الإسـكـنـدر الـمـقـدوني يـمـوت في بـابـل

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

الإسكندر في اللوفر

أذكـر أنـني عـنـدمـا قـرأت لأوّل مـرّة أنّ الإسـكـنـدر الـمـقـدوني مـات في بـابـل دُهـشـت كـثـيـراً، فـقـد كـان الإسـكـنـدر يـنـتـمي في مـخـيـلـتي آنـذاك إلى عـالـم الأسـاطـيـر. ثـمّ أنّـه جـاء مـن غـرب الأرض، مـن بـلاد الإغـريـق، ومـن فـتـرة مـبـهـمـة مـن الـزّمـن الـمـتـأرجـح في الـخـيـال. فـكـيـف يـمـكـنـه أن يـصـل إلى بـابـل الـشّـرق الّـتي كـانـت جـذورهـا تـضـرب في مـخـيـلـتي في أقـدم فـتـرات ظـهـور الإنـسـان عـلى سـطـح الـبـسـيـطـة ؟

وبـعـد أن قـرأت عـنـه الـكـثـيـر، خـرج الإسـكـنـدر شـيـئـاً فـشـيـئـاً مـن عـالـم الأسـاطـيـر لـيـدخـل في عـالـم الـتّـاريـخ الـمـدعـوم بـآثـار عـثـر عـلـيـهـا مـن بـقـايـا الـمـاضي وبـنـصـوص دونّـهـا كـتّـاب قـدمـاء شـاهـدوا الأحـداث أو سـمـعـوا عـنـهـا، أو قـرأوهـا في نـصـوص وصـلـتـهـم مـمـن سـبـقـهـم …

الـطّـريـق إلى آسـيـا :

بـعـد أن قُـتـل فـيـلـيـب، مـلـك مـقـدونـيـا، في شـمـال الـيـونـان، سـنـة 336 قـبـل الـمـيـلاد، إرتـقى ابـنـه الـعـرش تـحـت اسـم الإسـكـنـدر الـثـالـث.

وفي 334 ق. م. تـوجـه الإسـكـنـدر نـحـو آسـيـا لـيـكـمـل مـا كـان أبـوه قـد خـطـط لـه وشـرع فـيـه مـن مـقـاتـلـة عـدوه الـمـلـك الـفـارسي الأخـمـيـني داريـا الـثّـالـث (داريـوش) الّـذي كـان أسـلافـه قـد مـدّوا سـلـطـتـهـم عـلى بـلـدان شـرق الـبـحـر الـمـتـوسِّـط بـعـد أن أسـقـطـوا بـابـل والـدّولـة الـبـابـلـيـة الـحـديـثـة في 539 قـبـل الـمـيـلاد. وأنـهى الأخـمـيـنـيـون بـإسـقـاط بـابـل آخـر حـضـارات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الّـتي دامـت أكـثـر مـن ثـلاثـة آلاف عـام.

وكـان هـدف الإسـكـنـدر أن يـسـتـولي عـلى هـذه الـمـنـاطـق ويـمـدّ سـيـطـرتـه إلى أبـعـد مـا يـمـكـنـه بـاتّـجـاه الـشّـرق. ويـقـدّر الـمـؤرخـون عـدد جـنـود الإسـكـنـدر بـحـوالي 12,000 مـن الـمـشـاة و1,500 فـارس. وكـان لـه في الـبـحـر أسـطـول يـتـابـع مـسـيـرتـه.

وقـد الـتـقى جـيـش الـمـقـدوني بـجـيـش الأخـمـيـني في سـهـوب إيـسـوس Issus (قـرب الإسـكـنـدرونـة الـحـالـيـة) في شـمـال سـوريـا في خـريـف 333 ق. م. وهـزمـه. وتـرك الـمـلـك الأخـمـيـني داريـا الـمـعـمـعـة هـاربـاً مـع مـن نـجـا مـن جـنـده، ثـمّ تـوجـه نـحـو بـابـل لـيـعـيـد فـيـهـا تـشـكـيـل جـيـش آخـر يـواجـه بـه الإسـكـنـدر.

الـمـدن الـفـيـنـيـقـيـة ومـصـر :

وفـتـحـت هـذه الـمـعـركـة الـطّـريـق لـلإسـكـنـدر فـتـابـع مـسـيـره نـحـو الـمـدن الـفـيـنـيـقـيـة عـلى الـسّـاحـل الـشّـرقي لـلـبـحـر الـمـتـوسِّـط. وكـانـت هـذه الـمـدن قـد اغـتـنـت بـالـتّـجـارة مـنـذ زمـن طـويـل، وازدهـرت ازدهـاراً شـديـداً.

وبـعـد أن فـتـح الإسـكـنـدر صـيـدا، تـوجـه نـحـو صـور وضـرب حـولـهـا الـحـصـار سـبـعـة أشـهـر (مـن كـانـون الـثّـاني إلى آب 332 ق. م.). وعـنـدمـا فـتـحـهـا قـتـل مـن أهـلـهـا أكـثـر مـن 8000، وبـاع مـنـهـم ثـلاثـيـن ألـفـاً كـعـبـيـد. وقـد أسـقـط الـمـقـدوني بـإسـقـاط صـور قـرونـاً طـويـلـة مـن الـحـضـارة الـفـيـنـيـقـيـة.

وأكـمـل الـمـقـدوني طـريـقـه مـتـوجـهـاً نـحـو الـجـنـوب. وفـتـح غـزّة بـعـد شـهـريـن مـن الـحـصـار وقـتـل كـثـيـراً مـن أهـلـهـا وبـاع مـا لا يـحـصى مـن نـسـائـهـا وأطـفـالـهـا كـعـبـيـد.

ثـمّ وصـل إلى مـصـر وعـبـر الـنّـيـل نـحـو عـيـن شـمـس الّـتي دخـلـهـا مـن غـيـر قـتـال. وأظـهـر لـلـمـصـريـيـن تـقـديـسـه لآلـهـتـهـم، وضـحّى لـهـم في مـذبـح الإلـه بـتـاح. وهـكـذا فـرض سـيـادتـه كـابـن الإلـه وخـلـيـفـتـه عـلى الأرض، فـتـقـديـم الـضّـحـايـا عـنـد الـمـصـريـيـن كـان وقـفـاً عـلى الـفـرعـون “ابـن الإلـه وخـلـيـفـتـه عـلى الأرض”.

وصـعـد الإسـكـنـدر بـعـد ذلـك الـنّـيـل شـمـالاً إلى سـاحـل الـبـحـر الـمـتـوسِّـط، ثـمّ اتّـجـه نـحـو الـغـرب. ومـرّ بـمـكـان عـلى سـاحـل الـبـحـر بـدا لـه مـثـالـيـاً لـتـشـيـيـد مـديـنـة ومـيـنـاء، فـأمـر بـتـخـطـيـط مـا أصـبـح بـعـد ذلـك “الإسـكـنـدريـة”.

واسـتـمـرّ مـع بـعـض جـنـده مـتّـوجـهـا نـحـو الـغـرب ثـمّ انـحـدر جـنـوبـاً نـحـو واحـة سـيـوة. وكـان في سـيـوة مـعـبـد الإلـه آمـون. واسـتـقـبـلـه كـبـيـر كـهـنـتـه واعـتـرف بـه ابـنـاً لـلإلـه آمـون. وكـان الـكـبـش رمـزاً لـلإلـه آمـون، ولـهـذا وضـع الإسـكـنـدر قـرنَي كـبـش عـلى خـوذتـه لـيـدل بـذلـك عـلى أنّـه ابـن آمـون. وقـد وصـلـتـنـا قـطـع نـقـديـة ضـربـهـا الإسـكـنـدر الـمـقـدوني يـظـهـر فـيـهـا بـقـرنـيـه. ومـن ذلـك جـاء اسـمـه : “ذو الـقـرنـيـن”.

الإسكندر

ومـن واحـة سـيـوة عـاد الإسـكـنـدر إلى مـمـفـيـس عـاصـمـة الـفـراعـنـة. ومـنـهـا صـعـد مـن جـديـد إلى صـور، ثـمّ اتّـجـه نـحـو الـشّـرق.

الإسـكـنـدر في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

وعـبـر الإسـكـنـدر الـفـرات مـع جـيـشـه عـلى جـسـر قـوارب في تـمّـوز/ آب 331 ق. م. مـتّـجـهـاً نـحـو نـصـيـبـيـن. وسـيّـر جـيـشـه بـبـطء وحـذر. ولـم يـعـبـر دجـلـة إلّا في 20 أو 21 أيـلـول، ثـمّ انـحـدر جـنـوبـاً.

وبـعـد أربـعـة أيّـام، جـاء مـن يـعـلـمـه بـأنّ جـيـش داريـا الـفـارسي كـان بـيـن الـمـوصـل وأربـيـل، فـسـار إلـيـه الإسـكـنـدر وانـتـصـر عـلـيـه. وهـرب داريـا مـن جـديـد شـرقـاً إلى بـلاد الـمـيـديـيـن.

الإسكندر 2

(فـسـيـفـسـاء مـن نـهـايـة الـقـرن الـثّـاني قـبـل الـمـيـلاد تـمـثـل مـعـركـة الإسـكـنـدر ضـدّ داريـا)

واسـتـمـرّ الإسـكـنـدر في تـقـدمـه مـتّـجـهـاً نـحـو بـابـل الّـتي وصـلـهـا في أواخـر تـشـريـن الأوّل عـام 331 ق. م. وكـانـت بـابـل، رغـم سـقـوطـهـا بـأيـدي الـفـرس الأخـمـيـنـيـيـن قـبـل أكـثـر مـن قـرنـيـن، مـا زالـت تـحـتـفـظ بـأسـوارهـا وتـحـصـيـنـاتـهـا. ومـع ذلـك فـتـحـت أبـوابـهـا لـلـمـقـدوني وتـركـتـه يـدخـلـهـا بـلا مـقـاومـة ولا قـتـال. وتـرك الإسـكـنـدر حـاكـمـهـا الـفـارسي في مـنـصـبـه، وأقـام فـيـهـا ثـلاثـيـن يـومـاً لـيـريـح جـيـشـه مـن مـتـاعـب الـسّـفـر ولـيـعـدّه لـحـروب أخـرى.

وقـد أظـهـر الإسـكـنـدر تـقـديـسـه لآلـهـة الـبـابـلـيـيـن، وأمـر بـإعـادة تـشـيـيـد الـ “أي سـجـيـل”، مـعـبـد الإلـه مـردوخ الّـذي كـانـت قـد تـهـدّمـت أجـزاء كـثـيـرة مـنـه.

وأتّـجـه الـمـقـدوني، بـعـد أن تـرك بـابـل، إلى بـلاد الـفـرس. ووصـل إلى شـوشـان، عـاصـمـة بـلاد عـيـلام الـقـديـمـة، بـعـد عـشـريـن يـوم. ومـنـهـا سـار إلى تـخـت جـشـمـيـد (عـلى بـعـد 70 كـلـم. مـن شـيـراز)، عـاصـمـة الـدّولـة الأخـمـيـنـيـة، والّـتي أسـمـاهـا الإغـريـق بـعـد ذلـك بـيـرسـيـبـولـيـس Persepolis أي مـديـنـة الـفُـرس. ويـذكـر بـعـض الـمـؤرخـيـن أنّـه أشـعـل الـنّـار فـيـهـا وخـرّبـهـا. واخـتـرق الإسـكـنـدر بـعـد ذلـك بـلاد الـفـرس نـحـو الـهـنـد.

إسكندر شاهنامة قرن 14

(مـنـمـنـمـة فـارسـيـة مـن مـخـطـوطـة لـكـتـاب شـاهـنـامـة مـن الـقـرن الـرّابـع عـشـر م.)

واخـتـرق الـهـنـدوكـوش (وهي سـلـسـلـة جـبـال في أفـغـانـسـتـان الـحـالـيـة) في 329 ق. م.، وعـبـر نـهـر الآمـو داريـا (أو جـيـحـون) ودخـل في بـلاد الـبـخـتـار (بـيـن طـاجـكـسـتـان وأوزبـكـسـتـان) في آسـيـا الـوسـطى، ومـرّ بـسـمـرقـنـد ووصـل إلى خـودجـنـد عـلى ضـفـة نـهـر الـسّـيـر داريـا (سـيـحـون). ثـمّ رجـع نـحـو الـغـرب ومـرّ بـبـخـارى ونـزل نـحـو كـابـول.

وفي 326 ق. م. عـبـر نـهـر الـسّـنـد مـتـجـهـاً نـحـو بـيـاس. وهـنـاك رفـض جـنـوده الإسـتـمـرار في الـسّـيـر شـرقـاً، وأجـبـر عـلى الـرّجـوع، ثـمّ تـرك الـهـنـد نـحـو بـلاد فـارس.

وفي 324 ق. م. تـزوّج الـمـقـدوني في بـاسـارغـاد، أقـدم عـواصـم الـسّـلالـة الـفـارسـيـة الأخـمـيـنـيـة بـأمـيـرتـيـن مـن نـسـل هـذه الـسّـلالـة. وقـد انـجـبـت لـه أحـداهـمـا (وهي رخـصـانـة “روكـسـانـا” الـمـشـهـورة عـنـد مـؤرخي الإغـريـق) ولـداً اسـمـاه بـاسـمـه : الإسـكـنـدر (وأصـبـح بـعـد ذلـك الإسـكـنـدر الـرّابـع).

الـرّجـوع إلى بـابـل :

الإسكندر 3

تـرك الإسـكـنـدر بـلاد الـفـرس عـائـداً مـع جـزء مـن جـيـشـه عـلى مـتـن سـفـن أسـطـولـه، وانـحـدر نـحـو الـبـحـر بـيـنـمـا تـوجـه بـاقي جـنـده نـحـو وادي دجـلـة، والـتـقـيـا في أعـلى الـخـلـيـج، وصـعـدا مـعـاً نـهـر دجـلـة حـتّى مـديـنـة أوبـيـس Opis. ويـعـتـقـد الـمـؤرخـون أنّ مـديـنـة أوبـيـس الـقـديـمـة كـانـت في الـمـدائـن أو قـربـهـا، أي في جـنـوب بـغـداد الآن.

وهـنـاك قـمـع تـمـرداً انـدلـع في جـيـشـه، فـقـد أتـعـبـت فـتـوحـاتـه الّـتي لا تـنـتـهي كـثـيـراً مـن جـنـده.

وفي ربـيـع 323 ق. م. نـزل الإسـكـنـدر مـن جـديـد نـحـو بـابـل. وكـان يـنـوي أن يـتـركـهـا في الـعـشـريـن مـن شـهـر Daesios الـيـونـاني أي الـخـامـس مـن شـهـر حـزيـران تـقـريـبـاً.

وبـانـتـظـار أن يـحـلّ الـمـوعـد، كـان يـخـرج مـن الـمـديـنـة لـيـتـجـوّل عـلى الـقـنـوات الـمـحـيـطـة بـهـا. وأمـر بـتـرمـيـم الـحـوض الّـذي كـان يُـمـلأ بـمـاء الـنّـهـر لـتـفـادي الـفـيـاضـانـات. وكـان يـعـدّ جـنـده لـفـتـوح لـم يـتّـفـق الـمـؤرخـون عـلى مـاهـيـتـهـا، ولـكـن يـبـدو أن مـشـروعـه كـان الـدّخـول في الـجـزيـرة الـعـربـيـة.

مـوت الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في بـابـل :

وقـد احـتـفـظ الـمـؤرخـان الـيـونـانـيـان بـلـوتـارخـوس Ploutarkhos (ولـد سـنـة 46 وتـوفي سـنـة 125م.) وأريّـانـوس Arrianos (ولـد سـنـة 85 وتـوفي سـنـة 146م.) بـتـفـاصـيـل مـا حـدث بـيـن 15 و 28 مـن شـهـر Daesios الـيـونـاني. ويـنـقـل كـلاهـمـا عـن الـيـومـيـات الـمـلـكـيـة (الّـتي كـان الإسـكـنـدر قـد طـلـب مـن أمـيـن سـرّه أومـيـنـوس أن يـكـتـبـهـا). ورغـم بـعـض الإخـتـلافـات الّـتي نـجـدهـا في نـصّـيـهـمـا في الـدّقـائـق والـجـزئـيـات فـقـد اتّـفـقـا في الـمـعـلـومـات الـرئـيـسـيـة.

ويـبـدو مـن نـصّـيـهـمـا أنّ أمـوراً حـدثـت تـطـيّـر مـنـهـا الإسـكـنـدر، فـقـد أطـاحـت ريـح عـاتـيـة بـتـاجـه مـن عـلى رأسـه وهـو يـشـقّ طـريـقـه في إحـدى قـنـوات الـفـرات. ويـبـدو أنّـه نـهـض مـن عـرشـه في يـوم مـن الأيّـام، ومـا أن سـار خـطـوات حـتّى ركـض مـجـنـون لـم يـره أحـد مـن قـبـل وجـلـس في مـكـانـه عـلى الـعـرش !

ويـبـدو أنّ كـهـنـة بـابـل فـسّـروا هـذه الأحـداث بـغـضـبٍ مـن الإلـه بـعـل (مـردوخ) يـهـدد الإسـكـنـدر.

ويـذكـر بـلـوتـارخـوس أنّ هـذه الأحـداث أقـلـقـت الإسـكـنـدر وأخـافـه هـذا الـتّـكـهـن حـتّى : “امـتـلأ الـقـصـر بـتـضـحـيـات لـلآلـهـة، وبـطـقـوس تـطـهـيـر وبـتـنـبـؤات”. ثـمّ أقـيـمـت الإحـتـفـالات، وكـان الـمـلـك يـقـضي وقـتـه بـيـن الـتّـضـحـيـات لـلآلـهـة وبـيـن الـسّـكـر والـعـربـدة مـع قـوّاد جـيـشـه.

وقـد أقـام الإسـكـنـدر ولـيـمـة في الـسّـادس عـشـر مـن الـشّـهـر لـتـكـريـم الـقـائـد نـيـارخـوس Nearkhos ، ثـمّ أكـمـل الـسّـهـرة عـنـد مـيـديـوس Medios وشـرب نـبـيـذاَ حـتّى سـاعـة مـتـأخـرة مـن الـلـيـل. وبـعـد أن اغـتـسـل ونـام في الـيـوم الـسّـابـع عـشـر، سـهـر مـع الـقـائـد مـيـديـوس حـتّى سـاعـة مـتـأخـرة مـن الـلـيـل.

بـدايـة الـنّـهـايـة :

الإسكنر متحف اللوفر

وفي صـبـاح الـيـوم الـتّـالي، أي الـثّـامـن عـشـر مـن الـشّـهـر، إغـتـسـل وتـنـاول وجـبـة خـفـيـفـة ونـام في الـحـمّـام فـقـد بـدأت الـحـمى تـرتـفـع في جـسـده. ثـمّ حـمـلـوه بـعـد ذلـك عـلى سـريـره إلى الـمـعـابـد وضُـحّي لـه عـلى مـذابـحـهـا كـمـا كـانـت عـادتـه كـلّ يـوم، وعـادوا بـه إلى غـرفـتـه لـيـنـام. ونـام حـتّى حـلّ الـمـسـاء.

وبـعـد أن اسـتـيـقـظ ، جـمـع قـوّاده وأعـلـمـهـم بـمـا كـان قـد خـطـط لـه مـن مـسـيـرة الـجـيـش في الـبـرّ والـبـحـر. وحـدد تـاريـخ تـحـرّك الـجـيـش بـرّاً بـعـد ثـلاثـة أيّـام مـن ذلـك الـيـوم، وبـحـراً بـعـد أربـعـة أيّـام. ولا يـذكـر الـمـؤرّخـان إلى أيّـة جـهـة كـان الـمـقـدوني يـنـوي تـوجـيـه الـجـيـش، إلى جـزيـرة الـعـرب أم إلى مـكـان آخـر.

ثـمّ حـمـلـوه عـلى سـريـره حـتّى ضـفـة الـفـرات، وأركـبـوه قـاربـاً أوصـلـه إلى الـحـدائـق الـمـلـكـيـة. وهـنـاك اغـتـسـل وأعـادوه إلى سـريـره لـيـسـتـريـح.

وفي الـيـوم الـتّـاسـع عـشـر مـن الـشّـهـر، إغـتـسـل مـن جـديـد وذبـحـت لـه الـتّـضـحـيـات الـمـعـتـادة، ثـمّ اسـتـلـقى في الـغـرفـة الـمـعـقـودة الـسّـقـف بـالـحـجـر، وتـجـاذب أطـراف الـحـديـث مـع الـقـائـد مـيـديـوس، ولـعـبـا بـالـزّهـر. وأمـر أن يـجـتـمـع قـوّاده في الـيـوم الـتّـالي. وتـعـشّى بـعـد ذلـك عـشـاءً خـفـيـفـاً وأعـادوه إلى غـرفـتـه لـيـنـام، ولـكـنّ الـحـمى هـزّت جـسـده كـلّ الـلـيـل.

وفي الـيـوم الـعـشـريـن مـن الـشّـهـر، إغـتـسـل وذبـحـت لـه الـذّبـائـح وألـقى بـأوامـره عـلى قـوّاده وحـدد مـوعـد تـحـرّك الأسـطـول في الـغـد.

واغـتـسـل وضُـحّي لـه في الـيـوم الـحـادي والـعـشـريـن، ولـم تـتـركـه الـحـمى طـيـلـة الـنّـهـار، ومـع ذلـك جـمـع قـوّاده وأمّـر بـإعـداد مـغـادرة الأسـطـول. واغـتـسـل في الـمـسـاء واشـتـدّت آلامـه.

وحـمـلـوه في الـثّـاني والـعـشـريـن مـن الـشّـهـر إلى الـمـعـبـد الـمـحـاذي لـلـحـمّـام وذبـحـت لـه الـتّـضـحـيـات ورغـم شـدّة آلامـه جـمـع قـوّاده لـيـلـقي بـأوامـره.

وحـمـلـوه بـصـعـوبـة في الـيـوم الـتّـالي، الـثّـالـث والـعـشـريـن مـن الـشّـهـر لـيـقـدم ذبـائـحـه ولـكـنّـه لـم يـجـمـع الـقـوّاد.

وسـاءت حـالـه في الـرّابـع والـعـشـريـن مـن الـشّـهـر وقـدّم ضـحـايـاه رغـم ذلـك، وطـلـب مـن ضـبـاطـه أن لا يـتـركـوا الـبـلاط، وأن يـبـقى الـقـوّاد أمـام بـابـه.

وتـدهـورت حـالـه في الـيـوم الـخـامـس والـعـشـريـن وحـمـلـوه إلى حـديـقـة الـقـصـر. وبـعـد أن أرجـعـوه إلى غـرفـتـه دخـل عـلـيـه الـقـواد ولـكـنّـه لـم يـسـتـطـع الـكـلام فـقـد فـقـد الـقـدرة عـلى الـنّـطـق. ولـم تـفـارقـه حـمى رهـيـبـة طـيـلـة الـلـيـل ولا في الـيـوم الـتّـالي.

وهـاج الـجـنـود في الـيـوم الـسّـابـع والـعـشـريـن يـطـلـبـون رؤيـتـه فـقـد كـانـوا يـخـشـون أن يـكـون قـد مـات وأُخـفى عـنـهـم مـوتـه. ودخـلـوا الـقـصـر، وأجـبـر صـيـاحـهـم وهـرجـهـم الـحـجّـاب عـلى فـتـح بـاب غـرفـتـه. ودخـلـهـا الـجـنـود الـواحـد بـعـد الآخـر بـلا سـلاح ومـرّوا أمـام سـريـر الـمـلـك الـمـسـتـلـقي الـعـاجـز عـن الـنّـطـق. وحـيّـا الإسـكـنـدر كـلّ واحـد مـنـهـم بـهـزّة رأس رغـم آلامـه الّـتي لا تـطـاق.

وقـبـل حـلـول مـسـاء الـيـوم الـثّـامـن والـعـشـريـن مـات الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في قـصـر مـلـوك بـابـل عـلى ضـفّـة الـفـرات.

ويـعـادل ذلـك الـيـوم : 13 حـزيـران 323 قـبـل الـمـيـلاد (ويـعـادل وفـقـاً لـحـسـاب آخـر 11 حـزيـران). وكـان الإسـكـنـدر في الـثّـانـيـة والـثّـلاثـيـن أو الـثّـالـثـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـره.

ولـم يـتّـفـق الـمـؤرّخـون عـلى سـبـب مـوتـه، هـلّ سـمـمـه أعـداؤه كـمـا أرادتـه الـشّـائـعـات الّـتي سـرت في ذلـك الـزّمـن أم أصـابـه مـرض مـثـل الـمـلاريـا مـثـلاً، والّـتي يـمـكـن أن تـشـبـه أعـراضـهـا حـمّـتـه الّـتي نـقـلـتـهـا الـيـومـيـات الـمـلـكـيـة.

وبـعـد أن حُـنـط جـثـمـان الإسـكـنـدر ووضـع في نـعـش مـن الـذهـب وضـع داخـل نـعـش آخـر، وقـرر قـواده أوّلاً أن يـدفـنـوه في عـاصـمـتـه في مـقـدونـيـا، ولـكـنّ الـقـائـد بـطـلـيـمـوس اسـتـولى عـلـيـه وحـمـلـه إلى مـمـفـيـس في مـصـر قـبـل أن يـدفـنـه في الإسـكـنـدريـة.

ـــــــــــــــــــــــــ

(*) لـم يـعـثـر الـمـنـقّـبـون عـلى آثـار تـركـهـا الإسـكـنـدر في بـابـل. ولـكـنـهـم عـثـروا عـلى لـوحـيـن بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة وصـلانـا مـن الـفـتـرة الـسّـلـوقـيـة الّـتي تـبـعـت مـوت الإسـكـنـدر، أولـهـمـا مـحـفـوظ في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني BM 36304 ويـسـرد أحـداثـاً جـرت في زمـن الـمـقـدوني : مـقـتـل الـمـلـك داريـا ومـقـتـل الـمـنـجّـم الـبـابـلي كـيـديـنـو. والـلـوح الـثّـاني مـحـفـوظ في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني أيـضـاً BM 35603 وعـلـيـه قـائـمـة الـمـلـوك الإغـريـق الّـذيـن حـكـمـوا بـابـل بـعـد مـوت الـمـقـدوني.

 

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

4 آراء على “الإسـكـنـدر الـمـقـدوني يـمـوت في بـابـل”

  1. موضوع شيق اتمنى ان تسمح لي باختصاره قليلا ليتناسب مع قراء مواقع التواصل للاطلاع على التاريخ وان وجد من يطلب المزيد منه ان يتجه صوب صفحتك الرائعة واذا احببت قبل النشر اعرض ما اختصره فان وجدته مناسبا اقوم بنشره مع احترامي

    إعجاب

      1. اخي الفاضل قمت بنشر احدى منشوراتك على صفحتي الشخصية اعتقد انها تلائم اكثر لقراء مواقع التواصل اتمنى الاطلاع عليها واذا عندك اي ملاحظات يكون من دواعي سروري الاستماع اليها حيث اعتقد انك ستر هذا المنشور خلال الايام القادمة على اكثر من صفحة ..مع احترامي

        إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s