تـمـثـالان لآشـوربـانـيـبـال وجـلـجـامـش في سـان فـرانـسـيـسـكـو وسـيـدني

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

Ashurbanipal King of Syria statue,Asian Art Museum,San Francisco,California,USA

عـنـدمـا نـصـب تـمـثـال آشـوربـانـيـبـال في The Civic Center في سـان فـرانـسـيـسـكـو، كـالـيـفـورنـيـا (الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة) عـام 1988، سـخـر مـنـه كـثـيـر مـن الـنّـقـاد وأشـاروا إلى أنّـه يـمـثّـل جـلـجـامـش أكـثـر مـمـا يـمـثّـل آشـوربـانـيـبـال.

وإن كـانـوا مـحـقّـيـن في أنّـه لا يـمـثّـل آشـوربـانـيـبـال، فـهـل يـمـثّـل الـتّـمـثـال حـقـاً جـلـجـامـش ؟

ولـنـبـدأ قـصـتـنـا بـالـبـدايـة. وكـانـت الـبـدايـة عـنـدمـا بـدأ بـول إمـيـل بـوتـا Paul- Emile BOTTA ، قـنـصـل فـرنـسـا في الـمـوصـل تـنـقـيـبـاتـه في خـورسـبـاد، قـرب الـمـوصـل عـام 1843، وأزاح الـتّـراب عـن بـقـايـا دور شـروكـيـن، قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (حـكـم مـن 721 إلى 705 قـبـل الـمـيـلاد).

وفي الـعـام الـتّـالي أي 1844 عـثـر في مـدخـل قـاعـة عـرش الـمـلـك عـلى مـنـحـوتـتـيـن جـداريـتـيـن عـالـيـتي الإرتـفـاع (تـرتـفـع كـلّ واحـدة مـنـهـمـا إلى خـمـسـة أمـتـار) أرسـلـتـا إلى بـاريـس ووضـعـتـا في “الـمـتـحـف الآشـوري” الّـذي افـتـتـح في داخـل مـتـحـف الـلـوفـر عـام 1847. وبـعـد تـجـديـد الـمـتـحـف في أواخـر الـقـرن الـمـاضي، خـصـصـت لـلـمـنـحـوتـات الآشـوريـة في مـتـحـف الـلـوفـر قـاعـة أسـمـيـت بـ “حـوش خـورسـبـاد”، يـمـكـنـنـا رؤيـة الـمـنـحـوتـتـيـن فـيـهـا.

“مـنـحـوتـتـا جـلـجـامـش” في مـتـحـف الـلـوفـر :

والـمـنـحـوتـتـان تـمـثّـلان رجـلاً طـويـل الـشّـعـر مـهـيـب الـلـحـيـة، صـفـف شـعـره ولـحـيـتـه عـلى طـريـقـة تـصـفـيـف شـعـور الـمـلـوك والـنّـبـلاء. ويـظـهـر في إحـداهـمـا مـرتـديـاً قـمـيـصـاً قـصـيـراً يـنـزل إلى ركـبـتـيـه،

جلجامش لوفر 3

ويـرتـدي في الـثّـانـيـة نـفـس الـقـمـيـص وفـوقـه رداء طـويـل يـغـطي سـاقـه الـيـسـرى ويـكـشـف عـن سـاقـه الـيـمـنى.

جلجامش لوفر 2

ويـحـمـل في يـده الـيـمـنى سـلاحـاً مـعـقـوفـاً اسـمـه “حـربـة Harbé “، كـان مـخـصـصـاً لـلـمـلـوك، ويـمـسـك تـحـت ذراعـه الأيـسـر بـشـبـل يـشـدّ عـلـيـه بـقـوّة بـيـنـمـا يـنـفـض الـشّـبـل رأسـه ويـكـشّـر عـن أنـيـابـه ويـخـرج أظـلافـه مـحـاولاً الـتّـخـلـص مـن الـقـبـضـة. ويـقـف كـلّ واحـد مـن شـخـصي الـمـنـحـوتـتـيـن وراء مـنـحـوتـه بـارزة الـنّـتـوء لـثـور مـجـنـح.

ونـلاحـظ أنّـه يـقـف مـواجـهـاً الـمـشـاهـد، والـمـعـتـاد في الـمـنـحـوتـات الآشـوريـة أن يـصـوّر الأشـخـاص، وحـتّى الـمـلـوك مـنـهـم، جـانـبـيـاً. أمّـا الـتّـصـويـر الـمـواجـه فـقـد كـان مـخـصـصـاً لـمـشـاهـد أبـطـال الأسـاطـيـر ومـن يـمـتـلـكـون خـصـائـص سـحـريـة أو خـارقـة لـلـعـادة.

كـمـا أنّـه يـربـط حـول مـعـصـمـه سـواراً تـزيّـن وسـطـه بـتـائـل زهـرة. وقـد وجـدت مـثـل هـذه الأسـورة في مـقـابـر الـمـلـكـات في مـوقـع نـمـرود (جـنـوب الـمـوصـل). وبـتـائـل الـزّهـور الّـتي عـثـر عـلـيـهـا كـانـت مـن الأحـجـار الـكـريـمـة.

واسـتـنـتـج الـبـاحـثـون مـن كـلّ هـذه الـتّـفـاصـيـل أنّ الـمـنـحـوتـتـيـن لا يـمـكـن إلّا أن تـصـوّرا مـلـكـاً، ومـلـكـاً لـه قـدرات اسـتـثـنـائـيـة وأسـطـوريـة.

وربّـمـا كـانـتـا تـمـثـلان جـلـجـامـش. ونـحـن نـعـرف أن جـلـجـامـش حـسـب الـمـلـحـمـة الّـتي سـمّـيـت بـاسـمـه كـان مـلـك الـوركـاء، وصـارت قـوّتـه في الأسـطـورة خـارقـة لـلـعـادة.

وربّـمـا كـانـت الـمـنـحـوتـتـان نـسـخـتـيـن بـارزتي الـنّـتـوء لـتـمـثـال قـديـم دائـري (أي يـمـكـن أن نـدور حـولـه). ويـدعـم هـذا الإحـتـمـال أن رأس الـرّجـل في كـلّ واحـدة مـن الـمـنـحـوتـتـيـن يـخـرج تـقـريـبـاً مـن الـجـدار ويـكـاد أن يـكـون دائـريـاً.

وقـد جـرت الـعـادة عـلى تـسـمـيـة الـمـنـحـوتـتـيـن بـمـنـحـوتـتي جـلـجـامـش، رغـم أنّـهـمـا تـصـنّـفـان في الـدّراسـات الـعـلـمـيـة تـحـت اسـم : “بـطـل قـابـض عـلى شـبـل”.

تـمـثـال “آشـوربـانـيـبـال” في سـان فـرانـسـيـسـكـو :

ولـنـعـد الآن إلى سـان فـرانـسـيـسـكـو لـنـتـأمّـل تـمـثـال “آشـوربـانـيـبـال” :    The Statue of Ashurbanipal أو The Ashurbanipal Monument.

والـتّـمـثـال عـالي الإرتـفـاع، يـصـل مـع قـاعـدتـه إلى حـوالي خـمـسـة أمـتـار. وهـو مـن الـبـرونـز (يـزن حـوالي 8200 كـلـغـم.). وقـد نـحـتـه فـريـد بـرهـاد أو فـرهـاد Fred Parhad ، وهـو مـن أصـل آثـوري. نـفّـذه بـطـلـب مـن الـمـؤسـسـة الآثـوريـة لـلـفـنـون The Assyrian Fondation of the Arts، وقـدّم في 1988 كـهـديـة مـن “الـشّـعـب الآشـوري” أي الـجـالـيـة الآثـوريـة إلى بـلـديـة سـان فـرانـسـيـسـكـو.

آشوربانيبال سان فرنسيسكو 2

والـتّـمـثـال نـسـخـة دائـريـة (أي يـمـكـن أن نـدور حـولـهـا) لـواحـدة مـن مـنـحـوتـتي مـتـحف الـلـوفـر الّـتي تـكـلـمـنـا عـنـهـا بـعـد أن بـالـغ الـنّـحّـات في نـفـخ عـضـلات شـخـصـيـتـهـا. يـرتـدي فـيـهـا آشـوربـانـيـبـال نـفـس الـقـمـيـص والـرّداء، ولـكّـنـه يـقـبـض عـلى الـشّـبـل بـذراعـه الأيـمـن ويـحـمـل بـيـده الـيـسـرى مـا أراد بـه الـنّـحـات أن يـكـون لـوحـاً مـن الـصّـلـصـال واسـع الـمـقـايـيـس كُـتـب عـلـيـه نـصّ بـالـمـسـمـاريـة. وحُـفـر عـلى قـاعـدة الـتّـمـثـال نـصّ يـتـكـلّـم عـن الـمـلـك الآشـوري آشـوربـانـيـبـال (حـكـم مـن 669 إلى 627 قـبـل الـمـيـلاد).

ويـبـدو اخـتـيـار مـنـحـوتـة نـفّـذت في زمـن سـرجـون الـثّـاني، جـدّ والـد آشـوربـانـيـبـال لـتـمـثـل حـفـيـد ابـنـه الّـذي حـكـم بـعـد زمـن طـويـل مـن وفـاتـه اخـتـيـاراً غـريـبـاً. ولا نـدري هـل نـعـزي هـذا الـخـلـط إلى جـهـل الـمـؤسـسـة الّـتي طـلـبـت الـتّـمـثـال والـنّـحـات الّـذي نـفّـذه بـالـتّـاريـخ الآشـوري أم إلى رغـبـة الـمـؤسـسـة أو الـنّـحـات بـنـصـب تـمـثـال يـجـذب الأنـظـار ويـظـهـر قـوّة الـمـلـك الآشـوري وحـبّـه لـلـمـعـارف مـهـمـا كـان الأصـل الـمـأخـوذ عـنـه.

وطـبـعـاً لـم تـتـوقّـع الـمـؤسـسـة ولا الـنّـحـات أن يـثـيـر هـذا الـخـلـط سـخـريـة الـنّـقـاد وكـشـفـهـم عـن الأصـل الّـذي أخـذ عـنـه الـتّـمـثـال.

 

تـمـثـال “جـلـجـامـش” في سـيـدني :

وإذا مـا زرنـا جـامـعـة سـيـدني The University of Sydney في أسـتـرالـيـا فـسـنـرى في جـانـب مـن حـديـقـتـهـا تـمـثـال “جـلـجـامـش”.

جلجامش في أستراليا

وقـد نـفّـذ الـتّـمـثـال الـحـجـري الّـذي يـبـلـغ ارتـفـاعـة مـتـريـن ونـصـف لـويـس بـطـرس Lewis Batros وقـدمـه  مـركـز جـلـجـامـش الـثّـقـافي  The Gilgamesh Cultural Center بـاسـم الـجـالـيـة الآثـوريـة كـهـديـة إلى الـجـامـعـة بـمـنـاسـبـة احـتـفـالـهـا بـمـرور مـائـة وخـمـسـيـن عـامـاً عـلى تـأسـيـسـهـا. ونـصـب في حـديـقـتـهـا عـام 2000.

وثـبّـت عـلى قـاعـدة الـتّـمـثـال لـوح مـعـدني كـتـب عـلـيـه بـحـروف بـيـضـاء عـلى خـلـفـيـة سـوداء تـلـخـيـص لـمـلـحـمـة جـلـجـامـش.

والـتّـمـثـال نـسـخـة مـن مـنـحـوتـة الـلـوفـر الـجـداريـة الّـتي يـرتـدي فـيـهـا “الـبـطـل الـقـابـض عـلى الـشّـبـل” رداءً طـويـلاً فـوق الـقـمـيـص. وقـد احـتـفـظ بـالـنـعـلـيـن الـمـربـوطـيـن بـشـرائـط جـلـديـة كـمـا في الأصـل الـلـوفـري، ولـكـنّـه في تـمـثـال سـيـدني لا يـمـسـك بـيـده الـيـمـنى بـ “الـحـربـة” بـل بـمـا يـبـدو خـنـجـراً يـخـتـفي وراء فـخـذه.

ونـلاحـظ أنّ تـمـثـال سـيـدني قـد تـأثّـر كـثـيـراً بـتـمـثـال سـان فـرانـسـيـسـكـو رغـم أنّـه “صـحـح” هـويـة الـشّـخـصـيـة الّـتي يـمـثّـلـهـا، فـقـد تـحـولـت مـن “آشـوربـانـيـبـال” إلى “جـلـجـامـش”.

ولـكـنّ هـل تـمـثّـل مـنـحـوتـتـا قـصـر سـرجـون الـثّـاني “جـلـجـامـش” حـقّـاً، أم “بـطـلاً قـابـضـاً عـلى شـبـل” نـجـهـل هـويـتـه ؟

 

 

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s