لـوحـة “بـابـل” لـلـفـنّـان كـوبـكـا

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

كوبكا بابل 2 (2)

يـعـرف كـلّ مـحـبّي الـفـنّ الـحـديـث  الـفـنّـان الـتّـشـيـكي فـرانـتـيـشـيـك كـوبـكـا  František Kupka ، الّـذي ولـد سـنـة 1871 وتـوفي سـنـة 1957،  فـقـد كـان واحـداً مـن أهـم روّاد الـحـركـة الـتّـشـكـيـلـيـة الـحـديـثـة في بـاريـس في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن، وأحـد روّاد الـفـنّ الـتّـجـريـدي.  كـمـا عـرف أيـضـاً كـواحـد مـن أعـلام الـتّـصـمـيـم الـحـديـث.

وقـد رسـم كـوبـكـا في 1906 لـوحـة زيـتـيـة واسـعـة الـمـقـايـيـس نـسـبـيـاً  (70 × 104 سـنـتـم.) أسـمـاهـا : “بـابـل”، يـمـكـنـنـا تـأمّـلـهـا في Narodni Galerie في مـديـنـة بـراغ.

كوبكا بابل

وتـصـوّر الـلـوحـة مـديـنـة بـابـل في الـصّـبـاح، فـقـد بـدأت أشـعـة الـشّـمـس تـنـيـر الـجـنـائـن الـمـعـلـقـة الّـتي تـبـدو كـزقـورة عـريـضـة عـالـيـة تـرفـع قـمّـتـهـا إلى الـسّـمـاء، عـلى الـضّـفـة الـمـقـابـلـة لـلـفـرات أي عـلى يـسـار خـلـفـيـة الـلـوحـة.

كوبكا جزئية 3

ونـرى في مـقـدمـة الـلـوحـة مـجـمـوعـة مـن الـنّـاس أمـام مـدخـل الـجـسـر: سـائـسَي خـيـل يـجـرّ كـلّ مـنـهـمـا جـواديَـن مـسـرجـيـن عـلى ظـهـورهـمـا أقـمـشـة (أو جـلـود ؟) ثـريّـة الـنّـقـوش، وخـلـفـهـمـا رجـل يـجـرّ حـمـاراً. كـمـا نـرى رجـالاً يـنـتـظـرون مـتّـكـئـيـن عـلى حـافـة الـجـسـر بـجـانـب حـارس يـرفـع رمـحـه، ورجـالاً آخـريـن قـادمـيـن نـحـوه.

كوبكا جزئية 1

ونـرى عـلى الـجـسـر رجـالاً يـحـمـلـون لـوحـاً مـن الـخـشـب يـضـعـونـه كـعـارضـة عـلى ركـائـز الـجـسـر في جـانـبـيـه، وخـلـفـهـم رجـال آخـرون يـحـمـلـون ألـواحـاً أخـرى.

كوبكا جزئية 2

ولـكي نـفـهـم الـمـقـصـود بـهـذا الـمـشـهـد يـنـبـغي عـلـيـنـا أن نـعـود إلى نـصّ الـمـؤرخ الـيـونـاني هـيـرودوت الّـذي زار بـابـل في الـقـرن الـخـامـس قـبـل الـمـيـلاد أي بـعـد أقـلّ مـن قـرن مـن سـقـوطـهـا تـحـت ضـربـات الـفـرس الأخـمـيـنـيـيـن. فـهـو يـتـكـلّـم في الـمـقـطـع (186) مـن الـكـتـاب الأوّل مـن تـاريـخـه (1) عـن مـلـكـة بـابـل الأسـطـوريـة “نـيـتـوكـريـس” :

“وفي مـنـتـصـف الـمـسـافـة الّـتي يـجـري فـيـهـا الـنّـهـر في الـمـديـنـة أمـرت بـتـشـيـيـد جـسـر بـالـصّـخـور الّـتي قـطـعـت مـن مـنـاجـمـهـا، وربـطـت بـيـنـهـا بـكـلالـيـب مـن الـحـديـد أو الـرّصـاص. وفي كـلّ صـبـاح، تـوضـع عـلى ركـائـز الـجـسـر الـصّـخـريـة عـوارض مـن خـشـب تـربـط بـيـنـهـا فـيـعـبـر عـلـيـهـا أهـل بـابـل مـن ضـفـة إلى ضـفـة، ثـمّ تـخـلـع في الـلـيـل لـيـمـنـع الـلـصـوص مـن عـبـور الـنّـهـر وارتـكـاب سـرقـاتـهـم في الـجـانـب الـمـقـابـل”.

ولـوحـة كـوبـكـا هـذه الّـتي رسـمـهـا عـنـدمـا كـان في الـخـامـسـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـره تـشـخـيـصـيـة تـقـلـيـديـة لا تـجـديـد في أسـلـوبـهـا ولا ابـتـكـار رغـم أنّـه كـان قـد وصـل إلى بـاريـس مـنـذ عـشـر سـنـوات، فـهـو لـم يـبـدأ مـرحـلـتـه الـفـنّـيـة الـتّـجـديـديـة إلّا في حـوالي عـام 1910، ثـمّ تـبـعـتـهـا مـرحـلـتـه الـتّـجـريـديـة بـعـد ذلـك.

وتـكـمـن أهـمـيـة هـذه الـلـوحـة إذن في مـضـمـونـهـا “الـتّـاريـخي” أي كـنـمـوذج عـلى الـصّـورة الّـتي تـكـوّنـت عـن بـابـل وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في مـخـيّـلـة الأوربـيـيـن.

وهـو مـع ذلـك يـخـتـلـف عـن الـتّـقـالـيـد الـفـنّـيـة الأوربـيـة الّـتي غـالـبـاً مـا تـضـع وسـط الـمـديـنـة “بـرج بـابـل” كـمـا ذكـرتـه الأسـطـورة الـتّـوراتـيـة.  وقـد وضـع كـوبـكـا في وسـط الـمـديـنـة الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة الّـتي وجـد ذكـرهـا عـنـد قـدمـاء الـكـتّـاب الإغـريـق والـرّومـان. كـمـا تـمـيّـز بـاسـتـيـحـاء قـصّـة عـوارض الـجـسـر الـخـشـبـيـة الّـتي تـخـلـع في الـلـيـل ويـعـاد وضـعـهـا في الـصّـبـاح مـن كـتـاب الـمـؤرخ الـيـونـاني هـيـرودوت كـمـا رأيـنـا، وهـو مـا لـم يـسـبـقـه أحـد إلـيـه حـسـب عـلـمي.

ورغـم أنّ الـلـوحـة عـمـل فـنّي يـحـقّ فـيـه لـلـفـنّـان أن يـخـلـق أجـواءه ومـحـتـواه، فـقـد حـاول كـوبـكـا أن يـكـون مـقـنـعـاً في اسـتـرجـاعـه لـصـور الـمـاضي. ووضـع عـلى جـانـب مـدخـل الـجـسـر ثـوراً مـجـنـحـاً أخـذه مـن الـمـنـحـوتـات الـجـداريـة الآشـوريـة الّـتي كـانـت تـوضـع عـلى جـانـبي أبـواب مـداخـل الـقـصـور أو قـاعـاتـهـا. ولـكـنّـه رسـم لـه زوجـاً واحـداً مـن الـقـرون في حـيـن أنّ الـثّـيـران الـمـجـنّـحـة الآشـوريـة لـهـا زوجـان أو ثـلاثـة مـن الـقـرون.

ونـرى عـلى جـانـب الـجـسـر أيـضـاً تـمـاثـيـل كـائـنـات خـرافـيـة مـركّـبـة مـن جـسـم إنـسـان لـه رأس طـائـر وجـنـاحـيـه أو رأس أسـد.

وقـد مـزج كـوبـكـا لـخـلـق هـذه الـكـائـنـات بـيـن الـجـنّي الـمـجـنّـح ولـه رأس طـائـر والّـذي يـرشّ مـاء الـحـيـاة عـلى الـشّـجـرة الـمـقـدّسـة في الـمـنـحـوتـات الـحـجـريـة الآشـوريـة

النسر المجنح

وبـيـن تـمـاثـيـل الـشّـيـطـان بـازوزو مـن الـمـعـدن، والّـتي نـراه فـيـهـا بـرأسـه الـبـشـري الـوحـشي وبـزوجـيـن مـن الأجـنـحـة. وكـان بـازوزو هـذا، حـسـب مـعـتـقـدات الـعـراقـيـيـن الـقـدمـاء، قـادراً عـلى إبـعـاد الأمـراض والـمـصـائـب عـن الـنّـاس إذا مـا وجـهـوا لـه أدعـيـتـهـم.

بازوزو

ومـن هـذا نـرى أنّ كـوبـكـا، الّـذي درس الـتّـاريـخ والآثـار إلى جـانـب مـمـارسـتـه لـلـفـنّ، ارتـاد الـقـاعـات الـبـابـلـيـة والآشـوريـة في مـتـحـف الـلـوفـر بـعـد مـجـيـئـه إلى بـاريـس، ورأى صـوراً لـقـطـع أثـريـة أخـرى في الـكـتـب، كـمـا قـرأ بـعـض مـا كـتـبـه الـمـؤلـفـون الإغـريـق والـرّومـان عـن بـابـل، مـمـا يـدلّ عـلى ثـقـافـتـه الـواسـعـة واهـتـمـامـه بـحـضـارات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـقـديـمـة. وهـو لـهـذا يـسـتـحـق أن نـتـذكّـره.

ــــــــــــــــــــ

(1) https://sabahalnassery.wordpress.com/2015/04/19/%D8%A8%D9%80%D9%84%D8%A7%D8%AF-%D9%85%D9%80%D8%A7-%D8%A8%D9%80%D9%8A%D9%80%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%80%D9%86%D9%91%D9%80%D9%87%D9%80%D8%B1%D9%8A%D9%80%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D9%80%D8%A7%D8%B1%D9%8A/

 

بـدايـة اسـتـعـمـال الـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي في الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

ترانشان 1

صـوّت الـمـجـلـس الـوطـني الـفـرنـسي في عـام 1851 عـلى تـمـويـل حـمـلـة تـنـقـيـبـات ثـانـيـة في قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (دور شَـروكـيـن) في خـورسـبـاد، قـرب الـمـوصـل، شـمـال الـعـراق. وكـان بـول إمـيـل بـوتـا قـد قـام بـالـحـمـلـة الأولى في عـامَي  1843ــ 1844.

وقـد كـان بـوتـا أوّل مـن اكـتـشـف آثـاراً آشـوريـة بـعـد أن سـقـطـت هـذه الـحـضـارة في غـيـاهـب الـنّـسـيـان أكـثـر مـن 25 قـرنـاً مـنـذ سـقـوط عـاصـمـتـهـا نـيـنـوى في 612  قـبـل الـمـيـلاد، فـقـد كـان أوّل مـن أزاح الـتّـراب عـن بـقـايـا دور شـروكـيـن، قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني في خـورسـبـاد، قـرب الـمـوصـل.

وعـهـد بـالإشـراف عـلى حـمـلـة الـتّـنـقـيـبـات الـثّـانـيـة هـذه إلى فـكـتـور بـلاس Victor Place الّـذي عـيّـن قـنـصـلاً لـفـرنـسـا في الـمـوصـل لـيـسـتـطـيـع الـقـيـام بـهـذه الـمـهـمـة.

وكـان بـول إمـيـل بـوتـا قـد اخـتـار في عـام 1844 رسّـامـاً : أوجـيـن فـلانـدان Eugène Flandin، لـيـسـاعـده في رسـم تـخـطـيـطـات الـمـوقـع ورسـم الـقـطـع الأثـريـة، أمّـا فـكـتـور بـلاس فـقـد فـضّـل في عـام 1852 اخـتـيـار مـصـوّر فـوتـوغـرافي.

وقـد اسـتـطـاع إقـنـاع الـمـهـنـدس الـفـرنـسي  جـبـرائـيـل تـرانـشـان Gabriel TRANCHAND  بـمـصـاحـبـتـه إلى الـعـراق لـلـمـشـاركـة في حـمـلـة تـنـقـيـبـاتـه والـقـيـام بـمـهـمـة تـصـويـر الإكـتـشـافـات والـقـطـع الأثـريـة الّـتي سـيـعـثـر عـلـيـهـا. وكـان شـيـئـاً لـم يـسـبـق لـه مـثـيـل في تـاريـخ الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة، خـاصـة وأنّ فـنّ الـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي كـان في ذلـك الـزّمـن في طـور الـطّـفـولـة.

وبـدأت الـتّـنـقـيـبـات في عـام 1852. وكـان تـرانـشـان يـشـارك فـيـهـا ويـصـورهـا في نـفـس الـوقـت إلى أن أنـهـكـه الـعـمـل الـمـتـعـب ومـات بـعـد أن أصـيـب بـمـرض انـتـقـلـت إلـيـه عـدواه في مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات.

وقـد اسـتـعـمـل تـرانـشـان في الـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي الـتّـقـنـيـة الّـتي كـانـت قـد اسـمـيـت أولاً Talbotype بـاسـم مـخـتـرعـهـا الإنـكـلـيـزي فـوكـس تـالـبـوت William Henry FOX TALBOT  قـبـل أن يـطـلـق عـلـيـهـا في الـنّـهـايـة اسـم  Calotype. وتـكـمـن أهـمـيـة هـذه الـتّـقـنـيـة في أنّ الـصّـورة لا يـطـبـع عـلـيـهـا الـضّـوء والـظّـل في داخـل الآلـة وإنّـمـا تُـنـتـج الآلـة مـسـودّة يـمـكـن أن يُـطـبـع مـنـهـا عـدد مـن نـسـخ الـصّـورة عـلى الـورق، وهـو مـا كـان جـديـداً في ذلـك الـزّمـن.

ورغـم أنّ الـصّـورة الـفـوتـوغـرافـيـة كـانـت آنـذاك مـسـطـحـة قـلـيـلـة الـقـدرة عـلى إظـهـار عـمـق الأشـيـاء الـمـصـوّرة أو بـروزهـا، وهـو مـا كـان الـرّسـام يـتـقـن تـنـفـيـذه، فـقـد فـضّـلـهـا الـمـنـقّـبـون مـع ذلـك لـدقّـتـهـا، فـهي نـسـخـة “طـبـق الأصـل” مـن الـشّئ الـمـصـوَّر.

وقـد الـتـقـط  تـرانـشـان مـجـمـوعـات مـن الـصّـور يـظـهـر فـيـهـا الـعـمـال والـمـشـرفـون عـلى الـتّـنـقـيـبـات في كـلّ مـرحـلـة مـن مـراحـل عـمـلـهـم الـمـتـتـابـعـة. وتـحـتـفـظ الأرشـيـفـات الـوطـنـيـة الـفـرنـسـيـة بـ 51  صـورة فـوتـوغـرافـيـة بـالأبـيـض والأسـود الـتـقـطـهـا تـرانـشـان في حـوالي 1852.

ومـا عـدا الـصّـورة الّـتي وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال والّـتي تـصـوّر اثـنـيـن مـن الـمـشـاركـيـن في الـتّـنـقـيـبـات (فـكـتـور بـلاس يـحـمـل قـبـعـتـه بـيـده وربّـمـا كـان الـثّـاني تـرانـشـان) بـجـانـب ثـور مـجـنـح، فـقـد اخـتـرت لـكـم عـدداً مـن هـذه الـصّـور.

ونـبـدأ بـصـورة لـمـمـر بـيـن حـجـرات الـقـصـر الّـذي أمـر بـتـشـيـيـده سـرجـون الـثّـاني الّـذي حـكـم مـن 721 إلى 705 قـبـل الـمـيـلاد. ونـلاحـظ طـريـقـة بـنـاء جـدارَي الـمـمـر وسـقـفـه الـمـعـقـود بـالـحـجـر. ولأنّ الـمـمـر، مـثـل بـاقي الـقـصـر، كـان مـغـطى تـمـامـاً بـالـتّـراب الّـذي تـراكـم عـلـيـه خـلال أكـثـر مـن خـمـسـة وعـشـريـن قـرنـاً وشـكّـل تـلّاً فـنـلاحـظ أيـضـاً الـثّـقـوب الّـتي حـفـرت في الأرض لـيـسـتـطـيـع الـمـنـقـبـون الـنّـزول إلـيـه :

ترانشان 2

ثـمّ عـدّة صـوّر لـمـراحـل إزاحـة الـتّـراب عـن الـبـاب رقـم 3 الـمـزيّـن بـمـنـحـوتـات جـداريـة عـلى جـانـبـيـه (رقـم الـبـاب عـلى مـخـطـط الـتّـنـقـيـبـات). فـبـعـد أيّـام طـويـلـة مـن الـعـمـل أزاح فـيـهـا الـعـمّـال أمـتـاراً مـكـعـبـة مـن الـتّـراب لا عـدد لـهـا ولا حـصـر ظـهـر أعـلى الـبـاب ثـمّ رأسي ثـوريـن مـجـنّـحـيـن  كـانـا يـحـرسـانـه :

ترانشان 3

وبـعـد إزاحـة الـتّـراب عـن صـدر الـثّـور الأيـسـر صـعـد مـشـرفـان عـلى الـتّـنـقـيـبـات عـلى سـلّـم خـشـبي ووقـفـا فـوق رأسَي الـثّـوريـن :

ترانشان 4

ثـمّ صـورة الـبـاب وقـد ظـهـرت واجـهـتـه وحُـفـر في داخـلـه نـفـقـان :

ترانشان 5

وصـورة بـعـض الـمـشـرفـيـن عـلى الـتّـنـقـيـبـات أمـام الـبـاب وفـوق الـثّـوريـن. ونـلاحـظ رجـلـيـن فـوق أعـلى الـتّـل أي فـوق الـتّـراب الّـذي تـراكـم فـوق الـبـاب خـلال قـرون طـويـلـة. ومـن هـذا نـرى أنّ الـعـمـال حـفـروا عـلى عـمـق أكـثـر مـن عـشـرة أمـتـار لـيـتـوصـلـوا إلى مـسـتـوى أرضـيـة الـقـصـر الأصـلـيـة في الـزّمـن الآشـوري :

ترانشان 6

وصـورة مـجـمـوعـة عـمـال أمـام نـفـس الـبـاب :

ترانشان 8 ب

ثـمّ صـورة لـعـمّـال آخـريـن أمـام الـبـاب :

ترانشان 8

ثـمّ صـورة (سـيـئـة الـنّـوعـيـة) بـعـد أن أزيـح الـتّـراب الـمـتـراكـم في داخـل الـبـاب وظـهـرت مـنـحـوتـة رجـل مـلـتـحي خـلـف الـثّـور :

ترانشان 9

وأخـيـراً صـورة الـبـاب وقـد فُـتـح بـأكـمـلـه :

ترانشان 11

وبـعـد وفـاة الـمـهـنـدس جـبـرائـيـل تـرانـشـان Gabriel TRANCHAND، مـرّ الـمـعـمـاري والـفـنّـان الـفـرنـسي فـلـيـكـس تـومـا Félix Thomas عـام 1853 بـالـمـوصـل عـائـداً مـن بـابـل في طـريـقـه إلى فـرنـسـا، واقـتـرح عـلـيـه فـيـكـتـور بـلاس أن يـبـقى مـعـه لـيـسـاعـده في تـنـقـيـبـات دور شـروكـيـن ويـرسـم الـمـوقـع والـقـطـع الأثـريـة. وشـرع فـلـيـكـس تـومـا في تـخـطـيـط  مـكـان الـمـوقـع ورسـم الـقـطـع الأثـريـة في بـدايـة شـهـر آذار وانـتـهى مـن مـهـمـتـه في شـهـر أيّـار، ثـمّ عـاد إلى فـرنـسـا.

وفي 1855، حـمّـل فـكـتـور بـلاس أعـداداً  كـبـيـرة مـن الـقـطـع الأثـريـة الّـتي كـان قـد عـثـر عـلـيـهـا في خـورسـبـاد عـلى أكـلاك انـحـدرت عـلى مـيـاه دجـلـة إلى الـبـصـرة لـتـرسـل عـلى بـاخـرة إلى بـاريـس، ولـكـنّ جـزءاً مـنـهـا غـرق قـرب الـقـرنـة ومـن بـيـنـهـا ثـيـران مـجـنـحـة ربّـمـا كـانـت ثـيـران الـصّـور الّـتي رأيـنـاهـا. وربّـمـا مـا زالـت أجـزاء مـنـهـا تـرقـد في أعـمـاق شـطّ الـعـرب إلى أيّـامـنـا هـذه.

وبـعـد هـذه الـكـارثـة، نُـقـل فـيـكـتـو بـلاس في نـفـس الـسّـنـة إلى رومـانـيـا، ثـمّ عـيّـن في تـركـيـا فـالـهـنـد فـنـيـويـورك.

أمّـا فـلـيـكـس تـومـا، فـبـعـد أن عـاد إلى بـاريـس، تـرك الـمـعـمـار لـيـكـرّس وقـتـه لـرسـم لـوحـات اسـتـشـراقـيـة استـوحي أجـواءهـا مـن ذكـريـات سـفـراتـه والـتّـخـطـيـطـات الّـتي نـفـذهـا فـيـهـا.
ومـن أشـهـر هـذه الـلـوحـات “زيـارة بـاشـا الـمـوصـل لـتـنـقـيـبـات خـورسـبـاد، مـوقـع نـيـنـوى الـقـديـمـة « Visite du Pacha de Mossoul aux fouilles de Khorsabad, ancienne Ninive   الّـتي عـرضهـا في بـاريـس في صـالـون 1863 : زيـت عـلى قـمـاش 100× 160 سـنـتـم. والّـتي  يـمـتـلـكـهـا مـتـحـف الـلـوفـر في بـاريـس. ولا نـعـرف هـل أنّـه اسـتـعـان بـتـخـطـيـطـاتـه فـقـط أم أنّـه اسـتـعـمـل صـور تـرانـشـان في تـنـفـيـذهـا.

Thomas_Khorsabad

ولـم يـبـدأ فـيـكـتـور بـلاس بـنـشـر نـتـائـج تـنـقـيـبـاتـه إلّا في عـام 1867. فـقـد صـدر في ذلـك الـعـام الـجـزء الأوّل مـن كـتـابـه : نـيـنـوى وبـلاد آشـور، ويـتـضـمّـن مـحـاولـة قـام بـهـا فـلـيـكـس تـومـا لـتـنـظـيـم (أي إعـادة تـكـويـن آثـار الـقـصـر)، نـشـرت بـأوامـر مـن الإمـبـراطـور. وبـمـشـاركـة فـلـيـكـس تـومـا. بـاريـس، الـمـطـبـعـة الإمـبـريـالـيـة، 1876ــ 1870، 3 أجـزاء

Ninive et l’Assyrie, avec des essais de restauration par Félix Thomas. Ouvrage publié d’après les ordres de l’Empereur. Collab. de Félix Thomas. Paris : Imprimerie impériale, 1867-1870, 3 vol.
ونـشـر الـجـزء الـثّـالـث مـن الـكـتـاب إذن في عـام 1870.

ومـحـاولـة الـتّـنـظـيـم أو إعـادة الـتّـكـويـن الـمـذكـورة هي تـخـطـيـطـات ورسـوم هـنـدسـيـة مـعـمـاريـة قـام بـهـا فـلـيـكـس تـومـا تـظـهـر أجـزاء قـصـر سـرجـون الـثّـاني كـمـا تـصـوّر الـمـعـمـاري الـفـنّـان أنّـهـا كـانـت في الأصـل.

ولـكـنّ الّـذي نـلاحـظـه خـاصّـة هـو أنّ فـيـكـتـور بـلاس وضـع في كـتـابـه تـخـطـيـطـات فـلـيـكـس تـومـا ورسـومـه بـدلاً مـن صـور جـبـرائـيـل تـرانـشـان الـفـوتـوغـرافـيـة رغـم ريـادتـه في هـذا الـمـيـدان. وربّـمـا كـان سـبـب ذلـك أنّ الـمـطـبـعـة في ذلـك الـزّمـن لـم تـكـن تـمـتـلـك الإمـكـانـيـات الـتّـقـنـيـة بـعـد لـطـبـع صـور دقـيـقـة الـوضـوح في الـكـتـب … وهـكـذا ظـلّـت صـور تـرانـشـان تـرقـد في الأرشـيـفـات مـنـذ أكـثـر مـن قـرن ونـصـف !

 

صـور قـديـمـة لـبـغـداد في كـتـاب حـبـيـب أفـنـدي شـيـحـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

La Province de Bagdad

يـذكـر الـهـولـنـدي آيـنـهـولـت الّـذي زار بـغـداد في 1866ــ 1867 أنّـه الـتـقى بـحـبـيـب شـيـحـة (أو شـيـحـا كـمـا يـكـتـبـه الـبـعـض) الّـذي كـان يـعـمـل كـاتـبـاً عـنـد تـاجـر سـويـسـري مـقـيـم في بـغـداد اسـمـه مـسـيـو ويـبـر.(1)

وكـان حـبـيـب شـيـحـة هـذا سـوريـاً عـثـمـاني الـجـنـسـيـة يـتـقـن الـلـغـة الـفـرنـسـيـة. وقـد نـشـر في الـقـاهـرة عـام 1908 كـتـابـاً شـهـيـراً عـن بـغـداد بـصـيـغـتـيـن : واحـدة بـالـلـغـة الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان “ولايـة بـغـداد”. وهـو يـذكـر في مـقـدمـة كـتـابـه  أنّـه كـان قـد عـاش في بـغـداد أربـعـيـن سـنـة، أي أنّـه جـاء إلـيـهـا في حـدود عـام 1866ــ 1867، وهـو الـعـام اّلـذي قـابـلـه فـيـه الـهـولـنـدي آيـنـهـولـت في بـغـداد.

ولـم أسـتـطـع الـحـصـول عـلى الـصّـيـغـة الـعـربـيـة مـن الـكـتـاب، ولـكّـني وجـدت تـعـلـيـقـاً عـلـيـه في مـجـلـة الـمـقـتـبـس الـقـاهـريـة، الـعـدد 47 الـصّـادر في 1 ـ 1 ـ  1908 هـذا نـصّـه :

” (ولايـة بـغـداد) كـتـاب في 338 صـفـحـة طـبـعـه بـالـعـربـيـة حـبـيـب أفـنـدي شـيـحـة، وفـيـه وصـف هـذه الـولايـة ومـاضـيـهـا وتـاريـخـهـا ووصـف سـكـة بـغـداد الـحـديـديـة وبـحـث في الـقـبـائـل الـبـاديـة (!) بـيـن الـنّـهـريـن”. (2)

أمّـا الـصّـيـغـة الـثّـانـيـة فـهي بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة ونـشـرهـا أيـضـاً في الـقـاهـرة، مـطـبـعـة الـمـعـارف. وكـتـب اسـمـه : Habîb K.CHIHA . وعـنـوان الـكـتـاب بـكـامـلـه :

La Province de Bagdad, son passé, son avenir, contenant aussi des notes sur le chemin de fer de Bagdad et une étude inédite sur les tribus nomades de la Mésopotamie. Le Caire, impr. Al-Maaref, Neguib MITRI 1908.

وتـرجـمـتـه : ولايـة بـغـداد، تـاريـخـهـا ومـسـتـقـبـلـهـا، ويـحـتـوي أيـضـاً عـلى مـعـلـومـات عـن سـكـة بـغـداد الـحـديـديـة ودراسـة لـم يـسـبـق نـشـرهـا عـن قـبـائـل الأعـراب الـرُّحّـل في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن. الـقـاهـرة، مـطـبـعـة الـمـعـارف، نـجـيـب مـتـري 1908.

حبيب أفندي 2

ووجـدت في مـجـلّـة الـهـلال الـقـاهـريـة، الـعـدد 17 الـصّـادر في 1909 الـتّـعـلـيـق الـتّـالي :

” كـتـاب ولايـة بـغـداد ألـفـه في الـفـرنـسـاويـة حـبـيـب أفـنـدي شـيـحـا وضـمـنـه مـلاحـظـات عـلى الـسـكـة الـحـديـديـة هـنـاك وعـن قـبـائـل الـبـاديـة في مـا بـيـن الـنـهـريـن ويـطـلـب مـن مـكـتـبـة الـتّـألـيـف بـشـارع عـبـد الـعـزيـز”.

ويـحـتـوي الـكـتـاب عـلى 12 صورة فـوتـوغـرافـيـة لا بـد أنّـهـا كـانـت قـد الـتـقـطـت قـبـل عـام 1908، رقّـمـهـا الـمـؤلّـف مـن 1 إلى 12، وكـتـب تـحـت كـلّ واحـدة تـعـلـيـقـاً سـأتـرجـمـه خـلال عـرضي الـسّـريـع لـلـكـتـاب كـمـا كـتـبـه الـمـؤلّـف.  ويـلاحـظ الـقـارئ سـوء نـوعـيـة الـصّـور، وهـو مـا يـعـود إلى سـوء نـوعـيـة طـبـاعـة الـكـتـاب في الأصـل وإلى أنّـهـا اسـودّت بـمـرور الـزّمـن.

ويـذكـر حـبـيـب أفـنـدي شـيـحـة في مـقـدمـة كـتـابـه : “ولأنـنـا (يـتـكـلّـم عـن نـفـسـه بـصـيـغـة الـجـمـع) سـكـنّـا ولايـة بـغـداد مـدّة أربـعـيـن سـنّـة، نـعـتـقـد أنّـه يـمـكـنـنـا، بـفـضـل تـجـربـتـنـا الـطّـويـلـة، الـكـلام عـن هـذه الـولايـة الّـتي لا يـعـرف الـقـارئ عـنـهـا الـكـثـيـر”.

وقـد قـسّـم شـيـحـة كـتـابـه إلى قـسـمـيـن خـصـص الأوّل لـتـاريـخ بـغـداد، والـثّـاني لـولايـة بـغـداد “الـحـالـيـة” أي في زمـنـه : الـنّـصـف الـثّـاني مـن الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر وبـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن.

ونـجـد في الـقـسـم الأوّل فـصـلـيـن، أوّلـهـمـا عـن تـأسـيـس الـمـديـنـة وعـن أسـوارهـا وأبـوابـهـا الأربـعـة، وعـن الـخـلـفـاء الـعـبـاسـيـيـن.

وفي كـلامـه عـن هـرون الـرّشـيـد يـضـع الـصّـورة الأولى :

La Province de Bagdad

ونـقـرأ تـحـتـهـا : ” قـبـر الأمـيـرة زبـيـدة (زوجـة هـرون الـرّشـيـد)”. ولا أعـتـقـد أنـني أحـتـاج إلى أن أذكّـر الـقـارئ بـأنّ مـا يـسـمـيـه الـبـغـداديـون قـبـر الـسّـيـدة زبـيـدة هـو في الـحـقـيـقـة قـبـر زمـرد خـاتـون زوجـة الـمـسـتـضئ بـالله ووالـدة الـخـلـيـفـة الـنّـاصـر لـديـن الله، ولـكـنّ الـمـؤلّـف أخـطـأ فـالـصّـورة لا تـمـثّـل قـبـر زبـيـدة (زمـرد خـاتـون) وإنّـمـا مـرقـد الـشّـيـخ عـمـر الـسّـهـروردي و قـبّـتـه الـمـخـروطـيـة بـقـاعـدتـهـا الـمـربّـعـة. (3)

ويـتـكـلّـم في الـفـصـل الـثّـاني عـن فـيـضـانـات دجـلـة وعـن الـمـرّات الّـتي احـتـرقـت فـيـهـا الـمـديـنـة، وعـن الـهـزّات الأرضـيـة الّـتي هـدّمـت أجـزاء مـنـهـا. ثـمّ يـتـكـلّـم عـن حـكـم الـتـتـر وعـن سـيـطـرة تـيـمـور الأعـرج (تـيـمـور لـنـك) عـلى الـبـلاد، ثـمّ سـيـطـرة الـفـرس عـلـيـهـا و”تـحـريـر” الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني مـراد الـرّابـع لـهـا.

ويـضـع الـصـورة الـثّـانـيـة :

La Province de Bagdad

ونـقـرأ تـحـتـهـا : “الأبـواب الـقـديـمـة (في الـنّـصّ : الـحـصـون) والأسـوار”

والـصّـورة الـثّـالـثـة :

La Province de Bagdad

ونـقـرأ تـحـتـهـا : “جـامـع الإمـام مـوسى الـكـاظـم”. وقـد أخـطـأ الـمـؤلّـف هـنـا أيـضـاً فـالـصّـورة لـمـرقـد الإمـام الـحـسـيـن. (3)

ويـتـكـلّـم في الـفـصـل الـثّـالـث، عـن ولاة بـغـداد الـعـثـمـانـيـيـن ويـضـع لـهـم قـوائـم مـفـصّـلـة يـذكـر فـيـهـا سـنـوات حـكـمـهـم حـتّى زمـنـه، ويـفـصّـل الـكـلام عـن بـعـضـهـم لأهـمـيـتـهـم.

ويـضـع الـصّـورة الـرّابـعـة:

La Province de Bagdad

ونـقـرأ تـحـتـهـا : “شـارع الـقـشـلـة في بـغـداد”.

ويـبـدأ الـفـصـل الأوّل مـن الـقـسـم الـثّـاني مـن الـكـتـاب بـالـتّـقـسـيـم الإداري لـلـولايـة، وبـذكـر الأنـهـار والـقـنـوات، وفـتـرات فـيـضـانـاتـهـا، وطـرق الـرّي. ثـمّ يـتـكـلّـم عـن الـطـقـس وعـن “حـبّـة بـغـداد”. ويـذكـر مـا تـنـتـجـه الـولايـة. ثـمّ يـفـصـل الـحـديـث عـن سـكـانـهـا الّـذيـن قـدّرهـم بـ 850 ألـف نـسـمـة (400 ألـف مـنـهـم في بـغـداد ومـا حـولـهـا، و250 ألـف في الـحـلّـة ومـا حـولـهـا، و200 ألـف في كـربـلاء ومـا حـولـهـا)، وعـن أديـانـهـم : الـسّـنـة والـشّـيـعـة والـمـسـيـحـيـيـن والـيـهـود، وعـن لـغـاتـهـم ومـدارسـهـم. كـمـا تـكـلّـم عـن عـادات أهـل الـولايـة وتـقـالـيـدهـم.

ويـضـع الـصّـورة الـخـامـسـة :

La Province de Bagdad

ونـقـرأ تـحـتـهـا :  “الـجـسـر الـجـديـد عـلى دجـلـة”.

ويـخـصـص الـفـصـل الـثّـاني لـلـكـلام عـن سـنـجـقـيـن ضـمـن ولايـة بـغـداد : سـنـجـق الـدّيـوانـيـة وسـنـجـق كـربـلاء.

ويـضـع الـصّـورة الـسّـادسـة :

La Province de Bagdad

ونـقـرأ تـحـتـهـا : “جـامـع سـيّـد سـلـطـان عـلي”.

ويـتـكـلّـم في الـفـصـل الـثّـالـث عـن صـنـاعـات بـغـداد وتـجـارتـهـا، وعـن الإسـتـيـراد والـتّـصـديـر، وعـن الـزّراعـة وتـجـارة الـبـهـائـم، وتـربـيـة الـحـيـوانـات وتـجـارة الأبـل، وعـن الـطّـيـور والأسـمـاك، وعـن تـجـارة الـلـؤلـؤ، ثـمّ يـتـكـلّـم عـن الـحـشـرات وعـن الـمـنـاجـم وجـمـع الـمـلـح.

ويـضـع الـصّـورة الـسّـابـعـة :

La Province de Bagdad

ونـقـرأ تـحـتـهـا : “مـنـارة سـوق الـغـزل شـيّـدت خـلال حـكـم الـخـلـيـفـة الـمـسـتـعـصـم بـالله”.

والـصّـحـيـح أنّ هـذه الـمـنـارة هي كـلّ مـا تـبـقى مـن جـامـع الـقـصـر أو جـامـع الـخـلـيـفـة الّـذي أمـر بـتـشـيـيـده الـمـكـتـفي بـالله (901 ــ 907 م.)، أي أنّـه أقـدم بـكـثـيـر مـن فـتـرة حـكـم الـخـلـيـفـة الـمـسـتـعـصـم بـالله (1213 ــ 1258 م.).

ويـتـكـلّـم في الـفـصـل الـرّابـع عـن الآثـار والـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة، ويـوجـز الـكـلام عـن عـلـم الآشـوريـات، ثـمّ يـعـود لـذكـر الـحـفـريـات الّـتي أجـريـت في ولايـة بـغـداد.

ثـمّ يـخـصـص الـفـصـل الـتّـالي لـمـديـنـة بـغـداد في زمـنـه ولـسـكـانـهـا وعـاداتـهـم وتـقـالـيـدهـم، وعـن مـعـالـم الـمـديـنـة ومـسـاجـدهـا.

ويـضـع الـصّـورة الـثّـامـنـة :

La Province de Bagdad

ونـقـرأ تـحـتـهـا : “الـبـاب الـمـرقـوم الـمـسـمى بـاب الـطّـلـسـم”.

ويـتـكـلّـم حـبـيـب أفـنـدي شـيـحـة في الـفـصـل الـخـامـس مـن كـتـابـه عـن مـزارات الـمـسـلـمـيـن والـيـهـود، ويـصـف أمـاكـنـهـم الـمـقـدّسـة، وعـن قـوافـل الـحـجـاج وعـن الإجـراءات الـصّـحـيـة لـتـفـادي تـفـشي الأمـراض بـيـنـهـم.

ويـضـع الـصّـورة الـتّـاسـعـة :

La Province de Bagdad

ونـقـرأ تـحـتـهـا : “جـامـع الـنّـجـف (مـشـهـد عـلي)”.

ويـعـود الـمـؤلّـف في الـفـصـل الـتّـالي إلى بـعـض الـعـادات والـتّـقـالـيـد واحـتـفـالات الـزّواج ومـراسـيـم دفـن الـمـوتي عـنـد الـمـسـلـمـيـن والـمـسـيـحـيـيـن.

ويـتـكـلّـم في الـفـصـل الـثّـامـن عـن وسـائـل الـنّـقـل والـقـوافـل، وعـن طـرق الـمـواصـلات بـيـن بـغـداد وحـلـب ودمـشـق، وخـاصـة طـريـق الـبـاديـة. كـمـا يـتـكـلّـم عـن طـرق الـنّـقـل الـنّـهـريـة وعـن بـواخـر الـشّـركـتـيـن الـعـثـمـانـيـة والإنـكـلـيـزيـة. كـمـا يـروي كـيـف تـجـري سـفـرة بـيـن بـغـداد والـبـصـرة عـن طـريـق دجـلـة. ويـصـف لـلـقـارئ الـسّـفـن الـشّـراعـيـة والأكـلاك.

ويـضـع الـصّـورة الـعـاشـرة :

La Province de Bagdad

ونـقـرأ تـحـتـهـا : “الـجـسـر الـقـديـم في بـغـداد”.

ويـخـصـص الـفـصـل الـتّـاسـع لـسـكـة بـغـداد الـحـديـديـة، والـعـاشـر لـلـجـالـيـات والـقـنـصـلـيـات الأجـنـبـيـة : الإنـكـلـيـزيـة والـفـارسـيـة والـفـرنـسـيـة والألـمـانـيـة والـرّوسـيـة، وعـن قـنـصـلـيـتي الـنّـمـسـا والـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة.

ويـضـع الـصّـورة الـحـاديـة عـشـرة :

La Province de Bagdad

ونـقـرأ تـحـتـهـا : “الـقـنـصـلـيـة الـفـرنـسـيـة والـقـنـصـلـيـة الـرّوسـيـة في بـغـداد”.

ثـمّ يـتـكـلّـم عـن قـبـائـل الـبـاديـة في مـا بـيـن الـنـهـريـن.

ويـضـع الـصـورة الـثّـانـيـة عـشـرة وهي الّـتي تـتـصـدّر هـذا الـمـقـال :

La Province de Bagdad

ونـقـرأ تـحـتـهـا : “مـقـهى قـرب بـغـداد”. ونـلاحـظ عـلى الـيـمـيـن جـدار الـمـقـهى الـمـغـطى بـالـرّسـوم (بـطـل الـمـشـهـد رجـل مـلـتـحي يـمـسـك بـقـرن حـيـوان خـرافي (عـفـريـت) وعـلى يـمـيـنـه أسـد).

ــــــــــــــــــــــــــ

(1)  “رحـلـة أيـنـهـولـت الـهـولـنـدي إلى الـعـراق سـنـة 1866ــ1867″، تـرجـمـة مـيـر بـصـري. (2)  والـجـمـلـة الأخـيـرة مـضـطـربـة الـتّـركـيـب، ولا شـكّ في أنّ كـاتـبـهـا يـريـد أن يـقـول : ” قـبـائـل الـبـاديـة في مـا بـيـن الـنـهـريـن “.  (3)  أشـكـر الأسـتـاذ أحـمـد إبـراهـيـم عـلى هـذه الـتّـوضـيـحـات الّـتي بـعـثـهـا لي.

الإسـكـنـدر الـمـقـدوني يـمـوت في بـابـل

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

الإسكندر في اللوفر

أذكـر أنـني عـنـدمـا قـرأت لأوّل مـرّة أنّ الإسـكـنـدر الـمـقـدوني مـات في بـابـل دُهـشـت كـثـيـراً، فـقـد كـان الإسـكـنـدر يـنـتـمي في مـخـيـلـتي آنـذاك إلى عـالـم الأسـاطـيـر. ثـمّ أنّـه جـاء مـن غـرب الأرض، مـن بـلاد الإغـريـق، ومـن فـتـرة مـبـهـمـة مـن الـزّمـن الـمـتـأرجـح في الـخـيـال. فـكـيـف يـمـكـنـه أن يـصـل إلى بـابـل الـشّـرق الّـتي كـانـت جـذورهـا تـضـرب في مـخـيـلـتي في أقـدم فـتـرات ظـهـور الإنـسـان عـلى سـطـح الـبـسـيـطـة ؟

وبـعـد أن قـرأت عـنـه الـكـثـيـر، خـرج الإسـكـنـدر شـيـئـاً فـشـيـئـاً مـن عـالـم الأسـاطـيـر لـيـدخـل في عـالـم الـتّـاريـخ الـمـدعـوم بـآثـار عـثـر عـلـيـهـا مـن بـقـايـا الـمـاضي وبـنـصـوص دونّـهـا كـتّـاب قـدمـاء شـاهـدوا الأحـداث أو سـمـعـوا عـنـهـا، أو قـرأوهـا في نـصـوص وصـلـتـهـم مـمـن سـبـقـهـم …

الـطّـريـق إلى آسـيـا :

بـعـد أن قُـتـل فـيـلـيـب، مـلـك مـقـدونـيـا، في شـمـال الـيـونـان، سـنـة 336 قـبـل الـمـيـلاد، إرتـقى ابـنـه الـعـرش تـحـت اسـم الإسـكـنـدر الـثـالـث.

وفي 334 ق. م. تـوجـه الإسـكـنـدر نـحـو آسـيـا لـيـكـمـل مـا كـان أبـوه قـد خـطـط لـه وشـرع فـيـه مـن مـقـاتـلـة عـدوه الـمـلـك الـفـارسي الأخـمـيـني داريـا الـثّـالـث (داريـوش) الّـذي كـان أسـلافـه قـد مـدّوا سـلـطـتـهـم عـلى بـلـدان شـرق الـبـحـر الـمـتـوسِّـط بـعـد أن أسـقـطـوا بـابـل والـدّولـة الـبـابـلـيـة الـحـديـثـة في 539 قـبـل الـمـيـلاد. وأنـهى الأخـمـيـنـيـون بـإسـقـاط بـابـل آخـر حـضـارات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الّـتي دامـت أكـثـر مـن ثـلاثـة آلاف عـام.

وكـان هـدف الإسـكـنـدر أن يـسـتـولي عـلى هـذه الـمـنـاطـق ويـمـدّ سـيـطـرتـه إلى أبـعـد مـا يـمـكـنـه بـاتّـجـاه الـشّـرق. ويـقـدّر الـمـؤرخـون عـدد جـنـود الإسـكـنـدر بـحـوالي 12,000 مـن الـمـشـاة و1,500 فـارس. وكـان لـه في الـبـحـر أسـطـول يـتـابـع مـسـيـرتـه.

وقـد الـتـقى جـيـش الـمـقـدوني بـجـيـش الأخـمـيـني في سـهـوب إيـسـوس Issus (قـرب الإسـكـنـدرونـة الـحـالـيـة) في شـمـال سـوريـا في خـريـف 333 ق. م. وهـزمـه. وتـرك الـمـلـك الأخـمـيـني داريـا الـمـعـمـعـة هـاربـاً مـع مـن نـجـا مـن جـنـده، ثـمّ تـوجـه نـحـو بـابـل لـيـعـيـد فـيـهـا تـشـكـيـل جـيـش آخـر يـواجـه بـه الإسـكـنـدر.

الـمـدن الـفـيـنـيـقـيـة ومـصـر :

وفـتـحـت هـذه الـمـعـركـة الـطّـريـق لـلإسـكـنـدر فـتـابـع مـسـيـره نـحـو الـمـدن الـفـيـنـيـقـيـة عـلى الـسّـاحـل الـشّـرقي لـلـبـحـر الـمـتـوسِّـط. وكـانـت هـذه الـمـدن قـد اغـتـنـت بـالـتّـجـارة مـنـذ زمـن طـويـل، وازدهـرت ازدهـاراً شـديـداً.

وبـعـد أن فـتـح الإسـكـنـدر صـيـدا، تـوجـه نـحـو صـور وضـرب حـولـهـا الـحـصـار سـبـعـة أشـهـر (مـن كـانـون الـثّـاني إلى آب 332 ق. م.). وعـنـدمـا فـتـحـهـا قـتـل مـن أهـلـهـا أكـثـر مـن 8000، وبـاع مـنـهـم ثـلاثـيـن ألـفـاً كـعـبـيـد. وقـد أسـقـط الـمـقـدوني بـإسـقـاط صـور قـرونـاً طـويـلـة مـن الـحـضـارة الـفـيـنـيـقـيـة.

وأكـمـل الـمـقـدوني طـريـقـه مـتـوجـهـاً نـحـو الـجـنـوب. وفـتـح غـزّة بـعـد شـهـريـن مـن الـحـصـار وقـتـل كـثـيـراً مـن أهـلـهـا وبـاع مـا لا يـحـصى مـن نـسـائـهـا وأطـفـالـهـا كـعـبـيـد.

ثـمّ وصـل إلى مـصـر وعـبـر الـنّـيـل نـحـو عـيـن شـمـس الّـتي دخـلـهـا مـن غـيـر قـتـال. وأظـهـر لـلـمـصـريـيـن تـقـديـسـه لآلـهـتـهـم، وضـحّى لـهـم في مـذبـح الإلـه بـتـاح. وهـكـذا فـرض سـيـادتـه كـابـن الإلـه وخـلـيـفـتـه عـلى الأرض، فـتـقـديـم الـضّـحـايـا عـنـد الـمـصـريـيـن كـان وقـفـاً عـلى الـفـرعـون “ابـن الإلـه وخـلـيـفـتـه عـلى الأرض”.

وصـعـد الإسـكـنـدر بـعـد ذلـك الـنّـيـل شـمـالاً إلى سـاحـل الـبـحـر الـمـتـوسِّـط، ثـمّ اتّـجـه نـحـو الـغـرب. ومـرّ بـمـكـان عـلى سـاحـل الـبـحـر بـدا لـه مـثـالـيـاً لـتـشـيـيـد مـديـنـة ومـيـنـاء، فـأمـر بـتـخـطـيـط مـا أصـبـح بـعـد ذلـك “الإسـكـنـدريـة”.

واسـتـمـرّ مـع بـعـض جـنـده مـتّـوجـهـا نـحـو الـغـرب ثـمّ انـحـدر جـنـوبـاً نـحـو واحـة سـيـوة. وكـان في سـيـوة مـعـبـد الإلـه آمـون. واسـتـقـبـلـه كـبـيـر كـهـنـتـه واعـتـرف بـه ابـنـاً لـلإلـه آمـون. وكـان الـكـبـش رمـزاً لـلإلـه آمـون، ولـهـذا وضـع الإسـكـنـدر قـرنَي كـبـش عـلى خـوذتـه لـيـدل بـذلـك عـلى أنّـه ابـن آمـون. وقـد وصـلـتـنـا قـطـع نـقـديـة ضـربـهـا الإسـكـنـدر الـمـقـدوني يـظـهـر فـيـهـا بـقـرنـيـه. ومـن ذلـك جـاء اسـمـه : “ذو الـقـرنـيـن”.

الإسكندر

ومـن واحـة سـيـوة عـاد الإسـكـنـدر إلى مـمـفـيـس عـاصـمـة الـفـراعـنـة. ومـنـهـا صـعـد مـن جـديـد إلى صـور، ثـمّ اتّـجـه نـحـو الـشّـرق.

الإسـكـنـدر في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

وعـبـر الإسـكـنـدر الـفـرات مـع جـيـشـه عـلى جـسـر قـوارب في تـمّـوز/ آب 331 ق. م. مـتّـجـهـاً نـحـو نـصـيـبـيـن. وسـيّـر جـيـشـه بـبـطء وحـذر. ولـم يـعـبـر دجـلـة إلّا في 20 أو 21 أيـلـول، ثـمّ انـحـدر جـنـوبـاً.

وبـعـد أربـعـة أيّـام، جـاء مـن يـعـلـمـه بـأنّ جـيـش داريـا الـفـارسي كـان بـيـن الـمـوصـل وأربـيـل، فـسـار إلـيـه الإسـكـنـدر وانـتـصـر عـلـيـه. وهـرب داريـا مـن جـديـد شـرقـاً إلى بـلاد الـمـيـديـيـن.

الإسكندر 2

(فـسـيـفـسـاء مـن نـهـايـة الـقـرن الـثّـاني قـبـل الـمـيـلاد تـمـثـل مـعـركـة الإسـكـنـدر ضـدّ داريـا)

واسـتـمـرّ الإسـكـنـدر في تـقـدمـه مـتّـجـهـاً نـحـو بـابـل الّـتي وصـلـهـا في أواخـر تـشـريـن الأوّل عـام 331 ق. م. وكـانـت بـابـل، رغـم سـقـوطـهـا بـأيـدي الـفـرس الأخـمـيـنـيـيـن قـبـل أكـثـر مـن قـرنـيـن، مـا زالـت تـحـتـفـظ بـأسـوارهـا وتـحـصـيـنـاتـهـا. ومـع ذلـك فـتـحـت أبـوابـهـا لـلـمـقـدوني وتـركـتـه يـدخـلـهـا بـلا مـقـاومـة ولا قـتـال. وتـرك الإسـكـنـدر حـاكـمـهـا الـفـارسي في مـنـصـبـه، وأقـام فـيـهـا ثـلاثـيـن يـومـاً لـيـريـح جـيـشـه مـن مـتـاعـب الـسّـفـر ولـيـعـدّه لـحـروب أخـرى.

وقـد أظـهـر الإسـكـنـدر تـقـديـسـه لآلـهـة الـبـابـلـيـيـن، وأمـر بـإعـادة تـشـيـيـد الـ “أي سـجـيـل”، مـعـبـد الإلـه مـردوخ الّـذي كـانـت قـد تـهـدّمـت أجـزاء كـثـيـرة مـنـه.

وأتّـجـه الـمـقـدوني، بـعـد أن تـرك بـابـل، إلى بـلاد الـفـرس. ووصـل إلى شـوشـان، عـاصـمـة بـلاد عـيـلام الـقـديـمـة، بـعـد عـشـريـن يـوم. ومـنـهـا سـار إلى تـخـت جـشـمـيـد (عـلى بـعـد 70 كـلـم. مـن شـيـراز)، عـاصـمـة الـدّولـة الأخـمـيـنـيـة، والّـتي أسـمـاهـا الإغـريـق بـعـد ذلـك بـيـرسـيـبـولـيـس Persepolis أي مـديـنـة الـفُـرس. ويـذكـر بـعـض الـمـؤرخـيـن أنّـه أشـعـل الـنّـار فـيـهـا وخـرّبـهـا. واخـتـرق الإسـكـنـدر بـعـد ذلـك بـلاد الـفـرس نـحـو الـهـنـد.

إسكندر شاهنامة قرن 14

(مـنـمـنـمـة فـارسـيـة مـن مـخـطـوطـة لـكـتـاب شـاهـنـامـة مـن الـقـرن الـرّابـع عـشـر م.)

واخـتـرق الـهـنـدوكـوش (وهي سـلـسـلـة جـبـال في أفـغـانـسـتـان الـحـالـيـة) في 329 ق. م.، وعـبـر نـهـر الآمـو داريـا (أو جـيـحـون) ودخـل في بـلاد الـبـخـتـار (بـيـن طـاجـكـسـتـان وأوزبـكـسـتـان) في آسـيـا الـوسـطى، ومـرّ بـسـمـرقـنـد ووصـل إلى خـودجـنـد عـلى ضـفـة نـهـر الـسّـيـر داريـا (سـيـحـون). ثـمّ رجـع نـحـو الـغـرب ومـرّ بـبـخـارى ونـزل نـحـو كـابـول.

وفي 326 ق. م. عـبـر نـهـر الـسّـنـد مـتـجـهـاً نـحـو بـيـاس. وهـنـاك رفـض جـنـوده الإسـتـمـرار في الـسّـيـر شـرقـاً، وأجـبـر عـلى الـرّجـوع، ثـمّ تـرك الـهـنـد نـحـو بـلاد فـارس.

وفي 324 ق. م. تـزوّج الـمـقـدوني في بـاسـارغـاد، أقـدم عـواصـم الـسّـلالـة الـفـارسـيـة الأخـمـيـنـيـة بـأمـيـرتـيـن مـن نـسـل هـذه الـسّـلالـة. وقـد انـجـبـت لـه أحـداهـمـا (وهي رخـصـانـة “روكـسـانـا” الـمـشـهـورة عـنـد مـؤرخي الإغـريـق) ولـداً اسـمـاه بـاسـمـه : الإسـكـنـدر (وأصـبـح بـعـد ذلـك الإسـكـنـدر الـرّابـع).

الـرّجـوع إلى بـابـل :

الإسكندر 3

تـرك الإسـكـنـدر بـلاد الـفـرس عـائـداً مـع جـزء مـن جـيـشـه عـلى مـتـن سـفـن أسـطـولـه، وانـحـدر نـحـو الـبـحـر بـيـنـمـا تـوجـه بـاقي جـنـده نـحـو وادي دجـلـة، والـتـقـيـا في أعـلى الـخـلـيـج، وصـعـدا مـعـاً نـهـر دجـلـة حـتّى مـديـنـة أوبـيـس Opis. ويـعـتـقـد الـمـؤرخـون أنّ مـديـنـة أوبـيـس الـقـديـمـة كـانـت في الـمـدائـن أو قـربـهـا، أي في جـنـوب بـغـداد الآن.

وهـنـاك قـمـع تـمـرداً انـدلـع في جـيـشـه، فـقـد أتـعـبـت فـتـوحـاتـه الّـتي لا تـنـتـهي كـثـيـراً مـن جـنـده.

وفي ربـيـع 323 ق. م. نـزل الإسـكـنـدر مـن جـديـد نـحـو بـابـل. وكـان يـنـوي أن يـتـركـهـا في الـعـشـريـن مـن شـهـر Daesios الـيـونـاني أي الـخـامـس مـن شـهـر حـزيـران تـقـريـبـاً.

وبـانـتـظـار أن يـحـلّ الـمـوعـد، كـان يـخـرج مـن الـمـديـنـة لـيـتـجـوّل عـلى الـقـنـوات الـمـحـيـطـة بـهـا. وأمـر بـتـرمـيـم الـحـوض الّـذي كـان يُـمـلأ بـمـاء الـنّـهـر لـتـفـادي الـفـيـاضـانـات. وكـان يـعـدّ جـنـده لـفـتـوح لـم يـتّـفـق الـمـؤرخـون عـلى مـاهـيـتـهـا، ولـكـن يـبـدو أن مـشـروعـه كـان الـدّخـول في الـجـزيـرة الـعـربـيـة.

مـوت الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في بـابـل :

وقـد احـتـفـظ الـمـؤرخـان الـيـونـانـيـان بـلـوتـارخـوس Ploutarkhos (ولـد سـنـة 46 وتـوفي سـنـة 125م.) وأريّـانـوس Arrianos (ولـد سـنـة 85 وتـوفي سـنـة 146م.) بـتـفـاصـيـل مـا حـدث بـيـن 15 و 28 مـن شـهـر Daesios الـيـونـاني. ويـنـقـل كـلاهـمـا عـن الـيـومـيـات الـمـلـكـيـة (الّـتي كـان الإسـكـنـدر قـد طـلـب مـن أمـيـن سـرّه أومـيـنـوس أن يـكـتـبـهـا). ورغـم بـعـض الإخـتـلافـات الّـتي نـجـدهـا في نـصّـيـهـمـا في الـدّقـائـق والـجـزئـيـات فـقـد اتّـفـقـا في الـمـعـلـومـات الـرئـيـسـيـة.

ويـبـدو مـن نـصّـيـهـمـا أنّ أمـوراً حـدثـت تـطـيّـر مـنـهـا الإسـكـنـدر، فـقـد أطـاحـت ريـح عـاتـيـة بـتـاجـه مـن عـلى رأسـه وهـو يـشـقّ طـريـقـه في إحـدى قـنـوات الـفـرات. ويـبـدو أنّـه نـهـض مـن عـرشـه في يـوم مـن الأيّـام، ومـا أن سـار خـطـوات حـتّى ركـض مـجـنـون لـم يـره أحـد مـن قـبـل وجـلـس في مـكـانـه عـلى الـعـرش !

ويـبـدو أنّ كـهـنـة بـابـل فـسّـروا هـذه الأحـداث بـغـضـبٍ مـن الإلـه بـعـل (مـردوخ) يـهـدد الإسـكـنـدر.

ويـذكـر بـلـوتـارخـوس أنّ هـذه الأحـداث أقـلـقـت الإسـكـنـدر وأخـافـه هـذا الـتّـكـهـن حـتّى : “امـتـلأ الـقـصـر بـتـضـحـيـات لـلآلـهـة، وبـطـقـوس تـطـهـيـر وبـتـنـبـؤات”. ثـمّ أقـيـمـت الإحـتـفـالات، وكـان الـمـلـك يـقـضي وقـتـه بـيـن الـتّـضـحـيـات لـلآلـهـة وبـيـن الـسّـكـر والـعـربـدة مـع قـوّاد جـيـشـه.

وقـد أقـام الإسـكـنـدر ولـيـمـة في الـسّـادس عـشـر مـن الـشّـهـر لـتـكـريـم الـقـائـد نـيـارخـوس Nearkhos ، ثـمّ أكـمـل الـسّـهـرة عـنـد مـيـديـوس Medios وشـرب نـبـيـذاَ حـتّى سـاعـة مـتـأخـرة مـن الـلـيـل. وبـعـد أن اغـتـسـل ونـام في الـيـوم الـسّـابـع عـشـر، سـهـر مـع الـقـائـد مـيـديـوس حـتّى سـاعـة مـتـأخـرة مـن الـلـيـل.

بـدايـة الـنّـهـايـة :

الإسكنر متحف اللوفر

وفي صـبـاح الـيـوم الـتّـالي، أي الـثّـامـن عـشـر مـن الـشّـهـر، إغـتـسـل وتـنـاول وجـبـة خـفـيـفـة ونـام في الـحـمّـام فـقـد بـدأت الـحـمى تـرتـفـع في جـسـده. ثـمّ حـمـلـوه بـعـد ذلـك عـلى سـريـره إلى الـمـعـابـد وضُـحّي لـه عـلى مـذابـحـهـا كـمـا كـانـت عـادتـه كـلّ يـوم، وعـادوا بـه إلى غـرفـتـه لـيـنـام. ونـام حـتّى حـلّ الـمـسـاء.

وبـعـد أن اسـتـيـقـظ ، جـمـع قـوّاده وأعـلـمـهـم بـمـا كـان قـد خـطـط لـه مـن مـسـيـرة الـجـيـش في الـبـرّ والـبـحـر. وحـدد تـاريـخ تـحـرّك الـجـيـش بـرّاً بـعـد ثـلاثـة أيّـام مـن ذلـك الـيـوم، وبـحـراً بـعـد أربـعـة أيّـام. ولا يـذكـر الـمـؤرّخـان إلى أيّـة جـهـة كـان الـمـقـدوني يـنـوي تـوجـيـه الـجـيـش، إلى جـزيـرة الـعـرب أم إلى مـكـان آخـر.

ثـمّ حـمـلـوه عـلى سـريـره حـتّى ضـفـة الـفـرات، وأركـبـوه قـاربـاً أوصـلـه إلى الـحـدائـق الـمـلـكـيـة. وهـنـاك اغـتـسـل وأعـادوه إلى سـريـره لـيـسـتـريـح.

وفي الـيـوم الـتّـاسـع عـشـر مـن الـشّـهـر، إغـتـسـل مـن جـديـد وذبـحـت لـه الـتّـضـحـيـات الـمـعـتـادة، ثـمّ اسـتـلـقى في الـغـرفـة الـمـعـقـودة الـسّـقـف بـالـحـجـر، وتـجـاذب أطـراف الـحـديـث مـع الـقـائـد مـيـديـوس، ولـعـبـا بـالـزّهـر. وأمـر أن يـجـتـمـع قـوّاده في الـيـوم الـتّـالي. وتـعـشّى بـعـد ذلـك عـشـاءً خـفـيـفـاً وأعـادوه إلى غـرفـتـه لـيـنـام، ولـكـنّ الـحـمى هـزّت جـسـده كـلّ الـلـيـل.

وفي الـيـوم الـعـشـريـن مـن الـشّـهـر، إغـتـسـل وذبـحـت لـه الـذّبـائـح وألـقى بـأوامـره عـلى قـوّاده وحـدد مـوعـد تـحـرّك الأسـطـول في الـغـد.

واغـتـسـل وضُـحّي لـه في الـيـوم الـحـادي والـعـشـريـن، ولـم تـتـركـه الـحـمى طـيـلـة الـنّـهـار، ومـع ذلـك جـمـع قـوّاده وأمّـر بـإعـداد مـغـادرة الأسـطـول. واغـتـسـل في الـمـسـاء واشـتـدّت آلامـه.

وحـمـلـوه في الـثّـاني والـعـشـريـن مـن الـشّـهـر إلى الـمـعـبـد الـمـحـاذي لـلـحـمّـام وذبـحـت لـه الـتّـضـحـيـات ورغـم شـدّة آلامـه جـمـع قـوّاده لـيـلـقي بـأوامـره.

وحـمـلـوه بـصـعـوبـة في الـيـوم الـتّـالي، الـثّـالـث والـعـشـريـن مـن الـشّـهـر لـيـقـدم ذبـائـحـه ولـكـنّـه لـم يـجـمـع الـقـوّاد.

وسـاءت حـالـه في الـرّابـع والـعـشـريـن مـن الـشّـهـر وقـدّم ضـحـايـاه رغـم ذلـك، وطـلـب مـن ضـبـاطـه أن لا يـتـركـوا الـبـلاط، وأن يـبـقى الـقـوّاد أمـام بـابـه.

وتـدهـورت حـالـه في الـيـوم الـخـامـس والـعـشـريـن وحـمـلـوه إلى حـديـقـة الـقـصـر. وبـعـد أن أرجـعـوه إلى غـرفـتـه دخـل عـلـيـه الـقـواد ولـكـنّـه لـم يـسـتـطـع الـكـلام فـقـد فـقـد الـقـدرة عـلى الـنّـطـق. ولـم تـفـارقـه حـمى رهـيـبـة طـيـلـة الـلـيـل ولا في الـيـوم الـتّـالي.

وهـاج الـجـنـود في الـيـوم الـسّـابـع والـعـشـريـن يـطـلـبـون رؤيـتـه فـقـد كـانـوا يـخـشـون أن يـكـون قـد مـات وأُخـفى عـنـهـم مـوتـه. ودخـلـوا الـقـصـر، وأجـبـر صـيـاحـهـم وهـرجـهـم الـحـجّـاب عـلى فـتـح بـاب غـرفـتـه. ودخـلـهـا الـجـنـود الـواحـد بـعـد الآخـر بـلا سـلاح ومـرّوا أمـام سـريـر الـمـلـك الـمـسـتـلـقي الـعـاجـز عـن الـنّـطـق. وحـيّـا الإسـكـنـدر كـلّ واحـد مـنـهـم بـهـزّة رأس رغـم آلامـه الّـتي لا تـطـاق.

وقـبـل حـلـول مـسـاء الـيـوم الـثّـامـن والـعـشـريـن مـات الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في قـصـر مـلـوك بـابـل عـلى ضـفّـة الـفـرات.

ويـعـادل ذلـك الـيـوم : 13 حـزيـران 323 قـبـل الـمـيـلاد (ويـعـادل وفـقـاً لـحـسـاب آخـر 11 حـزيـران). وكـان الإسـكـنـدر في الـثّـانـيـة والـثّـلاثـيـن أو الـثّـالـثـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـره.

ولـم يـتّـفـق الـمـؤرّخـون عـلى سـبـب مـوتـه، هـلّ سـمـمـه أعـداؤه كـمـا أرادتـه الـشّـائـعـات الّـتي سـرت في ذلـك الـزّمـن أم أصـابـه مـرض مـثـل الـمـلاريـا مـثـلاً، والّـتي يـمـكـن أن تـشـبـه أعـراضـهـا حـمّـتـه الّـتي نـقـلـتـهـا الـيـومـيـات الـمـلـكـيـة.

وبـعـد أن حُـنـط جـثـمـان الإسـكـنـدر ووضـع في نـعـش مـن الـذهـب وضـع داخـل نـعـش آخـر، وقـرر قـواده أوّلاً أن يـدفـنـوه في عـاصـمـتـه في مـقـدونـيـا، ولـكـنّ الـقـائـد بـطـلـيـمـوس اسـتـولى عـلـيـه وحـمـلـه إلى مـمـفـيـس في مـصـر قـبـل أن يـدفـنـه في الإسـكـنـدريـة.

ـــــــــــــــــــــــــ

(*) لـم يـعـثـر الـمـنـقّـبـون عـلى آثـار تـركـهـا الإسـكـنـدر في بـابـل. ولـكـنـهـم عـثـروا عـلى لـوحـيـن بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة وصـلانـا مـن الـفـتـرة الـسّـلـوقـيـة الّـتي تـبـعـت مـوت الإسـكـنـدر، أولـهـمـا مـحـفـوظ في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني BM 36304 ويـسـرد أحـداثـاً جـرت في زمـن الـمـقـدوني : مـقـتـل الـمـلـك داريـا ومـقـتـل الـمـنـجّـم الـبـابـلي كـيـديـنـو. والـلـوح الـثّـاني مـحـفـوظ في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني أيـضـاً BM 35603 وعـلـيـه قـائـمـة الـمـلـوك الإغـريـق الّـذيـن حـكـمـوا بـابـل بـعـد مـوت الـمـقـدوني.