وصـول أوائـل الـتّـجّـار الإنـكـلـيـز إلى الـعـراق في الـقـرن الـسّـادس عـشـر

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

تـرك عـدد مـن الـتّـجّـار الإنـكـلـيـز لـنـدن في شـبـاط 1583 عـلى مـتـن سـفـيـنـة اسـمـهـا The Tyger مـتّـجـهـيـن نـحـو الـشّـرق.

وكـانـوا سـتّـة : جـون نـيـوبـريJohn Newberie  أو (Newberry) ورالـف فـيـتـش Ralph FITCH والـجـواهـري ولـيـام لـيـدس William LEEDES وجـون إلـدريـد John ELDRED وولـيـام بـيـتـس William BETS وولـيـام شـالـس William SHALS . وقـد صـاحـبـهـم رسّـام اسـمـه جـيـمـس سـتـوري James STORIE.

ويـبـدو أنّ الـتّـاجـر الأكـثـرأهـمـيـة بـيـنـهـم كـان جـون نـيـوبـري فـقـد عـهـدت إلـيـه الـمـلـكـة إلـيـزابـيـث الأولى بـرئـاسـتـهـم وبـمـهـمـة حـمـل رسـالـتـهـا إلى الإمـبـراطـور الـمـغـولي جـلال الـدّيـن مـحـمّـد أكـبـر شـاه Zelabdim Echebar, King of Cambia ، ورسـالـتـهـا إلى مـلـك الـصّـيـن The King of China والّـتي تـذكـر فـيـهـا : “حـامـل الـرّسّـالـة جـون نـيـوبـري الـمـحـتـرم، أحـد رعـايـانـا الّـذي نـال تـكـريـمـنـا لـه بـرئـاسـة الـرّحـلـة الّـتي يـقـوم بـهـا إلى مـنـاطـق إمـبـراطـوريـتـك وأنـحـائـهـا …”

إليزابيث الأولى

ويـذكـر الأديـب والـنّـاشـر الإنـكـلـيـزي ريـشـارد هـاكـلـويـت Richrd Hakluyet ، وهـو أهـم مـصـادرنـا عـنـهـا (لأنّـه عـاصـرهـا) أنّ الـرّحـلـة مـوّلـهـا خـاصـة الـفـارس الـسّـيـر إدوارد أوسـبـورن Sir Edward Osborn وريـشـارد سـتـبـر Richard Staper  تـاجـر ومـواطـن لـنـدني. وأسـبـون وسـتـبـر كـانـا يـمـثـلان شـركـتي الـمـشـرق The Levant Companyوالـشّـركـة الـمـوسـكـويـة The Muscovy Company.

220px-RichardHakluyt-BristolCathedral-stainedglasswindow

ولـيـس مـا ذكـره هـاكـلـويـت صـحـيـحـاً تـمـامـاً لأنّ شـركـة الـمـشـرق The Levant Company لـم تـكـن قـد أنـشـئـت بـعـد عـنـدمـا غـادر الـتّـجّـار الـسّـبـعـة مـديـنـة لـنـدن. فـنـحـن نـعـرف أنّ تـجّـار لـنـدن رجـوا الـمـلـكـة إلـيـزابـيـث الأولى في عـام 1580 أن تـوفـر لـهـم الأسـبـقـيـة في الـتّـجـارة مـع الـشّـرق. وهـكـذا وقّـع دبـلـومـاسـيـوهـا مـعـاهـدة مـع الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة تـمـنـح لـلـتّـجّـار الإنـكـلـيـز نـفـس حـقـوق الـتّـجّـار الـفـرنـسـيـيـن في تـجـارة الـشّـرق. وإنـشـئـت الـشّـركـة الـتّـركـيـة The Turcky Company في 1581 لـتـنـظـيـم الـتّـجـارة الإنـكـلـيـزيـة في الـمـشـرق، ثـمّ تـبـعـتـهـا شـركـة الـمـشـرق The Levant Company في 1592.

ولا شـكّ في أنّ أحـد أهـداف الـرّحـلـة كـان جـمـع مـعـلـومـات عـن طـرق الـتّـجـارة في الـشّـرقـيـن الأدنى والأوسـط وعـن إمـكـانـيـات الـمـتـاجـرة مـعـهـمـا، وهـذا مـا يـفـسـر الـنّـصـوص الّـتي كـتـبـهـا أغـلـب الـمـشـاركـيـن فـيـهـا ومـصـاحـبـة رسّـام مـمـتـهـن لـهـم.

وقـد اخـتـيـر نـيـوبـري رئـيـسـاً لـهـم لـمـعـرفـتـه بـالـشّـرق فـقـد غـادر لـنـدن سـتّ سـنـوات قـبـل ذلـك، أي في آذار 1578 إلى مـرسـيـلـيـا في جـنـوب فـرنـسـا ومـنـهـا ركـب سـفـيـنـة عـبـرت بـه الـبـحـرالأبـيـض الـمـتـوسـط إلى طـرابـلـس الـشّـرق Tripolie in Syria في مـنـتـصـف أيّـار، ومـنـهـا ذهـب إلى الـقـدس، ثـمّ عـاد إلى لـنـدن عـن طـريـق فـرنـسـا في 1579. ثـمّ قـام نـيـوبـري بـسـفـرة ثـانـيـة إلى الـمـشـرق في تـشـريـن الـثّـاني 1579، ثـمّ بـثـالـثـة في أيـلـول 1580، ثـمّ بـرابـعـة في تـشـريـن الـثّـاني 1582.

ولـم يـسـبـق جـون نـيـوبـري تـاجـر إنـكـلـيـزي آخـر في الـذّهـاب إلى الـشّـرق إلّا أنـتـوني جـنـكـيـنـسـون Anthony Jenkinson الـذي كـان قـد وصـل إلى حـلـب في 1553، ثـمّ إلى آسـيـا الـوسـطى في 1558.

مـصـادرنـا عـن هـذه الـرّحـلـة :

كـتـب جـون نـيـوبـري سـرد رحـلـتـيـن مـن رحـلاتـه، نـشـره ريـشـارد هـاكـلـويـت Hakluyet بـعـد وفـاتـه بـزمـن طـويـل :

Two voyages of Master John Newberie, One, into the Holy Land, The other to Balsara, Ormus, Persia, and backe thorow Turkie, p: 449,

Master John Newberies Voyages and Observations, Travels by Sea and Land. Cities, Townes, and Castles described. Pitchie Fountaine. Babylon and Bagdet. Balsara Customes. Newberies sailing the Persian Gulfe from Balsara to Ormuz.

ولـم يـكـتـب رالـف فـيـتـش سـرد أسـفـاره مـاعـد الـوصـف الّـذي كـتـبـه لـجـنـوب شـرق آسـيـا والّـذي نـشـره ريـشـارد هـاكـلـويـت في :

The Principal Navigations, Voyages, Traffiques and Discoveries of the English Nation. London 1589.

Hakluyt

كـمـا نـشـر هـاكـلـويـت رسـائـل فـيـتـش.

أمّـا نـصّ جـون إلـدريـد عـن الـرّحـلـة فـقـد نُـشـر في لـنـدن عـام 1598:

John ELDRED, The Voyage of M. J. E. to Tripolis in Syria … and from thence … to Babylon and Balsora, London, 1598.

ونـشـر هـاكـلـويـت أيـضـاً تـقـريـراً كـتـبـه جـون فـان لـيـنـشـوتـنJohn Huighen van Linchoten ، الّـذي كـان يـعـمـل في دار رئـاسـة الأسـقـفـيـة في غـوا، في الـهـنـد عـن سـجـن نـيـوبـري وفـيـتـش في هـذه الـمـديـنـة ثـمّ خـروجـهـمـا مـنـه.

ونـشـر هـكـلـويـت في كـتـابـه Principal Navigations (لـنـدن 1599)، الـجـزء الـثّـاني،pp. 245 et sqq. سـتّـة مـن رسـائـل نـيـوبـري الـثّـمـانـيـة، ورسـالـة لـرالـف فـيـتـش، وسـرديـن لـبـعـض أجـزاء الـرّحـلـة : واحـد كـتـبـه فـيـتـش والآخـر إلـدريـد. (1)

الـرّحـلـة :

يـمـكـنـنـا أن نـبـدأ الـحـديـث عـن رحـلـة الـتّـجّـار الـسّـبـعـة ومـصـاحـبـهـم الـرّسّـام بـمـا كـتـبـه John Huighen van Linchoten في تـقـريـره : “كـان أحـدهـم أي جـون نـيـوبـري قـد جـاء إلى مـديـنـة هـرمـز في مـرّة سـابـقـة [ قـبـل 1581] وجـمـع مـعـلـومـات كـثـيـرة عـن الـتّـجـارة فـيـهـا. وقـد تـبـع الآخـرون نـصـائـحـه وجـاءوا مـعـه هـذه الـمـرّة إلى هـنـا جـالـبـيـن مـعـهـم مـجـمـوعـات مـن الـبـضـائـع كـالأقـمـشـة وأنـواع كـؤوس الـشّـرب والـمـرايـا والـسّـكـاكـيـن وأشـيـاء مـن هـذا الـقـبـيـل. كـمـا جـلـبـوا مـصـنـوعـات صـغـيـرة الأحـجـام.

ومـع أن أثـمـان هـذه الـبـضـائـع مـهـمّـة، ولـكـنّـهـم جـلـبـوهـا لـلـتـغـطـيـة ولـكي يـبـعـدوا عـنـهـم الـشّـبـهـات، فـهـدفـهـم الأسـاسي كـان أن يـشـتـروا كـمـيـات كـبـيـرة مـن الأحـجـار الـكـريـمـة كـالـمـاس والـلـؤلـؤ والـيـاقـوت. ولـهـذا جـلـبـوا مـعـهـم كـمـيـات كـبـيـرة مـن الـنّـقـود والـذّهـب. وقـد احـتـاطـوا لـذلـك بـسـريـة تـامّـة حـتّى لايـخـدعـوا أو يـسـرقـوا ولا يـوقـعـهـم ذلـك في مـخـاطـر”.

تقرير أوائل

وقـد سـبـق أن ذكـرنـا أنّ أحـد أهـداف الـرّحـلـة كـان ولا شـكّ جـمـع مـعـلـومـات عـن طـرق الـتّـجـارة في الـشّـرقـيـن الأدنى والأوسـط وعـن إمـكـانـيـات الـمـتـاجـرة مـعـهـمـا، وهـذا مـا يـفـسـر الـنّـصـوص الّـتي كـتـبـهـا أغـلـب الـمـشـاركـيـن فـيـهـا ومـصـاحـبـة رسّـام مـمـتـهـن لـهـم.

وقـد سـارت الـسّـفـيـنـة الّـتي ركـبـهـا تـجـارنـا الـسّـبـعـة بـصـحـبـة الـرّسّـام عـن طـريـق الـمـحـيـط الأطـلـسي، عـابـرة مـضـيـق جـبـل طـارق إلى الـبـحـرالأبـيـض الـمـتـوسـط ومـتّـجـهـة نـحـو طـرابـلـس الـشّـرق Tripolie in Syria.ووصـل الـتّـجـار، في بـدايـة أيّـار إلى طـرابـلـس الـشّـرق. ومـنـهـا ذهـبـوا إلى حـلـب ثـمّ الـبـيـرا عـلى الـفـرات. وهـناك وجـدوا مـركـبـاً أنـزلـهـم إلى الـفـلـوجـة بـأسـبـوع واحـد. وفي الـفـلـوجـة إكـتـروا مـا يـقـارب الـمـائـة حـمـار لـيـحـمـلـوا عـلـيـهـا مـا جـلـبـوه مـن سـلـع، وتـوجـهـوا نـحـو بـغـداد الّـتي كـانـوا يـسـمـونـهـا مـثـل كـلّ مـعـاصـريـهـم : (بـابـل الـجـديـدة). وقـد زاروا في طـريـقـهـم عـقـرقـوف (الّـتي ظـنّـوهـا بـابـل) وزقـورتـهـا الّـتي اعـتـبـروهـا “بـرج بـابـل”.

ونـقـرأ في رسـالـة بـعـثـهـا جـون نـيـوبـري إلى ريـشـارد هـاكـلـويـت، الأديـب والـنّـاشـر الإنـكـلـيـزي مـن حـلـب في 28 أيّـار 1583:

” بـعـد أن نـصـبـنـا الأشـرعـة لـلإبـحـار في Grausend في 13 شـبـاط، بـقـيـنـا عـلى الـسّـاحـل حـتّى 11 آذار. وأبـحـرنـا مـن Falmouth. ولـم نـتـوقـف بـعـدهـا إلى أن وصـلـنـا إلى طـرابـلـس في سـوريـا في آخـر يـوم مـن نـيـسـان الـمـاضي. وبـقـيـنـا فـيـهـا 41 يـومـاً. وفي الـثّـامـن مـن هـذا الـشّـهـر وصـلـنـا إلى حـلـب [ …]. ومـنـذ أن وصـلـنـا إلى طـرابـلـس وأنـا أبـحـث جـدّيـاً هـنـا وهـنـاك عـن كـتـاب إسـمـاعـيـل أبي الـفـدا Ismael Abilfada عـن جـغـرافـيـة الـعـالـم، ولـكّـني لـم أجـد شـيـئـاً. ويـقـول الـبـعـض إنّـه ربّـمـا وجـد في بـلاد الـفـرس، ومـع ذلـك فـسـأبـحـث عـنـه في بـغـداد Babylon وفي الـبـصـرة، وإذا مـا وجـدتـه في هـذه الأمـاكـن فـسـأبـعـثـه لـك”.

رسالىة نيوبري

والـكـتـاب الّـذي يـتـكـلّـم عـنـه نـيـوبـري هـو “كـتـاب تـقـويـم الـبـلـدان” الّـذي ألّـفـه أبـو الـفـداء في بـدايـة الـقـرن الـرّابـع عـشـر. ويـسـتـشـهـد هـاكـلـويـت في كـتـابـه بـمـقـاطـع مـن كـتـاب أبي الـفـداء هـذا أخـذهـا مـن كـتـاب رحـلات الإيـطـالي رامـسـيـوس John Baptista Ramusius، الّـذي كـان رحّـالـة وجـغـرافـيـاً أصـلـه مـن مـديـنـة الـبـنـدقـيـة. ويـبـدو أنّ رامـسـيـوس كـان قـد وجـد الـمـقـاطـع في تـرجـمـة لاتـيـنـيـة لأبي الـفـداء.

والـشّـئ الّـذي لـم يـنـتـبـه إلـيـه نـيـوبـري هـو أنّ الـمـطـبـعـة لـم تـكـن قـد وصـلـت بـعـد إلى الـمـشـرق، وأنّ الـعـثـورعـلى مـخـطـوطـة لـهـذا الـكـتـاب في مـدنـه لـم تـكـن بـالأمـر الـسّـهـل. ولـم يـذكـر هـاكـلـويـت في كـتـابـه الّـذي نـشـره بـعـد أكـثـر مـن عـشـريـن عـامـاً عـلى بـدايـة رحـلـة نـيـوبـري وأصـحـابـه أنّـه حـصـل عـلى الـمـخـطـوطـة.

الـطّـريـق إلى بـغـداد :

نـجـد فـيـمـا نـشـره هـاكـلـويـت Hakluyt لـمـا كـتـبـه رالـف فـيـتـش Ralph Fitch الـمـقـطـع الـتّـالي :

” سـافـرنـا عـلى مـتـن سـفـيـنـة تـدعى The Tiger مـن لـنـدن، مـتـوجـهـيـن إلى طـرابـلـس في سـوريـا، ومـنـهـا ذهـبـنـا بـصـحـبـة قـافـلـة إلى حـلـب في سـبـعـة أيّـام. وفي حـلـب وجـدنـا مـن يـصـاحـبـنـا إلى الـبـيـرا بـسـفـرة اسـتـغـرقـت يـومـيـن ونـصـف عـلى ظـهـور الـجـمـال.

الـبـيـرا مـديـنـة صـغـيـرة ولـكـن نـجـد فـيـهـا مـؤونـة كـثـيـرة وهي قـريـبـة مـن نـهـر الـفـرات. وقـد اشـتـريـنـا فـيـهـا مـركـبـاً واتـفـقـنـا مـع نـوتي ومـسـاعـديـه عـلى أن يـوصـلـنـا إلى بـابـل Babylon  أي بـغـداد . ولا يـمـكـن اسـتـعـمـال هـذه الـمـراكـب إلّا مـرّة واحـدة، فـالـتّـيّـار شـديـد ولايـمـكـنـهـم الـرّجـوع [ إلى الـبـيـرا بـصـعـود الـنّـهـر]. وهـم يـصـطـحـبـون الـمـسـافـريـن إلى مـديـنـة اسـمـهـا الـفـلـوجـة Feluchia الّـتي يـبـيـعـون فـيـهـا الـمـركـب بـسـعـر بـخـس، ومـا ثـمـنـه خـمـسـيـن قـطـعـة [مـن الـعـمـلـة] في الـبـيـرا لا يـبـاع هـنـا بـأكـثـر مـن سـبـعـة أو ثـمـانـيـة.

وتـسـتـغـرق الـسّـفـرة مـن الـبـيـرا إلى الـفـلـوجـة سـتّـة عـشـر يـومـاً. ولايـسـتـحـسـن لـمـركـب أن يـسـيـر وحـده، لأنّـه إذا مـا تـحـطّـم فـلايـمـكـن مـنـع الأعـراب مـن سـرقـة الـبـضـائـع. وهـم يـنـهـبـون في أرجـاء الـمـنـطـقـة. ويـنـبـغي تـشـديـد الـحـراسـة في الـلـيـل، فـالأعـراب لـصـوص مـهـرة، وهـم يـسـبـحـون قـرب الـمـركـب ويـخـطـفـون بـضـائـعـك ثـمّ يـهـربـون. والـبـنـدقـيـة سـلاح نـاجـع لإبـعـادهـم، فـهـم يـخـافـون مـن الأسـلـحـة الـنّـاريـة. وهـنـاك أمـاكـن عـلى الـفـرات بـيـن الـبـيـرا والـفـلـوجـة عـلـيـك أن تـدفـع فـيـهـا مـكـوسـاً.

فـلـوجـة، الّـتي تـأتـيـهـا الـبـضـائـع مـن الـبـيـرا، قـريـة صـغـيـرة. ومـنـهـا تـذهـب في يـوم واحـد إلى بـغـدات”. “وبـرج بـابـل في هـذا الـجـانـب مـن دجـلـة، مـن جـهـة جـزيـرة الـعـرب عـلى بـعـد حـوالي سـبـعـة أو ثـمـانـيـة أمـيـال مـن بـغـدات. وهـو الآن خـرب مـن كـلّ جـوانـبـه وتـكـومـت بـقـايـاه لـتـكـوّن تـلّاً، ولـهـذا فـلـم يـعـد لـبـقـايـا الـبـرج شـكـل ولا مـعـالـم. وكـان مـبـنـيـاً بـالـلـبـن الـمـجـفـف في الـشّـمـس، وضـع بـيـن طـبـقـاتـه قـصـب وسـعـف نـخـيـل. ويـنـتـصـب في سـهـل واسـع بـيـن دجـلـة والـفـرات. ولـيـس عـلى جـوانـبـه بـاب لـيُـدخـل فـيـه “. “وقـرب نـهـر الـفـرات، عـلى مـسـيـرة يـومـيـن مـن بـغـداد، فـسـحـة قـرب مـكـان يـدعى Ait أي هـيـت في أرضـهـا حـفـرة عـمـيـقـة تـقـذف بـاسـتـمـرار قـاراً يـغـلي كـريـه الـدّخـان، ثـمّ يـسـيـل الـقـار في هـذه الـفـسـحـة وهي مـلـيـئـة بـه دائـمـاً. ويـسـمـيـهـا الـعـرب (الّـذيـن يـدعـوهـم The Moors ) “حـلـق جـهـنـم”. ولـكـثـرة هـذا الـقـار يـطـلي بـه أهـل الـبـلـد قـواربـهـم بـسـمـك أنـشـيـن أو ثـلاثـة (الأنـش أكـثـر بـقـلـيـل مـن سـنـتـمـتـريـن ونـصـف) لـكي لا تـبـتـل بـالـمـاء. وتـدعى هـذه الـمـراكـب بـ danec “.

ralph-fitch-1550-16111

وكـتـب جـون إلـدريـد John ELDRED في سـرد الـرّحـلـة :

” وفي 28 حـزيـران نـزلـنـا مـن الـمـركـب في الـفـلـوجـة Felugia الّـتي بـقـيـنـا فـيـهـا سـبـعـة أيّـام نـحـاول أن نـجـد جـمـالاً تـحـمـل بـضـائـعـنـا إلى بـابـل. والـحـرّ في هـذه الـفـتـرة مـن الـسّـنـة شـديـد إلى حـد أن الـنّـاس لا يـتـركـون جـمـالـهـم تـخـرج لـلـسّـفـر. والـفـلـوجـة قـريـة فـيـهـا مـايـقـارب الـمـائـة دار. وقـد اخـتـاروهـا لإنـزال الـبـضـائـع عـنـدمـا تـصـل عـن طـريـق الـنّـهـر. وسـكـانـهـا مـن الـعـرب. وعـنـدمـا لـم نـجـد جـمـالاً هـنـا، أجـبـرنـا عـلى إنـزال بـضـاعـتـنـا و كـراء مـائـة حـمـار لـنـقـل بـضـائـعـنـا الإنـكـلـيـزيـة إلى بـابـل الـجـديـدة عـبـر صـحـراء مـحـدودة الـمـدى. ولإخـتـراقـهـا قـضـيـنـا ثـمـاني عـشـرة سـاعـة : كـلّ الـلـيـل وجـزءاً مـن الـصّـبـاح لـنـتـحـاشى شـدّة الـقـيـظ.

وفي هـذه الـمـنـطـقـة الّـتي اخـتـرقـنـاهـا تـنـتـصـب مـديـنـة بـابـلBabylon الـقـديـمـة الـشّـديـدة الـقـوّة. ونـرى في وضـح الـنّـهـار عـدداً مـن آثـارمـعـالـمـهـا الـظّـاهـرة. وأنـا جـون إلـدريـد، طـالـمـا تـأمـلـتـهـا عـلى هـواي خـلال سـفـراتي الـثّـلاث الّـتي قـمـت بـهـا بـيـن مـديـنـة بـابـل الـجـديـدة وحـلـب عـبـر الـصـحـراء. وهـنـا أيـضـاً تـنـتـصـب بـقـايـا بـرج بـابـل Babell الـقـديـم الّـذي يـبـدوعـالـيـاً جـداً مـن بـعـيـد لأنّ الـسّـهـول الـمـبـسـوطـة تـحـيـط بـه. ولـكـنّ ضـخـامـتـه تـقـلّ كـلّـمـا اقـتـربـنـا مـنـه. وقـد اقـتـربـت مـنـه عـدّة مـرّات و وجـدت مـا بـقي مـنـه يـمـتـدّ عـلى نـصـف مـيـل ويـكـاد عـلـوه يـقـارب ارتـفـاع كـنـيـسـة الـقـديـس بـول في لـنـدن مـع أنّـه يـبـدو أضـخـم مـنـهـا. وطـابـوق هـذا الـبـنـاء الـشّـديـد الـقـدم سـمـكـه نـصـف ذراع وطـولـه ثـلاثـة أربـاع ذراع جـفـف في الـشّـمـس فـقـط. وبـيـن كـل طـبـقـتـيـن مـن الـطّـابـوق طـبـقـة مـن الـقـصـب بـقـيـت سـالـمـة لـم تـتـفـسـخ، كـمـا لـو كـانـت قـد وضـعـت قـبـل عـام واحـد”.

eldredsmall

وهـذا وصـف دقـيـق لـزقّـورة عـقـرقـوف (دور كـوريـغـالـزو) الّـتي تـقـع عـلى بـعـد حـوالي 30 كـلـم. غـرب بـغـداد والّـتي كـان جـون إلـدريـد John ELDRED يـعـتـقـد أنّـهـا “بـرج بـابـل” الّـذي ذكـرتـه الـتّـوراة.

وكـتـب نـيـوبـري مـن بـغـداد Babylon إلى مـسـتـر لـيـونـارد بـور Master Leonard POORE في لـنـدن رسـالـة أرّخـهـا في 20 تـمّـوز 1583 :

“بـعـثـت لـك آخـر رسـائـلي مـن حـلـب في 29 أيّـارمـع جـورج جـيـل George Gill الـمـوظـف عـلى الـسّـفـيـنـة The Tiger. وفي آخـر يـوم مـن ذلـك الـشّـهـر غـادرنـا [تـلـك] الـمـديـنـة و وصـلـنـا إلى الـفـلـوجـة Feluge في 19 حـزيـران. وأذكـر هـنـا أن بـعـض مـصـاحـبـيـنـا في الـسّـفـر لـم يـصـلـوا إلى هـنـا إلّا في نـهـايـة الـشّـهـر. وكـان ذلـك لـحـاجـتـهـم لـجـمـال تـحـمـل بـضـائـعـهـم. والـحـرّ في هـذه الـفـتـرة مـن الـسّـنـة شـديـد إلى حـد أن الـنّـاس لا يـتـركـون جـمـالـهـم تـخـرج لـلـسّـفـر. ومـن الـصّـعـب جـدّاً الـحـصـول عـلى جـمـال “.

بـغـداد :

وفي بـغـداد أقـامـوا عـدّة أيّـام قـبـل أن يـجـدوا مـركـبـاً يـنـزلهـم عـلى نـهـر دجـلـة إلى الـبـصـرة.

كـتـب رالـف فـيـتـش : “بـابـل أو بـغـدات لـيـسـت مـديـنـة كـبـيـرة، ولـكـنّـهـا كـثـيـرة الـسّـكّـان، فـهي في مـفـتـرق الـطّـرق بـيـن بـلاد الـفـرس وتـركـيـا وجـزيـرة الـعـرب. وتـخـرج قـوافـل كـثـيـرة مـنـهـا إلى هـذه الـمـنـاطـق وإلى أخـرى غـيـرهـا. وتـأتـيـهـا كـثـيـر مـن الـسّـلـع مـن أرمـيـنـيـا عـن طـريـق نـهـر دجـلـة عـلى أكـلاك مـن جـلـود مـاعـز مـنـفـوخـة تـثـبـت عـلـيـهـا ألـواح مـن الـخـشـب، وتـحـمّـل عـلـيـهـا الـبـضـائـع. وعـنـدمـا تـصـل وتـنـزل مـنـهـا الـبـضـائـع تـفـرغ الـقـرب الـمـنـفـوخـة مـن الـهـواء، وتـحـمّـل عـلى ظـهـورالـجـمـال إلى أرمـيـنـيـا لـتـسـتـعـمـل مـن جـديـد. وكـانـت بـغـدات تـخـضـع لـبـلاد الـفـرس ولـكـنّـهـا الآن تـحـت سـيـطـرة الأتـراك.

ومـقـابـل بـغـدات، في الـجـهـة الأخـرى مـن الـنّـهـر قـريـة جـمـيـلـة يـعـبـر إلـيـهـا عـلى جـسـر طـويـل مـن الـقـوارب ربـطـت فـيـمـا بـيـنـهـا بـسـلـسـلـة حـديـديـة مـتـيـنـة، ثـبـتـت عـلى كـلّ واحـدة مـن ضـفـتي الـنّـهـر. وعـنـدمـا يـقـتـرب مـركـب لـيـمـر في الـنّـهـر تـسـحـب مـن الـجـسـر عـدّة قـوارب لـيـسـتـطـيـع الـمـركـب أن يـمـرّ”.

وكـتـب جـون إلـدريـد:

“ومـديـنـة بـابـل الـجـديـدة (أي بـغـداد) تـقـع عـلى الـطـرف الآخـر مـن الـفـلاة الـصّـغـيـرة الّـتي فـيـهـا الـمـديـنـة الـقـديـمـة، ويـجـري نـهـر دجـلـة بـمـحـاذاة سـورهـا. ويـسـتـطـيـع أهـلـهـا إن شـاءوا أن يـفـتـحـوا ثـغـرة فـيـجـري الـمـاء في وسـطـهـا. وامـتـدادهـا حـوالي مـيـلـيـن إنـكـلـيـزيـيـن، وسـكـانـهـا يـتـكـلّـمـون اعـتـيـاديـاً ثـلاث لـغـات : الـفـارسـيـة والـعـربـيـة والـتّـركـيـة. وبـشـرات الـنّـاس مـثـل بـشـرات الإسـبـان، وتـضـع الـنّـسـاء في أحـد مـنـاخـيـر أنـوفـهـنّ حـلـقـة تـشـبـه حـلـقـة الـخـطّـبـة والـزّواج، ولـكـنّـهـا أوسـع عـلـيـهـا لـؤلـؤة أو خـرزة فـيـروزيـة. وبـهـذا يـتـجـنـبـن الـوقـوع في الـفـقـرالـمـدقـع”.

ونـقـرأ في رسـالـة نـيـوبـري إلى مـسـتـر لـيـونـارد بـور :

“مـنـذ وصـولـنـا هـنـا لـم نـتـوصـل إلّا إلى بـيـع الـقـلـيـل ولـكـنّ الـبـعـض أخـبـرونـا أن بـضـائـعـنـا سـتـبـاع بـسـهـولـة في الـشّـتـاء. وأدعـو الـرّب أنّ مـا يـقـولـون صـحـيـح. وأنـا أظـنّ أنّ الـقـمـاش لـم يـكـن سـعـره أبـداً بـخـسـاً إلى هـذا الـحـد كـمـا هـو الآن. ولـو كـنـت أمـلـك مـا يـكـفي مـن الـمـاء لأشـتـري هـذه الـبـضـائـع لأسـتـطـعـت بـلا شـكّ أن أحـقـق أربـاحـاً مـمـتـازة ولأنـتـفـعـت بـسـفـرتي إلى هـنـا وإلى الـبـصـرة Balsara. وبـعـون الـرّب سـتـكـون أربـاحي مـعـقـولـة. ولـكـن بـنـصـف الـمـبـالـغ وبـنـصـف الإمـكـانـيـات يـمـكـن أن أشـتـري هـنـا أحـسـن أنـواع الـتّـوابـل وبـضـائـع أخـرى تـأتي مـن الـهـنـد. وبـدون مـال لا أسـتـطـيـع أن أفـعـل الـكـثـيـر هـنـا. وبـعـون الـرّب، فـانـا أنـوي أن أسـافـر بـعـد غـد إلى الـبـصـرة. وعـنـدمـا كـنـت في حـلـب أخـذت لـخـدمـتـي نـصـرانـيَـيـن كـان أحـدهـمـا قـد سـافـر مـرتـيـن إلى الـهـنـد ويـتـكـلّـم لـغـتـهـا بـطـلاقـة. ولـكـنـه رجـل وضـيـع ولـن اصـطـحـبـه مـعي في سـفـرتي. [ ويـكـتـب لـه قـائـمـة بـالـبـضـائـع الّـتي وجـدهـا وأسـعـارهـا، وهي في غـالـبـهـا أأنـواع مـن الـتّـوابـل والـحـريـر] “.

مـن بـغـداد إلى الـبـصـرة :

أقـام الـتّـجـار الـسّـبـعـة ورفـيـقـهـم الـرّسّـام في بـغـداد عـدّة أيّـام قـبـل أن يـجـدوا مـركـبـاً يـنـزلهـم عـلى نـهـر دجـلـة إلى الـبـصـرة.

كـتـب رالـف فـيـتـش : “وفي دجـلـة تـجـري كـمـيـات كـبـيـرة مـن الـمـيـاه. ويـمـكـن لـلـمـراكـب أن تـذهـب مـن بـغـدات إلى الـبـصـرة Basora بـثـمـانـيـة أو تـسـعـة أيّـام، ولـكـنّ الـسّـفـرة تـقـتـضي وقـتـاً أطـول عـنـدمـا يـنـخـفـض مـسـتـوى الـمـيـاه”.

وكـتـب في رسـالـة بـعـثـهـا إلى مـسـتـر لـيـونـارد بـور Master Leonard POORE في لـنـدن :

” لـم أكـتـب لـك مـنـذ مـغـادرتـنـا لـحـلـب، والـسّـبـب في ذلـك أنـني كـنـت في بـغـداد Babylon مـنـهـكـاً مـن الـتـغـيـيـرات, ولـهـذا تـركـتـهـا إلى الـبـصـرة الّـتي هي عـلى مـسـيـرة 12 يـومـاً عـن طـريـق دجـلـة نـحـو الـجـنـوب وقـد عـانـيـنـا في الـرّحـلـة مـن شـدّة الـحـر مـمـا زاد مـن مـرضي وتـكـالـيـف سـفـري وقـلـة راحـتي، وذلـك لـكـثـرة الـمـسـافـريـن عـلى الـسّـفـيـنـة. ولـم أأكـل في ثـمـانـيـة أيّـام إلّا الـقـلـيـل، ولـهـذا فـلـو بـقـيـت يـومـيـن أكـثـر عـلـيـهـا لـمـتّ”.

الـبـصـرة :

وقـد وصـل الـتّـجّـارإلى الـبـصـرة في أيّـار 1583.

كـتـب رالـف فـيـتـش :

“كـانـت الـبـصـرة، في الأزمـان الـمـاضـيـة، بـأيـدي الـعـرب. ولـكـنّـهـا الآن تـحـت سـيـطـرة الأتـراك. ومـع ذلـك بـقي عـرب لا يـسـتـطـيـع الأتـراك قـهـرهـم، وهـم في جـزر وسـط نـهـر الـفـرات الّـذي لـم يـسـتـطـع الأتـراك احـتـلالـه أبـداً. وكـلّ هـؤلاء الـعـرب لـصـوص لا يـسـتـقـرون في مـكـان بـل يـرحـلـون مـن جـهـة إلى جـهـة مـع جـمـالـهـم وخـيـلـهـم ومـاعـزهـم ونـسـائـهـم وأطـفـالـهـم و مـمـتـلـكـاتـهـم. وهـم يـرتـدون أثـوابـاً طـويـلـة زرقـاء. وفي آذان نـسـائـهـم وأنـوفـهـنّ أعـداد كـبـيـرة مـن حـلـقـات الـنّـحـاس والـفـضّـة. وتـحـيـط عُـقـب أقـدامـهـنّ حـلـقـات مـن الـنّـحـاس.

والـبـصـرة قـرب رأس خـلـيـج الـفُـرس، تـصـلـهـا تـجـارة كـثـيـرة مـن الـعـقـاقـيـر والـتّـوابـل تـأتي مـن هـرمـز. وتـنـتـج الـمـنـاطـق الـمـحـيـطـة بـهـا كـثـيـراً مـن الـرّز الأبـيـض والـتّـمـر تـصـدّر مـنـهـا مـا يـكـفي بـغـداد وكـلّ الـمـنـطـقـة، وتـبـيـع مـا يـزيـد إلى هـرمـز والـهـنـد” وكـتـب أيـضـاً : “مـنـذ أن وصـلـت إلى الـبـصـرة، تـحـسـنـت صـحـتي والـحـمـد لـلـرّب. وفـيـهـا بـقـيـنـا 14 يـومـاً، ثـمّ سـافـرنـا إلى هـرمـز الّـتي وصـلـنـاهـا في الـخـامـس مـن أيـلـول”.

أمّـا جـون إلـدريـد فـقـد بـقي في الـبـصـرة مـع ولـيـام شـالـسWilliam SHALS . وقـضى فـيـهـا سـتّـة أشـهـر مـشـتـغـلاً بـتـجـارتـه الّـتي ازدهـرت إلى حـدّ أنّـه أحـتـاج عـنـدمـا غـادرهـا إلى ســبـعـة مـراكـب تـحـمـلـه وأصحـابـه والـسّـلـع الّـتي حـصـل عـلـيـهـا، وأكـثـرهـا مـن الـتّـوابـل. وصـعـدت الـمـراكـب دجـلـة يـسـحـب كـلّ واحـد مـنـهـا أربـعـة عـشـر رجـلاً، واسـتـغـرقـت الـسّـفـرة 44 يـومـاً. وفي بـغـداد اشـتـروا مـا يـحـتـاجـونـه اســتـعـداداً لـسـفـرة أخـرى عـبـر الـصّـحـراء مـع قـافـلـة ضـمّـت مـا يـقـارب أربـعـة آلاف جـمـل، إسـتـغـرقـت أربـعـيـن يـومـاً، وأوصـلـتـهـم إلى حـلـب في حـزيـران 1584. وفي الـسّـنـوات الـثـلاث الـتّـالـيـة، أقـام إلـدريـد في حـلـب مـشـتـغـلاً بـتـجـارتـه وقـام خـلالـهـا بـرحـلـتـيـن إلى بـغـداد. كـمـا زار مـدنـاً كـثـيـرة في سـوريـا و فـلـسـطـيـن. وفي كـانـون الأوّل 1587، ركـب مـن طـرابـلـس الـشّـرق ســفـيـنـة أقـلّـتـه إلى إنـكـلـتـرة الّـتي وصـلـهـا في آذار 1588. ونـشـر نـصّ رحـلـتـه إلى الـشّـرق في لـنـدن عـام 1598(2).

وهـكـذا عـاد إلى بـلاده رجـلاً ثـريـاً. واسـتـمـر يـتـاجـر إلى أن مـات في 1632. وكـان أوّل بـريـطـاني ذكـر أنّـه رأى بـابـل، وطـلـب أن يـكـتـب عـلى شــاهـدة قـبـره (بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة الـقـديـمـة الّـتي يـخـتـلـف إمـلاؤهـا قـلـيـلاً عـن الإنـكـلـيـزيـة الـحـديـثـة) :

The Holy Land so called I have seene

. And in the Lande of Babylon have beene

وصـول الـتّـجّـار إلى هـرمـز :

غـادر رالـف فـيـتـش ورفـاقـه (مـا عـدا جـون إلـدريـد وولـيـام شـالـس) الـبـصـرة في تـمـوّز وعـبـروا الـخـلـيـج إلى الـحـصـن الـبـرتـغـالي هـرمـز، والّـذي كـان أيـضـاً مـحـطـة تـجـاريـة. وقـد قـبـض عـلـيـهـم حـالـمـا بـلـغـوه بـتـهـمـة الـتّـجـسـس، فـقـد كـانـت تـجـارة الـمـنـطـقـة بـأيـدي الـبـرتـغـالـيـيـن الّـذيـن كـانـوا يـخـشـون الـمـنـافـسـة. وبـعـث رالـف فـيـتـش ورفـاقـه إلى نـائـب مـلـك الـبـرتـغـال في جـنـوب الـهـنـد الّـتي وصـلـوهـا في أيـلـول وظـلّـوا سـجـنـاء فـيـهـا إلى تـشـريـن الأوّل.

ويـبـدو أن جـون نـيـوبـري تـرك هـرمـز في الـخـلـيـج الـفـارسي واخـتـرق بـلاد فـارس وأرمـيـنـيـا في 1581، ثـمّ تـركـيـا وأوربـا الـشّـرقـيـة وألـمـانـيـا عـائـداً إلى لـنـدن. ويـبـدو أنّـه مـات في طـريـق عـودتـه إلى إنـكـلـتـرة (“لا نـعـرف كـيـف ولا أيـن” كـمـا كـتـب هـاكـلـويـت) عـلى طـريـق الـقـوافـل بـيـن بـلاد الـفـرس وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن.

وقـد نُـشـر نـص سـرد رحـلـتـيـه بـعـد وفـاتـه بـزمـن طـويـل، في الـقـرن الـسّـابـع عـشـر (3).

وصـول الـتّـجّـار إلى الـهـنـد :

رأيـنـا أنّ الـثّـلاثـة الّـذيـن قـبـض الـبـرتـغـالـيـون عـلـيـهـم في هـرمـز أي رالـف فـيـتـش Ralf FITCH والـجـواهـري ولـيـام لـيـدس William LEEDES والـرّسّـام جـيـمـس سـتـوريJames STORY ، بـعـثـوا إلى نـائـب مـلـك الـبـرتـغـال في جـنـوب الـهـنـد الّـتي وصـلـوهـا في أيـلـول وظـلّـوا سـجـنـاء فـيـهـا إلى تـشـريـن الأوّل. وقـد كـفـلـهـم مـبـشـران يـسـوعـيـان، كـان أحـدهــمـا إنـكـلـيـزيـاً، فـأطـلـق سـراحـهـم. وقـد اخـتـار الـرّسّـام سـتـوري الإنـضـمـام إلى الـبـعـثـة الـتـبـشـيـريـة، بـيـنـمـا فـضّـل الآخـران الإبـتـعـاد نـحـو وسـط الـهـنـد ووصـلا إلى بـلاط الإمـبـراطـور الـمـغـولي شـاه أكـبـر. وقـد بـقي الـجـواهـري ولـيـام لـيـدس لـيـعـمـل في الـبـلاط بـيـنـمـا اسـتـمـر فـيـتـش وحـده في سـفـرتـه مـخـتـرقـاً الـهـنـد وجـنـوب شـرق آسـيـا. ثـمّ عـاد إلى هـرمـز والـبـصـرة مـن جـديـد وصـعـد عـن طـريـق دجـلـة إلى بـغـداد فـالـمـوصـل ثـمّ إلى الـفـرات في الـبـيـرا. وصـعـد الـنّـهـر، ثـمّ أكـمـل طـريـقـه إلى حـلـب فـطـرابـلـس الـشّـرق لـيـسـتـقـل سـفـيـنـة إلى إنـكـلـتـرة. ووصـل إلى لـنـدن 29 نـيـسـان 1591، بـعـد أن قـضى ثـمـاني سـنـوات في أسـفـاره.

وبـعـد أن عـاد إلى إنـكـلـتـرة في 1591 أصـبـح مـسـتـشـاراً لـشـركـة الـهـنـد الـشّـرقـيـة الـبـريـطـانـيـة. وتـوفي سـنـة 1611. (4)

ويـبـدو أنّ ولـيـام شـكـسـبـيـر يـقـصـد رحـلـتـه عـنـدمـا ذكـر في مـسـرحـيـة “مـاكـبـث” (الـفـصل الأوّل، الـمـشـهـد الـثّـالـث) :

macbeth

 

ولـكي نـدرك أهـمـيـة رحـلـة هـؤلاء الـتّـجّـار الإنـكـلـيـز إلى الـشّـرق ونـتـائـجـهـا فـسـأنـهي مـقـالي بـمـقـطـع مـن مـديـح ريـشـارد هـكـلـويـت لـلـمـلـكـة إلـيـزابـيـث الأولى :

” فـمـن مـن مـلـوك هـذا الـبـلـد قـبـل جـلالـتـهـا شـوهـدت رايـاتـه في بـحـر قـزويـن ؟ … ومـن عـيّـن قـنـاصـل ومـعـتـمـديـن في طـرابـلـس سـوريـا، وفي حـلـب وفي بـابـل Babylon والـبـصـرةBalsara ؟ ومـن، فـوق ذلـك، قـد سـمـع قـبـل حـكـم جـلالـتـهـا بـأنّ رجـالاً إنـكـلـيـز وصـلـوا إلى غـوا ؟ ”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تـرجـم الـدّكـتـور أنـيـس عـبـد الـخـالـق مـحـمـود، رحـلات جـون نـيـوبـري وجـون إيـلـدر ورالـف فـتـش في كـتـابـه “رحـلات بـيـن الـعـراق وبـاديـة الـشّـام خـلال الـقـرن الـسّادس عـشـر” ولـكـنّي أسـتـعـمـل في هـذا الـمـقـال تـرجـمـاتي الـشّـخـصـيـة عـن الـنّـصـوص الإنـكـلـيـزيـة الأصـلـيـة.

(2) John ELDRED, The Voyage of M. J. E. to Tripolis in Syria … and from thence … to Babylon and Balsora, London,1598.

(3) Hakluytus Posthumus or Purchas His Pilgrimes, Contayning a History of the World in Sea Voyages and Lande Travells by Englishmen and others, by Samuel Purchas, B.D. In Twenty Volume, Volume VIII,The University of Glasgow 1905, Chap. III.

Two voyages of Master John Newberie, One, into the Holy Land, The other to Balsara, Ormus, Persia, and backe thorow Turkie, p: 449,

Master John Newberies Voyages and Observations, Travels by Sea and Land. Cities, Townes, and Castles described. Pitchie Fountaine. Babylon and Bagdet. Balsara Customes. Newberies sailing the Persian Gulfe from Balsara to Ormuz.

(4) لـم يـكـتـب فـيـتـش سـرد أسـفـاره مـاعـد الـوصـف الّـذي كـتـبـه لـجـنـوب شـرق آسـيـا، ومـع ذلـك نـجـد فـيـمـا نـشـره لـه هـاكـلـويـت Hakluyt

(Vol. 7, Chapter 9, Section 2 : Journey to India over-land, by Ralph Fitch, Merchant of London, and others in 1583)

رحـلـة يـوهـانـس شِــلـتـبـيـرجـر إلى الـعـراق في بـدايـة الـقـرن الـخـامـس عـشـر

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

شلتبيرجر 2

قـصّـة يـوهـانـس شِــلـتـبـيـرجـر Johannes SCHILDTBERGER واحـدة مـن أعـجـب الـقـصـص، فـقـد ألـقـت بـه الأقـدار، مـن نـهـايـة الـقـرن الـرّابـع عـشـر إلى بـدايـة الـقـرن الـخـامـس عـشـر، مـن أسـر إلى أسـر ومـن بـلـد إلى بـلـد حـتّى وصـل إلى بـغـداد، الّـتي يـسـمـيـهـا “بـابـل الـجـديـدة “.

ونـصّـه الـقـصـيـر عـن بـغـداد والـعـراق واحـد مـن أقـدم مـا كـتـبـه الأوربـيـون عـنّـا.

يـوهـانـس شِــلـتـبـيـرجـر :

نـعـرف أنّ يـوهـانـس ولـد قـرب مـيـونـخ في ألـمـانـيـا سـنـة 1380 أو 1381، وأنّـه بـعـد أن الـتـحـق في سـنّ الـرّابـعـة عـشـرة بـخـدمـة أحـد الـنّـبـلاء، تـبـعـه لـيـحـارب الـعـثـمـانـيـن في جـيـش سـيـغـمـونـد، مـلـك الـمـجـر. وقـد جـرح في مـعـركـة نـيـكـوبـولـيـس في 1396 فـأسـره الـعـثـمـانـيـون. ثـمّ أدخـلـوه في كـتـائـب مـشـاة جـيـش الـسّـلـطـان بـايـزيـد مـن 1396 إلى 1402. ويـبـدو أنّـه تـبـع جـيـش الـسّـلـطـان في آسـيـا الـصـغـرى وفي مـصـر.

وبـعـد هـزيـمـة بـايـزيـد في مـعـركـة أنـقـرة في 1402 أمـام جـيـش تـيـمـورلـنـك (تـيـمـورالأعـرج بـالـفـارسـيـة ) أسـر شِـلـتـبـيـرجـر ودخـل في خـدمـة تـيـمـور، وتـبـعـه إلى سـمـرقـنـد. وكـان تـيـمـور قـد فـتـح بـغـداد في 1393، ثـمّ ثـار عـلـيـه أهـلـهـا، فـعـاد إلـيـهـا في 1401 وخـرّبـهـا.

وبـعـد وفـاه تـيـمـورلـنـك في 1405، أصـبـح شِـلـتـبـيـرجـر عـبـداً لابـنـه شـاه رخ ، ثـمّ لابـنـه الآخـر مـيـران شـاه مـن بـعـده ، ثـمّ لأبي بـكـر بـن مـيـران شـاه.

وقـد قـضى عـدّة سـنـوات ( 1417 إلى 1422) في مـضـارب “عـشـيـرة الـذّهـب” الـمـنـغـولـيـة ، وتـبـع أمـيـراً تـتـريـاً يـنـتـمي إلى عـشـيـرة أبي بـكـر بـن مـيـران شـاه إلى سـبـيـريـا الّـتي لـم تـطـأهـا قـدمـا أوربي قـبـلـه ، وإلى جـنـوب روسـيـا، ووصـل إلى جـبـال الأورال والـقـوقـاز. وفي 1426، إسـتـطـاع الـهـرب مـن الأمـيـر الـتّـتـري ومـن أصـحـابـه. ووصـل إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة الّـتي كـانـت عـاصـمـة الـدّولـة الـبـيـزنـطـيـة، ومـنـهـا عـاد إلى بـلـده وأهـلـه في 1427.

وقـد كـتـب شِـلـتـبـيـرجـر سـرداً لـرحـلـتـه :Reisenbuch ، ذكـر فـيـه مـا حـدث لـه ومـا رآه ، إلى جـانـب فـصـول عـن تـاريـخ الـشّـرق في زمـنـه ووصـف لـلـمـنـاطـق الّـتي عـاش فـيـهـا وعـادات أهـلـهـا وتـقـالـيـدهـم مـن الـدّانـوب إلى الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة و روسـيـا والـهـنـد. وذكـر أنّـه ذهـب مـن مـصـر إلى فـلـسـطـيـن وجـزيـرة الـعـرب وبـغـداد وبـلاد الـفـرس.

شلتبيرجر

وصـف شِـلـتـبـيـرجـر لـبـابـل (الـقـديـمـة ) وبـابـل (الـجـديـدة ) :

لا نـعـرف في أيّـة سـنـة زار شِـلـتـبـيـرجـر بـغـداد الّـتي يـسـمـيـهـا بـابـل الـجـديـدة. ويـمـكـنـنـا أن نـسـتـنـتـج أنّ ذلـك حـدث خـلال مـصـاحـبـتـه لـجـيـش تـيـمـور لـنـك، أي بـيـن 1402 و 1405.

ويـؤكـد شِـلـتـبـيـرجـر، عـنـدمـا يـتـكـلّـم عـن بـغـداد (بـابـل الـجـديـدة ) : ” ذهـبـت إلى مـمـلـكـة بـابـل ” و “وقـد رأيـت [ فـيـهـا ] هـذه الـجـنـيـنـة “، كـمـا لـو كـان يـخـشى أن لا يـصـدّقـه الـقـرّاء وأن يـعـتـقـدوا أنّـه كـتـب مـا قـرأه عـنـهـا أو سـمـعـه مـن جـنـود تـيـمـورلـنـك الّـذيـن تـبـعـوا الـفـاتـح في تـخـريـبـهـا.

شلتبيرجر 4

وقـد اعـتـمـدت في هـذا الـمـقـطـع عـلى الـتّـرجـمـة الإنـكـلـيـزيـة، الـمـقـطـع 34 : Of the tower of Babilony that is of such great height. ص. 46 و47 ( ص. 102و 103 مـن الـطّبـعـة الألـمـانـيـة) . وسـأتـرجـم مـا كـتـب يـوهـانـس شــلـتـبـيـرجـر أوّلاً ، ثـمّ أعـلّـق عـلـيـه في الـمـقـطـع الـتّـالي.

نـصّ يـوهـانـس شِــلـتـبـيـرجـر :

” كـمـا ذهـبـت أيـضـاً إلى مـمـلـكـة بـابـل. وتـدعى بـابـل ويـداتWaydat في لـغـة الـكـفّـار. وبـابـل الـعـظـيـمـة يـحـيـطـهـا سـور يـمـتـدّ خـمـسـة وعـشـريـن فـرسـخـاً leagues ويـعـادل الـفـرسـخ ثـلاثـة أمـيـال إيـطـالـيـة [ أي أربـعـة كـيـلـومـتـرات تـقـريـبـاً ]، وكـان ارتـفـاع الـسّـور مـائـة ذراع وعـرضـه خـمـسـون ذراع ، ويـمـرّ نـهـر الـفـرات في وسـط الـمـديـنـة ، ولـكـنّـهـا الآن خـراب، لـم يـعـد فـيـهـا مـسـاكـن.

وبـرج بـابـل عـلى بـعـد أربـعـة وخـمـسـيـن غـلـوة [ الـغـلـوة تـعـادل 180 مـتـراً ] وأربـعـة غـلـوات تـعـادل مـيـلاً إيـطـالـيـاً.والـبـرج في صـحـراء بـلاد الـعـرب ، في الـطّـريـق الّـتي تـؤدي إلى مـمـمـلـكـة كـلـدة Kalda ،ولا يـمـكـن لأحـد الـذّهـاب إلـيـه بـسـبـب الـتّـنـيـنـات والـثّـعـابـيـن والـزّواحـف الأخـرى الـمـؤذيـة الّـتي تـكـثـر في هـذه الـصّـحـراء. وقـد شـيّـد الـبـرج مـلـك يـدعى في لـغـة الـكـفّـار مـربـرورطـيـرودت Marburtirudt [ …]

ويـنـبـغي عـليّ الآن أن أتـكـلّـم عـن بـابـل الـجـديـدة. ويـفـصـل بـيـن بـابـل الـجـديـدة وبـابـل الـعـظـيـمـة نـهـر يـدعى الـشّـط Schatt . وهـو نـهـرعـريـض فـيـه كـثـيـر مـن الـوحـوش الـمـائـيـة الّـتي تـأتـيـه مـن بـحـر الـهـنـد. وقـرب الـنّـهـر تـنـمـو شـجـرة فـاكـهـة تـدعى الـتّـمـر ولـكـنّ الـكـفّـار يـسـمـونـهـا كـيـنـا Kinna . ولا يـمـكـن لأحـد جـني الـثّـمـار حـتّى تـأتي الـلـقـالـق وتـبـعـد عـنـهـا الـثّـعـابـيـن الّـتي تـعـيـش تـحـتـهـا وفـي داخـلـهـا ، ولـهـذا الـسّـبـب لا يـسـتـطـيـع أحـد جـني هـذه الـثّـمـار الّـتي تـنـضـج مـرتـيـن في الـعـام. ويـجـدر الإشـارة أيـضـاً إلى أن ّ الـنّـاس في مـديـنـة بـابـل يـتـكـلّـمـون لـغـتـيـن : الـعـربـيـة والـفـارسـيـة.

وفي بـابـل أيـضـاً جـنـيـنـة فـيـهـا فـيـهـا كـلّ أنـواع الـحـيـوانـات ، طـولـهـا عـشـرة أمـيـال ويـحـيـطـهـا سـور لـكي لا يـخـرج مـنـهـا حـيـوان. وفي هـذه الـجـنـيـنـة مـكـان مـخـصـص لـلأسـود الّـتي تـسـتـطـيـع الـتّـجـول فـيـه. وقـد رأيـت هـذه الـجـنـيـنـة. والـنّـاس في هـذه الـمـمـلـكـة مـسـالـمـون لايـحـبـون الـحـرب”.

تـعـلـيـق عـلى نـصّ شِـلـتـبـيـرجـر :

لا نـعـرف الـكـثـيـر عـن مـسـتـوى يـوهـانـس شِــلـتـبـيـرجـر الـثّـقـافي ، ولـكـنـه كـان ولا شـكّ قـد تـابـع تـعـلـيـمـاً مـكّـنـه مـن الـقـراءة والـكـتـابـة بـالـلـغـة الـلاتـيـنـيـة الّـتي كـانـت لـغـة ثـقـافـة أوربـا في الـقـرون الـوسـطى، ومـكّـنـه أيـضـاً مـن الـدّخـول في خـدمـة أحـد نـبـلاء بـلـده.

والـنّـصّ الـقـصـيـر الّـذي كـتـبـه عـن الـعـراق شـديـد الأهـمـيـة لأنّـه واحـد مـن أقـدم الـنّـصـوص الأوربـيـة عـن بـابـل وبـغـداد. وفـيـه نـرى بـوضـوح قـلّـة مـعـرفـتـه ومـعـرفـة مـعـاصـريـه بـتـاريـخ الـشّـرق الـمـعـاصـر لـهـم، فـفـيـه خـلـط بـيـن مـعـلـومـات تـاريـخـيـة وبـيـن مـشـاهـدات لـم يـسـتـطـع وضـعـهـا في مـكـانـهـا وإدراك مـغـزاهـا. ولا شـكّ في أنّـه لـم يـتـعـلّـم الـعـربـيـة و لا الـفـارسـيـة خـلال إقـامـتـه الإجـبـاريـة الـطّـويـلـة في الـشّـرق. وكـان في صـحـبـة جـنـود لا يـتـكـلّـمـون واحـدة مـن هـاتـيـن الـلـغـتـيـن. ولـم يـحـصـل عـلى شـئ مـن الـمـعـلـومـات عـن بـغـداد لا مـن أهـلـهـا و لا مـن أصـحـابـه الـجـنـود.

والـمـقـايـيـس الّـتي يـذكـرهـا شِـلـتـبـيـرجـر عـنـد كـلامـه عـن بـابـل الـعـظـيـمـة ، أي بـابـل الـقـديـمـة أخـذهـا مـن كـتـاب الـمـؤرخ الـيـونـاني هـيـرودوت (أنـظـر مـقـالي : بـلاد مـابـيـن الـنّـهـريـن في تـاريـخ هـيـرودوت).

وبـرج بـابـل الّـذي يـتـكـلّـم عـنـه حـسـب بـعـده الّـذي ذكـره عـن الـمـديـنـة هـو بـيـرس نـمـرود، والّـذي كـان الـنّـاس يـسـمـونـه مـربـوط نـمـرود أي سـجـن نـمـرود، ومـنـهـا جـاء تـشـويـه شـلـتـبـيـرجـر لـهـذا الإسـم : مـربـرورطـيـرودت Marburtirudt. وهـو الـبـرج الّـذي ذكـره الـحـاخـام الإسـبـاني بـنـيـامـيـن الـتّـدلّي عـنـدمـا تـكـلّـم عـن بـرج بـابـل في نـصّ رحـلـتـه الّـتي مـرّ فـيـهـا بـالـعـراق في 1171م . ولا نـعـرف الـمـصـدر الّـذي أخـذ مـنـه هـذه الـمـعـلـومـات لأنّ كـتـاب بـنـيـامـيـن الـتّـدلّي لم يـكـن قـد نـشـر بـعـد في زمـن شـلـتـبـيـرجـر.

والـشـط ّSchatt الّـذي ذكـره هـو دجـلـة، ولـكـنّـه كـان يـعـتـقـد أنّـه الـفـرات كـمـا قـرأه عـنـد هـيـرودوت فـهـو قـد ألـصـق مـعـلـومـة تـاريـخـيـة عـلى مـشـاهـدة واقـعـيـة لـم يـفـهـمـهـا ، ولـهـذا كـان يـتـصـوّر أنّ بـابـل الـقـديـمـة كـانـت في الـجـانـب الـمـقـابـل مـن الـنّـهـر .

وكـان يـوهـانـس شِـلـتـبـيـرجـر مـتـديّـنـاً كـكـلّ أهـل زمـانـه. وكـان يـعـتـقـد إذن أنّ ديـنـه هـو الـدّيـن الـحـق، وأنّ كـلّ مـن لـم يـكـن مـسـيـحـيـاً فـهـو كـافـر. ولـهـذا وصـف الـمـسـلـمـيـن بـ “الـكـفّـار”.

أمّـا كـيـف تـحـوّل اسـم “بـغـداد” إلى ويـدات Waydat فـهـو يـعـود ولا شـكّ إلى اخـتـلاف الـلـفـظ بـيـن لـغـة وأخـرى.

أمّـا عـن تـسـمـيـة الـتّـمـر بـكـيـنـا Kinna ، فـنـحـن نـجـد في طـبـعـة Penzel لـكـتـاب شـلـتـبـيـرجـر (1813) كـلـمـة كـورنـيـا Kurnia بـدلاً مـن Kinna الّـتي ربّـمـا جـاءت مـن خـورمـا وهـو شـجـر يـشـبـه الـنّـخـيـل وإن كـان مـن فـصـيـلـة مـخـتـلـفـة يـنـمـو في بـلاد فـارس ومـا بـعـد الـقـوقـاز، وربّـمـا هـو الّـذي دعـاه ابـن بـطـوطـة بـالـخـلان.

ولا عـجـب في أن يـجـد شِـلـتـبـيـرجـر أهـل بـغـداد مـسـالـمـيـن لا يـحـبّـون الـحـرب فـقـد كـان غـنـاهـا يـأتـيـهـا مـن أصـحـاب الـصّـنـائـع والـتّـجـار، وربّـمـا لأنّـه زارهـا بـعـد أن أعـاد أحـمـد بـن أويـس الـجـلائـري تـشـيـيـد الـمـديـنـة الّـتي كـان قـد خـرّبـهـا تـيـمـورلـنـك. وكـان قـد سـكـنـهـا كـثـيـرمـن الـفـرس إلى جـانـب الـعـرب .

أمّـا الـجـنـيـنـة الّـتي تـمـلأهـا الـحـيـوانـات فـهي مـن تـقـالـيـد بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن. ونـعـرف مـن الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة أنّ الـمـلـك الآشـوري آشـوربـانـيـبـال مـثـلاً كـان لـه في قـصـره جـنـيـنـة تـحـتـوي عـلى أنـواع مـن الـحـيـوانـات مـن بـيـنـهـا الأسـود الّـتي تـظـهـره مـنـحـوتـات قـصـره وهـو يـصـارعـهـا.

ويـذكـر زوسـيـمـوس Zosimus في تـاريـخ رومـا Hist. Rom., iii, 23  أنّ جـنـود الإمـبـراطـور الـرّومـاني جـولـيـانـوس وجـدوا فـي بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن جـنـيـنـة مـلـكـيـة جـمـعـت فـيـهـا حـيـوانـات مـتـنـوعـة.

وقـد أخـذ عـنـهـم الـفـرس هـذه الـتّـقـالـيـد فـقـد وجـد جـنـود الـيـونـان الّـذيـن شـاركـوا في حـمـلـة الإمـبـراطـور هـرقـل في 627 م. ضـدّ الـفـرس جـنـيـنـة مـثـلـهـا قـرب قـصـر كـسـرى كـان فـيـهـا أنـواع مـخـتـلـفـة مـن الـحـيـوانـات ذكـروا مـنـهـا الـنّـعـام والـدّبـبـة والـطّـواويـس والأسـود والـنّـمـور …

كـمـا كـان لـلـخـلـفـاء الـعـبـاسـيـيـن مـثـل هـذه الـجـنـائـن. ويـتـكـلّـم بـنـيامـيـن الـتّـوديـلي Benjamin de Tudèle الّـذي زار بـغـداد في 1171 م. في زمـن الـخـلـيـفـة الـمـسـتـضئ بالله عـن جـنـيـنـة حـيـوانـاتـه.

مـا زالـت أربـع مـكـتـبـات تـحـتـفـظ بـأربـع مـخـطـوطـات لـكـتـاب شِـلـتـبـيـرجـر الّـذي طـبـع لأوّل مـرّة في أوغـسـبـورغ في ألـمـانـيـا في حـوالي 1460 م. ثـمّ أعـيـد طـبـعـه عـشـرات الـمـرّات مـن الـقـرن الـخـامـس عـشـر إلى الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر.

و الـطـبـعـة الّـتي يـعـتـمـد عـلـيـهـا الـبـاحـثـون حـقـقـهـا كـارل ف. نـومـان K. F. Neumann

ونـشـرهـا في 1859: Reisen des Johannes Schiltberger aus München in Europa, Asia und Afrika von 1394 bis 1427, München 1859.

شلتبيرجر 3

وعـنـهـا تـرجـم بـوشـان تـيـفـلـر commander J. Buchan Tefler الـكـتـاب إلى الإنـكـلـيـزيـة ونـشـره في لـنـدن في 1879 : The Bondage and Travels of Johann Schiltberger, a native of Bavaria in Euorpe, Asia and Africa 1396-1427

وقـد اعـتـمـدت عـلى طـبـعـة تـيـفـلـر في تـرجـمـتي لـلـمـقـطـع الّـذي تـكـلّـم فـيـه شـلـتـبـيـرجـر عـن بـغـداد. كـمـا اسـتـفـدّت في الـتّـعـلـيـق عـلـيـه مـن بـعـض الـمـلاحـظـات الـقـيّـمـة الّـتي وضـعـهـا  Professor P. Bruun في نـهـايـة الـكـتـاب.

قـفـف دجـلـة وأكـلاكـهـا

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

مـا أشـد مـا كـانـت دهـشـتي عـنـدمـا زرت الـمـتـحـف الألـمـاني Deutsches Museum في مـديـنـة مـيـونـخ München في جـنـوب غـرب ألـمـانـيـا والـمـخـصـص لـلـعـلـوم والـتّـقـنـيـات، فـقـد رأيـت عـدداً مـن الـزّوّار تـحـلّـقـوا حـول قـفّـة مـثـل تـلـك الـقـفـف الّـتي رأيـتـهـا عـلى دجـلـة في صـغـري !

deutmu02

ودرت حـولـهـا مـع الـدّائـريـن وأنـا أتـسـاءل كـيـف وصـلـت إلى الـمـتـحـف ومـن أتى إلـيـه بـهـا !

صور 1453

ولـم تـكـن تـلـك الـمـفـاجـأة الـوحـيـدة فـقـد وجـدت في نـهـايـة الـقـاعـة الـواسـعـة كـلـكـاً مـن أكـلاك دجـلـة مـعـلّـقـاً عـلى الـجـدار بـأخـشـابـه ومـجـاذيـفـه وقِـربـه  الـمـنـفـوخـة !

صور 1457

(أدرت إحـدى الـصّـور لأُري مـن لا يـعـرفـه كـيـف يـطـفـو الـكـلـك عـلى الـمـاء) :

صور 1458

وقـد اغـتـنـمـت فـرصـة رؤيـة الـقـفّـة والـكـلـك في الـغـربـة لأذكـر لـكـم بـعـض مـا رأيـتـه عـنـهـا أيـضـاً في الـمـتـاحـف وفي الـصّـور الـقـديـمـة وبـعـض مـا قـرأتـه عـنـهـا في الـكـتـب وخـاصـة عـنـد الأجـانـب الّـذيـن رأوهـا وركـبـوهـا.

قـفّـة قـصـر سـنـحـاريـب :

لـو شـددنـا رحـالـنـا إلى لـنـدن ودخـلـنـا الـمـتـحـف الـبـريـطـاني The British Museum لـفـتـحـنـا أفـواهـنـا دهـشـة أمـام مـنـحـوتـة جـداريـة عـثـر عـلـيـهـا في قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـنـحـاريـب (حـكـم مـن 705 إلى 681 قـبـل الـمـيـلاد) تـمـثّـل قـفّـة واسـعـة الإسـتـدارة عـالـيـة الـحـواف يـسـيّـرهـا رجـلان جـلـسـا في طـرفـيـن مـنـهـا بـمـجـاذيـف تـبـدو مـثـل سـنّـارات ضـخـمـة في نـهـر (فـقـد أظـهـر الـنّـحـات ضـفـتـيـه). وفي جـانـبي الـقـفّـة رجـلان يـصـيـدان الـسّـمـك إمـتـطى كـلّ واحـد مـنـهـمـا قـربـة مـنـفـوخـة.

guffa

وقـد وجـدت رسـمـاً حـفـر عـلى الـخـشـب وطـبـع عـن هـذه الـمـنـحـوتـة ، ونـشـرتـه جـان ديـولافـوا في كـتـاب سـردت فـيـه رحـلـتـهـا إلى الـعـراق في عـام 1887:

Dieulafoy 17

كـمـا أنّ لـديـنـا صـورة لـتـخـطـيـط رسـمـه عـالـم الآثـار الـبـريـطـاني هـنـري لَـيـارد لـمـنـحـوتـة وجـدهـا في قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـنـحـاريـب أيـضـاً تـمـثّـل كـلـكـاً يـطـفـو عـلى قِـرب مـنـفـوخـة (نـرى مـنـهـا سـبـعـة مـن جـانـبـنـا) يـسـيّـرهـا رجـلان، الـواحـد مـنـهـمـا بـجـانـب الآخـر بـمـجـاذيـف تـبـدو مـثـل سـنّـارات ضـخـمـة في نـهـر (فـقـد أظـهـر الـنّـحـات ضـفـتـيـه), وخـلـفـهـا رجـل يـسـبـح عـلى قـربـة مـنـفـوخـة ويـضـع يـده عـلى مـؤخـرة الـكـلـك.

كلك 2

أقـدم وصـف لـلـقـفـة والـكـلـك :

ولـنـدخـل الآن في مـكـتـبـة ونـفـتـح “تـاريـخ” الـمـؤرخ الـيـونـاني هـيـرودوت الّـذي زار بـابـل في الـقـرن الـخـامـس قـبـل الـمـيـلاد، بـعـد حـوالي خـمـسـيـن سـنـة مـن سـقـوطـهـا، فـسـنـجـده يـتـكـلّـم عـن الـقـفـف في الـمـقـطـع 194 مـن الـكـتـاب الأوّل مـن مـؤلَـفـه الـشّـهـيـر، وقـفـفـه كـانـت تـنـزل نـهـر الـفـرات إلى بـابـل :

” وسـأذكـر الآن مـا بـدا لـعـيـنيّ أعـجـب مـا في هـذا الـبـلـد بـعـد مـديـنـة بـابـل نـفـسـهـا، فـلـديـهـم مـراكـب يـنـزلـون بـهـا الـنّـهـر حـتّى مـديـنـة بـابـل. وهي مـسـتـديـرة صـنـعـت بـكـامـلـهـا مـن الـجـلـود. وتـصـنـع في أرمـيـنـيـا، شـمـال بـلاد آشـور. هـيـكـلـهـا مـن أغـصـان صـفـصـاف تـغـطى مـن الـخـارج بـجـلـود كـمـا تـغـطى الـقـوارب بـألـواح الـخـشـب. ولـيـس فـيـهـا جـؤجـؤ مـدبـب ولا كـوثـل بـل هي دائـريـة الـشّـكـل كـالـدّروع.

ويـضـعـون في قـعـرهـا تـبـنـاً، ثـمّ يـركـبـونـهـا ويـحـمّـلـونـهـا بـالـبـضـائـع وخـاصـة الـنّـبـيـذ في بـرامـيـل تـصـنـع مـن جـذوع الـنـخـيـل. ولـكي تـسـيـر مـسـتـقـيـمـة إلى الأمـام يـنـبـغي أن يـقـودهـا رجـلان واقـفـان عـلـيـهـا، يـجـذب أحـدهـمـا مـجـذافـه نـحـوه ويـبـعـد الآخـر مـجـذافـه عـنـه. وتـصـنـع هـذه الـمـراكـب بـأحـجـام مـخـتـلـفـة يـمـكـن لأكـبـرهـا أن تـحـمـل خـمـسـة آلاف تـالان [13 طـنّـاً]. ويـوضـع في كـلّ مـركـب مـنـهـا حـمـار حيّ. ويـوضـع عـدد مـن الـحـمـيـر في أكـبـرهـا. وعـنـدمـا يـصـلـون إلى بـابـل ويـنـزلـون بـضـائـعـهـم، يـبـيـع أصـحـابـهـا خـشـب هـيـكـلـهـا وتـبـنـهـا بـالـمـزاد، ويـحـمّـلـون جـلـودهـا عـلى ظهـور الـحـمـيـر ثـمّ يـصـعـدون عـائـديـن إلى أرمـيـنـيـا. والـحـقـيـقـة أنّـه مـن الـمـسـتـحـيـل عـلى مـركـب أن يـصـعـد الـنّـهـر لـشّـدّة نـزول تـيـاراتـه الـسّـريـعـة. ولـهـذا يـصـنـعـون مـراكـبـهـم مـن الـجـلـود بـدلاً مـن الأخـشـاب. وعـنـدمـا يـصـلـون مـع حـمـيـرهـم إلى أرمـيـنـيـا، يـصـنـعـون مـراكـب أخـرى مـثـلـهـا. وهـكـذا هي مـراكـبـهـم عـلى الـمـاء”.

وفي وصـف هـيـرودوت لـقـفّـة زمـانـه عـدّة مـعـلـومـات غـريـبـة لا يـمـكـنـنـا الـتّـأكـد مـنـهـا فـلـيـس لـنـا مـن تـلـك الـفـتـرة إلّا نـصّـه ومـا وجـد في قـصـر سـنـحـاريـب الّـتي سـبـقـتـه بـحـوالي ثـلاثـة قـرون. فـقـد كـانـت الـقـفـف في وصـفـه تـغـطى بـالـجـلـود بـدلاً مـن أن تـطـلى بـالـقـار مـثـل قـفـف دجـلـة الّـتي رأيـتـهـا في بـغـداد.

gofa07

ويـبـدو أنّ مـنـحـوتـة قـصـر سـنـحـاريـب الأولى، إذا تـمـعـنّـا الـنّـظـر فـيـهـا تـصـوّر قـفّـة تـغـطـيـهـا الـجـلـود خـيّـطـت فـيـمـا بـيـنـهـا. كـمـا أنـنـا نـفـهـم أنّ الـتّـجـار كـانـوا يـنـزلـون مـن أرمـيـنـيـا إلى بـابـل عـن طـريـق نـهـر الـفـرات وأنّـهـم لا يـسـتـطـيـعـون صـعـوده “لـشّـدّة نـزول تـيـاراتـه الـسّـريـعـة”.

ونـجـد نـفـس هـذه الـمـعـلـومـات في نـصّ كـتـبـه الـتّـاجـر الإنـكـلـيـزي رالـف فـيـتـش Ralph FITCH في عـام 1583عـن الـمـركـب الّـذي نـزل عـلـيـه نـهـر الـفـرات إلى الـفـلـوجـة :

“ولا يـمـكـن اسـتـعـمـال هـذه الـمـراكـب إلّا مـرّة واحـدة، فـالـتّـيّـار شـديـد ولايـمـكـنـهـم صـعـوده. وهـم يـصـطـحـبـون الـمـسـافـريـن إلى مـديـنـة اسـمـهـا الـفـلـوجـة Feluchia الّـتي يـبـيـعـون فـيـهـا الـمـركـب بـسـعـر بـخـس”.

وقـد كـتـب رالـف فـيـتـش بـعـد أن وصـل إلى بـغـداد عـن الأكـلاك الّـتي لـم يـذكـرهـا هـيـرودوت : “وتـأتـيـهـا كـثـيـر مـن الـسّـلـع مـن أرمـيـنـيـا عـن طـريـق نـهـر دجـلـة عـلى أكـلاك مـن جـلـود مـاعـز مـنـفـوخـة تـثـبـت عـلـيـهـا ألـواح مـن الـخـشـب، وتـحـمّـل عـلـيـهـا الـبـضـائـع. وعـنـدمـا تـصـل وتـنـزل مـنـهـا الـبـضـائـع تـفـرغ الـقـرب الـمـنـفـوخـة مـن الـهـواء، وتـحـمّـل عـلى ظـهـورالـجـمـال إلى أرمـيـنـيـا لـتـسـتـعـمـل مـن جـديـد”.

kalak 2

وصـف تـافـرنـيـيـه لـلـكـلـك في الـقـرن الـسّـابـع عـشـر :

ولـنـفـتـح الآن كـتـابـاً آخـر سـرد فـيـه الـتّـاجـر الـفـرنـسي جـان بـاتـسـت تـافـرنـيـيـه رحـلاتـه الـسّـتّ إلى الـشّـرق والّـتي زار الـعـراق خـلالـهـا عـدّة مـرّات. فـقـد انـطـلـق مـن حـلـب مـع قـافـلـة نـحـو الـمـوصـل الّـتي وصـلـهـا في الـثّـاني مـن شـبـاط 1652. ومـنـهـا انـحـدر عـلى مـيـاه دجـلـة في كـلـك نـحـو بـغـداد الّـتي وصـلـهـا في 25 شـبـاط.

ويـتـكـلّـم تـافـرنـيـيـه عـن هـذه الـرّحـلـة في الـفـصـلـيـن الـسّـابـع والـثّـامـن مـن الـكـتـاب الـثـاني، إبـتـداءً مـن صـفـحـة 202:

“وصـلـنـا إلى الـمـوصـل أو نـيـنـوى في الـثّـاني مـن شـبـاط، وبـقـيـنـا فـيـهـا إلى الـخـامـس عـشـر مـن نـفـس الـشّـهـر، فـلـقـد كـان عـلـيـنـا أن نـنـتـظـر إعـداد الأكـلاك kilets وهي مـراكـب الـبـلـد. وكـنّـا نـحـتـاج إلى أربـعـة مـنـهـا فـقـد كـان في الـقـافـلـة كـثـيـر مـن الـمـسـافـريـن. ولـم يـكـن لأهـل الـبـلـد أكـلاك جـاهـزة فـهـم لا يـشـرعـون في صـنـعـهـا إلّا إذا جـاءهـم رجـال مـعـهـم بـضـائـع يـريـدون تـحـمـيـلـهـا. وعـليّ هـنـا أن أصـف هـذه الأكـلاك : فـهي مـن أخـشـاب مـربـعـة، يـضـعـون طـبـقـتـيـن مـنـهـا حـتّى لا تـبـتـل الـرّجـال والـبـضـائـع، الـواحـدة مـنـهـا فـوق الأخـرى. ولـكـن لـيـتـركـوا مـكـانـاً لـلـمـجـذفـيـن الّـذيـن يـجـلـسـون في كـلّ زاويـة مـن زوايـا الـكـلـك الأربـع فـالـطّـبـقـة الـعـلـيـا أصـغـر بـحـوالي قـدمـيـن مـن الـطّـبـقـة الـسّـفـلى وهي تـعـلـوهـا كـمـنـصّـة. وتـربـط تـحـتـهـا أعـداد مـن الـقـرب الـمـنـفـوخـة حـسـب سـعـة الـكـلـك وحـسـب كـمـيـة الـبـضـائـع الـمـحـمّـلـة عـلـيـه. وتـصـل في بـعـض الأكـلاك إلى 300 قـربـة. وكـان الـكـلـك الّـذي سـافـرت عـلـيـه يـطـفـو فـوق 150 قـربـة. والـقـرب مـن جـلـد الـمـاعـز الّـتي يـعـاد نـفـخـهـا كـلّ صـبـاح وكـلّ مـسـاء. وهـم يـراقـبـونـهـا بـاسـتـمـرار خـشـيـة أن تـثـقـبـهـا الـصـخـور أو الأغـصـان في مـجـرى الـنّـهـر. وكـان كـلـكـنـا يـحـمـل ثـلاثـيـن مـسـافـراً وسـتـيـن قـنـطـاراً مـن الـبـضـائـع حـسـب الـمـيـزان الـحـلـبي أي مـا يـعـادل ثـلاثـة وثـلاثـيـن ألـف رطـل بـاريـسي”.

kalak

نـقـل الـثّـيـران الـمـجـنـحـة عـلى الأكـلاك :

وبـعـد أن أنـهى بـول أمـيـل بـوتـا Paul- Emile BOTTA تـنـقـيـبـاتـه في قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني “دور شـروكـيـن” في خـورسـبـاد، قـرب الـمـوصـل في 1844، إخـتـار أجـمـل الـقـطـع مـن بـيـن مـاكـان قـد عـثـر عـلـيـه، ثـمّ حـمّـلـهـا عـلى أكـلاك نـزلـت بـهـا عـلى نـهـر دجـلـة إلى الـبـصـرة. ومـن الـبـصـرة حـمـلـتـهـا سـفـن إلى مـيـنـاء الـهـافـر في شـمـال فـرنـسـا، ثـمّ وصـلـت عـن طـريـق نـهـر الـسّـيـن إلى بـاريـس. وفي 1 أيّـار 1847، إفـتـتـح مـلـك فـرنـسـا، لـويـس فـيـلـيـب “الـمـتـحـف الآشـوري” الّـذي خـصـصـت لـه قـاعـتـان في داخـل مـتـحـف الـلـوفـر.

1468573_181151722082192_920283700_n

وفي 1845، بـدأ الـبـريـطـاني أوسـتـن هـنـري لَـيـارد Austen Henry LAYARD تـنـقـيـبـاتـه في تـلّ الـنـمـرود (مـوقـع كـلـح). وبـعـد نـجـاحـه في الـحـصـول عـلى قـطـع أثـريـة مـهـمّـة، طـلـب مـنـه الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن أن يـنـقـبّ في قـويـنـجـق وفي قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة). وقـد أزاح لَـيـارد الـتّـراب عـن سـتّـة ثـمـاثـيـل ضـخـمـة لأسـود وثـيـران، أراد أن يـبـعـث مـنـهـا بـزوجـيـن إلى لـنـدن : أســد وثـور يـقـارب وزنـهـا عـشـرة أطـنـان. وقـد صـنـعـت لـه آلات بـبـكـرات أدارهـا عـشـرات مـن عـمّـالـه لـتـرفـع وتـحـمّـل عـلى عـربـة بـعـجـلات جـرّهـا 300 رجـل. ثـمّ حـمّـلـت عـلى كـلـك واسـع ربـطـت تـحـتـه 600 قِـربـة مـنـفـوخـة مـن جـلـود الـمـاعـز، ثـمّ حـمّـلـت عـنـد وصـولـهـا إلى الـبـصـرة عـلى سـفـيـنـة نـقـلـتـهـا إلى الـهـنـد ثـمّ حـول أفـريـقـيـا إلى لـنـدن. وعـنـدمـا وصـلـت أمـام الـمـتـحـف الـبـريـطـاني ثـبّـتـت ألـواح مـن الـخـشـب عـلى سـطـح الـسّـلّـم الـضّـخـم الّـذي يـؤدي إلى الـمـدخـل سـحـبـت عـلـيـهـا الـصّـنـاديـق الّـتي تـحـتـوي عـلى الـتّـمـاثـيـل، ثـمّ ركّـبـت تـحـتـهـا عـجـلات صـغـيـرة ودفـعـت حـتّى الأمـاكـن الّـتي وضـعـت فـيـهـا.

ولـديـنـا رسـم بـالألـوان الـمـائـيـة نـفـذّه فـردريـك شـارلـز كـوبـر Frederick Charles Cooper الّـذي كـان قـد صـاحـب حـمـلـة لّـيـارد يـظّـهـر فـيـه نـقـل ثـور مـجـنـح عـلى كـلـك.

كلك 4

وفي 1852، بـدأ فـكـتـور بـلاس Victor PLACE الّـذي كـان قـد عـيّـن قـنـصـلاً لـفـرنـسـا في الـمـوصـل تـنـقـيـبـاتـه في قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني “دورشـروكـيـن” في خـورســبـاد، قـرب الـمـوصـل، والّـتي اسـتـمـرّت حـتّى عـام 1853. وفي 1855، حـمّـلـت أعـداد كـبـيـرة مـن الـقـطـع الأثـريـة الّـتي كـان فـكـتـور بـلاس قـد وجـدهـا في خـورســبـاد عـلى أكـلاك انـحـدرت عـلى مـيـاه دجـلـة إلى الـبـصـرة لـتـرسـل إلى بـاريـس، ولـكـنّ جـزءاً مـنـهـا غـرق في شــط الـعـرب.

ونـنـهي هـذه الـلـمـحـات الـسّـريـعـة عـن الـقـفـف والأكـلاك بـصـورتـيـن عـن سـبـاق قـفـف Guffa racesجـرى عـلى نـهـر دجـلـة في بـغـداد  شـارك فـيـه عـراقـيـون وأجـانـب

Eldorado- Photo 13

ومـن بـيـنـهـم هـذا الإنـكـلـيـزي وزوجـتـه وكـلـبـهـمـا !

كلك 6

وقـد وجـدت في كـتـاب صـدر عـام 1995 وعـنـوانـه :A History of the British Cavalry, 1816-1919: Mesopotamia, 1914-1918 أي تـاريـخ الـخـيـالـة الـبـريـطـانـيـة بـيـن 1816 و 1919 : الـعـراق 1914ـ1918، ألّـفـتـه مـجـمـوعـة مـن الـمـؤرخـيـن الـبـريـطـانـيـيـن أنّ الـضّـبـاط الإنـكـلـيـز نـظّـمـوا عـلى دجـلـة سـبـاقـات الـقـفـف هـذه بـعـد أن احـتـلّـوا بـغـداد في 1917. ولا شـكّ في أنّـهـا أقـيـمـت خـلال حـكـم الإنـكـلـيـز الـعـسـكـري وحـتّى بـدايـة قـيـام الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة في عـام 1921.