لـوحـة “بـابـل” لـلـفـنّـان كـوبـكـا

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

كوبكا بابل 2 (2)

يـعـرف كـلّ مـحـبّي الـفـنّ الـحـديـث  الـفـنّـان الـتّـشـيـكي فـرانـتـيـشـيـك كـوبـكـا  František Kupka ، الّـذي ولـد سـنـة 1871 وتـوفي سـنـة 1957،  فـقـد كـان واحـداً مـن أهـم روّاد الـحـركـة الـتّـشـكـيـلـيـة الـحـديـثـة في بـاريـس في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن، وأحـد روّاد الـفـنّ الـتّـجـريـدي.  كـمـا عـرف أيـضـاً كـواحـد مـن أعـلام الـتّـصـمـيـم الـحـديـث.

وقـد رسـم كـوبـكـا في 1906 لـوحـة زيـتـيـة واسـعـة الـمـقـايـيـس نـسـبـيـاً  (70 × 104 سـنـتـم.) أسـمـاهـا : “بـابـل”، يـمـكـنـنـا تـأمّـلـهـا في Narodni Galerie في مـديـنـة بـراغ.

كوبكا بابل

وتـصـوّر الـلـوحـة مـديـنـة بـابـل في الـصّـبـاح، فـقـد بـدأت أشـعـة الـشّـمـس تـنـيـر الـجـنـائـن الـمـعـلـقـة الّـتي تـبـدو كـزقـورة عـريـضـة عـالـيـة تـرفـع قـمّـتـهـا إلى الـسّـمـاء، عـلى الـضّـفـة الـمـقـابـلـة لـلـفـرات أي عـلى يـسـار خـلـفـيـة الـلـوحـة.

كوبكا جزئية 3

ونـرى في مـقـدمـة الـلـوحـة مـجـمـوعـة مـن الـنّـاس أمـام مـدخـل الـجـسـر: سـائـسَي خـيـل يـجـرّ كـلّ مـنـهـمـا جـواديَـن مـسـرجـيـن عـلى ظـهـورهـمـا أقـمـشـة (أو جـلـود ؟) ثـريّـة الـنّـقـوش، وخـلـفـهـمـا رجـل يـجـرّ حـمـاراً. كـمـا نـرى رجـالاً يـنـتـظـرون مـتّـكـئـيـن عـلى حـافـة الـجـسـر بـجـانـب حـارس يـرفـع رمـحـه، ورجـالاً آخـريـن قـادمـيـن نـحـوه.

كوبكا جزئية 1

ونـرى عـلى الـجـسـر رجـالاً يـحـمـلـون لـوحـاً مـن الـخـشـب يـضـعـونـه كـعـارضـة عـلى ركـائـز الـجـسـر في جـانـبـيـه، وخـلـفـهـم رجـال آخـرون يـحـمـلـون ألـواحـاً أخـرى.

كوبكا جزئية 2

ولـكي نـفـهـم الـمـقـصـود بـهـذا الـمـشـهـد يـنـبـغي عـلـيـنـا أن نـعـود إلى نـصّ الـمـؤرخ الـيـونـاني هـيـرودوت الّـذي زار بـابـل في الـقـرن الـخـامـس قـبـل الـمـيـلاد أي بـعـد أقـلّ مـن قـرن مـن سـقـوطـهـا تـحـت ضـربـات الـفـرس الأخـمـيـنـيـيـن. فـهـو يـتـكـلّـم في الـمـقـطـع (186) مـن الـكـتـاب الأوّل مـن تـاريـخـه (1) عـن مـلـكـة بـابـل الأسـطـوريـة “نـيـتـوكـريـس” :

“وفي مـنـتـصـف الـمـسـافـة الّـتي يـجـري فـيـهـا الـنّـهـر في الـمـديـنـة أمـرت بـتـشـيـيـد جـسـر بـالـصّـخـور الّـتي قـطـعـت مـن مـنـاجـمـهـا، وربـطـت بـيـنـهـا بـكـلالـيـب مـن الـحـديـد أو الـرّصـاص. وفي كـلّ صـبـاح، تـوضـع عـلى ركـائـز الـجـسـر الـصّـخـريـة عـوارض مـن خـشـب تـربـط بـيـنـهـا فـيـعـبـر عـلـيـهـا أهـل بـابـل مـن ضـفـة إلى ضـفـة، ثـمّ تـخـلـع في الـلـيـل لـيـمـنـع الـلـصـوص مـن عـبـور الـنّـهـر وارتـكـاب سـرقـاتـهـم في الـجـانـب الـمـقـابـل”.

ولـوحـة كـوبـكـا هـذه الّـتي رسـمـهـا عـنـدمـا كـان في الـخـامـسـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـره تـشـخـيـصـيـة تـقـلـيـديـة لا تـجـديـد في أسـلـوبـهـا ولا ابـتـكـار رغـم أنّـه كـان قـد وصـل إلى بـاريـس مـنـذ عـشـر سـنـوات، فـهـو لـم يـبـدأ مـرحـلـتـه الـفـنّـيـة الـتّـجـديـديـة إلّا في حـوالي عـام 1910، ثـمّ تـبـعـتـهـا مـرحـلـتـه الـتّـجـريـديـة بـعـد ذلـك.

وتـكـمـن أهـمـيـة هـذه الـلـوحـة إذن في مـضـمـونـهـا “الـتّـاريـخي” أي كـنـمـوذج عـلى الـصّـورة الّـتي تـكـوّنـت عـن بـابـل وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في مـخـيّـلـة الأوربـيـيـن.

وهـو مـع ذلـك يـخـتـلـف عـن الـتّـقـالـيـد الـفـنّـيـة الأوربـيـة الّـتي غـالـبـاً مـا تـضـع وسـط الـمـديـنـة “بـرج بـابـل” كـمـا ذكـرتـه الأسـطـورة الـتّـوراتـيـة.  وقـد وضـع كـوبـكـا في وسـط الـمـديـنـة الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة الّـتي وجـد ذكـرهـا عـنـد قـدمـاء الـكـتّـاب الإغـريـق والـرّومـان. كـمـا تـمـيّـز بـاسـتـيـحـاء قـصّـة عـوارض الـجـسـر الـخـشـبـيـة الّـتي تـخـلـع في الـلـيـل ويـعـاد وضـعـهـا في الـصّـبـاح مـن كـتـاب الـمـؤرخ الـيـونـاني هـيـرودوت كـمـا رأيـنـا، وهـو مـا لـم يـسـبـقـه أحـد إلـيـه حـسـب عـلـمي.

ورغـم أنّ الـلـوحـة عـمـل فـنّي يـحـقّ فـيـه لـلـفـنّـان أن يـخـلـق أجـواءه ومـحـتـواه، فـقـد حـاول كـوبـكـا أن يـكـون مـقـنـعـاً في اسـتـرجـاعـه لـصـور الـمـاضي. ووضـع عـلى جـانـب مـدخـل الـجـسـر ثـوراً مـجـنـحـاً أخـذه مـن الـمـنـحـوتـات الـجـداريـة الآشـوريـة الّـتي كـانـت تـوضـع عـلى جـانـبي أبـواب مـداخـل الـقـصـور أو قـاعـاتـهـا. ولـكـنّـه رسـم لـه زوجـاً واحـداً مـن الـقـرون في حـيـن أنّ الـثّـيـران الـمـجـنّـحـة الآشـوريـة لـهـا زوجـان أو ثـلاثـة مـن الـقـرون.

ونـرى عـلى جـانـب الـجـسـر أيـضـاً تـمـاثـيـل كـائـنـات خـرافـيـة مـركّـبـة مـن جـسـم إنـسـان لـه رأس طـائـر وجـنـاحـيـه أو رأس أسـد.

وقـد مـزج كـوبـكـا لـخـلـق هـذه الـكـائـنـات بـيـن الـجـنّي الـمـجـنّـح ولـه رأس طـائـر والّـذي يـرشّ مـاء الـحـيـاة عـلى الـشّـجـرة الـمـقـدّسـة في الـمـنـحـوتـات الـحـجـريـة الآشـوريـة

النسر المجنح

وبـيـن تـمـاثـيـل الـشّـيـطـان بـازوزو مـن الـمـعـدن، والّـتي نـراه فـيـهـا بـرأسـه الـبـشـري الـوحـشي وبـزوجـيـن مـن الأجـنـحـة. وكـان بـازوزو هـذا، حـسـب مـعـتـقـدات الـعـراقـيـيـن الـقـدمـاء، قـادراً عـلى إبـعـاد الأمـراض والـمـصـائـب عـن الـنّـاس إذا مـا وجـهـوا لـه أدعـيـتـهـم.

بازوزو

ومـن هـذا نـرى أنّ كـوبـكـا، الّـذي درس الـتّـاريـخ والآثـار إلى جـانـب مـمـارسـتـه لـلـفـنّ، ارتـاد الـقـاعـات الـبـابـلـيـة والآشـوريـة في مـتـحـف الـلـوفـر بـعـد مـجـيـئـه إلى بـاريـس، ورأى صـوراً لـقـطـع أثـريـة أخـرى في الـكـتـب، كـمـا قـرأ بـعـض مـا كـتـبـه الـمـؤلـفـون الإغـريـق والـرّومـان عـن بـابـل، مـمـا يـدلّ عـلى ثـقـافـتـه الـواسـعـة واهـتـمـامـه بـحـضـارات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـقـديـمـة. وهـو لـهـذا يـسـتـحـق أن نـتـذكّـره.

ــــــــــــــــــــ

(1) https://sabahalnassery.wordpress.com/2015/04/19/%D8%A8%D9%80%D9%84%D8%A7%D8%AF-%D9%85%D9%80%D8%A7-%D8%A8%D9%80%D9%8A%D9%80%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%80%D9%86%D9%91%D9%80%D9%87%D9%80%D8%B1%D9%8A%D9%80%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D9%80%D8%A7%D8%B1%D9%8A/

 

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s