وتـتـلـمـذ عـلى يـدي الـفـنّـان آدم فـان نـورت ، ثـمّ انـضـمّ إلى نـقـابـة الـرّسّـامـيـن ( نـقـابـة الـقـديـس لـوقـا ) كـرسّـام مـحـتـرف. وامـتـهـن الـرّسـم بـالـزّيـت عـلى الأسـلـوب الـبـاروكي. وكـان الأسـلـوب الـسّـائـد في زمـنـه فـأتـقـنـه، واشـتـهـر حـتّى أصـبـح مـن بـيـن أهـمّ الـفـنّـانـيـن الـفـلامـنـكـيـيـن في الـقـرن الـسّـابـع عـشـر.

وفي عـام 1663، وكـان في الـسّـبـعـيـن مـن عـمـره، رسـم يـوردايـنـس لـوحـتـه : “مـبـعـوثـو الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد يـجـلـبـون هـدايـا لـشـارلـمـان” ، وهي لـوحـة مـتـوسـطـة الـمـقـايـيـس ( 64.5 × 78 سـنـتـم.) ونـرى فـيـهـا الإمـبـراطـور شـارلـمـان واقـفـاً في الـطّـرف الأيـمـن مـنـهـا

يورداينس (4)

مـرتـديـاً الـفـراء الـمـرقّـط ، ويـظـلـلـه عـبـد بـمـظـلـة واسـعـة وحـولـه نـسـاء بـلاطـه ورجـالـه، وفي يـده صـولـجـان يـشـيـر بـه إلى مـبـعـوثي الـخـلـيـفـة الّـذيـن احـتـلـوا حـوالي ثـلـث الـلـوحـة في وسـطـهـا ونـسـتـطـيـع أن نـمـيـز ثـلاثـة مـنـهـم يـحـيـونـه

يورداينس

ويـقـدّمـون لـه الـهـدايـا الّـتي بـعـثـهـا لـه الـخـلـيـفـة ويـحـمـلـهـا خـدمـهـم الـعـراة الـصّـدور: آنـيـة وسـاعـة وبـيـضـة نـعـامـة ! كـمـا نـرى الـفـيـل الّـذي اصـطـحـبـوه لـشـارلـمـان. ويـحـتـلّ الـطّـرف الأيـسـر مـن الـلـوحـة الـرّاهـبـان الـلـذان صـاحـبـا مـبـعـوثي الـخـلـيـفـة.

يورداينس (3)

وقـد صـورهـمـا يـوردايـنـس يـحـمـلان جـزءاً مـن الـهـدايـا : الـشّـمـعـدانَـيـن الـمـذهـبَـيـن. ولـكي نـتـعـرف عـلى الـشّـمـعـدانـيـن فـقـد رسـمـهـا والـنّـار والـدّخـان يـنـبـعـثـان مـن أعـلاهـمـا. كـمـا نـرى جـنـديـاً عـلى جـواده مـن بـيـن الـجـنـود الّـذيـن أتـوا بـهـم إلى الـبـلاط ، ونـرى كـذلـك جـمـلـيـن وقـرداً وعـبـداً صـغـيـراً يـحـمـل صـقـراً عـلى يـده الـيـسـرى.

ولـيـس في الـلـوحـة مـا يـمـيـزهـا عـن مـا كـان الـفـنـانـون يـنـتـجـونـه اعـتـيـاديـاً، فـهي واضـحـة الـتّـكـويـن والـتّـركـيـب : صـفّ مـن الأشـخـاص والـحـيـوانـات عـلى شـرفـة مـن قـصـر شـارلـمـان في عـاصـمـتـه آخـن ( في شـمـال غـرب ألـمـانـيـا الـحـالـيـة، قـرب الـحـدود الـبـلـجـيـكـيـة ـ الـهـولـنـديـة ) كـمـا يـظـهـر ذلـك مـن قـبـة كـنـيـسـة الـقـصـر الـمـسـتـديـرة

يورداينس (2)

والأشـخـاص والـحـيـوانـات عـلى عـدّة مـسـتـويـات : الأعـلى يـمـتـد مـن قـمـة الـمـظـلّـة وقـمـة الـقـبّـة إلى رأسـَي الـجـمـلـيـن ، ثـمّ مـسـتـوى الإمـبـراطـور وزوجـتـه الّـذي يـمـتـد فـوق الـهـدايـا وأعلى عـمـامـة الأمـيـر الأفـريـقي ويـكـاد يـمـس رأس الـجـنـدي، ثـمّ مـسـتـوى رجـال الـحـاشـيـة في الـيـمـيـن والـمـبـعـوثـيـن في الـوسـط والـراهـبَـيـن عـلى الـيـسـار، ثـمّ الـمـسـتـوى الأكـثـر انـخـفـاضـاً : مـن الـصّـبي وكـلـبـه ثـمّ حـامـل الـسّـاعـة الـمـنـحـني إلى الـعـبـد الـصّـغـيـر الّـذي يـحـمـل الـصّـقـر.

وتـبـدو الـشّـخـصـيـات والـحـيـوانـات كـمـا لـو كـانـت قـد صـفّـت عـلى خـشـبـة مـسـرح لـيـسـتـطـيـع الـمـتـفـرّج أن يـتـأمّـل الـجـزئـيـات ويـتـجـوّل بـنـظـراتـه عـلـيـهـا. وقـد أراد الـفـنّـان في اسـتـعـمـالـه لـلألـوان أن يـظـهـر ثـراء الـطّـرفـيـن : حـريـر وفـراء بـلاط شـارلـمـان وحـريـر وكـتـان وذهـب بـلاط الـخـلـيـفـة. ويـأتي الـضّـوء مـن يـسـار الـلـوحـة وهـكـذا وضـع بـلاط شـارلـمـان في الـظّـل وعـرض مـبـعـوثي الـخـلـيـفـة في أشـعـة الـشّـمـس فـقـد كـان الـشّـرق في مـخـيـلـتـه في ذلـك الـزّمـن خـلـيـط مـلـتـهـب مـن أفـريـقـيـا والـهـنـد !

وفي كـلّ حـركـات الأشـخـاص، وحـتّى الـحـيـوانـات مـبـالـغـات مـسـرحـيـة لإظـهـار هـيـبـة شـارلـمـان وتـبـجـيـل الـمـبـعـوثـيـن لـه عـنـدمـا وقـفـوا بـيـن يـديـه، وهـذا مـن أهـم خـصـائـص الأسـلـوب الـبـاروكي ومـمـيـزاتـه : أي أن يـبـهـر الـفـنّـان الـمـشـاهـديـن بـعـظـمة الـمـشـهـد فـيـتـمـلـكـهـم الإعـجـاب. فـلـم يـكـن هـدف الـفـنـان الـبـاروكي إثـارة عـواطـف الـمـشـاهـد أو دغـدغـة أحـاسـيـسـه.

ولاشـكّ في أنّ يـوردايـنـس، الّـذي عـاش بـعـد أكـثـر مـن ثـمـانـيـة قـرون عـلى الـحـدث الّـذي رسـمـه، كـان قـد قـرأ نـصّ إيـنـهـار، مـؤرخ الإمـبـراطـور شـارلـمـان(أنـظـر مـقـالي : تـبـادل الـسّـفـراء بـيـن هـرون الـرّشـيـد وشـارلـمـان). ولـكـنّـه حـوّر كـثـيـراً مـن تـفـاصـلـيـه لـتـنـاسـب مـشـروعـه الـفـنّي، وهـكـذا مـزج بـيـن مـبـعـوث الـخـلـيـفـة في عـام 801 م. والّـذي وصـل إلى بـلاط شـارلـمـان مـع (الأمـيـر إبـراهـيـم الّـذي يـحـكـم بـلاد فـاس في أطـراف أفـريـقـيـا ) والـيـهـودي إسـحـق. وقـد جـلـبـوا مـعـهـم الـفـيـل Abulabaz (أبـو الـعـبّـاس ) الّـذي أهـداه الـخـلـيـفـة لـلإمـبـراطـور  وبـيـن مـبـعـوث الـخـلـيـفـة الّـذي وصـل إلى بـلاط شـارلـمـان في عـام 807 م. بـصـحـبـة راهـبـيـن مـن الـقـدس : (وقـد حـمـلـوا ثـلاثـتـهـم الـهـدايـا : قـمـاش خـيـمـة وسـتـائـر غـرف يـخـلـب جـمـالـهـا الألـبـاب، وهي مـن الـكـتّـان، والـسّـتـائـر وحـبـالـهـا صـبـغـت بـألـوان مـتـنـوعـة … وعـدد مـن مـعـاطـف الـحـريـر لا تـقـدّر أثـمـانـهـا وعـطـور وتـوابـل ومـراهـم، وسـاعـة مـن الـنّـحـاس الـمـطـلي بـالـذّهـب … وشـمـعـدانـيـن كـبـيـريـن مـن الـقـلّـز لـيـس بـعـد جـمـالـهـمـا جـمـال …).

وقـد أضـفى يـوردايـنـس مـغـزى ديـنـيـاً عـلى لـوحـتـه، إسـتـوحـاه مـن لـوحـات فـنـاني عـصـر الـنّـهـضـة الّـتي صـورت الـمـلـوك الـمـجـوس الّـذيـن جـاءوا مـن الـشّـرق، حـسـب الأسـاطـيـرالإنـجـيـلـيـة ، إلى بـيـت لـحـم يـتـبـعـون الـنّـجـمـة الـشّـديـدة الإضـاءة الّـتي ظـهـرت فـوق مـهـد الـمـسـيـح بـعـد ولادتـه. وقـد جـلـبـوا لـه ثـروات الـشّـرق يـرمـونـهـا تـحـت قـدمـيـه وقـدمي أمّـه الـعـذراء شـهـادة عـلى إيـمـانـهـم وطـاعـتـهـم .

وهـكـذا قـلـب يـوردايـنـس في لـوحـتـه الـهـدف الّـذي ابـتـغـاه الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد مـن إرسـالـه لـلـسـفـارتـيـن (في عـامي 801 و 807 م.) إلى بـلاط شـارلـمـان. فـقـد كـان هـرون الـرّشـيـد يـحـكـم جـزءاً كـبـيـراً مـن الـعـالـم الـمـعـروف في زمـنـه، يـمـتـد مـن حـدود الـصّـيـن إلى أقـصى شـمـال أفـريـقـيـا (وإن ضـاعـت مـنـه الأنـدلـس الّـتي كـان الأمـوي عـبـد الـرّحـمـن الـدّاخـل قـد اسـتـولى عـلـيـهـا وأورثـهـا لابـنـه مـن بـعـده)، ولـم يـكـن شـارلـمـان يـحـكـم إلّا بـلـدانـاً قـلـيـلـة الـسّـعـة وقـلـيـلـة الأهـمـيـة. ولا شـكّ في أنّـه هـو الّـذي انـتـفـع مـن إقـامـة عـلاقـات وديـة مـع الـخـلـيـفـة. ويـكـتـب إيـنـهـار، مـؤرخ شـارلـمـان في ” سـيـرة شـارل الأكـبـر” أنّ شـارلـمـان : ” كـان يـفـضّـل مـودتـه [ أي مـودّة هـرون الـرّشـيـد] عـلى كـلّ مـودّات الـمـلـوك وعـظـمـاء الـدّنـيـا ، وكـان يـعـتـبـره الـوحـيـد الّـذي يـسـتـحـق تـكـريـمـه وهـدايـاه. وهـكـذا، عـنـدمـا بـعـث شـارل (الأكـبـر) بـرسـلـه يـحـمـلـون الـهـدايـا إلى قـبـر الـمـسـيـح الـمـقـدّس [ في الـقـدس] ذهـبـوا إلى بـلاط هـرون و وقـفـوا بـيـن يـديـه وأعـلـمـوه بـرغـبـات الإمـبـراطـور … “.

وإذا تـأمّـلـنـا لـوحـة يـوردايـنـس نـلاحـظ أنّـه صـوّر مـبـعـوثي هـرون يـرتـمـون خـشـوعـاً وطـاعـة بـيـن يـدي شـارلـمـان، فـجـعـل مـن قـلـيـل الـقـوة عـظـيـمـاً يـبـجّـلـه مـبـعـوثـو حـاكـم أقـوى دولـة في زمـنـه. وهـكـذا يـعـيـد كـلّ قـوم كـتـابـة الـتّـاريـخ لـيـنـاسـب رغـبـاتـهـم وأهـوائـهـم.