“هـرون الـرّشـيـد يـسـتـقـبـل مـبـعـوثي شـارلـمـان” لـوحـة لـيـولـيـوس كـوكـيـرت

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

هرون 3 (6)

كـان الـرّسّـام الألـمـاني يـولـيـوس كـوكـيـرت Julius Köckert (الّـذي ولـد في لايـبـزك في 1827، وتـوفي في مـيـونـيـخ في 1918) مـشـهـوراً في زمـنـه بـرسـم لـوحـات الـحـيـاة الـيـومـيـة والـلـوحـات الـتّـاريـخـيـة. وكـان يـتـقـن مـهـنـتـه كـرّسّـام، ويـمـارسـهـا عـلى الـطّـريـقـيـة الـكـلاسـيـكـيـة الأكـاديـمـيـة. وهـذا يـعـني أنّـه لـم يـأتِ بـأي تـجـديـد ومـن أي نـوع كـان في فـنّ الـرّسـم، مـثـلـه مـثـل آلاف الـرّسّـامـيـن الّـذيـن اخـتـرقـوا تـاريـخ الـفـنّ مـن غـيـر أن يـتـركـوا آثـاراً تـمـيّـزهـم عـن غـيـرهـم.

وقـد رسـم يـولـيـوس كـوكـيـرت في 1864 لـوحـة أسـمـاهـا بـالألـمـانـيـة : Der Kalif Harun al Raschid empfängt im Jahr 786 die Gesandten Karls des Großen in Bagdad أي “هـرون الـرشّـيـد يـسـتـقـبـل مـبـعـوثي شـارل الأكـبـر في بـغـداد عـام 786 م.”. وهي لـوحـة مـا زالـت مـؤسـسـة مـاكـسـيـمـيـلـيـانـوم Räumen der Studienstiftung Maximilianeum في مـيـونـيـخ في ألـمـانـيـا تـحـتـفـظ بـهـا.

هرون 7

ولا شـكّ في أنّ يـولـيـوس كـوكـيـرت كـان يـعـرف لـوحـة الـفـنّـان الـفـلامـنـكي الـشّـهـيـر يـعـقـوب يـوردايـنـس Jacob Jordaens : “مـبـعـوثـو الـخـلـيـفـة هـرون الـرّشـيـد يـجـلـبـون هـدايـا لـشـارلـمـان”، وأنّـه أراد أن يـصـوّر الـسّـفـارة الّـتي سـبـقـت تـلـك الّـتي بـعـثـهـا الـخـلـيـفـة إلى بـلاط الإمـبـراطـور، أي تـلـك الّـتي كـان الإمـبـراطـور قـد أرسـلـهـا إلى بـلاط الـخـلـيـفـة في بـغـداد قـبـل ذلـك. ولا شـكّ في أنّ يـولـيـوس كـوكـيـرت كـان يـعـرف أيـضـاً مـاكـتـبـه إيـنـهـار، مـؤرّخ شـارلـمـان في “سـيـرة شـارل الأكـبـر”، ومـا ذُكـر أيـضـاً في “الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة ” عـن هـذه الـسّـفـارات بـيـن الـخـلـيـفـة الّـذي كـان يـحـكـم كـلّ الـشّـرق وبـيـن “الإمـبـراطـور” الّـذي لـم يـكـن يـحـكـم إلّا جـزءاً صـغـيـراً مـن الـغـرب.

ويـتـذكّـر الـذيـن قـرأوا مـقـالي : “تـبـادل الـسّـفـراء بـيـن هـرون الـرّشـيـد وشـارلـمـان” مـاكـتـبـه إيـنـهـار في “سـيـرة شـارل الأكـبـر” :

“هـرون مـلـك الـفـرس وحـاكـم كـلّ الـشّـرق مـاعـدا الـهـنـد ربـطـتـه بـه [ أي بـشـارلـمـان] صـداقـة صـافـيـة. وكـان يـفـضـل مـودّتـه عـلى كـلّ مـودّات الـمـلـوك وعـظـمـاء الـدّنـيـا، وكـان يـعـتـبـره الـوحـيـد الّـذي يـسـتـحـق تـكـريـمـه وهـدايـاه. وهـكـذا، عـنـدمـا بـعـث شـارل (الأكـبـر) بـرسـلـه يـحـمـلـون الـهـبـات إلى قـبـر الـمـسـيـح الـمـقـدّس [ في الـقـدس]، ذهـبـوا إلى بـلاط هـرون و وقـفـوا بـيـن يـديـه وأعـلـمـوه بـرغـبـات الإمـبـراطـور. ولـم يـكـتـفِ مـلـك الـفُـرس بـتـلـبـيـة طـلـبـات الإمـبـراطـور، بـل وهـبـه مـلـكـيـة الـمـكـان، أي مـهـد ديـنـنـا الـمـقـدّس، و وضـعـه تـحـت سـلـطـتـه. وعـنـدمـا ذهـب هـؤلاء الـسّـفـراء إلـيـه يـطـلـبـون مـنـه الـسّـمـاح لـهـم بـالـعـودة إلى بـلـدهـم ، بـعـث مـعـهـم بـسـفـراء مـن عـنـده لـيـصـاحـبـوهـم. وحـمـلـوا مـن الـهـدايـا لـشـارل، مـا عـدا الـثّـيـاب والـعـطـور، أشـيـاء فـاخـرة أخـرى مـمـا يـنـتـجـه الـشّـرق. وكـان هـرون قـد بـعـث قـبـل سـنـوات، مـجـيـبـاً لـطـلـب الإمـبـراطـور، بـالـفـيـل الـوحـيـد الّـذي كـان لـه في ذلـك الـوقـت”.وهـو ولا شـكّ يـتـكـلّـم عـن الـسّـفـارة الأولى الّـتي ذُكـرت في سـنـة 801 مـن الـحـولـيـات.

وفي مـا يـلي مـا ذكـرتـه الـحـولـيـات الإفـرنـجـيـة عـن سـنـة 801 :

“بـعـد أن وصـل شـارل الأكـبـر (شـارلـمـان) إلى بـافي في شـمـال إيـطـالـيـا بـلـغـه الـخـبـر بـوصـول سـفـراء بـعـثـهـم لـه هـرون، مـلـك بـلاد الـفـرس إلى مـيـنـاء بـيـزا (في غـرب إيـطـالـيـا) وبـعـث بـعـض فـرسـانـه لـيـصـطـحـبـوهـم إلـيـه، وقـدّمـوهـم إلـيـه عـنـدمـا كـان في طـريـقـه بـيـن مـديـنـتي فـيـركـوي وإيـفـريـه. وكـان أحـدهـمـا (فـقـد كـانـا إثـنـيـن) فـارسـيـاً مـن الـشّـرق أرسـلـه مـلـك بـلاد الـفـرس، والآخـر سـرزانـيـاً مـن أفـريـقـيـا أرسـلـه الأمـيـر إبـراهـيـم Emir Abraham الّـذي يـحـكـم بـلاد فـاس في أطـراف أفـريـقـيـا. وقـد أخـبـرا الإمـبـراطـور بـأنّ إسـحـاق الـيـهـودي الّـذي كـان قـد أرسـلـه قـبـل أربـع سـنـوات إلى مـلـك بـلاد الـفـرس بـصـحـبـة سـيـجـيـسـمـونـد Sigismond و لانـفـريـد Lanfried قـد عـاد حـامـلاّ هـدايـا عـظـيـمـة ، وأنّ سـيـجـيـسـمـونـد و لانـفـريـد قـد مـاتـا”.

ولـكـنّ الـرّسّـام أخـطـأ في تـاريـخ الحـدث فـقـد وضـع في عـنـوان الـلـوحـة سـنـة 786 ، مـع أنـنـا نـفـهـم مـن نـصّ إيـنـهـار أن الـسّـفـيـريـن بـعـثـا إلى بـغـداد في 797.

وقـد غـيّـر الـرّسّـام تـفـاصـيـل الـحـادثـة الـتّـاريـخـيـة لـتـنـاسـب مـشـروعـه الـفـنّي فـقـد رسـم هـرون الـرّشّـيـد كـأمـيـر “هـنـدي” يـجـلـس عـلى عـرشـه في الـهـواء الـطّـلـق بـيـن أشـجـار جـوز الـهـنـد ونـبـاتـات الـصّـبّـار

هرون 3 (2)

تـرتـمي نـسـاؤه وأطـفـالـه أمـامـه خـوفـاً مـن خـيـل الإفـرنـج الّـتي تـتـقـافـز كـلابـه حـولـهـا.

هرون 3 (3)

ونـلاحـظ أن الـسّـفـيـريـن لـم يـنـزلا عـن جـواديـهـمـا أمـامـه ، بـل أنّ أحـدهـمـا قـد رفـع سـلاحـه أمـام الـخـلـيـفـة !

هرون 3

بـيـنـمـا فـتـح لـه خـدمـهـمـا الـهـدايـا الّـتي بـعـثـهـا لـه “الإمـبـراطـور”.

هرون 3 (5)

أمّـا عـن الـرّاهـبـيـن الـلـذيـن وقـفـا أمـام الـخـلـيـفـة ويـقـدّم أحـدهـمـا الـسّـفـيـريـن لـه

هرون 3 (4)

فـقـد خـلـط الـرّسّـام بـيـن هـذه الـسّـفـارة إلى بـغـداد وبـيـن الـسّـفـارة الّـتي بـعـثـهـا الـخـلـيـفـة لـلإمـبـراطـور، وربـمـا كـان هـدف كـوكـيـرت مـن إضـافـتـهـمـا إلى الـلـوحـة اسـتـعـمـال نـفـس تـفـاصـيـل لـوحـة يـعـقـوب يـوردايـنـس.

وتـركـيـب الـلـوحـة مـثـلـث يـنـطـلـق مـن الـخـلـيـفـة ويـكـوّن ضـلـعـيـه الـطـويـلـيـن ذراعُ الـرّاهـب في الـمـسـتـوي الـعـلـوي و ذراع الـمـرأة في الـمـسـتـوى الأسـفـل لـيـلـتـقـيـا في نـقـطـة عـلى خـط الأفـق لـيـضـفي ذلـك عـمـقـاً عـلى لـوحـتـه.

وقـد اسـتـعـمل الـرّسّـام كـلّ الـمـثـيـرات ” الإسـتـشـراقـيـة ” لـجـذب الـمـشـاهـد إلى أجـواء غـريـبـة في مـنـاطـق بـعـيـدة عـنـه بـألـوانـهـا الـحـارّة وأشـخـاصـهـا الـغـامـقي الـبـشـرات ومـلابـسـهـم الّـتي تـثـيـر الـدّهـشـة مـن حـريـر ثـوب الـخـلـيـفـة إلى جـلـد الـحـيـوان الّـذي تـرتـديـه الـمـرأة !

ولا نـجـد في هـذه الـلـوحـة مـا وجـدنـاه عـنـد يـعـقـوب يـوردايـنـس مـن تـصـويـر الـعـظـمـة والـهـيـبـة بـحـركـات مـسـرحـيـة بـاروكـيـة تـبـهـر الـنّـاظـر، بـل نـجـد هـنـا حـركـات مـسـرحـيـة رومـانـطـيـقـيـة مـبـالـغ فـيـهـا لـتـثـيـر عـواطـف الـمـشـاهـد وتـهـيـج فـيـه أحـاسـيـسـة الـوطـنـيـة.

وهـذه الـلـوحـة تـشـبـه آلاف الـلـوحـات الّـتي رسـمـت في الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر لا يـمـيـزهـا مـمـيـز عـن غـيـرهـا مـمـا انـتـجـه مـحـتـرفـو الـرسـم بـدقـة تـنـفـيـذهـا الـواقـعي الأكـاديـمي وبـطـريـقـة مـتـواضـع عـلـيـهـا تـقـلّـد الـطّـبـيـعـة تـقـلـيـداً حـرفـيـاً، مـمـلـة في نـقـلـهـا لـكـلّ الـتّـفـاصـيـل والـدّقـائـق والـجـزئـيـات ومـتـعـبـة في إعـادتـهـا وتـكـرارهـا، لا تـجـديـد فـيـهـا ولا خـلـق ولا ابـتـكـار، نـظـلّ أمـامـهـا نـنـظـر إلـيـهـا عـن بـعـد، لا نـدخـلـهـا ولا نـلـتـحـم بـأجـوائـهـا.

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s