تـمـثـالان لآشـوربـانـيـبـال وجـلـجـامـش في سـان فـرانـسـيـسـكـو وسـيـدني

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

Ashurbanipal King of Syria statue,Asian Art Museum,San Francisco,California,USA

عـنـدمـا نـصـب تـمـثـال آشـوربـانـيـبـال في The Civic Center في سـان فـرانـسـيـسـكـو، كـالـيـفـورنـيـا (الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة) عـام 1988، سـخـر مـنـه كـثـيـر مـن الـنّـقـاد وأشـاروا إلى أنّـه يـمـثّـل جـلـجـامـش أكـثـر مـمـا يـمـثّـل آشـوربـانـيـبـال.

وإن كـانـوا مـحـقّـيـن في أنّـه لا يـمـثّـل آشـوربـانـيـبـال، فـهـل يـمـثّـل الـتّـمـثـال حـقـاً جـلـجـامـش ؟

ولـنـبـدأ قـصـتـنـا بـالـبـدايـة. وكـانـت الـبـدايـة عـنـدمـا بـدأ بـول إمـيـل بـوتـا Paul- Emile BOTTA ، قـنـصـل فـرنـسـا في الـمـوصـل تـنـقـيـبـاتـه في خـورسـبـاد، قـرب الـمـوصـل عـام 1843، وأزاح الـتّـراب عـن بـقـايـا دور شـروكـيـن، قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (حـكـم مـن 721 إلى 705 قـبـل الـمـيـلاد).

وفي الـعـام الـتّـالي أي 1844 عـثـر في مـدخـل قـاعـة عـرش الـمـلـك عـلى مـنـحـوتـتـيـن جـداريـتـيـن عـالـيـتي الإرتـفـاع (تـرتـفـع كـلّ واحـدة مـنـهـمـا إلى خـمـسـة أمـتـار) أرسـلـتـا إلى بـاريـس ووضـعـتـا في “الـمـتـحـف الآشـوري” الّـذي افـتـتـح في داخـل مـتـحـف الـلـوفـر عـام 1847. وبـعـد تـجـديـد الـمـتـحـف في أواخـر الـقـرن الـمـاضي، خـصـصـت لـلـمـنـحـوتـات الآشـوريـة في مـتـحـف الـلـوفـر قـاعـة أسـمـيـت بـ “حـوش خـورسـبـاد”، يـمـكـنـنـا رؤيـة الـمـنـحـوتـتـيـن فـيـهـا.

“مـنـحـوتـتـا جـلـجـامـش” في مـتـحـف الـلـوفـر :

والـمـنـحـوتـتـان تـمـثّـلان رجـلاً طـويـل الـشّـعـر مـهـيـب الـلـحـيـة، صـفـف شـعـره ولـحـيـتـه عـلى طـريـقـة تـصـفـيـف شـعـور الـمـلـوك والـنّـبـلاء. ويـظـهـر في إحـداهـمـا مـرتـديـاً قـمـيـصـاً قـصـيـراً يـنـزل إلى ركـبـتـيـه،

جلجامش لوفر 3

ويـرتـدي في الـثّـانـيـة نـفـس الـقـمـيـص وفـوقـه رداء طـويـل يـغـطي سـاقـه الـيـسـرى ويـكـشـف عـن سـاقـه الـيـمـنى.

جلجامش لوفر 2

ويـحـمـل في يـده الـيـمـنى سـلاحـاً مـعـقـوفـاً اسـمـه “حـربـة Harbé “، كـان مـخـصـصـاً لـلـمـلـوك، ويـمـسـك تـحـت ذراعـه الأيـسـر بـشـبـل يـشـدّ عـلـيـه بـقـوّة بـيـنـمـا يـنـفـض الـشّـبـل رأسـه ويـكـشّـر عـن أنـيـابـه ويـخـرج أظـلافـه مـحـاولاً الـتّـخـلـص مـن الـقـبـضـة. ويـقـف كـلّ واحـد مـن شـخـصي الـمـنـحـوتـتـيـن وراء مـنـحـوتـه بـارزة الـنّـتـوء لـثـور مـجـنـح.

ونـلاحـظ أنّـه يـقـف مـواجـهـاً الـمـشـاهـد، والـمـعـتـاد في الـمـنـحـوتـات الآشـوريـة أن يـصـوّر الأشـخـاص، وحـتّى الـمـلـوك مـنـهـم، جـانـبـيـاً. أمّـا الـتّـصـويـر الـمـواجـه فـقـد كـان مـخـصـصـاً لـمـشـاهـد أبـطـال الأسـاطـيـر ومـن يـمـتـلـكـون خـصـائـص سـحـريـة أو خـارقـة لـلـعـادة.

كـمـا أنّـه يـربـط حـول مـعـصـمـه سـواراً تـزيّـن وسـطـه بـتـائـل زهـرة. وقـد وجـدت مـثـل هـذه الأسـورة في مـقـابـر الـمـلـكـات في مـوقـع نـمـرود (جـنـوب الـمـوصـل). وبـتـائـل الـزّهـور الّـتي عـثـر عـلـيـهـا كـانـت مـن الأحـجـار الـكـريـمـة.

واسـتـنـتـج الـبـاحـثـون مـن كـلّ هـذه الـتّـفـاصـيـل أنّ الـمـنـحـوتـتـيـن لا يـمـكـن إلّا أن تـصـوّرا مـلـكـاً، ومـلـكـاً لـه قـدرات اسـتـثـنـائـيـة وأسـطـوريـة.

وربّـمـا كـانـتـا تـمـثـلان جـلـجـامـش. ونـحـن نـعـرف أن جـلـجـامـش حـسـب الـمـلـحـمـة الّـتي سـمّـيـت بـاسـمـه كـان مـلـك الـوركـاء، وصـارت قـوّتـه في الأسـطـورة خـارقـة لـلـعـادة.

وربّـمـا كـانـت الـمـنـحـوتـتـان نـسـخـتـيـن بـارزتي الـنّـتـوء لـتـمـثـال قـديـم دائـري (أي يـمـكـن أن نـدور حـولـه). ويـدعـم هـذا الإحـتـمـال أن رأس الـرّجـل في كـلّ واحـدة مـن الـمـنـحـوتـتـيـن يـخـرج تـقـريـبـاً مـن الـجـدار ويـكـاد أن يـكـون دائـريـاً.

وقـد جـرت الـعـادة عـلى تـسـمـيـة الـمـنـحـوتـتـيـن بـمـنـحـوتـتي جـلـجـامـش، رغـم أنّـهـمـا تـصـنّـفـان في الـدّراسـات الـعـلـمـيـة تـحـت اسـم : “بـطـل قـابـض عـلى شـبـل”.

تـمـثـال “آشـوربـانـيـبـال” في سـان فـرانـسـيـسـكـو :

ولـنـعـد الآن إلى سـان فـرانـسـيـسـكـو لـنـتـأمّـل تـمـثـال “آشـوربـانـيـبـال” :    The Statue of Ashurbanipal أو The Ashurbanipal Monument.

والـتّـمـثـال عـالي الإرتـفـاع، يـصـل مـع قـاعـدتـه إلى حـوالي خـمـسـة أمـتـار. وهـو مـن الـبـرونـز (يـزن حـوالي 8200 كـلـغـم.). وقـد نـحـتـه فـريـد بـرهـاد أو فـرهـاد Fred Parhad ، وهـو مـن أصـل آثـوري. نـفّـذه بـطـلـب مـن الـمـؤسـسـة الآثـوريـة لـلـفـنـون The Assyrian Fondation of the Arts، وقـدّم في 1988 كـهـديـة مـن “الـشّـعـب الآشـوري” أي الـجـالـيـة الآثـوريـة إلى بـلـديـة سـان فـرانـسـيـسـكـو.

آشوربانيبال سان فرنسيسكو 2

والـتّـمـثـال نـسـخـة دائـريـة (أي يـمـكـن أن نـدور حـولـهـا) لـواحـدة مـن مـنـحـوتـتي مـتـحف الـلـوفـر الّـتي تـكـلـمـنـا عـنـهـا بـعـد أن بـالـغ الـنّـحّـات في نـفـخ عـضـلات شـخـصـيـتـهـا. يـرتـدي فـيـهـا آشـوربـانـيـبـال نـفـس الـقـمـيـص والـرّداء، ولـكّـنـه يـقـبـض عـلى الـشّـبـل بـذراعـه الأيـمـن ويـحـمـل بـيـده الـيـسـرى مـا أراد بـه الـنّـحـات أن يـكـون لـوحـاً مـن الـصّـلـصـال واسـع الـمـقـايـيـس كُـتـب عـلـيـه نـصّ بـالـمـسـمـاريـة. وحُـفـر عـلى قـاعـدة الـتّـمـثـال نـصّ يـتـكـلّـم عـن الـمـلـك الآشـوري آشـوربـانـيـبـال (حـكـم مـن 669 إلى 627 قـبـل الـمـيـلاد).

ويـبـدو اخـتـيـار مـنـحـوتـة نـفّـذت في زمـن سـرجـون الـثّـاني، جـدّ والـد آشـوربـانـيـبـال لـتـمـثـل حـفـيـد ابـنـه الّـذي حـكـم بـعـد زمـن طـويـل مـن وفـاتـه اخـتـيـاراً غـريـبـاً. ولا نـدري هـل نـعـزي هـذا الـخـلـط إلى جـهـل الـمـؤسـسـة الّـتي طـلـبـت الـتّـمـثـال والـنّـحـات الّـذي نـفّـذه بـالـتّـاريـخ الآشـوري أم إلى رغـبـة الـمـؤسـسـة أو الـنّـحـات بـنـصـب تـمـثـال يـجـذب الأنـظـار ويـظـهـر قـوّة الـمـلـك الآشـوري وحـبّـه لـلـمـعـارف مـهـمـا كـان الأصـل الـمـأخـوذ عـنـه.

وطـبـعـاً لـم تـتـوقّـع الـمـؤسـسـة ولا الـنّـحـات أن يـثـيـر هـذا الـخـلـط سـخـريـة الـنّـقـاد وكـشـفـهـم عـن الأصـل الّـذي أخـذ عـنـه الـتّـمـثـال.

 

تـمـثـال “جـلـجـامـش” في سـيـدني :

وإذا مـا زرنـا جـامـعـة سـيـدني The University of Sydney في أسـتـرالـيـا فـسـنـرى في جـانـب مـن حـديـقـتـهـا تـمـثـال “جـلـجـامـش”.

جلجامش في أستراليا

وقـد نـفّـذ الـتّـمـثـال الـحـجـري الّـذي يـبـلـغ ارتـفـاعـة مـتـريـن ونـصـف لـويـس بـطـرس Lewis Batros وقـدمـه  مـركـز جـلـجـامـش الـثّـقـافي  The Gilgamesh Cultural Center بـاسـم الـجـالـيـة الآثـوريـة كـهـديـة إلى الـجـامـعـة بـمـنـاسـبـة احـتـفـالـهـا بـمـرور مـائـة وخـمـسـيـن عـامـاً عـلى تـأسـيـسـهـا. ونـصـب في حـديـقـتـهـا عـام 2000.

وثـبّـت عـلى قـاعـدة الـتّـمـثـال لـوح مـعـدني كـتـب عـلـيـه بـحـروف بـيـضـاء عـلى خـلـفـيـة سـوداء تـلـخـيـص لـمـلـحـمـة جـلـجـامـش.

والـتّـمـثـال نـسـخـة مـن مـنـحـوتـة الـلـوفـر الـجـداريـة الّـتي يـرتـدي فـيـهـا “الـبـطـل الـقـابـض عـلى الـشّـبـل” رداءً طـويـلاً فـوق الـقـمـيـص. وقـد احـتـفـظ بـالـنـعـلـيـن الـمـربـوطـيـن بـشـرائـط جـلـديـة كـمـا في الأصـل الـلـوفـري، ولـكـنّـه في تـمـثـال سـيـدني لا يـمـسـك بـيـده الـيـمـنى بـ “الـحـربـة” بـل بـمـا يـبـدو خـنـجـراً يـخـتـفي وراء فـخـذه.

ونـلاحـظ أنّ تـمـثـال سـيـدني قـد تـأثّـر كـثـيـراً بـتـمـثـال سـان فـرانـسـيـسـكـو رغـم أنّـه “صـحـح” هـويـة الـشّـخـصـيـة الّـتي يـمـثّـلـهـا، فـقـد تـحـولـت مـن “آشـوربـانـيـبـال” إلى “جـلـجـامـش”.

ولـكـنّ هـل تـمـثّـل مـنـحـوتـتـا قـصـر سـرجـون الـثّـاني “جـلـجـامـش” حـقّـاً، أم “بـطـلاً قـابـضـاً عـلى شـبـل” نـجـهـل هـويـتـه ؟

 

 

Advertisements

لـوحـة “سـمـيـرامـيـس تـشـيّـد مـديـنـة بـابـل” لإدغـار دُغـا

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

سميراميس تشييد

أحـاطـت بـاسـم “سـمـيـرامـيـس” في صـغـري هـالـة مـن الـغـمـوض والإبـهـام. وعـنـدمـا سـألـت عـنـهـا أجـابـوني أنّـهـا كـانـت مـلـكـة حـكـمـت في زمـن شـديـد الـقـدم ولـهـذا أطـلـقـوا اسـمـهـا عـلى دار سـيـنـمـا في بـغـداد. وقـد حـاولـت أن أعـرف عـنـهـا الـمـزيـد بـعـد ذلـك ولـكـنّي لـم أجـد مـا يـشـبـع فـضـولي.

ثـمّ مـرّت سـنـوات طـويـلـة قـبـل أن يـسـعـدني الـحـظ بـتـأمّـل لـوحـة كـان الـفـنـان الـفـرنـسي إدغـار دُغـا (1) Edgar Degas قـد رسـمـهـا في مـطـلـع حـيـاتـه الـفـنّـيـة وتـركـهـا قـبـل أن يـنـهـيـهـا. وقـد أسـمـاهـا “سـمـيـرامـيـس تـشـيّـد مـديـنـة بـابـل Sémiramis construisant Babylone”. وبـعـد أن شـبـعـت عـيـنـاي مـن تـأمّـل جـمـالـهـا، عـادت إليّ رغـبـتي في مـعـرفـة الأسـطـورة.

أسـطـورة سـمـيـرامـيـس :

كـان إدغـار دُغـا قـد قـرأ أسـطـورة سـمـيـرامـيـس (Σεμίραμις بـالـلـغـة الـيـونـانـيـة) في الـجـزء الـثّـاني مـن “الـمـكـتـبـة الـتّـاريـخـيـة ” لـلـكـاتـب الـيـونـاني ديـودورس الـصّـقـلّي Diodorus Siculus الّـذي عـاش في الـقـرن الأوّل قـبـل الـمـيـلاد.

ونـحـن نـعـرف أنّ الأسـطـورة كـانـت قـد اخـتـرعـت قـبـل ذلـك بـقـرون، فـقـد ذكـرهـا الـمـؤرخ الـيـونـاني هـيـرودوت في الـمـقـطـع 184 مـن الـجـزء الأوّل مـن تـاريـخـه. وكـان هـيـرودوت قـد زار بـابـل في الـقـرن الـخـامـس قـبـل الـمـيـلاد أي بـعـد سـقـوط الـدّولـة الـبـابـلـيـة الـمـتـأخّـرة وعـاصـمـتـهـا بـأيـدي الـفـرس. (أنـظـر مـقـالي : بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في تـاريـخ هـيـرودوت)(2). وكـانـت سـمـيـرامـيـس، حـسـب الأسـطـورة الّـتي نـقـلـهـا هـيـرودوت، أولى مـلـكـات بـابـل، وهي الّـتي أمـرت بـتـشـيـيـد هـذه الـمـديـنـة.

أمّـا عـنـد ديـودورس الـصّـقـلّي الّـذي نـقـل الأسـطـورة عـن إقـطـسـيـاس الإقـنـيـدي، فـقـد أصـبـحـت مـلـكـة آشـور. وهـو يـفـصّـل الـكـلام عـنـهـا في الـمـقـطـع الـرّابـع ومـا بـعـده مـن الـجـزء الـثّـاني مـن كـتـابـه : “الـمـكـتـبـة الـتّـاريـخـيـة”.

وسـمـيـرامـيـس عـنـده ابـنـة الإلـهـة درسـتـو الّـتي ولـدتـهـا قـرب عـسـقـلان. وقـد اعـتـنـت بـالـطـفـلـة الـولـيـدة حـمـامـات تـكـلّـفـت بـتـغـذيـتـهـا بـسـرقـة الـحـلـيـب والـلـبـن مـن الـفـلاحـيـن. ثـمّ وجـدهـا بـعـد ذلـك أحـد رعـاة الـمـنـطـقـة وتـبـنّـاهـا. وصـارت سـمـيـرامـيـس فـتـاة رائـعـة الـجـمـال، فـتـن مـرآهـا أونـيـس، مـسـتـشـار الـمـلـك الآشـوري نـيـنـوس فـتـزوجّـهـا.

وخـلال حـمـلـة حـربـيـة قـام بـهـا الـمـلـك نـيـنـوس إلى بـلاد بـاخـتـر (في آسـيـا الـوسـطى)، أظـهـرت سـمـيـرامـيـس ذكـاءً خـارقـاً وحـقـق الـمـلـك انـتـصـارات عـظـيـمـة بـاتـبّـاعـه لـنـصـائـحـهـا. وقـد قـادت هي نـفـسـهـا كـتـيـبـة اسـتـطـاعـت فـتـح مـديـنـة كـان قـد اسـتـعـصى فـتـحـهـا عـلى الـجـيـش الآشـوري مـدّة طـويـلـة !

وقـد فـتـن بـهـا الـمـلـك نـيـنـوس وطـلـب مـن زوجـهـا الـمـسـتـشـار أونـيـس أن يـطـلّـقـهـا، فـطـلّـقـهـا الـمـسـتـشـار وتـزوّجـهـا الـمـلـك. وقـد مـات الـمـلـك نـيـنـوس بـعـد ذلـك بـزمـن قـصـيـر فـصـارت سـمـيـرامـيـس وصـيّـة عـلى ابـنـهـمـا، وحـكـمـت نـيـابـة عـنـه.

وخـلال حـكـمـهـا شـيّـدت مـديـنـة بـابـل وفـتـحـت الـبـلاد الـمـحـيـطـة بـآشـور وبـابـل مـن غـرب مـصـر إلى شـرق الـهـنـد. وقـد أوقـف تـقـدّم جـيـشـهـا مـلـك هـنـدي انـتـصـر عـلـيـهـا، فـتـركـت الـفـتـوحـات وعـادت إلى نـيـنـوى. واكـتـشـفـت سـمـيـرامـيـس بـعـد رجـوعـهـا أنّ ابـنـهـا نـيـنـيـاس تـآمـر ضـدّهـا لأخـذ الـحـكـم مـنـهـا. ولـم تـغـضـب الـمـلـكـة عـلى ابـنـهـا ولـم تـعـاقـبـه، بـل تـركـت لـه الـدّولـة الـشـاسـعـة الإمـتـداد ونـصـبـتـه مـلـكـاً عـلـيـهـا ثـم اخـتـفـت. وتـذكـر بـعـض صـيـغ الأسـطـورة أنّـهـا تـحـوّلـت إلى حـمـامـة طـارت في الـفـضـاء !

ولا أظـن أنـني أحـتـاج إلى أن أذكّـر الـقـارئ بـأنّ الأسـمـاء الّـتي وردت في هـذه الأسـطـورة لـيـس لـهـا أدنى صـحـة تـاريـخـيـة، ومـع ذلـك فـقـد حـاول الـبـاحـثـون أن يـجـدوا أصـلاً تـاريـخـيـاً لإسـطـورة سـمـيـرامـيـس. واقـتـرحـوا أن تـكـون سـمـيـرامـيـس تـحـويـراً لـشـخـصـيـة سـامـورَمـات الّـتي كـانـت “سـيـدة الـقـصـر” (وهـو مـا كـان يـعـني عـنـد الآشـوريـيـن “مـلـكـة”).

وكـانـت سـامـورَمـات زوجـة الـمـلـك الآشـوري شـمـشي أداد الـخـامـس (حـكـم مـن 823 إلى 811 قـبـل الـمـيـلاد) ووالـدة الـمـلـك أداد نِـراري الـثّـالـث (حـكـم مـن 810 إلى 783 قـبـل الـمـيـلاد). ولأنّ ابـنـهـا كـان صـغـيـراً في الـعـمـر عـنـدمـا مـات أبـوه سـنـة 811 ق. م. فـقـد حـكـمـت سـامـورَمـات بـدلاً عـن ابـنـهـا أكـثـر مـن أربـع سـنـوات. وقـد وجـد الـمـنـقّـبـون ذكـراً لـهـا في نـصّ مـسـمـاري مـنـقـوش عـلى مـسـلّـة، وفي نـصّ آخـر عـلى تـمـثـال لـلإلـه نـبـو. وكـانـت الـمـرأة الـوحـيـدة الّـتي ذكـر اسـمـهـا في نـقـوش مـسـمـاريـة بـيـن مـلـوك آشـور.

شـغـف الأوربـيـيـن بـهـذه الأسـطـورة :

لـم يـكـن إدغـار دُغـا الـوحـيـد الّـذي اهـتـمّ بـهـذه الأسـطـورة فـقـد كـان أسـتـاذه الـفـنـان الـشّـهـيـر غـوسـتـاف مـورو Gustave Moreau قـد رسـم سـمـيـرامـيـس أيـضـاً، كـمـا نـظـم الـمـوسـيـقـار الإيـطالي روسـيـني أوبـرا عـنـهـا قـدّمـت في دار أوبـرا بـاريـس في نـفـس الـسّـنـة 1860.

والـغـريـب في الأمـر هـو أنّ الأسـطـورة لاقـت نـجـاحـاً في فـتـرة نـمـت فـيـهـا الـدّراسـات الـعـلـمـيـة عـن بـلاد مـا بـيـن الـنـهـريـن (الـعـراق الـقـديـم) وبـدأت تـقـرأ نـصـوصـهـا بـعـد أن حـلّـت طـلاسـم الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة ونـشـأ عـلـم الآشـوريـات. وإدغـار دُغـا نـفـسـه كـان يـقـضي سـاعـات طـويـلـة في مـتـحـف الـلـوفـر يـنـسـخ فـيـه لـوحـات شـيـوخ الـفـنّ، وكـان يـمـرّ أمـام الـمـنـحـوتـات الآشــوريـة في مـا أسـمـي بـ “الـمـتـحـف الآشـوري” الّـذي أنـشئ في 1857 في داخـل مـتـحـف الـلـوفـر. كـمـا كـان قـد قـرأ بـعـض مـا كـان هـنـري لَـيـارد Henry LAYARD وكـيـنـيـت لـوفـتـوس Kennett LOFTUS قـد نـشـراه عـن تـنـقـيـبـاتـهـمـا في نـيـنـوى ونـمـرود.

لـوحـة إدغـار دُغـا :

بـعـد أن عـاد إدغـار دُغـا إلى بـاريـس مـن إيـطـالـيـا الّـتي كـان قـد أقـام فـيـهـا مـن 1856 إلى 1860، بـدأ حـالاً بـرسـم لـوحـة زيـتـيـة واسـعـة الـمـقـايـيـس : 1،51 × 2،58 ، أسـمـاهـا “سـمـيـرامـيـس تـشـيّـد مـديـنـة بـابـل Sémiramis construisant Babylone “. وكـان أنـذاك في الـسّـادسـة والـعـشـريـن مـن عـمـره. ولـكـنّـه تـرك لـوحـتـه مـن غـيـر أن تـكـتـمـل في 1862. وبـقـيـت الـلـوحـة في مـرسـمـه حـتّى وفـاتـه في 1917. وهي الآن مـن مـقـتـنـيـات مـتـحـف أورسـيـه في بـاريـس الّـتي نـسـتـطـيـع أن نـراهـا فـيـه. ومـا زال مـكـتـب مـحـفـوظـات الـفـنـون الـغـرافـيـكـيـة Cabinet d’Art Graphique في بـاريـس يـمـتـلـك عـدّة رسـوم تـحـضـيـريـة نـفّـذهـا إدغـار دُغـا، مـمـا يـدّل عـلى الـعـنـايـة الّـتي أولاهـا الـفـنـان لـلـتّـفـاصـيـل الـتّـاريـخـيـة في لـوحـتـه.

وربّـمـا كـان سـبـب اخـتـيـار الـفـنّـان إدغـار دُغـا لـهـذه الأسـطـورة هـو أنّـه عـنـدمـا عـاد إلى بـاريـس في 1860 وجـدهـا قـد تـغـيّـرت تـغـيـراً هـائـلاً، فـقـد قـام الـبـارون هـوسـمـان Le Baron Haussmann بـهـدم أجـزاء كـبـيـرة مـن أحـيـائـهـا الـقـديـمـة لـيـشـيـد في مـكـانـهـا الـمـديـنـة الـجـديـدة الّـتي أسـمـاهـا الـبـعـض بـ “بـابـل الـحـديـثـة “.

ولـوحـة إدغـار دُغـا كـانـت نـوعـاً مـن الـحـنـيـن إلى الـمـاضي أراد أن يـحـتـفـظ فـيـهـا فـنّـيـاً بـذكـريـاتـه عـن بـاريـس الـقـديـمـة = “بـابـل الـقـديـمـة ” الّـتي بـدأ يـصـوّرهـا شـبـيـهـة بـالـمـدن الإيـطـالـيـة الـقـديـمـة كـمـا رسـمـهـا فـنـانـو عـصـر الـنّـهـضـة في الـقـرن الـخـامـس عـشـر، ولـكـنّـه في الـنّـهـايـة تـركـهـا في الـضّـبـاب.

ونـرى الـجـزء الّـذي لـم يـكـتـمـل مـن الـلـوحـة في أعـلاهـا وفي يـسـارهـا، ولا شـكّ في أنّ هـذا مـا يـضـفي عـلى الـلـوحـة جـمـالـهـا، فـبـابـل عـبـر الـفـرات ووراء الأسـوار مـا زالـت في طـور الـتّـشـيـيـد لـم تـكـتـمـل … ولـو أكـمـل الـفـنّـان لـوحـتـه لأثـقـلـتـهـا الـتّـفـاصـيـل وفـقـدت مـن شـفـافـيـتـهـا.

سميراميس تشييد (2)

ونـرى في الـلـوحـة الـمـلـكـة سـمـيـرامـيـس عـلى شـرفـة تـتـأمّـل مـديـنـة بـابـل الّـتي شُـرع في تـشـيـيـدهـا في الـجـانـب الـمـقـابـل مـن الـفـرات، تـصـاحـبـهـا نـسـاء بـلاطـهـا وخـلـفـهـنّ جـواد يـجـرّ عـربـة الـمـلـكـة الّـتي لا نـرى مـنـهـا إلّا مـقـدمـتـهـا.

وتـبـدو الـمـلـكـة الـشّـقـراء الـمـمـشـوقـة الـقـدّ في ثـوبـهـا الأبـيـض الـهـفـاف كـمـا لـو كـانـت قـد خـرجـت مـن رسـوم جـداريـات فـنّـان عـصـر الـنّـهـضـة الإيـطـالي بـيـيـرو ديـلّا فـرانـشـيـسـكـا. ونـلاحـظ تـأثـيـر بـيـيـرو ومـعـاصـريـه مـن الإيـطـالـيـيـن عـلى فـنـانـنـا في تـكـويـن الـلـوحـة ورسـم الـشّـخـصـيـات. وكـان دُغـا قـد شـاهـد بـعـض أعـمـال بـيـيـرو ديـلّا فـرانـشـيـسـكـا في مـديـنـة أريـزو Arezzo خـلال إقـامـتـه في إيـطـالـيـا. ومـع ذلـك فـقـد رسـم الـمـلـكـة وتـابـعـتـهـا والـثّـالـثـة الـجـالـسـة عـلى ركـبـتـيـهـا جـانـبـيـاً كـمـا في الـمـنـحـوتـات الآشـوريـة.

سميراميس تشييد (3)

كـمـا رسـم جـانـبـيـاً الـحـصـان والـعـربـة الـمـلـكـيـة الّـتي يـجـرّهـا تـمـامـاً مـثـلـمـا رآهـا في مـنـحـوتـات قـصـر سـرجـون الـثّـاني الّـتي كـان بـول إمـيـل بـوتـا، قـنـصـل فـرنـسـا في الـمـوصـل، قـد عـثـر عـلـيـهـا في تـنـقـيـبـاتـه وبـعـثـهـا إلى مـتـحـف الـلـوفـر.

سميراميس تشييد (4)

ونـحـن نـعـرف أنّ إدغـار دُغـا تـرك لـوحـتـه “سـمـيـرامـيـس” قـبـل أن يـكـمـلـهـا، كـمـا تـرك مـشـروعـه لـرسـم لـوحـات “تـاريـخـيـة” في 1862 بـعـد أن الـتـقى بـإدوار مـانـيـه Edward Manet واكـتـشـف طـرقـاً فـنّـيـة جـديـدة قـادتـه بـعـد ذلـك إلى مـصـاحـبـة الـحـركـة الإنـطـبـاعـيـة والإهـتـمـام بـالـضّـوء الّـذي يـنـبـثـق مـن تـجـزئـة الألـوان بـلـمـسـات دقـيـقـة مـتـجـاورة. وهـو مـا نـراه في لـوحـاتـه عـن الـعـاريـات الـمـسـتـحـمّـات أو عـن راقـصـات الأوبـرا الـصّـغـيـرات الـلاتي صـاحـبـهـنّ سـنـوات طـويـلـة يـرسـمـهـنّ في تـمـاريـنـهـنّ الـيـومـيّـة.

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) نـكـتـب إدغـار دُغـا بـحـرف الـغـيـن لـنـدل عـلى لـفـظ لا نـكـتـبـه بـالـلـغـة الـعـربـيـة ، وهـو مـثـل الـجـيـم كـمـا يـلـفـظـهـا الـمـصـريـون في “جـمـال” مـثـلاً، أو مـثـل لـفـظ الـقـاف الـبـغـدادايـة، والّـتي يـكـتـبـهـا الـعـراقـيـون كـافـاً يـعـلـو ذراعـهـا الأعـلى خـط يـوازيـه. ولـفـظ الإسـم بـالـفـرنـسـيـة يـقـتـرب مـن “دُغـا” بـالـضّـمـة أكـثـر مـنـه مـن “دوغـا” بـالـوار، أمّـا الّـذيـن يـكـتـبـونـه “ديـغـا” بـالـيـاء فـهـم يـجـهـلـون تـمـامـاً قـواعـد لـفـظ الـلـغـة الـفـرنـسـيـة.

(2) أنـظـر مـقـالي : “بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في تـاريـخ هـيـرودوت” : https://sabahalnassery.wordpress.com/2015/04/19/%D8%A8%D9%80%D9%84%D8%A7%D8%AF-%D9%85%D9%80%D8%A7-%D8%A8%D9%80%D9%8A%D9%80%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%80%D9%86%D9%91%D9%80%D9%87%D9%80%D8%B1%D9%8A%D9%80%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D9%80%D8%A7%D8%B1%D9%8A/

 

 

الـعـراق في رحـلـة ابـن بـطـوطـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

إبن بطوطة 4

تـعـودنـا مـنـذ صـغـرنـا الـسّـمـاع عـن ابـن بـطّـوطـة ورحـلـتـه. وتـعـودنـا عـلى قـراءة الـكـثـيـر عـنـه وربّـمـا عـلى بـعـض الـمـقـاطـع والـتّـلـخـيـصـات. ولـكـنّ كـم مـنّـا فـتـح كـتـاب رحـلـتـه وقـرأ ولـو بـعـض الـفـصـول الّـتي تـخـصّـنـا ؟

وأصـارحـكـم الـقـول أنـني لـم أبـدأ بـقـراءة الـرّحـلـة قـراءة مـتـعـمّـقـة إلّا مـنـذ سـنـوات قـلـيـلـة. وبـعـد أن تـمـعـنـت في قـراءة الـفـصـول الّـتي تـهـمـني وتـفـحـصّـت دقـائـقـهـا وتـفـاصـيـلـهـا، فـوجـئـت بـالـفـرق الـشّـاسـع بـيـن قـيـمـة الـكـتـاب الـمـعـرفـيـة وبـيـن الأسـطـورة الّـتي تـكـوّنـت حـولـه خـلال قـرون طـويـلـة.

إبـن بـطّـوطـة ورحـلاتـه :

ولـد أبـو عـبـد الله مـحـمّـد بـن إبـراهـيـم الـمـعـروف بـابـن بـطّـوطـة في مـديـنـة طـنـجـة في الـمـغـرب سـنـة 1304. وكـان ابـن بـطّـوطـة مـن لـواتـة، إحـدى قـبـائـل الـبـربـر.

وعـنـدمـا بـلـغ الـعـشـريـن مـن عـمـره أو أكـثـر قـلـيـلاً، تـرك مـديـنـتـه طـنـجـة مـتـوجّـهـاً إلى مـكّـة لـلـحـج. وبـعـد أن أنـهى مـراسـيـم الـحـج، أكـمـل رحـلـتـه وزار الـعـراق وإيـران في 1326ـ 1327 م.، ثـمّ عـاد إلى مـكّـة عـام 1328 م. وسـافـر إلى جـنـوب الـجـزيـرة الـعـربـيـة وسـواحـل أفـريـقـيـا الـشّـرقـيـة. وعـاد مـرّة ثـالـثـة إلى مـكّـة عـام 1349 ومـنـهـا سـافـر إلى آسـيـا الـصّـغـرى والـبـحـر الأسـود فـآسـيـا الـوسـطى والـهـنـد وسـيـلان ومـالـيـزيـا ووصـل إلى الـصّـيـن.

وبـعـد أن عـاد إلى طـنـجـة تـركـهـا مـن جـديـد لـيـعـبـر الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسِّـط نـحـو الأنـدلـس ووصـل إلى غـرنـاطـة. واخـتـرق في رحـلـتـه الأخـيـرة الـصّـحـراء الـكـبـرى في شـمـال أفـريـقـيـا ووصـل إلى مـالي. وكـلّ هـذا في زمـن كـان الـتّـنـقـل فـيـه مُـجـهـداً وشـاقّـاً نـاهـيـك عـن الـمـخـاطـر الّـتي غـالـبـاً مـا كـان الـمـسـافـرون يـتـعـرضـون لـهـا.

وبـعـد أن أنـهى رحـلاتـه أقـام في مـديـنـة فـاس في الـمـغـرب في بـلاط الـسّـلـطـان الـمـريـني أبي عـنـان الّـذي اسـتـمـع إلى روايـتـه لأخـبـار رحـلاتـه. وأمـر أبـو عـنـان كـاتـبـه مـحـمّـد بـن جُـزَي أن يـسـجّـل سـرد هـذه الـرّحـلات سـمـاعـاً عـن ابـن بـطـوطـة. وقـد ذكـر ابـن بـطـوطـة أنّـه كـان قـد دوّن مـذكـرات رحـلـتـه ولـكـنّ لـصـوصـاً سـرقـوهـا مـنـه في الـهـنـد.

وقـد عـنـوّن هـذا الـكـتـاب الّـذي أمـلاه عـلى ابـن جُـزَي : “تـحـفـة الـنّـظّـار في غـرائـب الأمـصـار وعـجـائـب الأمـصـار”، وانـتهى تـألـيـفـه عـام 1356 م.

تـحـفـة الـنّـظّـار في غـرائـب الأمـصـار وعـجـائـب الأمـصـار

ولا شـكّ أنّـه كـان مـن الـصّـعـب عـلى ابـن بـطّـوطـة أن يـتـذكـر كـلّ تـفـاصـيـل رحـلاتـه الـطّويـلـة الّـتي دامـت مـا يـقـارب الـثّـلاثـيـن عـامـاً، ولـهـذا نـجـد في نـصّ سـرد الـرّحـلـة مـقـاطـع كـثـيـرة أضـافـهـا ابـن جُـزَي، كـمـا نـقـل مـقـاطـع كـثـيـرة مـن رحـلـة الأنـدلـسي ابـن جُـبـيـر (1) الّـتي وجـد مـخـطـوطـة لـهـا في مـكـتـبـة الـسّـلـطـان الـمـريـني، أشـار إلى مـا نـقـلـه مـنـهـا في أحـيـان قـلـيـلـة ولـم يـشـر إلـيـه في أغـلـب الأحـيـان. وربّـمـا كـان ابـن بـطّـوطـة (أو الـكـاتـب ابـن جُـزَي) قـد اسـتـعـمـل مـقـاطـع مـن رحـلات أخـرى ضـاعـت مـنـذ ذلـك الـحـيـن ولـم تـصـلـنـا مـخـطـوطـاتـهـا، ولا يـمـكـنـنـا الـتّـعـرف عـلـيـهـا في صـيـغـة سـرد الـرّحـلـة الّـذي بـيـن أيـديـنـا الآن.

إبـن بـطّـوطـة في الـعـراق :

إبن بـطـوطـة

بـعـد أن وصـل ابـن بـطّـوطـة إلى جـزيـرة الـعـرب سـنـة 1326 م.، وبـقي في مـكّـة شـهـريـن، خـرج مـنـهـا في ركـب أمـيـر حـج الـعـراق حـتّى وصـلـوا الـقـادسـيـة الّـتي وجـدهـا : “خـربـت ولـم يـبـق مـنـهـا إلّا مـقـدار قـريـة كـبـيـرة”، ثـمّ إلى الـنّـجـف : ” وهي مـديـنـة حـسـنـة في أرض فـسـيـحـة صـلـبـة مـن أحـسـن مـدن الـعـراق وأكـثـرهـا نـاسـاً وأتـقـنـهـا بـنـاء […] والـمـدارس والـزّوايـا والـخـوانـق مـعـمـورة أحـسن عـمـارة. وحـيـطـانـهـا بـالـقـاشـاني، وهـو شـبـه الـزّلّـيـج عـنـدنـا لـكـنّ لـونـه أشـرق ونـقـشـه أحـسـن”.

وعـنـدمـا تـركـوا الـنّـجـف لـم يـصـاحـب ابـن بـطّـوطـة الـرّكـب إلى بـغـداد بـل سـافـر إلى الـبـصـرة “صـحـبـة رفـقـة كـبـيـرة مـن عـرب خـفـاجـة”، ومـرّوا بـالـخَـورنـق : “مـوضـع سـكـنى الـنّـعـمـان بـن الـمـنـذر وآبـائـه مـن مـلـوك بـني مـاء الـسّـمـاء، وبـه عـمـارة وبـقـايـا قـبـاب ضـخـمـة”،

ثـمّ أكـمـلـوا طـريـقـهـم : “آخـذيـن مـع جـانـب الـفـرات بـالـمـوضـع الـمـعـروف بـالـعـذار، وهـو غـابـة قـصـب في وسـط الـمـاء يـسـكـنـهـا أعـراب يـعـرفـون بـالـمـعـادي. وهـم قـطّـاع الـطّـريـق […] يـتـحـصـنـون بـتـلـك الـغـابـة ويـمـتـنـعـون بـهـا مـمـن يـريـدهـم. والـسّـبـاع بـهـا كـثـيـرة”.

وبـعـد مـسـيـرة ثـلاث مـراحـل وصـلـوا إلى مـديـنـة واسـط. وقـد وجـد ابـن بـطـوطـة واسـط : “حـسـنـة الأقـطـار، كـثـيـرة الـبـسـاتـيـن والأشـجـار […] وأهـلـهـا مـن خـيـار أهـل الـعـراق بـل هـم خـيـرهـم عـلى الإطـلاق”.

وعـنـدمـا وصـلـوا الـبـصـرة وجـد أنّـه : “لـيـس في الـدّنـيـا أكـثـر نـخـلاً مـنـهـا […] ويـصـنـع بـهـا مـن الـتّـمـر عـسـل يـسـمّى الـسّـيـلان. وهـو طـيّـب كـأنّـه الـجـلاب”. “وأهـل الـبـصـرة لـهـم مـكـارم الأخـلاق وإيـنـاس لـلـغـريـب وقـيـام بـحـقـه، فـلا يـسـتـوحـش فـيـمـا بـيـنـهـم غـريـب”.

ثـمّ ذهـب إلى الأبُـلّـة : “وبـيـنـهـا وبـيـن الـبـصـرة عـشـرة أمـيـال في بـسـاتـيـن مـتّـصـلـة ونـخـيـل مُـظـلّـة عـن الـيـمـيـن والـيـسـار”. “وكـانـت الأبـلّـة مـديـنـة عـظـيـمـة يـقـصـدهـا تـجّـار الـهـنـد وفـارس فـخـربـت. وهي الآن قـريـة بـهـا آثـار قـصـور وغـيـرهـا دالّـة عـلى عِـظـمـهـا”.

وعـبـر الـخـلـيـج إلى عـبّـادان. وسـافـر في بـلاد الـفـرس حـتّى شـيـراز، ثـمّ عـاد “إلى الـحـويـزاء، وهي مـديـنـة صـغـيـرة يـسـكـنـهـا الـعـجـم بـيـنـهـا وبـيـن الـبـصـرة مـسـيـرة أربـع، وبـيـنـهـا وبـيـن الـكـوفـة مـسـيـرة خـمـس”. ومـنـهـا وصـل إلى الـكـوفـة.

ونـقـل ابـن بـطّـوطـة في وصـف الـكـوفـة بـعـض مـا ذكـره ابـن جـبـيـر قـبـلـه : “والـخـراب قـد اسـتـولى عـلـيـهـا بـسـبـب أيـدي الـعـدوان الّـتي امـتـدت إلـيـهـا وفـسـادهـا مـن عـرب خـفـاجـة الـمـجـاوريـن لـهـا، فـأنّـهـم يـقـطـعـون طـريـقـهـا”.

ومـن الـكـوفـة رحـل إلى الـحـلّـة الّـتي نـقـل في وصـفـهـا الـكـثـيـر مـمـا كـتـبـه ابـن جـبـيـر : “وهي مـديـنـة كـبـيـرة مـسـتـطـيـلـة مـع الـفـرات، وهـو بـشـرقـيّـهـا. ولـهـا أسـواق حـسـنـة جـامـعـة لـلـمـرافـق والـصّـنـاعـات. وهي كـثـيـرة الـعـمـارة. وحـدائـق الـنّـخـل مـنـتـظـمـة بـهـا داخـلاً وخـارجـاً. ودورهـا بـيـن الـحـدائـق. ولـهـا جـسـر عـظـيـم مـعـقـود عـلى مـراكـب مـتّـصـلـة مـنـتـظـمـة فـيـمـا بـيـن الـشّـطّـيـن، تـحـفّ بـهـا مـن جـانـبـيـهـا سـلاسـل مـن حـديـد مـربـوطـة في كـلا الـشّـطّـيـن إلى خـشـبـة عـظـيـمـة مـثـبّـتـة بـالـسّـاحـل”.

ثـمّ سـافـر إلى مـديـنـة كـربـلاء : “وهي مـديـنـة صـغـيـرة تـحـفّـهـا حـدائـق الـنّـخـل ويـسـقـيـهـا مـاء الـفـرات”. “والـرّوضـة الـمـقـدّسـة داخـلـهـا، وعـلى بـابـهـا الـحُـجّـاب والـقَـومـة لا يـدخـل أحـد إلّا عـن اذنـهـم”. ومـن كـربـلاء سـافـر ابـن بـطّـوطـة إلى بـغـداد.

وصـف بـغـداد :

إبن بطوطة 9

يـبـدأ ابـن بـطّـوطـة كـلامـه عـن بـغـداد بـالإسـتـشـهـاد بـمـا كـتـبـه سـابـقـه : “قـال أبـو الـحـسـيـن بـن جُـبـيـر رضي الله عـنـه : وهـذه الـمـديـنـة الـعـتـيـقـة […] ذهـب رسـمـهـا ولـم يـبـقَ إلّا اسـمـهـا […] فـلا حـسـن فـيـهـا يـسـتـوقـف الـبـصـر إلّا دجـلـتـهـا الّـتي هي بـيـن شـرقـيـهـا وغـربـيـهـا مـنـهـا كـالـمـرآة الـمـجـلّـوة بـيـن صـفـحـتـيـن، أو الـعـقـد الـمـنـتـظـم بـيـن لـبّـتـيـن”.

ويـضـيـف ابـن جُـزَي بـعـد ذلـك أبـيـاتـاً قـالـهـا الـشّـعـراء في بـغـداد. ثـمّ يـكـمـل ابـن بـطّـوطـة : “ولـبـغـداد جـسـران مـعـقـودان عـلى نـحـو الـصّـفـة الّـتي ذكـرنـاهـا في جـسر مـديـنـة الـحـلّـة”، ويـنـقـل مـن جـديـد مـا كـان قـد كـتـبـه ابـن جُـبـيـر : ” فـالـنّـاس لـيـلاً ونـهـاراً مـن تـمـادي الـعـبـور فـيـهـا في نـزهـة مـتّـصـلـة رجـالاً ونـسـاءً” ويـغـيـر تـركـيـب الـجـمـلـة فـتـصـبـح عـنـده : “والـنّـاس يـعـبـرونـهـمـا لـيـلاً ونـهـاراً رجـالاً ونـسـاءً، فـهـم في ذلـك في نـزهـة مـتّـصـلـة”.

ويـتـكـلّـم أوّلاً عـن الـجـانـب الـغـربي مـن بـغـداد فـيـنـقـل مـا كـتـبـه ابـن جّـبـيـر : “الـجـانـب الـغـربي مـنـهـا هـو الّـذي عُـمّـر أوّلاً، وهـو الآن خـراب أكـثـره”. ثـمّ يـضـيـف : “وعـلى ذلـك فـقـد بـقي مـنـه ثـلاث عـشـرة مـحـلّـة. كـلّ مـحـلّـة كـأنّـهـا مـديـنـة بـهـا الـحـمـامـان والـثّـلاثـة. وفي ثـمـانٍ مـنـهـا الـمـسـاجـد الـجـامـعـة”.

ويـذكـر بـعـد ذلـك الـجـانـب الـشّـرقي : “وهـذه الـجـهـة الـشّـرقـيـة مـن بـغـداد حـافـلـة بـالأسـواق، عـظـيـمـة الـتّـرتـيـب. وأعـظـم أسـواقـهـا سـوق الـثّـلاثـاء : كـلّ صـنـاعـة فـيـهـا عـلى حـدّة. وفي وسـط هـذه الـسّـوق الـمـدرسـة الـنّـظـامـيـة الـعـجـيـبـة الّـتي صـارت الأمـثـال تـضـرب بـحـسـنـهـا. وفي آخـرهـا الـمـدرسـة الـمـسـتـنـصـريـة”.

وذكـر أنّ في هـذا الـجـانـب : “مـن الـمـسـاجـد الّـتي تـقـام فـيـهـا الـجـمـعـة ثـلاثـة : جـامـع الـخـلـيـفـة الـمـتّـصـل بـقـصـور الـخـلـفـاء ودورهـم […] وجـامـع الـسّـلـطـان، وقـد نـقـل في ذكـره مـاكـان ابـن جـبـيـر قـد كـتـبـه قـبـلـه : “وهـو خـارج الـبـلـد وتـتـصـل بـه قـصـور تـنـسـب لـلـسّـلـطـان”، وجـامـع الـرّصـافـة : “وبـيـنـه وبـيـن جـامـع الـسّـلـطـان نـحـو الـمـيـل”.

ولا نـعـرف هـل كـانـت قـصـور الـسّـلـطـان في زمـن مـرور ابـن بـطـوطـة في سـنـة 1327ــ 1328م. ، أي في زمـن الـسّـلـطـان أبـو سـعـيـد بَـهـادُرخـان مـا زالـت عـامـرة، أمّ أنّـه نـقـل مـا كـان ابـن جـبـيـر قـد ذكـره قـبـلـه في سـنـة 1184 م. في زمـن الـسّـلـطـان الـسّـلـجـوقي مـن غـيـر تـدقـيـق ولا تـمـحـيـص.

حـمّـامـات بـغـداد :

ومـع أنّ ابـن بـطّـوطـة نـقـل مـا كـتـبـه ابـن جـبـيـر عـن مـسـاجـد بـغـداد وحـمـامـاتـهـا، فـقـد فـصّـل في ذكـر الـحـمـامـات وأضـاف الـكـثـيـر عـلى مـا نـقـلـه عـن ابـن جـبـيـر :

“وحـمـامـات بـغـداد كـثـيـرة. وهي مـن أبـدع الـحـمّـامـات. وأكـثـرهـا مـطـلـيـة بـالـقـار، مـسـطـحـة بـه، فـيـخـيـل لـرائـيـه أنّـه رخـام أسـود.[…] وفي كـلّ حـمّـام خـلـوات كـثـيـرة، كـلّ خـلـوة مـنـهـا مـفـروشـة بـالـقـار، مـطـليّ نـصـف حـائـطـهـا مـمـا يـلي الأرض بـه، والـنّـصـف الأعـلى مـطـليّ بـالـجـصّ الأبـيـض الـنّـاصـع، فـالـضّـدان بـهـا مـجـتـمـعـان، مـتـقـابـل حـسـنـهـمـا”.

“وفي داخـل كـلّ خـلـوة حـوض مـن الـرّخـام فـيـه أنـبـوبـان أحـدهـمـا يـجـري بـالـمـاء الـحـارّ والآخـر بـالـمـاء الـبـارد. ويـدخـل الإنـسـان الـخـلـوة مـنـهـا مـنـفـرداً لا يـشـاركـه أحـد إلّا إذا أراد ذلـك. وفي زاويـة كـلّ خـلـوة أيـضـاً حـوض لـلاغـتسـال فـيـه أيـضـاً أنـبـوبـان يـجـريـان بـالـحـارّ والـبـارد. وكـلّ داخـل يُـعـطى ثـلاثـاً مـن الـفـوط : إحـداهـا يـتّـزر بـهـا عـنـد دخـولـه، والأخـرى يـتّـزر بـهـا عـنـد خـروجـه، والأخـرى يـنـشّـف بـهـا الـمـاء عـن جـسـده. ولـم أرَ هـذا الإتـقـان كـلّـه في مـديـنـة سـوى بـغـداد”.

قـبـور الـخـلـفـاء الـعـبـاسـيـيـن :

وذكـر ابـن بـطّـوطـة قـبـور الـخـلـفـاء الـعـبـاسـيـيـن : “بـالـرّصـافـة. وعـلى كـلّ قـبـر مـنـهـا اسـم صـاحـبـه”. وذكـر أسـمـاءهـم بـالـتّـسـلـسـل مـن قـبـر الـمـهـدي إلى قـبـر الـمـسـتـعـصـم : “وهـو آخـرهـم. وعـلـيـه دخـل الـتّـتـر بـبـغـداد بـالـسّـيـف، وذبـحـوه بـعـد أيّـام مـن دخـولـهـم. وانـقـطـع مـن بـغـداد اسـم الـخـلافـة الـعـبـاسـيـة”.

بغداد 13

(دخـول الـتّـتـر في بـغـداد، مـنـمـنـمـة فـارسـيـة)

سـلـطـان الـعـراقـيـيـن وخـراسـان :

نـذكّـر الـقـارئ هـنـا أنّ ابـن بـطّـوطـة زار بـغـداد في الـقـرن الّـذي تـلى سـقـوط الـدّولـة الـعـبّـاسـيـة تـحـت ضـربـات الـتّـتـر، أي أنّـهـا كـانـت تـحـت الـحـكـم الـمـغـولي الإيـلـخـاني.

وكـان سـلـطـانـهـا زمـن زيـارتـه لـهـا : “الـسّـلـطـان الـجـلـيـل أبـو سـعـيـد بَـهـادُرخـان. وخـان عـنـدهـم الـمـلـك، إبـن الـسّـلـطـان الـجـلـيـل مـحـمّـد خُـذابَـنـدَه، وهـو الّـذي أسـلـم مـن مـلـوك الـتّـتـر […] ولـمـا مـات ولي الـمـلـك ولـده أبـو سـعـيـد بـهـادرخـان. وكـان مـلـكـاً فـاضـلاً كـريـمـاً، مـلـك وهـو صـغـيـر الـسّـنّ.

ورأيـتـه بـبـغـداد. وهـو شـامـلٌ أجـمـل خـلـق الله صـورة، لا نـبـات بـعـارضـيـه. ووزيـره إذ ذاك الأمـيـر غـيـاث الـدّيـن الّـذي كـان أبـوه مـن مـهـاجـرة الـيـهـود… رأيـتـهـمـا يـومـاً بـحـرّاقـة في الـدّجـلـة، وتـسـمّى عـنـدهـم الـشّـبـارة … وبـيـن يـديـه دمـشـق خـواجـة ابـن الأمـيـر جـوبـان الـمـتـغـلّـب عـلى أبي سـعـيـد، وعـن يـمـيـنـه وشـمـالـه شـبّـارتـان فـيـهـمـا أهـل الـطّـرب والـغـنـاء. ورأيـت مـن مـكـارمـه في ذلـك الـيـوم أنّـه تـعـرّض لـه جـمـاعـة مـن الـعـمـيـان شـكـوا ضـعـف حـالـهـم، فـأمـر لـكـلّ واحـد مـنـهـم بـكـسـوة وغـلام يـقـوده ونـفـقـة تـجـرى عـلـيـه”.

“ولـمـا ولي الـسّـلـطـان أبـو سـعـيـد، وهـو صـغـيـر الـسّـنّ كـمـا ذكـرنـاه، إسـتـولى عـلى أمـره أمـيـر الأمـراء الـجـوبـان […] حـتّى لـم يـكـن بـيـده مـن الـمـلـك إلّا الإسـم”. ثـمّ غـلـبـت أبـا سـعـيـد الـغـيـرة وتـغـلّـب عـلى الـجـوبـان وأبـنـائـه و: “اسـتـقـلّ الـسّـلـطـان أبـو سـعـيـد بـالـمـلـك”.

ولا نـعـرف مـدّة بـقـاء ابـن بـطّـوطـة في بـغـداد، ولـكّـنـه ذكـر بـعـد أن فـصّـل في الـحـديـث عـن الـسّـلـطـان وأمـوره، أنّـه صـاحـب أحـد الأمـراء إلى تـبـريـز ثـمّ عـاد مـعـه إلى بـغـداد. وذكـر بـعـد ذلـك : “بـقي لأوان سـفـر الـرّكـب إلى الـحـجـاز أزيـد مـن شـهـريـن فـظـهـر لي أن أن أسـافـر إلى الـمـوصـل وديـار بـكـر لأشـاهـد تـلـك الـبـلاد وأعـود إلى بـغـداد في حـيـن سـفـر الـرّكـب”.

ولا يـجـد قـارئ رحـلـة ابـن بـطّـوطـة في مـا دونـه عـن هـذه الـسّـفـرة مـا يـسـتـحـق الـذّكـر، فـهـو قـد نـقـل خـاصـة مـا كـتـبـه ابـن جُـبـيـر قـبـلـه بـعـد أن غـيّـر بـعـض جـمـلـه، ولـم يـضـف عـلـيـه إلّا الـقـلـيـل.

ومـرّ بـالـدّجـيـل وحـصـن الـمـعـشـوق وبـسـرّ مـن رأى الّـتي : “اسـتـولى عـلـيـهـا الـخـراب فـلـم يـبـق مـنـهـا إلّا الـقـلـيـل”، وبـتـكـريـت : “وهي مـديـنـة كـبـيـرة فـسـيـحـة الأرجـاء مـلـيـحـة الأسـواق كـثـيـرة الـمـسـاجـد. وأهـلـهـا مـوصـوفـون بـحـسـن الأخـلاق. والـدّجـلـة في الـجـهـة الـشّـمـالـيـة مـنـهـا، ولـهـا قـلـعـة حـصـيـنـة عـلى شـطّ الـدّجـلـة. والـمـديـنـة عـتـيـقـة الـبـنـاء عـلـيـهـا سـور يـطـيـف بـهـا”.

ونـزلـوا “مـوضـعـاً يـعـرف بـالـقـيّـارة بـمـقـربـة مـن دجـلـة. وهـنـالـك أرض سـوداء فـيـهـا عـيـون تـنـبـع بـالـقـار, ويـصـنـع لـه أحـواض ويـجـتـمـع فـيـهـا فـتـراه شـبـه الـصّـلـصـال عـلى وجـه الأرض، حـالـك الـلـون صـقـيـلاً رطـبـاً. ولـه رائـحـة طـيّـبـة. وحـول تـلـك الـعـيـون بـركـة كـبـيـرة سـوداء يـعـلـوهـا شـبـه الـطّـحـلـب الـرّقـيـق، فـتـقـذفـه إلى جـوانـبـهـا فـيـصـيـر أيـضـاً قـاراً. وبـمـقـربـة مـن هـذا الـمـوضـع عـيـن كـبـيـرة، فـإذا أرادوا نـقـل الـقـار مـنـهـا أوقـدوا عـلـيـهـا الـنّـار فـتـنـشّـف الـنّـار مـا هـنـاك مـن رطـوبـة مـائـيـة، ثـمّ يـقـطـعـونـه قِـطـعـاً ويـنـقـلـونـه”.

وبـعـد مـسـيـرة مـرحـلـتـيـن مـن الـقـيّـارة وصـلـوا إلى الـمـوصـل : “وهي مـديـنـة عـتـيـقـة كـثـيـرة الـخـصـب. وقـلـعـتـهـا الـمـعـروفـة بـالـحـدبـاء عـظـيـمـة الـشّـأن شـهـيـرة الإمـتـنـاع. عـلـيـهـا سـور مـحـكـم الـبـنـاء، مـشـيّـد الـبـروج، وتـتـصّـل بـهـا دور الـسّـلـطـان. وقـد فـصـل بـيـنـهـا وبـيـن الـبـلـد شـارع مـتّـسـع مـسـتـطـيـل مـن أعـلى الـبـلـد إلى أسـفـلـه. وعـلى الـبـلـد سـوران اثـنـان وثـيـقـان أبـراجـهـمـا كـثـيـرة مـتـقـاربـة. وفي بـاطـن الـسّـور بـيـوت بـعـضـهـا عـلى بـعـض مـسـتـديـرة بـجـداره، قـد تـمـكّـن فـتـحـهـا فـيـه لـسـعـتـه. ولـم أرَ في أسـوار الـبـلاد مـثـلـه إلّا الـسّـور الّـذي عـلى مـديـنـة دهـلي حـضـرة مـلـك الـهـنـد”.

ويـنـقـل مـا كـتـبـه ابـن جـبـيـر عـن مـوضـع نـيـنـوى : “وبـمـقـربـة مـن تـلّ يـونـس قـريـة كـبـيـرة يـقـرب مـنـهـا خـراب يـقـال إنّـه مـوضـع الـمـديـنـة الـمـعـروفـة بـنـيـنـوى. وأثـر الـسّـور الـحـيـط بـهـا ظـاهـر، ومـواضـع الأبـواب الّـتي كـانـت عـلـيـهـا مـتـبـيّـنـة”.

“وأهـل الـمـوصـل لـهـم مـكـارم أخـلاق ولـيـن كـلام وفـضـيـلـة ومـحـبّـة الـغـريـب وإقـبـال عـلـيـه”. وهـذا أيـضـاً نـقـلـه عـن ابـن جـبـيـر.

وأكـمـل ابـن بـطّـوطـة طـريـقـه إلى نـصـيـبـيـن وسـنـجـار ومـارديـن، ثـمّ عـاد إلى بـغـداد عـن طـريـق الـمـوصـل. وعـنـدمـا وصـل إلى مـديـنـة بـغـداد : “وجـدت الـحـاج عـلى أهـبـة الـرّحـيـل”. وتـركـوا بـغـداد إلى مـكّـة عـن طـريـق الـكـوفـة.

ــــــــــــــــــــــــ

(1) أنـظـر مـقـالي : “الـعـراقـيـون في رحـلـة الأنـدلـسي ابـن جُـبـيـر” :

https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/01/07/%D8%A7%D9%84%D9%80%D8%B9%D9%80%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%80%D9%8A%D9%80%D9%88%D9%86-%D9%83%D9%80%D9%85%D9%80%D8%A7-%D8%B1%D8%A2%D9%87%D9%80%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D9%80%D8%AF%D9%84%D9%80%D8%B3/