“مـبـعـوثـو الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد”، لـوحـة لـلـفـنّـان يـوردايـنـس

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

هرون الرشيد

يـحـتـفـظ مـتـحـف الـفـنـون الـجـمـيـلـة في مـديـنـة أراسArras ، شـمـال شـرق فـرنـسـا، بـلـوحـة لـلـفـنّـان الـفـلامـنـكي يـعـقـوب يـوردايـنـس Jacob Jordaens عـنـوانـهـا : “مـبـعـوثـو الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد يـجـلـبـون هـدايـا لـشـارلـمـان”.

وقـد ولـد يـوردايـنـس في مـديـنـة أنـتـويـرب (في بـلـجـيـكـا الـحـالـيـة ) سـنـة 1593 ، وتـتـلـمـذ عـلى يـدي الـفـنّـان آدم فـان نـورت ، ثـمّ انـضـمّ إلى نـقـابـة الـرّسّـامـيـن ( نـقـابـة الـقـديـس لـوقـا ) كـرسّـام مـحـتـرف. وامـتـهـن الـرّسـم بـالـزّيـت عـلى الأسـلـوب الـبـاروكي. وكـان الأسـلـوب الـسّـائـد في زمـنـه فـأتـقـنـه، واشـتـهـر حـتّى أصـبـح مـن بـيـن أهـمّ الـفـنّـانـيـن الـفـلامـنـكـيـيـن في الـقـرن الـسّـابـع عـشـر.

وفي عـام 1663، وكـان في الـسّـبـعـيـن مـن عـمـره، رسـم يـوردايـنـس لـوحـتـه : “مـبـعـوثـو الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد يـجـلـبـون هـدايـا لـشـارلـمـان” ، وهي لـوحـة مـتـوسـطـة الـمـقـايـيـس ( 64.5 × 78 سـنـتـم.) ونـرى فـيـهـا الإمـبـراطـور شـارلـمـان واقـفـاً في الـطّـرف الأيـمـن مـنـهـا

يورداينس (4)

مـرتـديـاً الـفـراء الـمـرقّـط ، ويـظـلـلـه عـبـد بـمـظـلـة واسـعـة وحـولـه نـسـاء بـلاطـه ورجـالـه، وفي يـده صـولـجـان يـشـيـر بـه إلى مـبـعـوثي الـخـلـيـفـة الّـذيـن احـتـلـوا حـوالي ثـلـث الـلـوحـة في وسـطـهـا ونـسـتـطـيـع أن نـمـيـز ثـلاثـة مـنـهـم يـحـيـونـه

يورداينس

ويـقـدّمـون لـه الـهـدايـا الّـتي بـعـثـهـا لـه الـخـلـيـفـة ويـحـمـلـهـا خـدمـهـم الـعـراة الـصّـدور: آنـيـة وسـاعـة وبـيـضـة نـعـامـة ! كـمـا نـرى الـفـيـل الّـذي اصـطـحـبـوه لـشـارلـمـان. ويـحـتـلّ الـطّـرف الأيـسـر مـن الـلـوحـة الـرّاهـبـان الـلـذان صـاحـبـا مـبـعـوثي الـخـلـيـفـة.

يورداينس (3)

وقـد صـورهـمـا يـوردايـنـس يـحـمـلان جـزءاً مـن الـهـدايـا : الـشّـمـعـدانَـيـن الـمـذهـبَـيـن. ولـكي نـتـعـرف عـلى الـشّـمـعـدانـيـن فـقـد رسـمـهـا والـنّـار والـدّخـان يـنـبـعـثـان مـن أعـلاهـمـا. كـمـا نـرى جـنـديـاً عـلى جـواده مـن بـيـن الـجـنـود الّـذيـن أتـوا بـهـم إلى الـبـلاط ، ونـرى كـذلـك جـمـلـيـن وقـرداً وعـبـداً صـغـيـراً يـحـمـل صـقـراً عـلى يـده الـيـسـرى.

ولـيـس في الـلـوحـة مـا يـمـيـزهـا عـن مـا كـان الـفـنـانـون يـنـتـجـونـه اعـتـيـاديـاً، فـهي واضـحـة الـتّـكـويـن والـتّـركـيـب : صـفّ مـن الأشـخـاص والـحـيـوانـات عـلى شـرفـة مـن قـصـر شـارلـمـان في عـاصـمـتـه آخـن ( في شـمـال غـرب ألـمـانـيـا الـحـالـيـة، قـرب الـحـدود الـبـلـجـيـكـيـة ـ الـهـولـنـديـة ) كـمـا يـظـهـر ذلـك مـن قـبـة كـنـيـسـة الـقـصـر الـمـسـتـديـرة

يورداينس (2)

والأشـخـاص والـحـيـوانـات عـلى عـدّة مـسـتـويـات : الأعـلى يـمـتـد مـن قـمـة الـمـظـلّـة وقـمـة الـقـبّـة إلى رأسـَي الـجـمـلـيـن ، ثـمّ مـسـتـوى الإمـبـراطـور وزوجـتـه الّـذي يـمـتـد فـوق الـهـدايـا وأعلى عـمـامـة الأمـيـر الأفـريـقي ويـكـاد يـمـس رأس الـجـنـدي، ثـمّ مـسـتـوى رجـال الـحـاشـيـة في الـيـمـيـن والـمـبـعـوثـيـن في الـوسـط والـراهـبَـيـن عـلى الـيـسـار، ثـمّ الـمـسـتـوى الأكـثـر انـخـفـاضـاً : مـن الـصّـبي وكـلـبـه ثـمّ حـامـل الـسّـاعـة الـمـنـحـني إلى الـعـبـد الـصّـغـيـر الّـذي يـحـمـل الـصّـقـر.

وتـبـدو الـشّـخـصـيـات والـحـيـوانـات كـمـا لـو كـانـت قـد صـفّـت عـلى خـشـبـة مـسـرح لـيـسـتـطـيـع الـمـتـفـرّج أن يـتـأمّـل الـجـزئـيـات ويـتـجـوّل بـنـظـراتـه عـلـيـهـا. وقـد أراد الـفـنّـان في اسـتـعـمـالـه لـلألـوان أن يـظـهـر ثـراء الـطّـرفـيـن : حـريـر وفـراء بـلاط شـارلـمـان وحـريـر وكـتـان وذهـب بـلاط الـخـلـيـفـة. ويـأتي الـضّـوء مـن يـسـار الـلـوحـة وهـكـذا وضـع بـلاط شـارلـمـان في الـظّـل وعـرض مـبـعـوثي الـخـلـيـفـة في أشـعـة الـشّـمـس فـقـد كـان الـشّـرق في مـخـيـلـتـه في ذلـك الـزّمـن خـلـيـط مـلـتـهـب مـن أفـريـقـيـا والـهـنـد !

وفي كـلّ حـركـات الأشـخـاص، وحـتّى الـحـيـوانـات مـبـالـغـات مـسـرحـيـة لإظـهـار هـيـبـة شـارلـمـان وتـبـجـيـل الـمـبـعـوثـيـن لـه عـنـدمـا وقـفـوا بـيـن يـديـه، وهـذا مـن أهـم خـصـائـص الأسـلـوب الـبـاروكي ومـمـيـزاتـه : أي أن يـبـهـر الـفـنّـان الـمـشـاهـديـن بـعـظـمة الـمـشـهـد فـيـتـمـلـكـهـم الإعـجـاب. فـلـم يـكـن هـدف الـفـنـان الـبـاروكي إثـارة عـواطـف الـمـشـاهـد أو دغـدغـة أحـاسـيـسـه.

ولاشـكّ في أنّ يـوردايـنـس، الّـذي عـاش بـعـد أكـثـر مـن ثـمـانـيـة قـرون عـلى الـحـدث الّـذي رسـمـه، كـان قـد قـرأ نـصّ إيـنـهـار، مـؤرخ الإمـبـراطـور شـارلـمـان(أنـظـر مـقـالي : تـبـادل الـسّـفـراء بـيـن هـرون الـرّشـيـد وشـارلـمـان). ولـكـنّـه حـوّر كـثـيـراً مـن تـفـاصـلـيـه لـتـنـاسـب مـشـروعـه الـفـنّي، وهـكـذا مـزج بـيـن مـبـعـوث الـخـلـيـفـة في عـام 801 م. والّـذي وصـل إلى بـلاط شـارلـمـان مـع (الأمـيـر إبـراهـيـم الّـذي يـحـكـم بـلاد فـاس في أطـراف أفـريـقـيـا ) والـيـهـودي إسـحـق. وقـد جـلـبـوا مـعـهـم الـفـيـل Abulabaz (أبـو الـعـبّـاس ) الّـذي أهـداه الـخـلـيـفـة لـلإمـبـراطـور  وبـيـن مـبـعـوث الـخـلـيـفـة الّـذي وصـل إلى بـلاط شـارلـمـان في عـام 807 م. بـصـحـبـة راهـبـيـن مـن الـقـدس : (وقـد حـمـلـوا ثـلاثـتـهـم الـهـدايـا : قـمـاش خـيـمـة وسـتـائـر غـرف يـخـلـب جـمـالـهـا الألـبـاب، وهي مـن الـكـتّـان، والـسّـتـائـر وحـبـالـهـا صـبـغـت بـألـوان مـتـنـوعـة … وعـدد مـن مـعـاطـف الـحـريـر لا تـقـدّر أثـمـانـهـا وعـطـور وتـوابـل ومـراهـم، وسـاعـة مـن الـنّـحـاس الـمـطـلي بـالـذّهـب … وشـمـعـدانـيـن كـبـيـريـن مـن الـقـلّـز لـيـس بـعـد جـمـالـهـمـا جـمـال …).

وقـد أضـفى يـوردايـنـس مـغـزى ديـنـيـاً عـلى لـوحـتـه، إسـتـوحـاه مـن لـوحـات فـنـاني عـصـر الـنّـهـضـة الّـتي صـورت الـمـلـوك الـمـجـوس الّـذيـن جـاءوا مـن الـشّـرق، حـسـب الأسـاطـيـرالإنـجـيـلـيـة ، إلى بـيـت لـحـم يـتـبـعـون الـنّـجـمـة الـشّـديـدة الإضـاءة الّـتي ظـهـرت فـوق مـهـد الـمـسـيـح بـعـد ولادتـه. وقـد جـلـبـوا لـه ثـروات الـشّـرق يـرمـونـهـا تـحـت قـدمـيـه وقـدمي أمّـه الـعـذراء شـهـادة عـلى إيـمـانـهـم وطـاعـتـهـم .

وهـكـذا قـلـب يـوردايـنـس في لـوحـتـه الـهـدف الّـذي ابـتـغـاه الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد مـن إرسـالـه لـلـسـفـارتـيـن (في عـامي 801 و 807 م.) إلى بـلاط شـارلـمـان. فـقـد كـان هـرون الـرّشـيـد يـحـكـم جـزءاً كـبـيـراً مـن الـعـالـم الـمـعـروف في زمـنـه، يـمـتـد مـن حـدود الـصّـيـن إلى أقـصى شـمـال أفـريـقـيـا (وإن ضـاعـت مـنـه الأنـدلـس الّـتي كـان الأمـوي عـبـد الـرّحـمـن الـدّاخـل قـد اسـتـولى عـلـيـهـا وأورثـهـا لابـنـه مـن بـعـده)، ولـم يـكـن شـارلـمـان يـحـكـم إلّا بـلـدانـاً قـلـيـلـة الـسّـعـة وقـلـيـلـة الأهـمـيـة. ولا شـكّ في أنّـه هـو الّـذي انـتـفـع مـن إقـامـة عـلاقـات وديـة مـع الـخـلـيـفـة. ويـكـتـب إيـنـهـار، مـؤرخ شـارلـمـان في ” سـيـرة شـارل الأكـبـر” أنّ شـارلـمـان : ” كـان يـفـضّـل مـودتـه [ أي مـودّة هـرون الـرّشـيـد] عـلى كـلّ مـودّات الـمـلـوك وعـظـمـاء الـدّنـيـا ، وكـان يـعـتـبـره الـوحـيـد الّـذي يـسـتـحـق تـكـريـمـه وهـدايـاه. وهـكـذا، عـنـدمـا بـعـث شـارل (الأكـبـر) بـرسـلـه يـحـمـلـون الـهـدايـا إلى قـبـر الـمـسـيـح الـمـقـدّس [ في الـقـدس] ذهـبـوا إلى بـلاط هـرون و وقـفـوا بـيـن يـديـه وأعـلـمـوه بـرغـبـات الإمـبـراطـور … “.

وإذا تـأمّـلـنـا لـوحـة يـوردايـنـس نـلاحـظ أنّـه صـوّر مـبـعـوثي هـرون يـرتـمـون خـشـوعـاً وطـاعـة بـيـن يـدي شـارلـمـان، فـجـعـل مـن قـلـيـل الـقـوة عـظـيـمـاً يـبـجّـلـه مـبـعـوثـو حـاكـم أقـوى دولـة في زمـنـه. وهـكـذا يـعـيـد كـلّ قـوم كـتـابـة الـتّـاريـخ لـيـنـاسـب رغـبـاتـهـم وأهـوائـهـم.

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s