صـور عـن الـعـراق (3) :

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

بـطـاقـات بـريـديـة طـبـعـهـا إسـكـنـدر ج. زفـوبـودا :

Alex. J. Svoboda 6

في مـحـاولـتي لـتـصـنـيـف بـعـض الـبـطـاقـات الـبـريـديـة الـقـديـمـة عـن الـعـراق وتـبـويـبـهـا وجـدت أعـداداً مـنـهـا تـحـمـل تـعـلـيـقـات وخـاصـة بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة تـذكـر اسـم الـمـصـور أو الأسـتـوديـو أو الـشّـركـة الّـتي تـكـلـفـت بـطـبـعـهـا، كـمـا تـشـيـر إلى الـمـشـاهـد أو الـمـنـاظـر الـطـبـيـعـيـة والـعـمـرانـيـة الّـتي تـصـوّرهـا.

وقـد بـدأت في الـقـسـم الأوّل مـن هـذا الـمـقـال بـالـكـلام عـن الـبـطـاقـات الـبـريـديـة الّـتي طـبـعـتـهـا شـركـة عـبـدُ الـعـلي إخـوان(1) Abdulaly Brothers.  وتـكـلّـمـت في الـقـسـم الـثّـاني عـن بـعـض مـا وجـدتـه عـن اسـتـوديـو إلـدورادو لـلـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي(2) Eldorado Photo Studio ، وأكـمـل في هـذا الـقـسـم الـثّـالـث الـكـلام عـن الـبـطـاقـات الـبـريـديـة الّـتي طـبـعـهـا إسـكـنـدر ج. زفـوبـودا Alexander J. Svodoba .

ولأنّي لـم أجـد دراسـات يـسـهـل إيـجـادهـا ويـمـكـن الإعـتـمـاد عـلـيـهـا فـقـد حـاولـت جـهـدي أن أصـل إلى بـعـض الإسـتـنـتـاجـات الّـتي سـأخـطـأ ولا شـكّ في بـعـضـهـا. وأودّ لـو تـوصـلـت بـمـحـاولـتي هـذه إلى دفـع بـعـض قـرائي إلى الـمـشـاركـة فـيـهـا وتـزويـدي بـمـعـارفـهـم ومـلاحـظـاتـهـم.

وسـأكـتـفي في مـحـاولـتي هـذه بـالـجـانـب الـتّـاريـخي، ولـن أتـطـرّق لـلـجـانـب الـفـنّي لـهـذه الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة الّـتي طـبـعـت كـبـطـاقـات.

إسـكـنـدر ج. زفـوبـودا Alexander J. Svodoba  :

نـجـد عـلى الـشّـبـكـة الـعـنـكـبـوتـيـة صـوراً لـبـطـاقـات بـريـديـة طـبـعـهـا إسـكـنـدر ج. زفـوبـودا عـن الـعـراق.

ونـحـن نـعـرف عـائـلـة زفـوبـودا الـبـغـداديـة الّـتي بـدأت بـوصـول الـتّـاجـر الـمـجـري أنـطـون زفـوبـودا Antone Svodoba إلى بـغـداد في بـدايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر، وإقـامـتـه فـيـهـا مـتـاجـراً بـالـكـريـسـتـال الـمـسـتـورد مـن بـوهـيـمـيـا وبـبـضـائـع أخـرى مـن أوربـا. وقـد تـزوّج أنـطـون في 1825 بـبـغـداديـة مـسـيـحـيـة مـن عـائـلـة أرمـنـيـة، وأنـجـب مـنـهـا أحـد عـشـر ولـداً وبـنـتـاً.

وقـد ولـد ابـنـه الـبـكـر: إسـكـنـدر سـانـدور Alexander Sandor في بـغـداد في الـسّـنـة الـتّـالـيـة : 1826. ودرس إسـكـنـدر سـانـدور مـع أخـوتـه وأخـواتـه الأصـغـر مـنـه سـنّـاً في مـدرسـة الآبـاء والأخـوات الـكـرمـل الـفـرنـسـيـيـن في بـغـداد. وسـافـر في مـطـلـع شـبـابـه إلى إيـطـالـيـا ودرس الـفـنّ في مـديـنـة الـبـنـدقـيـة Venicia . ثـمّ سـافـر إلى إنـكـلـتـرة ودرس الـفـنّ في لـنـدن. وقـد عـاد بـعـد ذلـك إلى بـغـداد ورسـم أعـداداً كـبـيـرة مـن الـلـوحـات.

1

ولا نـعـرف في أي عـام بـالـضـبـط سـافـر إلى الـهـنـد مـصـطـحـبـاً مـعـه أحـد أخـوتـه : جـوزيـف مـاتـيـا Joseph Mathia الّـذي ولـد سـنـة 1840. وأقـام إسـكـنـدر سـانـدور مع أخـيـه جـوزيـف مـاتـيـا في مـديـنـة بـومـبـاي (الّـتي أصـبـح اسـمـهـا الآن مـومـبـاي) ومـارس فـيـهـا الـرّسـم. ويـبـدو أنّـه تـخـصـص في رسـم الأشـخـاص (بـورتـريـهـات)، فـنـحـن نـجـد عـدداً مـن لـوحـاتـه في مـتـاحـف أوربـيـة. (أنـظـر مـقـالي : فـنّـان بـغـدادي لا يـتـذكّـره أحـد http://almilwana.blogspot.fr/2015/04/3-1.html ).

وفي عـام 1857، عـاد إسـكـنـدر سـانـدور إلى بـغـداد مـع أخـيـه جـوزيـف مـاتـيـا، ورسـم عـدداً مـن الـلـوحـات، كـمـا الـتـقـط عـدداً مـن الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة. وهـو يـعـتـبـر مـن أوائـل الـمـصـوريـن الـفـوتـوغـرافـيـيـن في الـعـراق. ولـديـنـا صـورة الـتـقـطـهـا لإيـوان كـسـرى (طـاق كـسـرى) تـظـهـره كـامـلاً أي قـبـل انـهـيـار جـنـاحـه الـشّـمـالي في عـام 1887 أو 1888.

12

وقـد اعـتـمـد عـلى هـذه الـصّـورة الـفـوتـوغـرافـيـة لـرسـم لـوحـة زيـتـيـة لـلـطّـاق.

11

وقـد غـادر إسـكـنـدر سـانـدور بـغـداد في الـسّـنـة الـتّـالـيـة : 1858 مـتـوجـهـاً إلى تـركـيـا، ولـم يـعـد إلـيـهـا بـعـد ذلـك.

ويـحـتـفـظ مـتـحـف أورسـيـه Musée d’Orsay   في بـاريـس بـصـورة فـوتـوغـرافـيـة عـنـوانـهـا :Deux hommes à dos de chameaux avec deux guides رجـلان عـلى بـعـيـريـن بـصـحـبـة دلـيـلـيـهـمـا. وإذا صـحّ أنّ إسـكـنـدر سـانـدور زفـوبـودا الـتـقـطـهـا في عـام 1859 كـمـا يـذكـر دلـيـل الـمـتـحـف، فـهـذا يـعـني أنّـهـا لا تـمـثـل عـراقـيَـيـن، وأنّـهـا الـتـقـطـت في تـركـيـا.

svoboda

ثـمّ تـرك إسـكـنـدر سـانـدور تـركـيـا إلى أوربـا الّـتي أقـام فـيـهـا حـتّى وفـاتـه سـنـة 1896.

مـشـكـلـة إسـكـنـدر ج. زفـوبـودا Alexander J. Svodoba :

وجـدت عـلى الـشّـبـكـة الـعـنـكـبـوتـيـة عـدّة بـطـاقـات بـريـديـة (كـمـا وجـدت مـعـلـومـات عـن بـطـاقـات أخـرى لـم أسـتـطـع الـحـصـول عـلى صـورهـا) كـتـب في أسـفـلـهـا بـالـحـروف الـمـطـبـعـيـة: Alex. J. Svodoba, Bagdad . وقـد أضـيـفـت عـلى كـلّ بـطـاقـة مـعـلـومـات بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة.

وتـصـور واحـدة مـن هـذه الـبـطـاقـات حي بـاب الـمـعـظـم Le quartier de Babel Mouadam ، وهي الّـتي وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال،

وثـانـيـة مـنـهـا وصـول الـسّـفـن الـنّـهـريـة إلى بـغـداد

L’arrivée des bateaux fluvials (sic) à Bagdad  :

svn_Svoboda_Postcard_3

وثـالـثـة مـركـب عـلى دجـلـة : الـقـفّـة Embarcation sur le Tigre : le Gouffa :

Alx. J. Svoboda 2

ورابـعـة مـوقـف (أي مـرسى) لـلـقـفـف Une station de gouffas   :

svoboda 2

وخـامـسـة خـرائـب عـقـرقـوف، قـرب بـغـداد Les ruines de « Agargoof », près Bagdad . وقـد كـتـب مـالـكـهـا أحـمـد حـمـدي بـك تـعـلـيـقـاً بـالـعـثـمـانـيـة (الّـتي كـانـت تـسـتـعـمـل الأبـجـديـة الـعـربـيـة) : خـرابـة قـلـعـة نـمـرود :

Svoboda 3

وقـد أضـيـف في أسـفـلهـا بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة عـلى اسـم إسـكـنـدر ج. زفـوبـودا :

Cartophile, import. – export. comission en général à Bagdad (Turquie). أي جـامـع بـطـاقـات بـريـديـة، إسـتـيـراد وتـصـديـر وعـمـالـة عـامـة في بـغـداد (تـركـيـا). ولا شـكّ في أنّـه يـقـصـد بـ Cartophile نـاشـر بـطـاقـات بـريـديـة. ويـدلـنـا تـحـديـد أنّ بـغـداد تـقـع في تـركـيـا عـلى أنّ الـبـطـاقـات نـشـرت قـبـل الإحـتـلال الـبـريـطـاني لـبـغـداد عـام 1917، عـنـدمـا كـانـت ولايـة بـغـداد تـحـت سـيـطـرة الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة. وهـو مـا يـفـسـر امـتـلاك الـعـثـمـاني أحـمـد حـمـدي بـك لـهـا.

وتـصـوّر بـطـاقـة سـادسـة فـرسـانـاً (مـحـاربـيـن) مـن الأعـراب في بـغـداد Bagdad, Guerriers bédouins :

svoboda III

وسـابـعـة تـجـاراً إيـرانـيـيـن (مـن الـفـرس) في بـغـداد Commerçants persans à Bagdad :

Svoboda IV

ووجـدت بـطـاقـتـيـن أضـيـف في كـلّ واحـدة مـنـهـمـا عـلى الـمـعـلـومـات الّـتي تـوضّـح الـمـشـهـد الّـذي تـصـوّره الـمـكـتـوبـة بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة تـرجـمـتـهـا بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة :

الأولى كـتـب في أعـلاهـا : ذكـريـات مـن بـغـداد Souvenir de Bagdad ، وفي أسـفـلـهـا بـالـفـرنـسـيـة : La Caserne Militaire أي الـثّـكـنـة الـعـسـكـريـة (الـقـشـلـة)، وبـالإنـكـلـيـزيـة The Military Barracks :

Alex. J. Svoboda 9

وكـتـب في أسـفـل الـثّـانـيـة بـالـفـرنـسـيـة :

Panorama de Bagdad sur les deux rives de Tigre

أي مـنـظـر لـبـغـداد عـلى ضـفَـتي دجـلـة، وبـالإنـكـلـيـزيـة :

View of Bagdad looking North

أي مـنـظـر بـغـداد بـاتـجـاه الـشّـمـال :

Alex. J. Svoboda 10

ويـبـدو واضـحـاً مـمـا ذكـرنـاه أنّ Alex. J. Svodoba الّـذي نـشـر الـبـطـاقـات وعـمـل في الإسـتـيـراد والـتّـصـديـر ونـشـاطـات تـجـاريـة أخـرى في بـغـداد لا يـمـكـن أنّ يـكـون Alexander Sandor Svoboda كـمـا يـحـلـو لـبـعـض الـدّراسـات عـن هـذا الـمـوضـوع أن تـذكـره.

فـمـن كـان Alex. J. Svodoba إذن ؟

لـم أجـد في الـحـقـيـقـة جـوابـاً مـقـنـعـاً في الـقـلـيـل الّـذي نـشـر عـن الـمـوضـوع، ولـهـذا يـمـكـنـني أن أقـتـرح حـلّاً مـؤقـتـاً لـهـذه الـمـشـكـلـة بـانـتـظـار الـعـثـور عـلى مـعـلـومـات تـثـبـتـه أو تـفـنّـده :

يـمـكـن أن يـكـون Alex. J. Svodoba هـذا إسـكـنـدر ريـشـارد، إبـن جـوزيـف مـاتـيـا، أي ابـن شـقـيـق Alexander Sandor .

وسـيـتـسـاءل الـقـاري : ومـن إسـكـنـدر ريـشـارد زفـوبـودا هـذا ؟

إسـكـنـدر ريـشـارد Alexander Richard هـو ابـن جـوزيـف مـاتـيـا. وقـد ولـد في بـغـداد سـنـة 1878. وتـعـلّـم الـلـغـة الـعـربـيـة في الـمـدرسـة الـكـلـدانـيـة في 1883 ـ 1884. وكـان أبـوه، الـمـوظـف في شـركـة (بـيـت لـنـج) يـتـكـلّـم مـعـه بـالإنـكـلـيـزيـة فـقـط لـيـضـمـن لـه مـسـتـقـبـلـه ويـدخـلـه في الـشّـركـة.

وفي 1888 ـ 1889 بـدأ إسـكـنـدر ريـشـارد يـكـتـب بـالـعـربـيـة والإنـكـلـيـزيـة. وفي 1895 بـدأ يـعـمـل في الـقـنـصـلـيـة الـبـريـطـانـيـة، كـمـا بـدأ يـتـابـع دروسـاً لـتـعـلّـم الـلـغـة الـتّـركـيـة.

وفي 1897 غـادر إسـكـنـدر ريـشـارد بـغـداد في قـافـلـة اخـتـرقـت الـبـاديـة، ثـمّ وصـل إلى مـصـر. وبـعـد أن زار الـقـاهـرة تـوجّـه إلى الإسـكـنـدريـة، ومـنـهـا ركـب سـفـيـنـة إلى إيـطـالـيـا، ثـمّ الـقـطـار إلى فـرنـسـا، ودامـت سـفـرتـه ثـلاثـة أشـهـر ونـصـف.

وقـد كـتـب إسـكـنـدر ريـشـارد دفـاتـر يـومـيـات بـالـعـربـيـة سـجّـل فـيـهـا حـيـاتـه الـيّـومـيـة وسـفـراتـه وعـلاقـتـه مـع مـن كـان حـولـه. وفي هـذه الـيـومـيـات نـجـد الـجـزء الأكـبـر مـن الـمـعـلـومـات الّـتي تـخـصّ عـائـلـة زفـوبـودا.

وفي عـام 1900 تـزوّج في بـيـروت بـفـرنـسـيـة : مـاري جـوزفـيـن دريـسـبـور Marie Josephine Derisbourg ، الّـتي اصـطـحـبـهـا مـعـه عـنـدمـا عـاد إلى بـغـداد وأنـجـب مـنـهـا بـنـتـاً في 1904 : سـيـسـيـل Cécile . وفي 1921 طـلّـق إسـكـنـدر ريـشـارد في بـغـداد زوجـتـه مـاري جـوزفـيـن الّـتي عـادت إلى فـرنـسـا في 1923، وطـلـبـت أن تـعـاد إلـيـهـا الـجـنـسـيـة الـفـرنـسـيـة بـعـد أن فـقـدتـهـا بـزواجـهـا بـأجـنـبي، وحـصـلـت عـلـيـهـا في 1932.

ومـن هـذا نـرى أنـنـا لا نـعـرف مـاذا فـعـل في بـغـداد بـعـد عـودتـه مـن أوربـا في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن، ويـمـكـنـنـا أن نـتـصـور أنّـه مـارس الـتّـجـارة واشـتـغـل بـالاسـتـيـراد والـتّـصـديـر وكـتـب اسـمـه عـلى طـريـقـة الـعـراقـيـيـن : إسـكـنـدر جـوزيـف زفـوبـودا، أي إسـكـنـدر (ابـن) جـوزيـف زفـوبـودا، واخـتـصـره بـالـحـروف الـلاتـيـنـيـة إلى : Alex. J. Svodoba . ومـمـا يـزيـد مـن إمـكـانـيـة هـذا الاحـتـمـال أنّـه كـان يـحـسـن الـلـغـات الـعـربـيـة والإنـكـلـيـزيـة والـتّـركـيـة. ولا شـكّ في أنّـه تـعـلّـم الـفـرنـسـيـة خـلال إقـامـتـه في أوربـا وبـالـعـيـش سـنـوات طـويـلـة مـع زوجـتـه الـفـرنـسـيـة.

ويـمـكـنـنـا أن نـتـصـوّر أنّـه اقـتـدى بـعـمـه إسـكـنـدر سـانـدور في مـمـارسـة الـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي وأنّـه حـسّـن مـمـارسـتـه لـه خـلال إقـامـتـه في أوربـا واشـتـرى أجـهـزة تـصـويـر حـديـثـة مـكّـنـتـه مـن الـتـقـاط عـدد كـبـيـر مـن الـصّـور، ونـشـر أعـداداً مـنـهـا عـلى بـطـاقـات بـريـديـة وسـوّقـهـا. وربّـمـا سـاعـدتـه زوجـتـه الـفـرنـسـيـة عـلى صـيـاغـة الـمـعـلـومـات الـمـكـتـوبـة عـلـيـهـا بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة وبـيـعـهـا لـلـسّـواح الـفـرنـسـيـيـن في الـعـراق. ثـمّ كـتـبـا الـمـعـلـومـات بـالـلـغـتـيـن الـفـرنـسـيـة والإنـكـلـيـزيـة بـعـد الإحـتـلال الـبـريـطـاني لـبـغـداد في 1917. وربّـمـا دامـت شـراكـتـهـمـا إلى مـا قـبـيـل طـلاقـهـمـا في 1921، وعـودة الـزّوجـة الـمـطـلّـقـة إلى فـرنـسـا. (3)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) https://sabahalnassery.wordpress.com/2015/05/14/%D8%B5%D9%80%D9%88%D8%B1-%D8%B9%D9%80%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%80%D8%B9%D9%80%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%85%D9%80%D9%86-%D8%A8%D9%80%D8%AF%D8%A7%D9%8A%D9%80%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%80%D9%82%D9%80%D8%B1%D9%86/

(2) https://sabahalnassery.wordpress.com/2015/10/07/%D8%B5%D9%80%D9%88%D8%B1-%D8%B9%D9%80%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%80%D8%B9%D9%80%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%85%D9%80%D9%86-%D8%A8%D9%80%D8%AF%D8%A7%D9%8A%D9%80%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%80%D9%82%D9%80%D8%B1%D9%86-2/

(3) تـوفي آخـر أفـراد عـائـلـة زفـوبـودا الـبـغـداديـة : الـمـهـنـدس الـمـعـمـاري هـنـري زفـوبـودا في عـام 2005.

(*) مـلاحـظـة : وجـدت Alexander J. Svodoba آخـر كـان تـاجـراً مـن سـلـوفـيـنـيـا ونـشـر سـرداً لـرحـلـتـه في أرمـيـنـيـا في نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر، ونـشـر مـقـالاً في عـام 1899 في Sandow’s Magazine عـنـوانـه : Physical development of the Arab، ولـكـن يـبـدو أنّـه لـيـس تـاجـرنـا الـبـغـدادي الّـذي طـبـع الـبـطـاقـات الـبـريـديـة.

قـصّـة بـابـلـيـة في فِـلـم قـديـم

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

قـصّـة حـبّ بـابـلـيـة خـيـالـيـة في فـلـم “الـتّـعـصّـب” لـغـريـفـيـث :

التعصب 01

يـعـرف كـلّ هـواة فـنّ الـسّـيـنـمـا فِـلـم : (الـتّـعـصّـب : صـراع الـحـبّ عـبـر الـعـصـور Intolerance : Love’s Struggle Throughout the Ages )، الّـذي أخـرجـه الأمـريـكي د.غـريـفـيـث D.W.Griffith في 1916.

Intolerance__DVD___3_

والـفـلـم بـالأبـيـض والأسـود، ويـعـتـبـر واحـداً مـن أهـمّ الأفـلام الـصّـامـتـة، أي أنّ الأصـوات الـوحـيـدة فـيـهـا مـوسـيـقى خـلـفـيـة، وعـنـدمـا يـتـكـلّـم الـمـمـثـلـون تـظـهـر قـطـع مـكـتـوبـة عـلـيـهـا مـا يـقـولـون.

وقـد رمـمـت الـنّـسـخ الـقـديـمـة الّـتي سـتـبـلـغ قـرنـاً كـامـلاً في الـعـام الـقـادم، والّـتي لـم نـكـن نـجـدهـا إلّا في مـكـتـبـات الـسّـيـنـمـا الـمـتـخـصـصـة (سـيـنـمـا تـيـك)، ونـشـرت في D.V.D. يـمـكـن لـكـلّ مـحـبّي الـسّـيـنـمـا الـفـنّـيـة الـحـقـيـقـة (لا سـيـنـمـا الإنـتـاجـات الـضّـخـمـة الـتّـجـاريـة الّـتي غـزت الـعـالـم) أن يـشـاهـدوه كـلّـمـا رغـبـوا في ذلـك.

التعصب 03

والـفِـلـم طـويـل جـدّاً يـدوم 197 دقـيـقـة، إي أكـثـر مـن ثـلاث سـاعـات ونـصـف. ويـنـقـسـم إلى أربـعـة أجـزاء، يـمـثّـل كـلّ جـزء مـنـهـا فـتـرة زمـنـيـة مـخـتـلـفـة : بـابـل الـقـديـمـة في عـام 539 قـبـل الـمـيـلاد، وعـذاب الـمـسـيـح، ومـذبـحـة الـسّـان بـارتـولـمي في بـاريـس عـام 1572، وقـمـع إضـرابـات الـعـمـال في أمـريـكـا في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن.

التعصب 05التعصب 04

ويـتـكـلّـم الـجـزء الـبـابـلي مـن الـفـلـم : The Fall of Babylone وهـو الّـذي يـهـمـنـا هـنـا عـن سـقـوط عـاصـمـة الإمـبـراطـوريـة الـبـابـلـيـة الـمـتـأخـرة تـحـت ضـربـات جـيـش كـورش الـكـبـيـر (أو كـيـروش) الـفـارسـي الإخـمـيـني في عـام 539 قـبـل الـمـيـلاد. وقـد تـأثّـر غـريـفـيـث في هـذا الـجـزء مـن الـفـلـم بـفـلـم آخـر: Que vadis الّـذي أخـرجـه Guazzoni في 1912.

والـقـصـة “صـراع بـيـن الـحـبّ والـتّـعـصّـب”، لا تـحـتـرم الـحـقـيـقـة الـتّـاريـخـيـة (ويـؤكـد مـحـبـو الـفِـلـم عـلى أنّ الـعـمـل الـسّـيـنـمـائي خـلـق فـنّي ولـيـس بـحـثـاً عـلـمـيـاً). وتـصـويـر الـفِـلـم لـمـديـنـة بـابـل يـعــجّ بـالـكـلـيـشـيـهـات الّـتي تـطـفـح بـهـا الـمـخـيـلـة الـغـربـيـة عـن الـشّـرق، ونـحـن نـجـد فـيـهـا فـيـلـة في كـلّ مـكـان مـع أنّ الـفـنّ الـبـابـلي يـجـهـل تـصـويـر الـفـيـل تـمـامـاً. وهـذا يـعـني أنّ الـمـعـرفـة الـعـلـمـيـة لـلـحـضـارة الـبـابـلـيـة الّـتي وسـعـتـهـا الـتّـنـقـيـبـات الألـمـانـيـة في مـوقـع بـابـل مـنـذ 1899 لـم تـتـجـاوز أوسـاط الـمـخـتـصّـيـن، وظـلّ يـجـهـلـهـا الـجـمـور الـواسـع رغـم أنّ غـريـفـيـث، مـخـرج الـفِـلـم الّـذي نـتـكـلّـم عـنـه إسـتـوحى بـعـض ديـكـوراتـه مـن رسـوم مـعـالـم بـابـل الّـتي نـشـرهـا الـمـنـقّـبـون.

التعصب 02

ويـعـتـبـر الـفِـلـم أنّ سـقـوط بـابـل نـتـج عـن صـراع بـيـن كـبـيـر كـهـنـة بـابـل الـمـتـعـصّـب لـلإلـه بـعـل ـ مـردوخ Bel- Marduk ، الّـذي سـانـد الـغـازي الـفـارسي كـورش، وبـيـن الأمـيـر بـعـل شـزار Belshazzar، إبـن الـمـلـك نـبـونـيـد Nabunidus، الـمـتـسـامـح ديـنـيـاً والّـذي يـحـتـرم اعـتـقـادات الآخـريـن ويـتـقـبّـل عـبـادة الإلـهـة عـشـتـار Ishtar في مـديـنـتـه.

 

سـقـوط بـابـل The Fall of Babylone :

يـبـدأ الـجـزء الـبـابـلي مـن الـفِـلـم بـقـطـعـة كـتـب عـلـيـهـا : “خـارج Ingmur Bel، بـوابـة بـابـل الـضّـخـمـة في زمـن بـعـل شـزار في عـام 539 قـبـل الـمـيـلاد ، يـتـجـول تـجّـار ومـزارعـون وهـنـود مـع فـيـلـتـهـم ومـصـريـون ونـومـيـديـون وفـرس طـمـوحـون يـتـجـسـسـون عـلى الـمـديـنـة”.

التعصب 06

ونـرى جـمـوعـاً احـتـشـدت حـول الـبـوابـة وعـلى الأسـوار، مـن بـيـنـهـم الأمـيـر بـعـل شـزار مـنـتـصـبـاً عـلى عـربـتـه. وكـانـت الـجـمـوع تـتـفـرّج عـلى وصـول تـمـثـال الإلـهـة عـشـتـار عـلى مـحـمـلـه الـمـقـدّس تـحـيـطـه الـفـيـلـة. ونـرى أيـضـاً كـبـيـر الـكـهـنـة يـنـظـر مـن نـافـذة في أعـلى بـرج إلى نـفـس الـمـشـهـد بـقـلـق، خـوفـاً مـن مـنـافـسـة عـشـتـار لـسـلـطـة إلـهـه بـعـل ـ مـردوخ عـلى الـمـديـنـة.

التعصب 07

كـمـا نـرى فـتـاة مـن الـجـبـال وصـلـت إلى بـابـل مـع أخـيـهـا، ونـرى الـشّـاعـر، الّـذي كـان في خـدمـة كـبـيـرالـكـهـنـة، والّـذي أعـجـبـتـه الـفـتـاة عـنـدمـا رآهـا، وحـاول أن يـسـتـهـويـهـا ولـكـنّـهـا كـانـت تـسـخـر مـنـه.

التعصب 08

ويـشـتـكي أخـو فـتـاة الـجـبـال مـن “سـوء مـعـامـلـة أخـتـه لـه” أمـام الـمـحـكـمـة الّـتي تـحـكـم عـلـيـهـا بـأن تـعـرض في سـوق الـزّواج لـتـجـد لـهـا زوجـاً يـنـاسـبـهـا.

ويـظـهـر الـفِـلـم سـوق الـزّواج في بـابـل (1).

التعصب 6

وقـد اسـتـوحى غـريـفـيـث ديـكـورات الـمـشـهـد مـن لـوحـة الـفّـنـان الإنـكـلـيـزي إدويـن لـونـغ “سـوق الـزّواج الـبـابـلي” الّـتي رسـمـهـا عـام 1875 (2).

سوق 1

وفي سـوق الـزّواج ، هـددت فـتـاة الـجـبـال الـرّجـل الّـذي أراد أن يـشـتـريـهـا لـلـزّواج بـهـا وأخـافـتـه، ثـمّ رمـت بـنـفـسـهـا عـلى قـدمي الأمـيـر بـعـل شـزار عـنـدمـا مـرّ وسـط الـمـديـنـة، وحــصـلـت مـنـه عـلى سـمـاح تـسـتـطـيـع بـه أن تـرفـض الـزّواج. وتـجـنّ فـتـاة الـجـبـال بـالأمـيـر حـبّـاً، ولـكـنّ كـبـيـر الـكـهـنـة يـقـبـض عـلـيـهـا ويـحـكـم عـلـيـهـا بـالـمـوت بـتـهـمـة شـتـم الـمـلـك. ويـنـقـذهـا الأمـيـر بـعـل شـزار مـرّة ثـانـيـة.

التعصب 7

ويـسـمـع الأمـيـر بـعـل شـزار أنّ عـدوه كـورش الـفـارسي يـقـتـرب مـن الـمـديـنـة. ويـرسـل بـرجـالـه لـيـتـقـصّـوا الـخـبـر. وكـان كـورش يـسـتـعـد في مـعـسـكـره لـلـهـجـوم عـلى مـديـنـة بـابـل بـمـسـاعـدة كـبـيـر كـهـنـتـهـا الّـذي خـانـهـا لـيـسـتـطـيـع الإحـتـفـاط بـهـيـمـنـة بـعـل ـ مـردوخ عـلـيـهـا.  ويـتـوجـه كـورش نـحـو بـابـل. ويـخـرج بـعـل شـزار لـلـقـائـه، وتـسـتـعـد فـتـاة الـجـبـال لـتـقـاتـل هي الأخـرى وتـصـعـد إلى أعـالي الأسـوار. ويـهـاجـم جـيـش كـورش الـمـديـنـة مـن كـلّ الـجـهـات وتـشـتـدّ الـمـعـركـة.

التعصب 10

ولـكـنّ بـعـل شـزار وجـنـده يـنـتـصـرون عـلى جـنـد كـورش ويـدفـعـونـهـم بـعـيـداً عـن الـمـديـنـة.

ويـقـيـم بـعـل شـزار حـفـلاً في حـوش الـقـصـرالـواسـع، ويـغـني أهـل بـابـل نـشـيـد الـنّـصـر ويـشـكـرون عـشـتـار ويـرقـصـون ويـسـكـرون.

التعصب 9

وتـكـتـشـف فـتـاة الـجـبـال خـيـانـة كـبـيـر الـكـهـنـة وتـتـبـعـه إلى مـعـسـكـر كـورش، ثـمّ تـعـود بـسـرعـة عـلى عـربـة لـتـحـذّر الأمـيـر بـعـل شـزار ولـكـنّ الـسّـكـارى الـمـعـربـديـن في دروب بـابـل يـعـيـقـونـهـا عـن الـوصـول إلى الـمـديـنـة ويـأخّـرونـهـا. وعـنـدهـا يـصـل جـنـد كـورش إلى أسـوار بـابـل.

وفي هـذه الأثـنـاء يـعـلـن الأمـيـر بـعـل شـزار أنّـه سـيـتـزوّج بـالأمـيـرة الّـتي يـحـبّـهـا في الـغـد، وتـسـود الأفـراح في الـمـديـنـة.

التعصب 8

وتـصـل فـتـاة الـجـبـال بـيـن يـدي الأمـيـر بـعـد جـهـد شـديـد لـتـحـذره مـن وصـول الـفـرس، ويـضـحـك مـنـهـا الـجـمـيـع سـاخـريـن

التعصب 16

إلى أن يـأتي الـحـراس لـيـخـبـروا الأمـيـر بـوصـول الـفـرس.

التعصب 15

ويـنـهـض الأمـيـر لـيـرتـدي درعـه ويـأخـذ سـيـفـه

التعصب 21

وتـتـبـعـه فـتـاة الـجـبـال لـتـمـوت وهي تـدافـع عـنـه …

التعصب 11

وتـسـقـط بـابـل تـحـت ضـربـات جـنـد كـورش، ونـسـمـع وسـط الـضّـجـيـج صـوت كـبـيـر الـكـهـنـة الـخـائـن يـهـتـف : “الـمـجـد لإلـهي ! يـحـيـا كـورش مـلـك الـمـلـوك وسـيـد الـسّـادة !”.

ورغـم أنّ الـفـلـم يـنـتـمي إلى فـتـرة طـفـولـة الـسّـيـنـمـا وجـمـالـهـا الـسّـاذج فـإنّ مـن الـصّـعـب إيـجـاد مـحـاولـة أخـرى تـوازيـه لاسـتـيـحـاء قـصّـة حـبّ مـن الـتّـاريـخ الـبـابـلي الـقـديـم نـفـسـه (وإنّ لـم تـكـتـمـل مـعـرفـتـه بـعـد في تـلـك الـسّـنـوات) بـدلاً مـن اسـتـعـادة مـا ذكـرتـه الأسـاطـيـر الـتّـوراتـيـة الـمـعـاديـة لـلـحـضـارة الـبـابـلـيـة كـمـا فـعـلـتـه الأغـلـبـيـة الـمـطـلـقـة مـن الأفـلام الّـتي أخـرجـت بـعـد ذلـك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أنـظـر مـقـالي : “بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في تـاريـخ هـيـرودوت” https://sabahalnassery.wordpress.com/2015/04/19/%D8%A8%D9%80%D9%84%D8%A7%D8%AF-%D9%85%D9%80%D8%A7-%D8%A8%D9%80%D9%8A%D9%80%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%80%D9%86%D9%91%D9%80%D9%87%D9%80%D8%B1%D9%8A%D9%80%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D9%80%D8%A7%D8%B1%D9%8A/

(2) أنـظـر مـقـالي : لـوحـة “سـوق الـزّواج الـبـابـلي”   لإدويـن لـونـغ https://plus.google.com/114494687066154376367/posts/3xgwY6sFhm7

.

 

 

مـغـامـرات الـدّكـتـور بـانـكـس

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

كـيـف وصـلـت آلاف الألـواح الـمـسـمـاريـة إلى الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن :

Edgar_James_Banks

قـصّـة الـدكـتـور إدغـار جـيـمـس بـانـكـس Edgar James BANKS خـلـيـط مـن الـبـحـث الـعـلـمي في مـيـدان الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة واسـتـغـلال هـذا الـبـحـث لإظهـاره في صـور مـشـوقـة ومـثـيـرة عـلى طـريـقـة الـسّـيـنـمـا الـهـولـيـوديـة، وبـيـع الـقـطـع الأثـريـة لـكـسـب أربـاح طائـلـة.

وقـد ذكّـرنـا بـه كـتـاب جـديـد شـديـد الأهـمـيـة نـشـرتـه في عـام 2012 الـبـاحـثـة كـاريـن لـ. ولـسـن Karen L. Wilson  تـحـت عـنـوان ” بـسـمـايـة : إعـادة اكـتـشـاف مـديـنـة أدب الـضّـائـعـة Bismaya: Recovering the Lost City of Adab.

oip138_5

ومـن الـغـريـب أنّ هـذا الـكـتـاب لـم يـثـر الإهـتـمـام، ولـم أجـد مـقـالاً واحـداً عـنـه في الـمـنـشـورات الـعـربـيـة. ولـكي نـدرك أهـمـيـة هـذا الـكـتـاب، يـنـبـغي عـلـيـنـا أوّلاً أن نـتـذكّـر الـتـنـقـيـبـات الأثـريـة الّـتي جـرت في بـسـمـايـة (جـنـوب بـابـل)، و إدغـار جـيـمـس بـانـكـس الّـذي أشـرف عـلـيـهـا :

كـيـف وصـل بـانـكـس إلى الـعـراق :

ولـد إدغـار جـيـمـس بـانـكـس عـام 1866، ودرس الـلـغـات الـشّـرقـيـة في جـامـعـة هـارفـارد، وحـصـل عـلى شـهـادة الـمـاجـسـتـيـر مـنـهـا. ثـمّ نـال شـهـادة الـدّكـتـوراه مـن جـامـعـة بـرِسـلاو Breslau في ألـمـانـيـا عـام 1897.

وفي عـام 1898 اسـتـطـاع الـحـصـول عـلى مـنـصـب قـنـصـل لـلـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة في بـغـداد. وكـانـت هـذه الـقـنـصـلـيـة قـد أنـشـئـت عـدّة سـنـوات قـبـل ذلـك عـنـدمـا بـعـث هـنـري هـايـز إلى بـغـداد في 1889.

وفي بـغـداد بـدأ بانـكـس يـشـتـري مـئـات مـن الألـواح الـمـسـمـاريـة (الـرّقـم الـطّـيـنـيـة ) مـن مـهـربي الآثـار، وعـاد بـهـا إلى الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة.

وفي عـام 1900، إخـتـارتـه مـؤسـسـة الـ Oriental Exploration Fund   لـيـشـرف عـلى تـنـقـيـبـات في أور تـمـولـهـا جـامـعـة شـيـكـاغـو والـمـلـيـونـيـر جـون د. روكـفـلـر، ولـكـن الـحـصـول عـلى فـرمـان مـن الـسّـلـطـات الـعـثـمـانـيـة يـسـمـح بـالـتّـنـقـيـبـات طـال، وبـانـتـظـار أن يـصـدرهـذا الـفـرمـان، درّس بـانـكـس الـتّـاريـخ الـقـديـم في مـعـهـد Robert College في إسـطـنـبـول، كـمـا عـيّـن مـسـاعـداً لـلـسّـفـيـرالأمـريـكي في الـعـاصـمـة الـعـثـمـانـيـة. ولـم يـمـنـعـه ذلـك مـن الإسـتـمـرار في شـراء الألـواح الـمـسـمـاريـة وخـاصـة مـن مـهـرب آثـار وجـده في إسـطـنـبـول.

وعـنـدمـا صـدر الـفـرمـان أخـيـراً في نـهـايـة تـشـريـن الأوّل عـام 1903 لـم يـسـمـح لـبـانـكـس بـالـتّـنـقـيـب في تـلّ الـمـقـيّـر (مـوقـع مـديـنـة أور) ولا في أي مـوقـع مـهـم آخـر، فـاخـتـار تـلّ بـسـمـايـة في جـنـوب بـابـل.

وكـان عـدد مـن الـمـنـقـبـيـن قـد اسـتـطـلـعـوا الـمـوقـع قـبـلـه : لـوفـتـس Loftus في 1850، وأعـضـاء بـعـثـة وولـف The Wolfe Expedition في 1885، و ورد Wardوبـيـتـرس Peters في 1889و1891، وسـاشـو Sachau في 1897. وقـد أجـرى الألـمـاني أنـدريـه Andrae بـعـض الـتّـنـقـيـبـات فـيـهـا في 1902 ورسـم مـخـطـطـاً لـلـمـوقـع.

ويـذكـر بـانـكـس في أحـد كـتـبـه الّـتي نـشـرهـا بـعـد ذلـك أنّ سـفـرتـه عـبـر الـبـاديـة دامـت شـهـراً لـيـصـل إلى بـغـداد، ثـمّ قـضى شهـراً آخـر قـبـل أن يـصـل إلى تـلّ بـسـمـايـة في جـنـوب بـابـل.

تـنـقـيـبـات بـانـكـس في بـسـمـايـة :

بـدأت الـتّـنـقـيـبـات في الـرّابـع والـعـشـريـن مـن كـانـون الأوّل أي في آخـر أسـبـوع تـقـريـبـاً مـن عـام 1903حـتّى أيّـار 1904، ثـمّ مـن أيـلـول إلى كـانـون الأوّل مـن نـفـس الـعـام. وقـد تـرك الإشـراف عـلـيـهـا بـعـد ذلـك لـمـسـاعـده فـكـتـور بـيـرسـونـز Victor S. Persons الّـذي سـقـط مـريـضـاً بـعـد ذلـك بـقـلـيـل فـتـوقـفـت أعـمـال الـبـعـثـة.

ورغـم أنّ هـمّ بـانـكـس كـان الـعـثـور عـلى قـطـع أثـريـة تـطـمـع بـهـا الـمـتـاحـف أكـثـر مـن إزاحـة الـتّـراب عـن مـعـالـم الـمـوقـع بـطـريـقـة مـكـتـمـلـة ودراسـتـهـا دراسـة عـلـمـيـة فـقـد أظهـرت هـذه الـتّـنـقـيـبـات الّـتي استـمـرّت إلى عـام 1905 أهـمـيـة الـمـوقـع، والّـتي قـرأ بـانـكـس اسـمـهـا في الـبـدايـة : أودنـون Udnun، ولـكـنّـهـا الآن تـقـرأ أدب Adab.

وقـد أزاحـت الـتّـنـقـيـبـات الـتّـراب عـن عـدّة أجـزاء مـن الـمـوقـع : قـصـر مـن الـفـتـرة الأكّـديـة، ومـقـبـرة اسـتـعـمـلـت مـن الـفـتـرة الأكّـديـة إلى فـتـرة سـلالـة أور الـثّـالـثـة ، ومـقـبـرة مـن فـتـرة لـغـش بـقـربـهـا دور مـن الـفـتـرة الأكّـديـة، ومـعـبـد عـشـتـار الّـذي كـان قـد أعـاد بـنـاءه نـرام سِـن (مـنـتـصـف الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد)، ومـعـبـد كّـرّس لـلإلـه غـمـيـل سِـن وزقـورة مـعـبـد الإلـهـة نـيـن خـور سـاغ الّـتي وجـد فـيـهـا طـابـوق مـن فـتـرة الـمـلـكـيـن الـسّـومـريـيـن أور نـامـو (حـكـم مـن 2112 إلى 2095 ) ودونـغي، وقـبـور وبـقـايـا تـشـيـيـدات وجـد فـيـهـا طـابـوق مـن فـتـرة بـور سِـن، ودور سـكـنـيـة.

وكـشـفـت الـتّـنـقـيـبـات عـن بـقـايـا أسـوار الـمـديـنـة مـن فـتـرات قـديـمـة قـبـل أن تـرمـم في الـفـتـرة الأكّـديـة وفي الـفـتـرة الـسّـومـريـة الـحـديـثـة.

وقـد حُـفـرت بـئـر عـمـقـهـا أكـثـر مـن 13 مـتـراً لـسـبـر أغـوار الـتّـلّ وصـلـت إلى قـاعـه الأصـلي أي قـبـل أن تـتـراكـم عـلـيـه طـبـقـات الأبـنـيـة. وقـد بـدأت طـبـقـاتـه (تـتـتـابـع مـن الأسـفـل نـحـو الأعـلى) في فـتـرة جـمـدة نـصـر (نـهـايـة الألـف الـرّابـع إلى بـدايـة الألـف الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد) ثـمّ فـتـرة مـا قـبـل سـرجـون الأكّـدي ثـمّ الـفـتـرة الأكّـديـة فـفـتـرة أور الـثّـالـثـة ثـمّ بـدايـة الـسّـلالات الـبـابـلـيـة الـقـديـمـة ثـمّ فـتـرة احـتـلال الـكـيـشـيـيـن (أو الـقـيـسـيـيـن ) وحـكـم الـسّـلالـة الـكـيـشـيـة (مـنـتـصـف الألـف الـثّـاني ق. م.) …

وقـد حـصـدت الـبـعـثـة أكـثـر مـن ألـف قـطـعـة أثـريـة مـن بـيـنـهـا عـدد كـبـيـر مـن الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة الـسّـومـريـة والـبـابـلـيـة، أرسلـت إلى شـيـكاغـو، ومـا زالـت في مـتـحـف الـمـعـهـد الـشّـرقي فـيـهـا.

ولـم يـنـشـر بـانـكـس عـن نـشـاطـاتـه الآثـاريـة في تـلـك الـفـتـرة إلّا كـتـيـبـاً بـثـمـاني صـفـحـات عـن نـصّ مـنـقـوش عـلى إنـاء مـن الـوركـاء كـان قـد اشـتـراه في الـعـراق : A Vase Inscription from Warka نـشـره في 1904، و كـتـيـبـاً بـخـمـس صـفـحـات نـشـره في  1906عـن آنـيـة فـخاريـة مـن بـسـمـايـة : from Bismaya .Terre-cotta Vases

عـودة بـانـكـس إلى الـولايات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة :

وفي 1909 عـيّـن بـانـكـس أسـتـاذاً لـلـغـات الـشّـرقـيـة والآثـارفي جـامـعـة تـولـيـدو في الأوهـايـو. وبـدأ يـسـافـر في كـلّ أنـحـاء الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة يـلـقي فـيـهـا مـحـاضـرات مـثـيـرة يـمـزج فـيـهـا بـيـن نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة والأسـاطـيـرالـتّـوراتـيـة والأنـاجـيـلـيـة الّـتي تـؤمـن بـهـا كـثـيـرمـن الأوسـاط الأمـريـكـيـة.

وكـان يـغـتـنـم فـرص هـذه الـمـحـاضـرات لـيـعـرض ألـواحـاً مـسـمـاريـة (قـدّرت بـأكـثـر مـن 11،000 لـوح ) كـان قـد اشــتـرى بـعـضـهـا مـن مـهـربي الآثـار في الـشّـرق ، وجـلـب بـعـضـهـا مـن تـنـقـيـبـاتـه ،ويـبـيـعـهـا إلى الـمـتـاحـف والـمـكـتـبـات والـجـامـعـات والـمـعـاهـد الـدّيـنـيـة.

كـتـاب بـانـكـس عـن تـنـقـيـبـات بـسـمـايـة :

وفي عـام 1912 ، نـشـر بـانـكـس أخـيـراً كـتـابـاً عـن الـحـفـريـات الّـتي كـان قـد قـام بـهـا في بـسـمـايـة : The Lost City of Adab: a story of adventure, of Exploration,and of excavation among the ruins of the oldest of the buried cities of Babylonia.

Banks IIIBook City Adad

وكـان الـهـدف مـنـه كـمـا ذكـر في مـقـدمـتـه : “أن يـحـكي بـطـريـقـة مـبـسـطـة مـا تـوصـلـنـا إلـيـه مـن اكـتـشـافـات في تـلّ بـسـمـايـة في بـلاد بـابـل”. أي أنّـه نـشـر قـصّـة مـغـامـرات تـنـقـيـبـاتـه بـدلاً مـن الـكـلام عـن اكـتـشـافـاتـه الأثـريـة. ووضـع في الـصّـفـحـة الأولى صـورتـه بـالـمـلابـس الـعـربـيـة وفي يـده بـنـدقـيـة !

بانكس بالملابس العربية

ولـكـنّ الـتّـقـريـر الـعـلـمي عـن نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات لـم يـنـشـر أبـداً ولـم يـنـشـر جـرد بـالـقـطع الأثـريـة الّـتي وجـدت فـيـهـا .

ومـن الـصّـعـب عـلـيـنـا أن نـفـهـم لـمـاذا لـم يـنـشـر الـتّـقـريـر والـجـرد مـع أنّ بـانـكـس كـان يـسـجّـل نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات يـومـيـاً ويـكـمـلـهـا بـرسـوم دقـيـقـة. وكـان يـبـعـث تـقـريـراً أسـبـوعـيـاً إلى شـيـكـاغـو، كـمـا بـيّـنـتـه كـاريـن لـ. ولـسـن في كـتـابـهـا.

وقـد وجـدت هـذه الـبـاحـثـة في مـتـحـف مـعـهـد شـيـكـاغـو الـشّـرقي الـيـومـيـات الّـتي كـان بـانـكـس قـد سـجّـل فـيـهـا كـلّ مـا كـان يـجـري خـلال الـتّـنـقـيـبـات والـتّـقـاريـر الّـتي أرسـلـهـا أسـبـوعـيـاً بـيـن 1903 و 1905 ، ونـشـرتـهـا في هـذا الـكـتّـاب لأوّل مـرّة، أي بـعـد أكـثـر مـن قـرن مـن نـهـايـة الـتّـنـقـيـبـات. ويـضـم كـتـاب كـاريـن لـ. ولـسـن أيـضـاً دراسـة تـحـلـيـلـيـة لـطـبـقـات الـمـوقـع ولـفـنّـه الـمـعـمـاري، ولـلـمـنـحـوتـات والأخـتـام الأسـطوانـيـة والـقـطع الـمـعـدنـيـة والـفـخـاريـة، ومـحـاولـة لإيـجـاد تـواريـخـهـا الـتّـقـريـبـيـة.

بـانـكـس يـسـتـمـر في مـغـامـراتـه :

ولـنـرجـع الآن إلى بـانـكـس لـنـجـد أنّـه، بـعـد أن عـاد مـن الـعـراق إلى الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة الّـتي بـقي فـيـهـا عـدّة سـنـوات، سـافـر مـن جـديـد إلى الـشّـرق الأوسـط وتـسـلّـق في عـام 1912 قـمّـة جـبـل أرارات بـحـثـاً عـن آثـار سـفـيـنـة نـوح ! وادّعى أنّـه اخـتـرق الـبـوادي مـن تـركـيـا إلى عـدن، ونـشـر عـن ذلـك نـصـوصـاً مـثـيـرة.

وقـد بـاع بـانـكـس بـيـن 1913 و 1918 إلى Spurlock Museum الـتّـابـع لـجـامـعـة إلـيـنـوا الأمـريـكـيـة مـجـمـوعـة تـحـتـوي عـلى 1750 لـوح مـسـمـاري ذكـر أنّـهـا كـانـت قـد وجـدت في مـوقـعي أمّـة و دريـهـم، وتـعـود إلى فـتـرة تـاريـخـيـة تـمـتـد مـن سـلالـة أور الـثّـالـثـة في الـقـرنـيـن الـحـادي عـشـر والـعـاشـر قـبـل الـمـيـلاد وحـتّى الـدّولـة الـبـابـلـيـة الـحـديـثـة وبـدايـة الإحـتـلال الـفـارسـي.

Banks II

لـوح Plimpton 322 :

ولـكـن أهـم مـا بـاعـه لـوح يـعـود إلى فـتـرة تـتـراح بـيـن 1900 إلى 1700 قـبـل الـمـيـلاد، إشـتـراه مـنـه جـورج بـلـمـبـتـون G. Plimpton فـيـمـا اشـتـراه في 1922 أو 1923 ، ثـمّ أهـداه إلى جـامـعـة كـولـومـبـيـا في 1936، ولـهـذا يـعـرف بـ Plimpton 322 ، عـلـيـه نـصّ ريـاضـيـات بـابـلي بـأرقـام مـسـمـاريـة عـلى أربـعـة أعـمـدة بـخـمـسـة عـشـر سـطـراً، يـشـرح فـيـه الـعـالـم الـبـابـلي الّـذي كـتـبـه جـزءاً مـمـا عُـرف بـعـد ذلـك بـقـرون بـ “مـبـرهـنـة فـيـثـاغـورس” في الـرّيـاضـيـات، أي أنّ الـعـالـم الـرّياضي الـبـابـلي كـان قـد وجـد جـزءاً مـن الـمـبـرهـنـة عـدّة قـرون قـبـل أن يـولـد فـيـثـاغـورس !

P322obv

وقـد نـشـر بـانـكـس عـدداً كـبـيـراً مـن الـكـتـب عـن أبـحـاثـه وعـن مـغـامـراتـه وعـدداً مـن الـقـصـص والـرّوايـات. واسـتـمـر يـذرع الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة يـلـقي بـمـحـاضـراتـه ويـبـيـع ألـواحـه الـمـسـمـاريـة الّـتي كـان يـصـاحـبهـا بـتـرجـمـاتـهـا (الـتّـقـريـبـيـة) إلى الـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة.

ويـبـدو أن الـمـخـرج سـيـسـيـل ب. دي مـيـل طـلـب مـنـه أن يـسـاعـده بـمـعـارفـه الـتّـاريـخـيـة عـنـدمـا أخـرج فـيـلـمـه عـن الـوصـايـا الـعـشـر الـتّـوراتـيـة عـام 1923. ويـبـدو كـذلك أنّ جـورج لـوكـاس كان يـعـرف عـن مـغـامـراتـه ، وأنّـه تـذكـره عـنـدمـا اخـتـلـق شـخـصـيـة إنـديـانـا جـونـز.

وقـد اسـتـقـرّ بـانـكـس في آخـر أعـوام حـيـاتـه في مـديـنـة إسـتـيـس Eustis في فـلـوريـدا، والّـتي تـوفي بـهـا عـام 1945، وكـان في الـتّـاسـعـة والـسّـبـعـيـن مـن عـمـره.

وقـد خـصص مـتـحـف الـمـديـنـة Eustis Historical Museum قـاعـة كـامـلـة لـذكـريـات إدغـار جـيـمـس بـانـكـس، الـعـالـم الّـذي تـاجـر بـالـقـطـع الأثـريـة والـمـعـلـومـات الـتّـاريـخـيـة.