الـعـراق في رحـلـة ابـن بـطـوطـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

إبن بطوطة 4

تـعـودنـا مـنـذ صـغـرنـا الـسّـمـاع عـن ابـن بـطّـوطـة ورحـلـتـه. وتـعـودنـا عـلى قـراءة الـكـثـيـر عـنـه وربّـمـا عـلى بـعـض الـمـقـاطـع والـتّـلـخـيـصـات. ولـكـنّ كـم مـنّـا فـتـح كـتـاب رحـلـتـه وقـرأ ولـو بـعـض الـفـصـول الّـتي تـخـصّـنـا ؟

وأصـارحـكـم الـقـول أنـني لـم أبـدأ بـقـراءة الـرّحـلـة قـراءة مـتـعـمّـقـة إلّا مـنـذ سـنـوات قـلـيـلـة. وبـعـد أن تـمـعـنـت في قـراءة الـفـصـول الّـتي تـهـمـني وتـفـحـصّـت دقـائـقـهـا وتـفـاصـيـلـهـا، فـوجـئـت بـالـفـرق الـشّـاسـع بـيـن قـيـمـة الـكـتـاب الـمـعـرفـيـة وبـيـن الأسـطـورة الّـتي تـكـوّنـت حـولـه خـلال قـرون طـويـلـة.

إبـن بـطّـوطـة ورحـلاتـه :

ولـد أبـو عـبـد الله مـحـمّـد بـن إبـراهـيـم الـمـعـروف بـابـن بـطّـوطـة في مـديـنـة طـنـجـة في الـمـغـرب سـنـة 1304. وكـان ابـن بـطّـوطـة مـن لـواتـة، إحـدى قـبـائـل الـبـربـر.

وعـنـدمـا بـلـغ الـعـشـريـن مـن عـمـره أو أكـثـر قـلـيـلاً، تـرك مـديـنـتـه طـنـجـة مـتـوجّـهـاً إلى مـكّـة لـلـحـج. وبـعـد أن أنـهى مـراسـيـم الـحـج، أكـمـل رحـلـتـه وزار الـعـراق وإيـران في 1326ـ 1327 م.، ثـمّ عـاد إلى مـكّـة عـام 1328 م. وسـافـر إلى جـنـوب الـجـزيـرة الـعـربـيـة وسـواحـل أفـريـقـيـا الـشّـرقـيـة. وعـاد مـرّة ثـالـثـة إلى مـكّـة عـام 1349 ومـنـهـا سـافـر إلى آسـيـا الـصّـغـرى والـبـحـر الأسـود فـآسـيـا الـوسـطى والـهـنـد وسـيـلان ومـالـيـزيـا ووصـل إلى الـصّـيـن.

وبـعـد أن عـاد إلى طـنـجـة تـركـهـا مـن جـديـد لـيـعـبـر الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسِّـط نـحـو الأنـدلـس ووصـل إلى غـرنـاطـة. واخـتـرق في رحـلـتـه الأخـيـرة الـصّـحـراء الـكـبـرى في شـمـال أفـريـقـيـا ووصـل إلى مـالي. وكـلّ هـذا في زمـن كـان الـتّـنـقـل فـيـه مُـجـهـداً وشـاقّـاً نـاهـيـك عـن الـمـخـاطـر الّـتي غـالـبـاً مـا كـان الـمـسـافـرون يـتـعـرضـون لـهـا.

وبـعـد أن أنـهى رحـلاتـه أقـام في مـديـنـة فـاس في الـمـغـرب في بـلاط الـسّـلـطـان الـمـريـني أبي عـنـان الّـذي اسـتـمـع إلى روايـتـه لأخـبـار رحـلاتـه. وأمـر أبـو عـنـان كـاتـبـه مـحـمّـد بـن جُـزَي أن يـسـجّـل سـرد هـذه الـرّحـلات سـمـاعـاً عـن ابـن بـطـوطـة. وقـد ذكـر ابـن بـطـوطـة أنّـه كـان قـد دوّن مـذكـرات رحـلـتـه ولـكـنّ لـصـوصـاً سـرقـوهـا مـنـه في الـهـنـد.

وقـد عـنـوّن هـذا الـكـتـاب الّـذي أمـلاه عـلى ابـن جُـزَي : “تـحـفـة الـنّـظّـار في غـرائـب الأمـصـار وعـجـائـب الأمـصـار”، وانـتهى تـألـيـفـه عـام 1356 م.

تـحـفـة الـنّـظّـار في غـرائـب الأمـصـار وعـجـائـب الأمـصـار

ولا شـكّ أنّـه كـان مـن الـصّـعـب عـلى ابـن بـطّـوطـة أن يـتـذكـر كـلّ تـفـاصـيـل رحـلاتـه الـطّويـلـة الّـتي دامـت مـا يـقـارب الـثّـلاثـيـن عـامـاً، ولـهـذا نـجـد في نـصّ سـرد الـرّحـلـة مـقـاطـع كـثـيـرة أضـافـهـا ابـن جُـزَي، كـمـا نـقـل مـقـاطـع كـثـيـرة مـن رحـلـة الأنـدلـسي ابـن جُـبـيـر (1) الّـتي وجـد مـخـطـوطـة لـهـا في مـكـتـبـة الـسّـلـطـان الـمـريـني، أشـار إلى مـا نـقـلـه مـنـهـا في أحـيـان قـلـيـلـة ولـم يـشـر إلـيـه في أغـلـب الأحـيـان. وربّـمـا كـان ابـن بـطّـوطـة (أو الـكـاتـب ابـن جُـزَي) قـد اسـتـعـمـل مـقـاطـع مـن رحـلات أخـرى ضـاعـت مـنـذ ذلـك الـحـيـن ولـم تـصـلـنـا مـخـطـوطـاتـهـا، ولا يـمـكـنـنـا الـتّـعـرف عـلـيـهـا في صـيـغـة سـرد الـرّحـلـة الّـذي بـيـن أيـديـنـا الآن.

إبـن بـطّـوطـة في الـعـراق :

إبن بـطـوطـة

بـعـد أن وصـل ابـن بـطّـوطـة إلى جـزيـرة الـعـرب سـنـة 1326 م.، وبـقي في مـكّـة شـهـريـن، خـرج مـنـهـا في ركـب أمـيـر حـج الـعـراق حـتّى وصـلـوا الـقـادسـيـة الّـتي وجـدهـا : “خـربـت ولـم يـبـق مـنـهـا إلّا مـقـدار قـريـة كـبـيـرة”، ثـمّ إلى الـنّـجـف : ” وهي مـديـنـة حـسـنـة في أرض فـسـيـحـة صـلـبـة مـن أحـسـن مـدن الـعـراق وأكـثـرهـا نـاسـاً وأتـقـنـهـا بـنـاء […] والـمـدارس والـزّوايـا والـخـوانـق مـعـمـورة أحـسن عـمـارة. وحـيـطـانـهـا بـالـقـاشـاني، وهـو شـبـه الـزّلّـيـج عـنـدنـا لـكـنّ لـونـه أشـرق ونـقـشـه أحـسـن”.

وعـنـدمـا تـركـوا الـنّـجـف لـم يـصـاحـب ابـن بـطّـوطـة الـرّكـب إلى بـغـداد بـل سـافـر إلى الـبـصـرة “صـحـبـة رفـقـة كـبـيـرة مـن عـرب خـفـاجـة”، ومـرّوا بـالـخَـورنـق : “مـوضـع سـكـنى الـنّـعـمـان بـن الـمـنـذر وآبـائـه مـن مـلـوك بـني مـاء الـسّـمـاء، وبـه عـمـارة وبـقـايـا قـبـاب ضـخـمـة”،

ثـمّ أكـمـلـوا طـريـقـهـم : “آخـذيـن مـع جـانـب الـفـرات بـالـمـوضـع الـمـعـروف بـالـعـذار، وهـو غـابـة قـصـب في وسـط الـمـاء يـسـكـنـهـا أعـراب يـعـرفـون بـالـمـعـادي. وهـم قـطّـاع الـطّـريـق […] يـتـحـصـنـون بـتـلـك الـغـابـة ويـمـتـنـعـون بـهـا مـمـن يـريـدهـم. والـسّـبـاع بـهـا كـثـيـرة”.

وبـعـد مـسـيـرة ثـلاث مـراحـل وصـلـوا إلى مـديـنـة واسـط. وقـد وجـد ابـن بـطـوطـة واسـط : “حـسـنـة الأقـطـار، كـثـيـرة الـبـسـاتـيـن والأشـجـار […] وأهـلـهـا مـن خـيـار أهـل الـعـراق بـل هـم خـيـرهـم عـلى الإطـلاق”.

وعـنـدمـا وصـلـوا الـبـصـرة وجـد أنّـه : “لـيـس في الـدّنـيـا أكـثـر نـخـلاً مـنـهـا […] ويـصـنـع بـهـا مـن الـتّـمـر عـسـل يـسـمّى الـسّـيـلان. وهـو طـيّـب كـأنّـه الـجـلاب”. “وأهـل الـبـصـرة لـهـم مـكـارم الأخـلاق وإيـنـاس لـلـغـريـب وقـيـام بـحـقـه، فـلا يـسـتـوحـش فـيـمـا بـيـنـهـم غـريـب”.

ثـمّ ذهـب إلى الأبُـلّـة : “وبـيـنـهـا وبـيـن الـبـصـرة عـشـرة أمـيـال في بـسـاتـيـن مـتّـصـلـة ونـخـيـل مُـظـلّـة عـن الـيـمـيـن والـيـسـار”. “وكـانـت الأبـلّـة مـديـنـة عـظـيـمـة يـقـصـدهـا تـجّـار الـهـنـد وفـارس فـخـربـت. وهي الآن قـريـة بـهـا آثـار قـصـور وغـيـرهـا دالّـة عـلى عِـظـمـهـا”.

وعـبـر الـخـلـيـج إلى عـبّـادان. وسـافـر في بـلاد الـفـرس حـتّى شـيـراز، ثـمّ عـاد “إلى الـحـويـزاء، وهي مـديـنـة صـغـيـرة يـسـكـنـهـا الـعـجـم بـيـنـهـا وبـيـن الـبـصـرة مـسـيـرة أربـع، وبـيـنـهـا وبـيـن الـكـوفـة مـسـيـرة خـمـس”. ومـنـهـا وصـل إلى الـكـوفـة.

ونـقـل ابـن بـطّـوطـة في وصـف الـكـوفـة بـعـض مـا ذكـره ابـن جـبـيـر قـبـلـه : “والـخـراب قـد اسـتـولى عـلـيـهـا بـسـبـب أيـدي الـعـدوان الّـتي امـتـدت إلـيـهـا وفـسـادهـا مـن عـرب خـفـاجـة الـمـجـاوريـن لـهـا، فـأنّـهـم يـقـطـعـون طـريـقـهـا”.

ومـن الـكـوفـة رحـل إلى الـحـلّـة الّـتي نـقـل في وصـفـهـا الـكـثـيـر مـمـا كـتـبـه ابـن جـبـيـر : “وهي مـديـنـة كـبـيـرة مـسـتـطـيـلـة مـع الـفـرات، وهـو بـشـرقـيّـهـا. ولـهـا أسـواق حـسـنـة جـامـعـة لـلـمـرافـق والـصّـنـاعـات. وهي كـثـيـرة الـعـمـارة. وحـدائـق الـنّـخـل مـنـتـظـمـة بـهـا داخـلاً وخـارجـاً. ودورهـا بـيـن الـحـدائـق. ولـهـا جـسـر عـظـيـم مـعـقـود عـلى مـراكـب مـتّـصـلـة مـنـتـظـمـة فـيـمـا بـيـن الـشّـطّـيـن، تـحـفّ بـهـا مـن جـانـبـيـهـا سـلاسـل مـن حـديـد مـربـوطـة في كـلا الـشّـطّـيـن إلى خـشـبـة عـظـيـمـة مـثـبّـتـة بـالـسّـاحـل”.

ثـمّ سـافـر إلى مـديـنـة كـربـلاء : “وهي مـديـنـة صـغـيـرة تـحـفّـهـا حـدائـق الـنّـخـل ويـسـقـيـهـا مـاء الـفـرات”. “والـرّوضـة الـمـقـدّسـة داخـلـهـا، وعـلى بـابـهـا الـحُـجّـاب والـقَـومـة لا يـدخـل أحـد إلّا عـن اذنـهـم”. ومـن كـربـلاء سـافـر ابـن بـطّـوطـة إلى بـغـداد.

وصـف بـغـداد :

إبن بطوطة 9

يـبـدأ ابـن بـطّـوطـة كـلامـه عـن بـغـداد بـالإسـتـشـهـاد بـمـا كـتـبـه سـابـقـه : “قـال أبـو الـحـسـيـن بـن جُـبـيـر رضي الله عـنـه : وهـذه الـمـديـنـة الـعـتـيـقـة […] ذهـب رسـمـهـا ولـم يـبـقَ إلّا اسـمـهـا […] فـلا حـسـن فـيـهـا يـسـتـوقـف الـبـصـر إلّا دجـلـتـهـا الّـتي هي بـيـن شـرقـيـهـا وغـربـيـهـا مـنـهـا كـالـمـرآة الـمـجـلّـوة بـيـن صـفـحـتـيـن، أو الـعـقـد الـمـنـتـظـم بـيـن لـبّـتـيـن”.

ويـضـيـف ابـن جُـزَي بـعـد ذلـك أبـيـاتـاً قـالـهـا الـشّـعـراء في بـغـداد. ثـمّ يـكـمـل ابـن بـطّـوطـة : “ولـبـغـداد جـسـران مـعـقـودان عـلى نـحـو الـصّـفـة الّـتي ذكـرنـاهـا في جـسر مـديـنـة الـحـلّـة”، ويـنـقـل مـن جـديـد مـا كـان قـد كـتـبـه ابـن جُـبـيـر : ” فـالـنّـاس لـيـلاً ونـهـاراً مـن تـمـادي الـعـبـور فـيـهـا في نـزهـة مـتّـصـلـة رجـالاً ونـسـاءً” ويـغـيـر تـركـيـب الـجـمـلـة فـتـصـبـح عـنـده : “والـنّـاس يـعـبـرونـهـمـا لـيـلاً ونـهـاراً رجـالاً ونـسـاءً، فـهـم في ذلـك في نـزهـة مـتّـصـلـة”.

ويـتـكـلّـم أوّلاً عـن الـجـانـب الـغـربي مـن بـغـداد فـيـنـقـل مـا كـتـبـه ابـن جّـبـيـر : “الـجـانـب الـغـربي مـنـهـا هـو الّـذي عُـمّـر أوّلاً، وهـو الآن خـراب أكـثـره”. ثـمّ يـضـيـف : “وعـلى ذلـك فـقـد بـقي مـنـه ثـلاث عـشـرة مـحـلّـة. كـلّ مـحـلّـة كـأنّـهـا مـديـنـة بـهـا الـحـمـامـان والـثّـلاثـة. وفي ثـمـانٍ مـنـهـا الـمـسـاجـد الـجـامـعـة”.

ويـذكـر بـعـد ذلـك الـجـانـب الـشّـرقي : “وهـذه الـجـهـة الـشّـرقـيـة مـن بـغـداد حـافـلـة بـالأسـواق، عـظـيـمـة الـتّـرتـيـب. وأعـظـم أسـواقـهـا سـوق الـثّـلاثـاء : كـلّ صـنـاعـة فـيـهـا عـلى حـدّة. وفي وسـط هـذه الـسّـوق الـمـدرسـة الـنّـظـامـيـة الـعـجـيـبـة الّـتي صـارت الأمـثـال تـضـرب بـحـسـنـهـا. وفي آخـرهـا الـمـدرسـة الـمـسـتـنـصـريـة”.

وذكـر أنّ في هـذا الـجـانـب : “مـن الـمـسـاجـد الّـتي تـقـام فـيـهـا الـجـمـعـة ثـلاثـة : جـامـع الـخـلـيـفـة الـمـتّـصـل بـقـصـور الـخـلـفـاء ودورهـم […] وجـامـع الـسّـلـطـان، وقـد نـقـل في ذكـره مـاكـان ابـن جـبـيـر قـد كـتـبـه قـبـلـه : “وهـو خـارج الـبـلـد وتـتـصـل بـه قـصـور تـنـسـب لـلـسّـلـطـان”، وجـامـع الـرّصـافـة : “وبـيـنـه وبـيـن جـامـع الـسّـلـطـان نـحـو الـمـيـل”.

ولا نـعـرف هـل كـانـت قـصـور الـسّـلـطـان في زمـن مـرور ابـن بـطـوطـة في سـنـة 1327ــ 1328م. ، أي في زمـن الـسّـلـطـان أبـو سـعـيـد بَـهـادُرخـان مـا زالـت عـامـرة، أمّ أنّـه نـقـل مـا كـان ابـن جـبـيـر قـد ذكـره قـبـلـه في سـنـة 1184 م. في زمـن الـسّـلـطـان الـسّـلـجـوقي مـن غـيـر تـدقـيـق ولا تـمـحـيـص.

حـمّـامـات بـغـداد :

ومـع أنّ ابـن بـطّـوطـة نـقـل مـا كـتـبـه ابـن جـبـيـر عـن مـسـاجـد بـغـداد وحـمـامـاتـهـا، فـقـد فـصّـل في ذكـر الـحـمـامـات وأضـاف الـكـثـيـر عـلى مـا نـقـلـه عـن ابـن جـبـيـر :

“وحـمـامـات بـغـداد كـثـيـرة. وهي مـن أبـدع الـحـمّـامـات. وأكـثـرهـا مـطـلـيـة بـالـقـار، مـسـطـحـة بـه، فـيـخـيـل لـرائـيـه أنّـه رخـام أسـود.[…] وفي كـلّ حـمّـام خـلـوات كـثـيـرة، كـلّ خـلـوة مـنـهـا مـفـروشـة بـالـقـار، مـطـليّ نـصـف حـائـطـهـا مـمـا يـلي الأرض بـه، والـنّـصـف الأعـلى مـطـليّ بـالـجـصّ الأبـيـض الـنّـاصـع، فـالـضّـدان بـهـا مـجـتـمـعـان، مـتـقـابـل حـسـنـهـمـا”.

“وفي داخـل كـلّ خـلـوة حـوض مـن الـرّخـام فـيـه أنـبـوبـان أحـدهـمـا يـجـري بـالـمـاء الـحـارّ والآخـر بـالـمـاء الـبـارد. ويـدخـل الإنـسـان الـخـلـوة مـنـهـا مـنـفـرداً لا يـشـاركـه أحـد إلّا إذا أراد ذلـك. وفي زاويـة كـلّ خـلـوة أيـضـاً حـوض لـلاغـتسـال فـيـه أيـضـاً أنـبـوبـان يـجـريـان بـالـحـارّ والـبـارد. وكـلّ داخـل يُـعـطى ثـلاثـاً مـن الـفـوط : إحـداهـا يـتّـزر بـهـا عـنـد دخـولـه، والأخـرى يـتّـزر بـهـا عـنـد خـروجـه، والأخـرى يـنـشّـف بـهـا الـمـاء عـن جـسـده. ولـم أرَ هـذا الإتـقـان كـلّـه في مـديـنـة سـوى بـغـداد”.

قـبـور الـخـلـفـاء الـعـبـاسـيـيـن :

وذكـر ابـن بـطّـوطـة قـبـور الـخـلـفـاء الـعـبـاسـيـيـن : “بـالـرّصـافـة. وعـلى كـلّ قـبـر مـنـهـا اسـم صـاحـبـه”. وذكـر أسـمـاءهـم بـالـتّـسـلـسـل مـن قـبـر الـمـهـدي إلى قـبـر الـمـسـتـعـصـم : “وهـو آخـرهـم. وعـلـيـه دخـل الـتّـتـر بـبـغـداد بـالـسّـيـف، وذبـحـوه بـعـد أيّـام مـن دخـولـهـم. وانـقـطـع مـن بـغـداد اسـم الـخـلافـة الـعـبـاسـيـة”.

بغداد 13

(دخـول الـتّـتـر في بـغـداد، مـنـمـنـمـة فـارسـيـة)

سـلـطـان الـعـراقـيـيـن وخـراسـان :

نـذكّـر الـقـارئ هـنـا أنّ ابـن بـطّـوطـة زار بـغـداد في الـقـرن الّـذي تـلى سـقـوط الـدّولـة الـعـبّـاسـيـة تـحـت ضـربـات الـتّـتـر، أي أنّـهـا كـانـت تـحـت الـحـكـم الـمـغـولي الإيـلـخـاني.

وكـان سـلـطـانـهـا زمـن زيـارتـه لـهـا : “الـسّـلـطـان الـجـلـيـل أبـو سـعـيـد بَـهـادُرخـان. وخـان عـنـدهـم الـمـلـك، إبـن الـسّـلـطـان الـجـلـيـل مـحـمّـد خُـذابَـنـدَه، وهـو الّـذي أسـلـم مـن مـلـوك الـتّـتـر […] ولـمـا مـات ولي الـمـلـك ولـده أبـو سـعـيـد بـهـادرخـان. وكـان مـلـكـاً فـاضـلاً كـريـمـاً، مـلـك وهـو صـغـيـر الـسّـنّ.

ورأيـتـه بـبـغـداد. وهـو شـامـلٌ أجـمـل خـلـق الله صـورة، لا نـبـات بـعـارضـيـه. ووزيـره إذ ذاك الأمـيـر غـيـاث الـدّيـن الّـذي كـان أبـوه مـن مـهـاجـرة الـيـهـود… رأيـتـهـمـا يـومـاً بـحـرّاقـة في الـدّجـلـة، وتـسـمّى عـنـدهـم الـشّـبـارة … وبـيـن يـديـه دمـشـق خـواجـة ابـن الأمـيـر جـوبـان الـمـتـغـلّـب عـلى أبي سـعـيـد، وعـن يـمـيـنـه وشـمـالـه شـبّـارتـان فـيـهـمـا أهـل الـطّـرب والـغـنـاء. ورأيـت مـن مـكـارمـه في ذلـك الـيـوم أنّـه تـعـرّض لـه جـمـاعـة مـن الـعـمـيـان شـكـوا ضـعـف حـالـهـم، فـأمـر لـكـلّ واحـد مـنـهـم بـكـسـوة وغـلام يـقـوده ونـفـقـة تـجـرى عـلـيـه”.

“ولـمـا ولي الـسّـلـطـان أبـو سـعـيـد، وهـو صـغـيـر الـسّـنّ كـمـا ذكـرنـاه، إسـتـولى عـلى أمـره أمـيـر الأمـراء الـجـوبـان […] حـتّى لـم يـكـن بـيـده مـن الـمـلـك إلّا الإسـم”. ثـمّ غـلـبـت أبـا سـعـيـد الـغـيـرة وتـغـلّـب عـلى الـجـوبـان وأبـنـائـه و: “اسـتـقـلّ الـسّـلـطـان أبـو سـعـيـد بـالـمـلـك”.

ولا نـعـرف مـدّة بـقـاء ابـن بـطّـوطـة في بـغـداد، ولـكّـنـه ذكـر بـعـد أن فـصّـل في الـحـديـث عـن الـسّـلـطـان وأمـوره، أنّـه صـاحـب أحـد الأمـراء إلى تـبـريـز ثـمّ عـاد مـعـه إلى بـغـداد. وذكـر بـعـد ذلـك : “بـقي لأوان سـفـر الـرّكـب إلى الـحـجـاز أزيـد مـن شـهـريـن فـظـهـر لي أن أن أسـافـر إلى الـمـوصـل وديـار بـكـر لأشـاهـد تـلـك الـبـلاد وأعـود إلى بـغـداد في حـيـن سـفـر الـرّكـب”.

ولا يـجـد قـارئ رحـلـة ابـن بـطّـوطـة في مـا دونـه عـن هـذه الـسّـفـرة مـا يـسـتـحـق الـذّكـر، فـهـو قـد نـقـل خـاصـة مـا كـتـبـه ابـن جُـبـيـر قـبـلـه بـعـد أن غـيّـر بـعـض جـمـلـه، ولـم يـضـف عـلـيـه إلّا الـقـلـيـل.

ومـرّ بـالـدّجـيـل وحـصـن الـمـعـشـوق وبـسـرّ مـن رأى الّـتي : “اسـتـولى عـلـيـهـا الـخـراب فـلـم يـبـق مـنـهـا إلّا الـقـلـيـل”، وبـتـكـريـت : “وهي مـديـنـة كـبـيـرة فـسـيـحـة الأرجـاء مـلـيـحـة الأسـواق كـثـيـرة الـمـسـاجـد. وأهـلـهـا مـوصـوفـون بـحـسـن الأخـلاق. والـدّجـلـة في الـجـهـة الـشّـمـالـيـة مـنـهـا، ولـهـا قـلـعـة حـصـيـنـة عـلى شـطّ الـدّجـلـة. والـمـديـنـة عـتـيـقـة الـبـنـاء عـلـيـهـا سـور يـطـيـف بـهـا”.

ونـزلـوا “مـوضـعـاً يـعـرف بـالـقـيّـارة بـمـقـربـة مـن دجـلـة. وهـنـالـك أرض سـوداء فـيـهـا عـيـون تـنـبـع بـالـقـار, ويـصـنـع لـه أحـواض ويـجـتـمـع فـيـهـا فـتـراه شـبـه الـصّـلـصـال عـلى وجـه الأرض، حـالـك الـلـون صـقـيـلاً رطـبـاً. ولـه رائـحـة طـيّـبـة. وحـول تـلـك الـعـيـون بـركـة كـبـيـرة سـوداء يـعـلـوهـا شـبـه الـطّـحـلـب الـرّقـيـق، فـتـقـذفـه إلى جـوانـبـهـا فـيـصـيـر أيـضـاً قـاراً. وبـمـقـربـة مـن هـذا الـمـوضـع عـيـن كـبـيـرة، فـإذا أرادوا نـقـل الـقـار مـنـهـا أوقـدوا عـلـيـهـا الـنّـار فـتـنـشّـف الـنّـار مـا هـنـاك مـن رطـوبـة مـائـيـة، ثـمّ يـقـطـعـونـه قِـطـعـاً ويـنـقـلـونـه”.

وبـعـد مـسـيـرة مـرحـلـتـيـن مـن الـقـيّـارة وصـلـوا إلى الـمـوصـل : “وهي مـديـنـة عـتـيـقـة كـثـيـرة الـخـصـب. وقـلـعـتـهـا الـمـعـروفـة بـالـحـدبـاء عـظـيـمـة الـشّـأن شـهـيـرة الإمـتـنـاع. عـلـيـهـا سـور مـحـكـم الـبـنـاء، مـشـيّـد الـبـروج، وتـتـصّـل بـهـا دور الـسّـلـطـان. وقـد فـصـل بـيـنـهـا وبـيـن الـبـلـد شـارع مـتّـسـع مـسـتـطـيـل مـن أعـلى الـبـلـد إلى أسـفـلـه. وعـلى الـبـلـد سـوران اثـنـان وثـيـقـان أبـراجـهـمـا كـثـيـرة مـتـقـاربـة. وفي بـاطـن الـسّـور بـيـوت بـعـضـهـا عـلى بـعـض مـسـتـديـرة بـجـداره، قـد تـمـكّـن فـتـحـهـا فـيـه لـسـعـتـه. ولـم أرَ في أسـوار الـبـلاد مـثـلـه إلّا الـسّـور الّـذي عـلى مـديـنـة دهـلي حـضـرة مـلـك الـهـنـد”.

ويـنـقـل مـا كـتـبـه ابـن جـبـيـر عـن مـوضـع نـيـنـوى : “وبـمـقـربـة مـن تـلّ يـونـس قـريـة كـبـيـرة يـقـرب مـنـهـا خـراب يـقـال إنّـه مـوضـع الـمـديـنـة الـمـعـروفـة بـنـيـنـوى. وأثـر الـسّـور الـحـيـط بـهـا ظـاهـر، ومـواضـع الأبـواب الّـتي كـانـت عـلـيـهـا مـتـبـيّـنـة”.

“وأهـل الـمـوصـل لـهـم مـكـارم أخـلاق ولـيـن كـلام وفـضـيـلـة ومـحـبّـة الـغـريـب وإقـبـال عـلـيـه”. وهـذا أيـضـاً نـقـلـه عـن ابـن جـبـيـر.

وأكـمـل ابـن بـطّـوطـة طـريـقـه إلى نـصـيـبـيـن وسـنـجـار ومـارديـن، ثـمّ عـاد إلى بـغـداد عـن طـريـق الـمـوصـل. وعـنـدمـا وصـل إلى مـديـنـة بـغـداد : “وجـدت الـحـاج عـلى أهـبـة الـرّحـيـل”. وتـركـوا بـغـداد إلى مـكّـة عـن طـريـق الـكـوفـة.

ــــــــــــــــــــــــ

(1) أنـظـر مـقـالي : “الـعـراقـيـون في رحـلـة الأنـدلـسي ابـن جُـبـيـر” :

https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/01/07/%D8%A7%D9%84%D9%80%D8%B9%D9%80%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%80%D9%8A%D9%80%D9%88%D9%86-%D9%83%D9%80%D9%85%D9%80%D8%A7-%D8%B1%D8%A2%D9%87%D9%80%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D9%80%D8%AF%D9%84%D9%80%D8%B3/

 

 

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s