مـلـعـب لـو كـوربـوزيـيـه الـرّيـاضي في بـغـداد

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

مـشـروع مـديـنـة بـغـداد الـكـبـرى :

بـعـد أن أنـشئ “مـجـلـس الإعـمـار” في بـغـداد عـام 1950، تـبـنّـت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة الّـتي كـان يـتـرأسـهـا نـوري الـسّـعـيـد في حـزيـران 1955 مـشـروع تـوسـيـع مـديـنـة بـغـداد وتـحـديـثـهـا. وقـد طـلـبـت مـن أهـمّ الـمـعـمـاريـيـن الـعـالـمـيـيـن في تـلـك الـفـتـرة وأشـهـرهـم الـمـشـاركـة فـيـه.

وهـكـذا رسـم الـمـعـمـاري الأمـريـكي فـرانـك لـويـد رايـت  Frank Lloyd Wright مـخـطـطـاً عـامـاً لـمـركـز الـمـديـنـة :

رايت(F. L. Wright, Plan for Greater Baghdad)

كـمـا صـمـم دار أوبـرا، وصـمـم الـمـعـمـاري الألـمـاني فـالـتـيـر غـروبـيـوس  Walter Gropius ، مـؤسـس الـبـاوهـاوس  Bauhaus، مـديـنـة جـامـعـيـة شـاسـعـة. وعـهـد بـتـصـمـيـم مـتـحـف الـفـنـون الـجـمـيـلـة لـلـمـعـمـاري الـفـنـلـنـدي ألـفَـر آلـتـو  Alvar Aalto ، وبـنـايـة وزارة الـتّـخـطـيـط لـلإيـطـالي جـو بـونـتي  Gio Ponti، ومـركـز إداري Civic Center  لـلـهـولـنـدي مـاريـنـوس دودوك Marinus Dudok …

مـلـعـب لـو كـوربـوزيـيـه :

لوكوربوزييه  12 (لـوكـوربـوزيـيـه أمـام خـارطـة بـغـداد عـلى جـدار مـكـتـبـه)

أمّـا الـمـعـمـاري الـسّـويـسـري Charles- Edouard Jeannert   الـمـشـهـور بـاسـم لـو كـوربـوزيـيـه  Le Corbusier فـقـد عـهـد إلـيـه بـتـصـمـيـم مـديـنـة أولـمـبـيـة في بـغـداد تـضـمّ مـلـعـبـاً ريـاضـيـاً مـفـتـوحـاً (5000 مـقـعـد) ومـلـعـبـاً مـغـلـقـاً (أي مـسـقّـفـاً) وهـو مـايـسـمى بـالـجـمـنـازيـوم (3500 مـقـعـد) ومـسـبـحـاً أولـمـبـيـاً لـخـمـسـة آلاف مـشـاهـد …

le cobusier 3

وقـد شـرع لـو كـوربـوزيـيـه بـالـعـمـل عـلى مـشـروع الـمـلـعـب الـرّيـاضي الـمـغـلـق مـع مـعـاونـيـه،

لوكوربزييه 7

وزار بـغـداد في عـام 1957 لـيـتـفـحـصّ مـوقـع الـمـشـروع الّـذي عـهـد إلـيـه بـه ومــا يـحـيـطـه، وأكـمـل بـعـد رجـوعـه إلى سـويـسـرة الـعـمـل عـلى الـمـشـروع ورسـم حـوالي 500 تـخـطـيـط لـجـزئـيـاتـه،

لوكوربزييه 5

(“مـلـعـب بـغـداد الـرّيـاضي”، رسـم لـلـوكـوربـوزيـيـه، ويـظـهـر واجـهـة الـمـلـعـب وأحـد جـوانـبـه)

لـكـنّ ثـورة 14 تـمـوّز انـدلـعـت في الـعـام الـتّـالي وأوقـفـت حـلـم تـحـديـث بـغـداد الّـذي كـان في طـريـقـه لـيـتـحـوّل إلى واقـع … ووضـع لـو كـوربـوزيـيـه مـلـفّـات مـشـروعـه في عـلـب في مـكـتـبـه تـرقـد فـيـهـا مـا شـاءت لـهـا الأقـدار أن تـرقـد. ثـمّ تـوفي سـنـة 1965.

وفي عـام 1980 قـررت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة الإتـصـال بـالـمـعـمـاريـيـن الّـذيـن كـانـوا قـد اشـتـغـلـوا مـع لـوكـوربـوزيـيـه لـبـحـث مـسـألـة تـنـفـيـذ الـمـشـروع الّـذي كـان الـمـعـمـاري الـشّـهـيـر قـد صـمـمـه قـبـل ثـلاثـة وعـشـريـن عـامـاً. وقـبـل أحـد شـركـاء لـوكـوربـوزيـيـه الـقـدمـاء : جـورج مـارك بـريـزنـتـيـه أن يـشـرف عـلى تـشـيـيـد الـمـلـعـب الـرّيـاضي مـن تـصـمـيـم لـوكـوربـوزيـيـه. وهـكـذا شـيّـد الـمـلـعـب بـعـد خـمـسـة عـشـر عـامـاً عـلى وفـاة مـصـمـمـه في شـرق بـغـداد، وأسـمي بـمـلـعـب صـدّام الـرّيـاضي.

جمناز بغداد لوكوربزييه

ولـم يـثـر تـنـفـيـذ الـمـشـروع اهـتـمـامـاً في الـغـرب، ولـم يُـكـتـب عـنـه إلّا الأقـل مـن الـقـلـيـل. ولـم يـذكـره أحـد تـقـريـبـاً حـتّى بـعـد أن احـتـلـتـه قـوّات مـن الـجـيـش الأمـريـكي بـعـد غـزوهـا لـلـعـراق في 2003. وقـد تـغـيّـر اسـمـه بـعـد أن أخـلـتـه الـقـوّات الأمـريـكـيـة إلى “مـلـعـب الـشّـعـب”.

Exif_JPEG_PICTURE

وفي عـام 2005، زارت الـفـرنـسـيـة سـيـسـلـيـا بـيـيـري بـغـداد لـتـعـدّ أطـروحـة دكـتـوراه عـن الـمـعـمـار الـحـديـث في بـغـداد، واكـتـشـفـت وجـود هـذه الـبـنـايـة فـيـهـا، والـتـقـطـت لـهـا صـوراً. ودهـشـت عـنـدمـا عـرفـت بـأنّ الـمـخـتـصّـيـن بـإنـجـازات لـوكـوربـوزيـيـه، وحـتّى الـمـسـؤولـيـن عـن الـمـؤسـسـة الّـتي تـحـمـل اسـمـه، كـانـوا يـجـهـلـون كـلّ شئ تـقـريـبـاً عـن الـمـلـعـب، ولـم يـكـونـوا قـد رأوا ولـو صـورة واحـدة عـنـه.

لوكوربزييه 6

ثـمّ مـضـت سـتّ سـنـوات أخـرى قـبـل أن يـقـرر جـاك سـبـريـغـلـيـو، نـائـب رئـيـس مـؤسـسـة لـوكـوربـوزيـيـه الـسّـفـر إلى بـغـداد في 2011  لـيـزور الـمـلـعـب ويـلـتـقـط لـه صـوراً. وقـد نـشـرت بـعـد وجـوعـه إلى أوربـا أولى الـمـقـالات عـن مـلـعـب لـوكـوربـوزيـيـه الـبـغـدادي في الـصّـحـافـة الـعـالـمـيـة.

وفي عـام 2014 ، صـدر في بـاريـس كـتـاب “Le Gymnase de Le Corbusier à Bagdad” الّـذي تـرأسـت تـحـريـره الـمـهـنـدسـة الـمـعـمـاريـة مـيـنـا مـارفـات  بـمـشـاركـة الـبـاحـثـة سـيـسـيـلـيـا بـيـري والـمـؤرّخ جـيـل راغـو.

وصـدرت الـتّـرجـمـة الـعـربـيـة لـلـكـتـاب في بـاريـس في نـفـس الـعـام تـحـت عـنـوان تُـرجـم حـرفـيـاً عـن الأصـل الـفـرنـسي : (صـالـة “لـوكـوربـوزيـيـه” الـريـاضـيـة في بـغـداد)، فـ “الـجـمـنـاز” يـعـني مـلـعـبـاً ريـاضـيـاً مـغـلـقـاُ ومـسـقّـفـاً تـمـارس فـيـه كـرة الـسّـلّـة أو الـكـرة الـطّـائـرة مـثـلاً، عـلى عـكـس الـ “سـتـاد” الّـذي يـعـني مـلـعـبـاً مـفـتـوحـاً. وقـد اسـتـعـمـل الـمـتـرجـم تـعـبـيـر “صـالـة ريـاضـيـة” بـدلاً مـن “مـلـعـب ريـاضي”.

صالة لو كوربوزييه

والـكـتـاب بـ 56 صـفـحـة فـيـهـا 115 صـورة. وتـفـصّـل الـدّراسـات الّـتي يـحـويـهـا قـصّـة مـلـعـب لـو كـوربـوزيـيـه الـرّيـاضي مـنـذ أن قـررت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة تـشـيـيـده كـجـزء مـن مـشـروع “مـديـنـة بـغـداد الـكـبـرى” وإلى أيّـامـنـا هـذه.

 

 

 

 

صـور مـحـطـة قـطـار بـغـداد 1917

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

هنود في محطة القطار 1917

بـدايـات الـقـاطـرة الـبـخـاريـة والـسّـكـك الـحـديـديـة :

تـبـدأ قـصـتـنـا في عـام 1804، عـنـدمـا صـمـم الـمـهـنـدس الـبـريـطـاني ريـشـارد تـريـفـيـثـيـك   Richard Trevithick  أوّل قـاطـرة بـخـاريـة، فـقـد كـان الاحـتـيـاج مـلـحّـاً في أوربـا لإيـجـاد وسـيـلـة نـقـل سـريـعـة وعـمـلـيـة لـتـزويـد الـمـعـامـل والـمـصـانـع الّـتي كـانـت قـد بـدأت تـنـمـو وتـتــزايـد، بـالـمـواد الأولـيـة الّـتي تـحـتـاجـهـا ولـنـقـل الـبـضـائـع الـمـصـنّـعـة مـنـهـا.

وفي 21 آذار مـن ذلـك الـعـام إسـتـطـاعـت قـاطـرة تـريـفـيـثـيـك أن تـجـرّ وراءهـا عـدّة عـربـات ركـب فـيـهـا أوائـل الـمـسـافـريـن عـلى الـسّـكـك الـحـديـديـة !

ولاقـت الـقـاطـرة نـجـاحـاً سـريـعـاً وأنـشـئـت شـركـة The Middleton Steam Railway عـام 1812 قـرب مـديـنـة   Leedsفي  وسـط مـهـد الـتّـصـنـيـع الـبـريـطـاني. ثـمّ اسـتـمـرّ مـنـهـدسـون آخـرون في تـحـسـيـن الـقـاطـرة الـبـخـاريـة لـتـزداد سـرعـتـهـا وقـدرتـهـا عـلى سـحـب عـربـات كـثـيـرة وأحـمـال ثـقـيـلـة. وفُـتـح في 1925 أوّل خـطّ حـديـدي مـنـظّـم لـنـقـل الـمـسـافـريـن في إنـكـلـتـرة بـيـن Stockton و Darlington .  وكـانـت تـلـك بـدايـة تـغـطـيـة سـطـح الـكـرة الأرضـيـة بـمـلايـيـن الـكـيـلـومـتـرات مـن الـسّـكـك الـحـديـديـة.

خـطّ قـطـار بـرلـيـن ــ بـغـداد :

وكـانـت تـتـقـاسـم الـعـالـم آنـذاك عـدّة إمـبـراطـوريـات اسـتـولـت عـلى مـنـاطـق واسـعـة مـن الـعـالـم واسـتـعـمـرتـهـا. وكـانـت كـلّ واحـدة مـنـهـا تـحـاول الـمـحـافـظـة عـلى مـكـتـسـبـاتـهـا والـدّفـاع عـنـهـا ضـدّ أطـمـاع الأخـريـات، وتـحـاول أيـضـاً تـوسـيـع تـجـارتـهـا ومـدّ سـيـطـرتـهـا الإقـتـصـاديـة. وهـكـذا أصـبـحـت شـبـكـة الـسّـكـك الـحـديـديـة وسـيـلـة جـديـدة مـن وسـائـل الـتّـوسّـع وتـوسـيـع الـنّـفـوذ والـسّـيـطـرة.

وقـد اقـتـرح الـمـهـنـدس الألـمـاني فـون بـريـسـل Von Pressel عـلى حـكـومـتـه في سـبـعـيـنـيـات الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر مـشـروع مـدّ خـطّ سـكـك حـديـديـة بـيـن بـرلـيـن وأراضي الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة لـكي تـتـوصـل ألـمـانـيـا إلى الـتّـغـلـغـل في مـنـاطـق الـشّـرق. وكـان الـخـطّ يـخـدم مـصـالح الـعـثـمـانـيـيـن أيـضـاً، فـقـد كـان يـتـيـح لـهـم الـفـرصـة لـلـحـصـول عـلى هـذه الـتّـقـنـيـات الأوربـيـة الـحـديـثـة لـتـحـسـيـن سـيـطـرتـهـم عـلى الـولايـات الـخـاضـعـة لـهـم.

ومـنـح الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني عـبـد الـحـمـيـد الـثّـاني عـام 1903 امـتـيـازاً مـدتـه 99 سـنـة لـشـركـة سـكـك حـديـد الأنـاضـول (أو أنـاطـولـيـا كـمـا كـان يـكـتـبـهـا الـعـثـمـانـيـون)، والّـتي كـانـت شـركـة ألـمـانـيـة، لإنـشـاء الـجـزء الـشّـرقي مـن الـمـشـروع : خـطّ بـغـداد ــ قـونـيـا (في تـركـيـا). ولـكـنّ تـنـفـيـذ الـمـشـروع الـذّي أسـمـاه الأتـراك خـطّ  “أنـاطـولي عـثـمـانـلي “،

شعار شركية أناظوليا

وأسـمـاه الألـمـان : « Bagdadbahn »، والّـذي عـرف بـعـد ذلـك تـحـت اسـم خـطّ بـرلـيـن ــ بـغـداد، اسـتـغـرق زمـنـاً طـويـلاً، فـقـد طـالـت الـمـفـاوضـات لـحـلّ الـمـشـاكـل الـرّئـيـسـيـة الّـتي واجـهـهـا الـمـشـروع وخـاصـة تـمـويـلاتـه الـمـالـيـة.

وقـد شـرع الألـمـان عـام 1912 في الـعـمـل عـلى خـط الـسّــكّـة الـحـديـديـة الـعـريـض مـن بـغـداد بـاتـجـاه الـشّـمـال بـعـد وضـع الـحـجـر الأسـاس في مـحـطـة “بـغـداد  Bagdad”  في جـانـب الـكـرخ.  ووصـلـت الـصّـنـاديـق الّـتي تـحـتـوي عـلى قـطـع الـقـاطـرات مـن هـامـبـورغ، وركّـبـت في الـمـحـطـة.

ولـكـنّ الـخـطّ لـم يـتـقـدّم كـثـيـراً عـنـدمـا بـدأت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى، ولـم يـكـن قـد تـجـاوز بـغـداد ــ سـامـراء عـنـدمـا وصـلـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة أمـام أسـوار بـغـداد في آذار 1917.

وقـد اسـتـقـلّ آخـر ولاة بـغـداد الـعـثـمـانـيـيـن خـلـيـل بـاشـا قـطـاراً تـاركـاً مـحـطّـة الـكـرخ نـحـو سـامـراء قـبـل أن يـدخـل الـبـريـطـانـيـون بـغـداد.

وبـعـد أن دخـلـتـهـا الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في 11 آذار 1917، إحـتـلّـت كـتـيـبـة مـن The Black Watch مـحـطّـة الـقـطـار.

ونـرى في الـصّـورة الّـتي وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال (والـمـحـفـوظـة في الـمـتـحـف الإمـبـراطـوري لـلـحـرب في لـنـدن) مـحـطـة بـغـداد وأمـامـهـا عـدد مـن الـجـنـود الـهـنـود الّـذيـن دخـلـوا بـغـداد مـع الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة.

كـمـا الـتـقـط أحـد الـضّـبّـاط صـوراً فـوتـوغـرافـيـة لـلـمـحـطـة، نـشـرتـهـا الـمـجـلّـة الإنـكـلـيـزيـة الـمـصـوّرة The Illustrated في نـفـس الـشّـهـر.

نـرى في واحـدة مـنـهـا مـحـطـة بـغـداد وأمـامـهـا ضـابـط بـريـطـاني وجـنـدي هـنـدي :

محطة قطار بغداد 3

وفي الـثّـانـيـة صـورة مـقـرّبـة لـلـمـحـطّـة :

محطة بغداد 11

وقـد وجـد الـضـبّـاط الـبـريـطـانـيـون وجـنـودهـم الـهـنـود عـلى جـدران الـمـحـطّـة رسـمـاً جـداريـاً نـفّـذه الـجـنـود الألـمـان قـبـل انـسـحـاب الـقـوات الـتّـركـيـة الّـتي كـانـوا يـحـاربـون بـجـانـبـهـا،  ويـمـثّـل مـنـطـاد زبـلـن يـحـلـق في سـمـاء لـنـدن ويـرمي عـلـيـهـا بـقـنـبـلـة !

محطة بغداد 13

وجـمـلـة مـكـتـوبـة بـالـلـغـة الألـمـانـيـة :  Gott strafe England أي لِـيـعـاقـب الـرّب إنـكـلـتـرة !

محطة بغداد 12

أمّـا جـنـود فـصـيـلـة لايـسـيـسـتـرشـيـر  فـقـد نـقـلـوا جـرس الـمـحـطّـة مـعـهـم إلى إنـكـلـتـرة، ومـازال في مـتـحـف فـصـيـلـة لايـسـيـسـتـرشـيـر الـمـلـكـيـة  The Royal Leicestershire Regiment.

وقـد تـوجـهـت قـوات بـريـطـانـيـة نـحـو سـامـراء في 21 نـيـسـان 1917، وفي الـطّـريـق واجـهـتـهـا الـقـوات الـتّـركـيـة الّـتي كـانـت قـد انـسـحـبـت مـن بـغـداد، ودامـت الـمـنـاوشـات إلى يـوم 23 نـيـسـان. وفي ذلـك الـيـوم، إسـتـطـاع الـبـريـطـانـيـون الإسـتـيـلاء عـلى مـحـطـة قـطـار سـامـراء الّـتي كـان فـيـهـا 16 قـاطـرة و250 عـربـة مـحـمّـلـة بـالـمـعـدّات.

وقـد وجـدت في عـدد صـدر عـام 1917 مـن نـفـس الـمـجـلّـة الإنـكـلـيـزيـة الـمـصـوّرة The Illustrated صـورة لـمـحـطـة بـيـن بـغـداد وسـامـراء :

محطة بين بغداد وسامراء 1917 (2)

وصـورة لـمـحـطـة سـامـراء عـنـدمـا وصـلـهـا الـبـريـطـانـيـون :

محطة سامراء 1917 (2)

كـمـا وجـدت صـورة ثـانـيـة لـمـحـطـة سـامـراء يـبـدو أنّـهـا الـتـقـطـت بـعـد ذلـك :

محطة سامراء 2

رسـوم أرثـر مـيـلـفـيـل لـبـغـداد في الـقـرن الـتّـاسـع عـشر

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

بيلفيل بغداد

زار قـلـيـل جـدّاً مـمـن نـسـمـيـهـم بـالـفـنّـانـيـن “الـمـسـتـشـرقـيـن” بـغـداد، بـيـنـمـا زارت أعـداد كـبـيـرة مـنـهـم بـلـدان الـمـغـرب ومـصـر وفـلـسـطـيـن وسـوريـا وجـزيـرة الـعـرب.

ومـن بـيـن مـن زار بـغـداد الـرّسّـام الاسـكـتـلـنـدي أرثـر مـيـلـفـيـل Arthur Melville  الّـذي نـفّـذ عـدّة رسـوم بـالألـوان الـمـائـيـة لـمـشـاهـد مـن بـغـداد ولـبـعـض مـعـالـمهـا في الـنّـصـف الـثّـاني مـن الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر.

فـمـن كـان مـيـلـفـيـل، وكـيـف وصـل إلى بـغـداد ؟

ولـد أرثـر مـيـلـفـيـل في إسـكـتـلـنـدة سـنـة 1855. وبـعـد أن درس الـفـنّ، سـافـر عـام 1880، وكـان في الـخـامـسـة والـعـشـريـن مـن عـمـره، إلى بـاريـس.

وفي بـاريـس، زار مـيـلـفـيـل الـصّـالـون الـفـنّي الّـذي يـعـرض فـيـه كـلّ الـفـنّـانـيـن الـمـعـروفـيـن أعـمـالـهـم سـنـويـاً. وقـد أعـجـبـتـه خـاصـةً لـوحـات “الـمـسـتـشـرقـيـن” مـن أمـثـال الـفـرنـسي بـنـجـامـن كـونـسـتـان الّـذي كـان قـد زار بـلـدان الـمـغـرب ورسـمـهـا، والإيـطـالي ألـبـرتـو بـازني الّـذي رسـم الـشّـرق بـعـد أن زار تـركـيـا وإيـران وسـوريـا وجـزيـرة الـعـرب، والإيـطـالي ديـانـو فـورتـوني … ودفـع ذلـك مـيـلـفـيـل لـلـشّـروع في الـسّـفـر، فـشـدّ الـرّحـال إلى مـصـر لـيـرسـم فـيـهـا لـوحـات “اسـتـشـراقـيـة” هـو الآخـر. ووصـل إلى الـقـاهـرة في نـهـايـة عـام 1880، وأقـام فـيـهـا مـدّة طـويـلـة بـعـد أن سـقـط مـريـضـاً وعـانى مـن قـصّـة حـبّ فـاشـلـة، فـقـد هـام عـشـقـاً بـبـنـت مـسـؤول بـريـطـاني، ولـم تـتـقـبـلـه عـائـلـتـهـا.

وفي شـهـر شـبـاط مـن عـام 1882، تـرك مـيـلـفـيـل الـقـاهـرة إلى الـسّـويـس لـيـشـقّ عـبـاب الـبـحـر الأحـمـر نـحـو عـدن. ومـن عـدن أكـمـل طـريـقـه إلى الـهـنـد. وقـد الـتـقى في الـهـنـد بـالـسّـيـر أرثـر سـتـيـبـني  Sir Arthur Stepney. وبـعـد أن تـجـوّلا مـعـاً في الـهـنـد نـزلا إلى جـنـوب إيـران ثـمّ وصـلا إلى مـسـقـط . ومـنـهـا صـعـدا الـخـلـيـج عـلى سـفـيـنـة بـخـاريـة إلى الـبـصـرة. ومـن الـبـصـرة صـعـدا دجـلـة عـلى مـتـن سـفـيـنـة إلى بـغـداد.

ونـقـرأ في مـا كـتـبـه مـيـلـفـيـل في يـومـيـاتـه في 16 نـيـسـان : “تـتـشـابـه كـلّ الأيّـام فـوق هـذا الـنّـهـر، مـشـاهـد أكـواخ مـتـنـاثـرة عـلى الـضّـفـتـيـن، وخـرفـان أو خـيـول تـظـهـر هـنـا وهـنـاك مـن حـيـن إلى آخـر”.

وقـد وصـل مـيـلـفـيـل مـع الـسّـيـر أرثـر إلى بـغـداد في نـهـايـة شـهـر نـيـسـان مـن نـفـس الـعـام. وكـتـب في يـومـيـاتـه : “شـاهـدنـا مـآذن بـغـداد. ومـا كـان في أذهـانـنـا مـجـرد اسـم قـرأنـاه في ألـف لـيـلـة ولـيـلـة صـار الآن حـقـيـقـة شـاخـصـة أمـامـنـا”. ولـكـنّـه يـذكـر أنّـه أصـيـب بـخـيـبـة أمـل، فـلـم تـكـن بـغـداد تـشـبـه مـا صـورتـه لـه مـخـيّـلـتـه الـرّومـانـسـيـة مـن خـلال قـراءتـه لألـف لـيـلـة ولـيـلـة (The Arabian Nights كـمـا يـسـمـيـهـا الإنـكـلـيـز).

وأقـام أرثـر مـيـلـفـيـل في بـغـداد بـيـن مـواطـنـيـه الـبـريـطـانـيـيـن الـعـامـلـيـن في الـولايـة، وتـجـوّل مـعـهـم عـلى الـخـيـول، ومـارس كـرة الـتّـنـس. وقـد أقـام في بـغـداد حـتّى أواخـر شـهـر أيّـار، ورسـم لـوحـة بـالألـوان الـمـائـيـة كـلّ يـوم تـقـريـبـاً عـن مـعـالـم الـمـديـنـة الـمـعـمـاريـة ومـشـاهـد الـحـيـاة الـيـومـيـة فـيـهـا وعـن نـاسـهـا. ومـازالـت بـعـض هـذه الـرّسـوم في الـمـتـاحـف أو في مـجـمـوعـات خـاصـة.

ونـبـدأ عـرضـنـا لـبـعـض رسـومـه بـثـلاثـة مـنـهـا لـمـنـطـقـة بـاب الـمـعـظـم بـالألـوان الـمـائـيـة :

الـرّسـم الأوّل لـبـاب الـمـعـظـم (أو بـاب الـسّـلـطـان) مـن جـهـة داخـل الـمـديـنـة نـفّـذه مـن مـقـهى عـلى الـجـانـب الأيـسـر لـلـطّـريـق الـمـؤديـة إلى الـبـاب، أي مـن جـهـة جـامـع الأزبـكـيـة.  ونـرى الـبـاب عـلى يـسـار خـلـفـيـة الـلـوحـة. كـمـا نـلاحـظ مـقـهى آخـر في الـجـانـب الـمـقـابـل مـن الـطّـريـق. ونـقـرأ في يـسـار أسـفـل الـرّسّـم، تـحـت تـوقـيـع الـفـنّـان :  Baghdad 1882.

melville IV

الـرّسـم الـثّـاني لـنـفـس بـاب الـمـعـظـم (بـاب الـسّـلـطـان) ولـكـنّ لـخـلـفـيـتـه مـن جـهـة خـارج أسـوار الـمـديـنـة. ويـصـوّر الـفـنّـان سـوقـاً أقـيـم في ظـلّـه وفي ظـلّ الـسّـور الـمـحـيـط بـه : سـلال فـواكـه عـلى الأرض وامـرأة تـحـمـل سـلّـة عـلى رأسـهـا وبـاعـة سـجـاجـيـد … ونـقـرأ في يـسـار أسـفـل الـرّسّـم أيـضـاً، تـحـت تـوقـيـع الـفـنّـان :  Baghdad 1882.

Melville II

وفي الـرّسـم الـثّـالـث يـقـف الـفـنّـان أمـام بـاب الـمـعـظـم نـاظـراً إلى داخـل الـمـديـنـة. ونـرى عـلى يـمـيـنـه الـمـقـهى الّـذي رسـم مـنـه الـلـوحـة الأولى. وتـمـتـدّ أمـامـه الـجـادّة الّـتي صـارت بـعـد ذلـك شـارع الـرّشـيـد. ونـرى في خـلـفـيـة الـلـوحـة جـامـع الأحـمـديـة الـمـعـروف بـجـامـع الـمـيـدان بـقـبّـتـه الـزّرقـاء. ونـقـرأ في يـسـار أسـفـل الـرّسّـم أيـضـاً، تـحـت تـوقـيـع الـفـنّـان :  Baghdad 1882.

ميلفيل 6

كـمـا أنّ لـديـنـا رسـمـاً بـالألـوان الـمـائـيـة ( وضـعـتـه في بـدايـة هـذا الـمـقـال) لـحـوش واسـع في وسـطـه حـوض مـاء مـثـمّـن الأضـلاع في مـركـزه نـافـورة، وحـولـه شـرفـات مـنـازل ونـوافـذ، ورجـال بـيـنـهـم فـارسـان مـدّ حـصـان أحـدهـمـا رأسـه نـحـو مـاء الـحـوض، وآخـرون أمـام سـجـادتـيـن مـدّتـا عـلى الأرض. ونـلاحـظ رجـالاً آخـريـن ونـسـاء وأطـفـالاً تـحـت شـجـرة وارفـة الـظّـلال. كـمـا يـمـكـنـنـا أن نـمـيّـز أوزة بـيـضـاء وعـدد مـن الـحـمـام. ولـم أجـد بـعـد مـعـلـومـات عـن هـذا الـمـكـان الـبـغـدادي. ولـكـنـنـا نـقـرأ في يـسـار أسـفـل الـرّسّـم أيـضـاً، تـحـت تـوقـيـع الـفـنّـان :  Baghdad 1882.

ورسـم عـنـوانـه : The Water Seller أي بـائـع الـمـاء  (45 × 40 سـنـتـم.) يـظـهـر فـيـه رجـل يـحـمـل جـرة مـاء وطـاسـات ويـقـف أمـام مـقـهى فـيـه عـدد مـن الـرّجـال. ونـرى خـلـفـه طـاولـة صـغـيـرة واطـئـة عـلـيـهـا نـارجـيـلـة.

melville V

ورسـم آخـر عـلـيـه تـعـلـيـق مُـحي أغـلـبـه يـقـرأه الـمـخـتـصـون : On the Euphrates، أي عـلى نـهـر الـفـرات، ولـكـن يـبـدو لـنـا أنـنـا نـسـتـطـيـع قـراءة Mosul أي الـمـوصـل بـجـانـب اسـم الـفـنّـان عـلى يـسـار أسـفـل الـلـوحـة. ويـظـهـر في الـرّسـم جـسـر عـلى نـهـر يـعـبـره كـثـيـر مـن الـنّـاس وعـلى ضـفـة الـنّـهـر سـور ومـنـازل عـالـيـة وخـلـفـهـا ثـلاثـة جـوامـع بـقـبـابـهـا ومـآذنـهـا الـمـرتـفـعـة نـحـو الـسّـمـاء.

Melville Mosul

والـرّسـم الأخـيـر (35× 53 سـنـتـم.) يـصـور مـشـهـداً غـريـبـاً نـقـرأ عـلى يـسـار أسـفـلـه : “Revolt of a Tribe” أي تـمـرد عـشـيـرة. ويـدور الـمـشـهـد في حـوش واسـع لـبـنـايـة ثـريـة الـتّـشـيـيـد تـمـتـد شـرفـة عـالـيـة فـوق طـابـقـهـا الأرضي عـلى الـيـمـيـن، تـدلـت مـنـهـا سـجـادتـان بـديـعـتـا الـنّـقـوش. ونـرى بـوابـة الـبـنـايـة الـواسـعـة الـعـالـيـة عـلى الـيـسـار وقـد تـقـوّس أعـلاهـا كـحـدوة حـصـان، وهـو مـا يـبـدو لـنـا غـريـبـاً في الـمـعـمـار الـبـغـدادي، لأنّ هـذا الـنّـوع مـن الأقـواس شـاع في الأنـدلـس حـتّى الـقـرن الـخـامـس عـشـر، وانـتـقـل مـنـهـا إلى بـلـدان الـمـغـرب.

ميلفيل 4

ونـرى وسـط الـلـوحـة رجـلاً واقـفـاً يـحـمـل سـلاحـاً يـديـر لـنـا ظـهـره، وألـقـيـت عـلى الأرض بـجـانـبـه أسـلـحـة. ونـرى أعـرابـاً جـالـسـيـن تـحـت الـشّـرفـة عـلى يـسـاره ومـجـمـوعـة كـبـيـرة مـن الـرّجـال أمـامـه. ولـم أجـد بـعـد شـرحـاً لـهـذا الـمـشـهـد الـصّـعـب الـفـهـم. ولـكـنّـه جـرى في بـغـداد، لأنـنـا نـسـتـطـيـع أن نـقـرأ في أسـفـل يـمـيـن الـرّسّـم، تـحـت تـوقـيـع الـفـنّـان :  Baghdad 1882.

وبـعـد أن أرسـل عـن طـريـق الـبـحـر حـوالي سـتـيـن رسـمـاً إلى إسـكـتـلـنـدة، تـرك أرثـر مـيـلـفـيـل بـغـداد في أواخـر شـهـر أيّـار مـن عـام 1882 مـتّـجـهـا عـن طـريـق الـبـاديـة إلى سـوريـا، ثـمّ اسـتـمـرّ نـحـو أوربـا الـشّـرقـيـة، ومـنـهـا إلى بـريـطـانـيـا.

وفي عـام 1890 سـافـر مـيـلـفـيـل عـن طـريـق فـرنـسـا إلى إسـبـانـيـا، ومـنـهـا إلى شـمـال أفـريـقـيـا لـيـزور بـلـدان الـمـغـرب الّـتي رسـم كـثـيـراً مـن الـلـوحـات عـنـهـا أيـضـاً.

واسـتـمـرّ أرثـر مـيـلـفـيـل يـرسـم إلى أن تـوفي سـنـة 1904.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  نـشـرت Agnes Ethel Mackay كـتـابـاً عـن مـيـلـفـيـل في 1951 عـنـوانـه

Arthur Melville, Scottish impressionist (1855-1904)