الـعـراقـيـون كـمـا رآهـم الأنـدلـسي ابـن جُـبـيـر

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

خارطة الإدريسي

تـرك أبـو الـحـسـن مـحـمّـد بـن أحـمـد الـمـعـروف بـابـن جُـبـيـر مـديـنـة قـرطـبـة في الأنـدلـس (في إسـبـانـيـا الـحـالـيـة) في أواخـر شـبـاط مـن عـام 1183 مـتـجـهـاً نـحـو الـمـشـرق لـيـحـج إلى مـكّـة. وبـعـد أن أكـمـل مـراسـيـم الـحـج اسـتـمـر في سـفـرتـه لـيـزور الـعـراق وسـوريـا وفـلـسـطـيـن قـبـل أن يـعـود إلى الأنـدلـس عـن طـريـق الـبـحـر.

وقـد وصـل ابـن جُـبـيـر في عـام 1184، في خـلافـة الـنّـاصـر لـدّيـن الله أحـمـد بـن الـحـسـن الـمـسـتـضئ بـأمـر الله، مـن الـمـديـنـة إلى الـكـوفـة الّـتي وجـد “خـرابـهـا أكـثـر مـن عـمـرانـهـا”، ثـمّ مـرّ بـالـحـلّـة الّـتي وجـدهـا “قـويـة الـعـمـارة، كـثـيـرة الـخـلـق، مـتـصـلـة حـدائـق الـنّـخـيـل داخـلاً وخـارجـاً”. وذاق مـاء الـفـرات فـوجـد الـنّـهـر “كـاسـمـه فـرات. هـو مـن أعـذب الـمـيـاه وأخـفّـهـا. وهـو نـهـر كـبـيـر زخّـار، تـصـعـد فـيـه الـسّـفـن وتـنـحـدر”. ووجـد “الـطّـريـق مـن الـحـلّـة إلى بـغـداد أحـسـن طـريـق وأجـمـلـهـا، في بـسـائـط مـن الأرض وعـمـائـر، تـتّـصـل بـهـا الـقـرى يـمـيـنـاً وشـمـالاً […] والأمـن فـيـهـا مـتّـصـل”.

ثـمّ مـر “بـقـريـة تـعـرف بـزريـران. مـن أحـسـن قـرى الأرض وأجـمـلـهـا مـنـظـراً وأفـسـحـهـا سـاحـة وأسـعـهـا اخـتـطـاطـاً وأكـثـرهـا بـسـاتـيـن وريـاحـيـن وحـدائـق نـخـيـل […] بـإزائـهـا لـجـهـة الـشّـرق مـنـهـا إيـوان كـسـرى، وأمـامـهـا بـيـسـيـر مـدائـنـه. وهـذا الإيـوان بـنـاء عـال في الـهـواء، شـديـد الـبـيـاض، لـم يـبـق مـن قـصـورة إلّا الـبـعـض. وأمّـا الـمـدائـن فـخـراب، إجـتـزنـا عـلـيـهـا فـعـايـنّـا مـن طـولـهـا واتـسـاعـهـا مـرأى عـجـيـبـاً. والـقـريـة عـلى شـطّ دجـلـة”.

ذكـر بـغـداد :

وذكـر ابـن جُـبـيـر قـبـل أن يـصـل إلى بـغـداد : “وكـنّـا سـمـعـنـا أنّ هـواء بـغـداد يـنـبـت الـسّـرور في الـقـلـب، ويـبـعـث الـنّـفـس دائـمـاً عـلى الانـبـسـاط والأنـس، فـلا تـكـاد تـجـد فـيـهـا إلّا جـذلان طـربـاً وإن كـان نـازح الـدّار مـغـتـربـاً”.

وعـنـدمـا وصـل مـديـنـة بـغـداد في الـخـامـس عـشـر مـن شـهـر أيّـار مـن ذلـك الـعـام كـتـب : “نـفـحـتـنـا نـوافـح هـوائـهـا، ونـقـعـنـا الـغـلّـة بـبـرد مـائـهـا، وأحـسـسـنـا مـن نـفـوسـنـا، عـلى حـال وحـشـة الإغـتـراب دواعي مـن الإطـراب”.

ومـع ذلـك وجـد “هـذه الـمـديـنـة الـعـتـيـقـة […] قـد ذهـب أكـثـر رسـمـهـا، ولـم يـبـق مـنـهـا إلّا شـهـيـر اسـمـهـا […] فـلا حـسـن فـيـهـا يـسـتـوقـف الـبـصـر إلّا دجـلـتـهـا الّـتي هي بـيـن شـرقـيـهـا وغـربـيـهـا مـنـهـا كـالـمـرآة الـمـجـلّـوة بـيـن صـفـحـتـيـن، أو الـعـقـد الـمـنـتـظـم بـيـن لـبّـتـيـن”. “فـأمّـا الـجـانـب الـغـربي فـقـد عـمّـه الـخـراب واسـتـولى عـلـيـه. وكـان الـمـعـمـور أوّلاً. وعـمـارة الـجـانـب الـشّـرقي مـحـدثـة”.

وقـد أقـام ابـن جـبـيـر “بـربَـض في [الـجـانـب الـشّـرقي] يـعـرف بـالـمـربّـعـة عـلى شـطّ دجـلـة لـمـقـربـة مـن الـجـسـر”.

وكـان هـذا الـجـسـر قـد “حـمـلـتـه دجـلـة بـمـدّهـا الـسّـيـلي، فـعـاد الـنّـاس يـعـبـرون بـالـزّوارق. والـزّوارق فـيـهـا لا تـحـصى كـثـرة، فـالـنّـاس لـيـلاً ونـهـاراً مـن تـمـادي الـعـبـور فـيـهـا في نـزهـة مـتّـصـلـة رجـالاً ونـسـاءً”. “والـعـادة أن يـكـون لـهـا جـسـران : أحـدهـمـا مـمـا يـقـرب مـن دور الـخـلـيـفـة والآخـر فـوقـه لـكـثـرة الـنّـاس، والـعـبـور في الـزّوارق لا يـنـقـطـع مـنـهـا”.

بغداد 12

 

ومـع أنّ ابـن جُـبـيـر اهـتّـم أكـثـر مـا اهـتّـم بـمـجـالـس الـعـلـم والـوعـظ الّـتي ارتـادهـا فـقـد ذكـر الأسـواق والـمـسـاجـد والـمـدارس والـحـمـامـات : “الّـتي لا تـحـصى عـدة. ذكـر لـنـا أحـد أشـيـاخ الـبـلـد أنّـهـا بـيـن الـشّـرقـيـة والـغـربـيـة نـحـو الألـفي حـمـام”.

وذكـر سـور الـجـانـب الـشّـرقي وأبـوابـه : “ولـلـشّـرقـيـة أربـعـة أبـواب. فـأوّلـهـا، وهـو في أعـلى الـشّـطّ، بـاب الـسّـلـطـان. ثـمّ بـاب الـظّـفـريـة، ثـمّ يـلـيـه بـاب الـحـلـبـة، ثـمّ بـاب الـبـصـلـيـة. وهـذه الأبـواب في الـسّـور الـمـحـيـط بـهـا مـن أعـلى الـشّـط إلى أسـفـلـه. وهـو يـنـعـطـف عـلـيـهـا كـنـصـف دائـرة مـسـتـطـيـلـة. وداخـلـهـا في الأسـواق أبـواب كـثـيـرة”.

دار الـخـلافـة :

عـليّ أن أذكّـر الـقـارئ الـعـزيـز هـنـا بـأنّ الـخـلـيـفـة الـعـبّـاسي في تـلـك الـسّـنـوات لـم يـكـن لـه مـن الـسّـلـطـة إلّا الإسـم، فـقـد كـان عـقـد أمـور الـدّولـة وحـلّـهـا بـيـن أيـدي الـسّـلاطـيـن الـسّـلاجـقـة الأتـراك مـنـذ أن دخـل طـغـرل بـك بـغـداد عـام 1055 م. لـيـنـهي فـتـرة سـيـطـرة الأمـراء الـبـويـهـيـيـن عـلى الـحـكـم، ولـيـحـلّ هـو ومـن خـلـفـوه مـحـلـهـم.

ويـتـكـلّـم ابـن جُـبـيـر هـنـا عـن الـخـلـيـفـة الـنّـاصـر لـديـن الله الّـذي كـان قـد بـويـع لـه عـام 1180 م.، أي أنّـه كـان في بـدايـة حـكـمـه قـبـل أن يـبـدأ صـراعـه ضـدّ الـسّـلاجـقـة ويـسـتـعـيـد بـعـض سـلـطـاتـه وبـعـض هـيـبـة الـدّولـة.

يـقـول ابـن جُـبـيـر : “وأمّـا الـشّـرقـيـة فـهي الـيـوم دار الـخـلافـة. ودور الـخـلـيـفـة مـع آخـرهـا. وهي تـقـع مـنـهـا في نـحـو الـرّبـع أو أزيـد، لأنّ جـمـيـع الـعـبـاسـيـيـن في تـلـك الـدّيـار مـعـتـقـلـون اعـتـقـالاً جـمـيـلاً لا يـخـرجـون ولا يـظـهـرون. ولـهـم الـمـرتـبـات الـقـائـمـة بـهـم. ولـلـخـلـيـفـة مـن تـلـك الـدّيـار جـزء كـبـيـر، قـد اتـخـذ فـيـهـا الـمـنـاظـر الـمـشـرفـة والـقـصـور الـرّائـقـة والـبـسـاتـيـن الأنـيـقـة”.

“ولـيـس لـه الـيـوم وزيـر، إنّـمـا لـه خـديـم يـعـرف بـنـائـب الـوزارة يـحـضـر الـدّيـوان الـمـحـتـوي عـلى أمـوال الـخـلافـة”.

“وقـد يـظـهـر الـخـلـيـفـة في بـعـض الأحـيـان بـدجـلـة راكـبـاً في زورق. وقـد يـصـيـد في بـعـض الأوقـات في الـبـرّيـة. وظـهـوره تـعـمـيـة لأمـره عـلى الـعـامـة، فـلا يـزداد أمـره مـع تـلـك الـتّـعـمـيـة إلّا اشـتـهـاراً. وهـو يـحـبّ الـظّـهـور لـلـعـامـة، ويـؤثـر الـتّـحـبـب لـهـم. وهـو مـيـمـون الـنّـقـيـبـة عـنـدهـم. قـد اسـتـسـعـدوا بـأيّـامـه رخـاء وعـدلاً وطـيـب عـيـش. فـالـكـبـيـر والـصّـغـيـر مـنـهـم داعٍ لـه”.

“أبـصـرنـا هـذا الـخـلـيـفـة بـالـجـانـب الـغـربي أمـام مـنـظـرتـه وقـد انـحـدر عـنـهـا صـاعـداً في الـزّورق إلى قـصـره بـأعـلى الـجـانـب الـشّـرقي عـلى الـشّـط : وهـو في فـتـاء مـن سـنّـه. أشـقـر الـلـحـيـة صـغـيـرهـا، حـسـن الـشّـكـل جـمـيـل الـمـنـظـر. أبـيـض الـلـون مـعـتـدل الـقـامـة، رائـق الـرّواء، سـنّـه نـحـو الـخـمـس وعـشـريـن سـنـة، لابـسـاً ثـوبـاً أبـيـض شـبـه الـقَـبـاء بـرسـوم ذهـب فـيـه، وعـلى رأسـه قـلـنـسـوة مـذهّـبـة مـطـوّقـة بـوبـر أسـود مـن الأوبـار الـغـالـيـة الـقـيـمـة، مـعـتـمـداً بـذلـك زيّ الأتـراك تـعـمـيـة لـشـأنـه، لـكـنّ الـشّـمـس لا تـخـفى وإن سـتـرت. وأبـصـرنـاه أيـضـاً عـشـيّ يـوم الأحـد بـعـده مـتـطـلـعـاً مـن مـنـظـرتـه الـمـذكـورة بـالـشّـطّ الـغـربي”.

وقـد شـهـد ابن جُـبـيـر مـجـلـسـاً لـلـفـقـيـه جـمـال الـدّيـن بـن الـجـوزي : “بـبـاب بـدر، في سـاحـة قـصـور الـخـلـيـفـة. ومـنـاظـره مـشـرفـة عـلـيـه. وهـذا الـمـوضـع مـن حـرم الـخـلـيـفـة وخُـصّ بـالـوصـول إلـيـه والـتّـكـلّـم فـيـه لـيـسـمـعـه مـن تـلـك الـمـنـاظـر الـخـلـيـفـة ووالـدتـه ومـن حـضـر مـن الـحُـرَم”.

ووالـدة الـخـلـيـفـة كـانـت زمـرد خـاتـون الّـتي شـيّـد ابـنـهـا الـنّـاصـر عـلى قـبـرهـا بـعـد وفـاتـهـا قـبّـة مـا زالـت قـائـمـة في بـغـداد، وإن كـان الـنّـاس يـعـرفـونـهـا بـاسـم “قـبـر الـسّـت زبـيـدة”.

زمرد خاتون

ذكـر أهـل بـغـداد :

مـع أنّ إقـامـة ابـن جُـبـيـر في بـغـداد لـم تـتـجـاوز ثـلاثـة عـشـر يـومـاً فـقـد خـصـص مـقـطـعـاً طـويـلاً مـن كـتـابـه في وصـف الـبـغـداديـيـن، وأطـلـق عـلـيـهـم أحـكـامـاً قـاطـعـة رغـم قـلّـة مـعـرفـتـهـم لـهـم واخـتـلاطـه بـهـم :

“وأمّـا أهـلـهـا (أي أهـل بـغـداد) فـلا تـكـاد تـلـقى مـنـهـم إلّا مـن يـتـصـنّـع بـالـتّـواضـع ريـاء، ويـذهـب بـنـفـسـه عـجـبـاً وكـبـريـاء.

يـزدرون الـغـربـاء، ويـظـهـرون لـمـن دونـهـم الأنـفـة والإبـاء، ويـسـتـصـغـرون عـمّـن سـواهـم الأحـاديـث والأنـبـاء.

قـد تـصـوّر كـلّ مـنـهـم في مـعـتـقَـده وخـلـده أنّ الـوجـود كـلّـه يـصـغـر بـالإضـافـة إلى بـلـده، فـهـم لا يـسـتـكـرمـون في مـعـمـور الـبـسـيـطـة مـثـوى غـيـر مـثـواهـم، كـأنّـهـم لا يـعـتـقـدون أنّ لله بـلاداً أو عـبـاداً سـواهـم.

يـسـحـبـون أذيـالـهـم أشـراً وبـطـراً، ولا يـغـيّـرون في ذات الله مـنـكـراً.

يـظـنـون أنّ أسـنى الـفـخـار في سـحـب الإزار، ولا يـعـلـمـون أنّ فـضـلـه، بـمـقـتـضى الـحـديـث الـمـأثـور، في الـنّـار.

يـتـبـايـعـون بـيـنـهـم بـالـذّهـب قـرضـاً، ومـا مـنـهـم مـن يـحـسـن لله فـرضـاً، فـلا نـفـقـة فـيـهـا إلّا مـن ديـنـار تـقـرضـه وعـلى يـدي مُـخـسِـر لـلـمـيـزان تـعـرضـه.

لا تـكـاد تـظـفـر مـن خـواصّ أهـلـهـا بـالـورع الـعـفـيـف، ولا تـقـع مـن أهـل مـوازيـنـهـا ومـكـايـيـلـهـا إلّا عـلى مـن ثـبـت لـه الـويـل في سـورة الـتّـطـفـيـف. لا يـبـالـون في ذلـك بـعـيـب، كـأنّـهـم مـن بـقـايـا مـديـن قـوم الـنّـبي شُـعـيـب. فـالـغـريـب فـيـهـم مـعـدوم الإرفـاق، مـتـضـاعـف الإنـفـاق. لا يـجـد مـن أهـلـهـا إلّا مـن يـعـامـلـه بـنـفـاق، أو يـهـشّ إلـيـه هـشـاشـة انـتـفـاع واسـتـرزاق.

كـأنّـهـم مـن الـتـزام هـذه الـخـلّـة الـقـبـيـحـة عـلى شـرط اصـطـلاح بـيـنـهـم واتّـفـاق. فـسـوء مـعـاشـرة أبـنـائـهـا يـغـلـب عـلى طـبـع هـوائـهـا ومـائـهـا، ويـعـلـل حـسـن الـمـسـمـوع مـن أحـاديـثـهـا وأنـبـائـهـا. أسـتـغـفـر الله إلّا فـقـهـاءهـم الـمُـحـدّثـيـن ووعـاظـهـم الـمـذكّـريـن…”

تـكـمـلـة الـرّحـلـة :

غـادر ابـن جُـبـيـر بـغـداد في الـثّـامـن والـعـشـريـن مـن شـهـر أيّـار 1184 م. مـتـوجـهـاً إلى الـمـوصـل. وعـبـرت الـقـافـلـة الّـتي كـان قـد انـضـمّ إلـيـهـا نـهـر الـدجـيـل قـبـل أن تـصـل إلى سـر مـن رأى : “وهي الآن عـبـرة مـن رأى. أيـن مـعـتـصـمـهـا وواثـقـهـا ومـتـوكّـلـهـا ؟ مـديـنـة كـبـيـرة قـد اسـتـولى الـخـراب عـلـيـهـا”.

ثـمّ وصـل إلى تـكـريـت في الأوّل مـن حـزيـران : “هي مـديـنـة فـاسـحـة الأرجـاء، فـسـيـحـة الـسّـاحـة، حـفـيـلـة الأسـواق، كـثـيـرة الـمـسـاجـد، غـاصـة بـالـخـلـق. أهـلـهـا أحـسـن أخـلاقـاً وقِـسـطـاً في الـمـوازيـن مـن أهـل بـغـداد. ودجـلـة في جـوفـيـهـا. ولـهـا قـلـعـة حـصـيـنـة عـلى الـشّـطّ هي قـصـبـتـهـا الـمـنـيـعـة. ويـطـيـف بـالـبـلـد سـور قـد أثّـر الـوهـن فـيـه. وهي مـن الـمـدن الـعـتـيـقـة الـمـذكـورة”.

ومـرّ في الـرّابـع مـن حـزيـران : “بـمـوضـع يـعـرف بـالـقـيّـارة مـن دجـلـة، فـيـه وهـدة مـن الأرض سـوداء كـأنّـهـا سـحـابـة أنـبـط الله فـيـهـا عـيـونـاً كـبـاراً وصـغـاراً تـنـبـع بـالـقـار. وربّـمـا يـقـذف بـعـضـهـا بـحـبـاب مـنـه كـأنّـهـا الـغـلـيـان. ويـصـنـع لـه أحـواض يـجـتـمـع فـيـهـا، فـتـراه […] أسـود أمـلـس صـقـيـلاً رطـبـاً، عـطـر الـرّائـحـة شـديـد الـتّـعـلـك. يـلـصـق بـالأصـابـع لأوّل مـبـاشـرة مـن الـلـمـس”. “وبـمـقـربـة مـن هـذه الـعـيـون عـلى شـطّ دجـلـة عـيـن أخـرى مـنـه كـبـيـرة. أبـصـرنـا عـلى الـبـعـد مـنـهـا دخـانـاً. فـقـيـل لـنـا إنّ الـنّـار تـشـعـل فـيـه إذا أرادوا نـقـلـه فـتـنـشّـف الـنّـار رطـوبـتـه الـمـائـيـة وتـعـقـده، فـيـقـطـعـونـه ويـحـمـلـونـه”.

ثـمّ وصـل إلى الـمـوصـل : ” هـذه الـمـديـنـة عـتـيـقـة ضـخـمـة، حـصـيـنـة فـخـمـة. كـادت أبـراجـهـا تـلـتـقي انـتـظـامـاً لـقـرب مـسـافـة بـعـضـهـا مـن بـعـض. وبـاطـن الـدّاخـل بـيـوت بـعـضـهـا عـلى بـعـض، مـسـتـديـرة بـجـداره الـمـطـيـف بـالـبـلـد كـلّـه”.

ورأى “في الـشّـرق مـنـهـا إذا عـبـرت دجـلـة” : “خـرابـاً عـظـيـمـاً يـقـال إنّـه مـديـنـة نـيـنـوى. وأثـر الـسّـور الـمـحـيـط بـهـذه الـمـديـنـة ظـاهـر، وفُـرج الأبـواب فـيـه بـيّـنـة، وأكـوام أبـراجـه مـشـرفـة”.

وأهـل الـمـوصـل : “لا تـلـقى مـنـهـم إلّا ذا وجـه طـلـق وكـلـمـة لـيّـنـة. ولـهـم كـرامـة لـلـغـربـاء وإقـبـال عـلـيـهـم. وعـنـدهـم اعـتـدال في جـمـيـع مـعـامـلاتـهـم”.

وقـد أكـمـل ابـن جُـبـيـر طـريـقـه مـن الـمـوصـل إلى حـلـب، ثـمّ مـنـهـا إلى دمـشـق. ومـن دمـشـق ذهـب إلى جـبـل لـبـنـان وإلى صـور.

وقـد ذكـر ابـن جُـبـيـر “حـسـن سـيـرة” الـسّـلـطـان صـلاح الـدّيـن الأيـوبي الّـذي كـان يـشـنّ الـحـرب في تـلـك الـسّـنـوات عـلى مـمـالـك الـصّـلـيـبـيـن في سـوريـا وفـلـسـطـيـن.

وركـب ابـن جـبـيـر في عـكّـة سـفـيـنـة أرجـعـتـه إلى الأنـدلـس الّـتي وصـلـهـا في شـهـر نـيـسـان مـن سـنـة 1185.

وقـد سـجّـل سـرد رحـلـتـه في كـتـاب : “رسـالـة اعـتـبـار الـنّـاسـك في ذكـر الآثـار الـكـريـمـة والـمـنـاسـك” الّـذي تـعـودنـا عـلى تـسـمـيـتـه بـ “رحـلـة ابـن جُـبـيـر”.

إبن جبير

وأنـهي هـذا الـمـقـال بـمـا وضـعـه ابـن جُـبـيـر في نـهـايـة كـتـابـه مـن مـلاحـظـات عـن “الـمـشـارقـة” واخـتـلافـاتـهـم عـن “الـمـغـاربـة”. والـمـغـاربـة عـنـده أهـل الأنـدلـس (إسـبـانـيـا الـحـالـيـة). وقـد كـتـب وصـفـاً مـلـيـئـاً بـالـسّـخـريـة لـمـا ظـهـر غـريـبـاً عـلـيـه، لـم يـتـعـوده مـن تـصـرفـات “الـمـشـارقـة” الّـتي لـم يـفـهـمـهـا. وقـد بـالـغ في وصـفـه لـيـتـوصـل إلى مـبـغـاه :

“ومـخـاطـبـة أهـل هـذه الـجـهـات قـاطـبـة بـعـضـهـم لـبـعـض بـالـتّـمـويـل والـتّـسـويـد وبـامـتـثـال الـخـدمـة وتـعـظـيـم الـحـضـرة […] وصـفـة سـلامـهـم إيـمـاء لـلـرّكـوع أو الـسّـجـود. فـتـرى الأعـنـاق تـتـلاعـب بـيـن رفـع وخـفـض، وبـسـط وقـبـض. وربّـمـا طـالـت بـهـم الـحـالـة في ذلـك، فـواحـد يـنـحـطّ وآخـر يـقـوم، وعـمـائـمـهـم تـهـوي بـيـنـهـم هـويـاً. وهـذه الـحـالـة مـن الإنـعـكـاف الـرّكـوعي في الـسّـلام كـنّـا عـهـدنـاه لِـقَـيـنـات الـنّـسـاء، وعـنـد اسـتـعـراض رقـيـق الإمـاء. فـيـا عـجـبـاً لـهـؤلاء الـرّجـال، كـيـف تـحـلّـوا بـسـمـات ربّـات الـحـجـال. لـقـد ابـتـذلـوا أنـفـسـهـم فـيـمـا تـأنـف الـنّـفـوس الأبـيـة مـنـه.[…] لـقـد تـسـاوت الأذنـاب عـنـدهـم والـرّؤوس، ولـم يـمـيّـز لـديـهـم الـرّئـيـس مـن الـمـرؤوس !

ومـن عـجـب حـال الـصّـغـيـر عـنـدهـم والـكـبـيـر، بـجـمـيـع هـذه الـجـهـات كـلّـهـا، أنّـهـم يـمـشـون وأيـديـهـم إلى خـلـف، قـابـضـيـن بـالـواحـدة عـلى الأخـرى. ويـركـعـون لـلـسّـلام عـلى تـلـك الـحـالـة الـمـشـبـهـة بـأحـوال الـعُـنـاة مـهـانـةً واسـتـكـانـة، كـأنّـهـم قـد سِـيـمـوا تـعـنـيـفـاً وأوثـقـوا تـكـتـيـفـاً. وهـم يـعـتـقـدون تـلـك الـهـيـئـة لـهـم تـمـيـيـزاً في ذوي الـخـصـوصـيـة وتـشـريـفـاً.[…] والـمـحـتـشـم مـنـهـم مـن يـسـحـب ذيـلـه عـلى الأرض شـبـراً أو يـضـع خـلـفـه الـيـد الـواحـدة عـلى الأخـرى. قـد تـخـذوا هـذه الـمـشـيـة بـيـنـهـم سـنـنـاً، وكـلّ مـنـهـم قـد زُيّـن لـه سـوء عـمـلـه فـرآه حـسـنـاً”.

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

رأي واحد على “الـعـراقـيـون كـمـا رآهـم الأنـدلـسي ابـن جُـبـيـر”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s