صـور الـعـراق في مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

Matson Ir 57

تـضـمّ مـجـمـوعـة صـور ج. إريـك مـاتـسـون و زوجـتـه إديـث  G. Eric and Edith MATSON Photograph Collection أكـثـر مـن 22 ألـف  زجـاجـيـة ومـسـودّة صـور وشـفـافـيـات كـان قـد بـدأهـا قـسـم الـتّـصـويـر لـلـمـسـتـعـمـرة الأمـريـكـيـة في الـقـدس The American Colony Photo Department ، ثـمّ أكـمـلـتـهـا خـدمـات مـاتـسـون الـتّـصـويـريـة  The Matson Photo Service. وتـضـمّ الـمـجـمـوعـة أيـضـاً أكـثـر مـن ألـف صـورة مـطـبـوعـة وأحـد عـشـر ألـبـوم صـور.

ولـكـن مـاذا كـانـت هـذه الـمـسـتـعـمـرة الأمـريـكـيـة  The American Colony  ؟

 كـانـت “الـكـولـونـيـة” أو “الـمـسـتـعـمـرة” جـمـاعـة ديـنـيـة مـسـيـحـيـة هـاجـر أعـضـاؤهـا مـن الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة ومـن الـسّـويـد إلى الـقـدس بـيـن 1881 و 1934. وقـد وصـلـت أوّل مـوجـة مـنـهـم مـن شـيـكـاغـو في 1881، وقـاد الـمـوجـة الـثّـانـيـة في 1896 مـبـشـر سـويـدي كـان قـد أقـام في شـيـكـاغـو.

وكـانـت الـجـمـاعـة تـؤمـن بـظـهـور الـمـسـيـح، الّـذي كـانـوا يـنـتـظـرونـه، وعـودتـه إلى الـقـدس. وضـمّـت “الـمـسـتـعـمـرة” الّـتي أنـشـأوهـا في الـقـدس حـوالي مـائـة عـضـو كـانـوا يـعـيـشـون مـعـاً في نـفـس الـمـكـان. سـكـنـوا عـنـد وصـولـهـم في دار في الـمـديـنـة الـقـديـمـة قـرب بـوابـة دمـشـق، وأنـشـأوا مـدارس وجـمـعـيـات خـيـريـة كـان الـهـدف مـنـهـا أن “تـغـفـر لـهـم ذنـوبـهـم” لـيـنـالـوا “رضى الـمـسـيـح”.

وقـد تـوسـعـت نـشـاطـاتـهـم في نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر وانـتـقـلـوا إلى دار كـبـيـرة في شـرق الـقـدس. وكـان أعـضـاء “الـمـسـتـعـمـرة” يـزرعـون حـقـولـهـم ويـربّـون حـيـوانـاتـهـم ويـنـسـجـون مـلابـسـهـم إلى جـانـب إنـتـاجـهـم لـرسـوم ومـصـنـوعـات خـشـبـيـة. وكـان لـهـم مـحـل تـجـاري قـرب بـاب الـخـلـيـل يـبـيـعـون فـيـه مـنـتـجـاتـهـم.

وامـتـدت نـشـاطـاتـاهـم إلى مـيـدان الـسّـيـاحـة وفـتـحـوا فـنـادق لـلـسّـواح وبـاعـوهـم مـصـنـوعـات “ذكـريـات” لـيـعـودوا بـهـا إلى بـلادهـم. كـمـا بـدأوا بـالـتـقـاط الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة وطـبـعـهـا وبـيـعـهـا مـنـفـصـلـة أو في ألـبـومـات أو كـبـطـاقـات بـريـديـة أو بـطـاقـات مـعـايـدة لـوّن بـعـضـهـا يـدويـاً.

ويـبـدو أن خـدمـات الـصّـور بـدأت في 1898. وقـد أنـشـأ قـسـم الـتّـصـويـر في الـمـسـتـعـمـرة  إ. مـيـيـرز  E. Meyers ، الّـذي عـلّـم شـابـاً سـويـديـاً اسـمـه لـويـس لارسـون Larsson Lewis  الـتّـصـويـر. وقـد سـافـر لارسـون مـن 1903 إلى 1910 في الـشّـرقـيـن الأدنى والأوسـط، وصـور مـنـاظـرهـمـا الـطّـبـيـعـيـة وحـيـاة الـنّـاس فـيـهـمـا. كـمـا صـور خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى الـمـعـارك بـيـن الـعـثـمـانـيـيـن والـبـريـطـانـيـيـن.

إريـك مـاتـسـون :

وقـد وصـل إريـك مـاتـسـون Eric MATSON    إلى “الـمـسـتـعـمـرة” الأمـريـكـيـة في الـقـدس مـن الـسّـويـد مـع عـائـلـتـه في عـام 1896، وكـان في الـثّـامـنـة مـن عـمـره. وبـدأ يـعـمـل في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن في مـخـتـبـر تـحـمـيـض الـصّـور. ثـمّ تـزوّج بـشـابـة أمـريـكـيـة مـن الـمـسـتـعـمـرة كـانـت تـعـمـل مـعـه في الـتّـحـمـيـض والـطّـبـع. وشـيـئـاً فـشـيـئـاً أدخـلا تـحـسـيـنـات مـهـمّـة عـلى أعـمـال الـتّـصـويـر في “الـمـسـتـعـمـرة”.

وقـد اشـتـغـل جـون د. وايـتـيـنـغ الّـذي كـان كـاتـبـاً يـتـكـلّـم الـلـغـة الـعـربـيـة في قـسـم تـصـويـر “الـمـسـتـعـمـرة”، وقـام بـعـدد كـبـيـر مـن الـسّـفـرات في بـلـدان الـمـشـرق صـاحـبـه في بـعـضـهـا إريـك مـاتـسـون . وقـد نـشـر وايـتـيـنـغ بـيـن 1913 و1940 عـنـهـا مـجـمـوعـة مـن الـمـقـالات في مـجـلـة الـنّـاشـيـونـال جـيـوغـرافـيـك The National Geographic .

وبـعـد وفـاة آنـا سـبـافـورد  Anna Spafford  في 1923، والّـتي كـانـت قـد خـلـفـت زوجـهـا في رئـاسـة الـمـسـتـعـمـرة، حـدثـت صـراعـات في داخـل الـجـمـاعـة انـتـهـت بـحـلّـهـا وتـوقـف نـشـاطـاتـهـا في 1934. ولـكـنّ إريـك مـاتـسـون اسـتـطـاع الإسـتـمـرار في أعـمـال الـتّـصـويـر بـعـد أن سـيـطـر عـلى الـمـخـتـبـر ومـا فـيـه. وقـد بـقي مـع زوجـتـه في فـلـسـطـيـن حـتّى عـام 1946، ثـمّ عـادا إلى كـالـيـفـورنـيـا، واصـطـحـبـا مـعـهـمـا الـمـجـمـوعـة الـهـائـلـة مـن الـصّـور الّـتي عـرفـت بـمـجـمـوعـة إريـك وإديـث مـاتـسـون.

وفي عـام 1964، إقـتـرح إريـك مـاتـسـون عـلى مـكـتـبـة الـكـونـغـرس الأمـريـكي أن يـهـديـهـا 13 ألـف مـسـودّة صـور وأحـد عـشـر ألـبـومـاً، وقـبـلـتـهـا الـمـكـتـبـة ودخـلـت في مـجـمـوعـاتـهـا في 1966.

صـور الـعـراق في مـجـمـوعـة مـاتـسـون :

نـجـد في مـجـمـوعـة مـاتـسـون أعـداداً كـبـيـرة مـن الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة الّـتي ذُكـر في تـصـنـيـفـهـا انّـهـا الـتـقـطـت في الـعـراق عـام 1932، أي في الـفـتـرة الّـتي كـان مـاتـسـون يـعـمـل فـيـهـا لـحـسـاب “الـمـسـتـعـمـرة” الأمـريـكـيـة في الـقـدس، ولـكـن لـم يـشـر إلى أنّ إريـك مـاتـسـون أو زوجـتـه إديـث الـتـقـطـاهـا.  وقـد سـبـق أن ذكـرنـا أنّ جـون د. وايـتـيـنـغ قـام في تـلـك الـفـتـرة بـعـدد كـبـيـر مـن الـسّـفـرات في بـلـدان الـمـشـرق صـاحـبـه في بـعـضـهـا إريـك مـاتـسـون.

ولا شـكّ أنّ في الـقـسـم الـمـخـصـص لـلـعـراق صـور أقـدم دخـلـت في الـمـجـمـوعـة واخـتـلـطـت بـصـور 1932.

ونـلاحـظ، إذا تـمـعـنّـا في مـتـابـعـة الـتّـعـلـيـقـات الّـتي نـشـرتـهـا مـكـتـبـة الـكـونـغـرس عـن كـلّ صـورة مـنـهـا، عـدداً مـن الأخـطـاء والـخـلـط، كـمـا نـجـد عـدداً مـن الـصّـور لـم تـحـدد أمـاكـن الـتـقـاطـهـا ولا مـا تـحـتـويـه مـن مـنـاظـر وأشـخـاص، وهي 78 صـورة بـوبـت في آخـر الـجـرد تـحـت عـنـوان : Iraq.

وعـليّ أن أذكـر أنّـنـا نـجـد بـعـض الـصّـور الـمـكـررة لأنّـهـا طـبـعـات مـخـتـلـفـة مـن نـفـس الـمـسـودّة، كـمـا نـجـد صـوراً مـتـقـاربـة الـتـقـطـت الـواحـدة بـعـد الأخـرى في نـفـس الـمـكـان لا تـفـصـل بـيـنـهـا إلّا فـتـرات قـصـيـرة مـثـل مـجـمـوعـة صـور مـدخـل جـسـر الـقـطـعـة الـقـديـم الّـتي نـرى فـيـهـا نـفـس الـمـارّة يـنـتـقـلـون مـن جـانـب مـن الـصـورة إلى الـجـانـب الـمـقـابـل ونـرى آخـريـن يـبـتـعـدون أو يـقـتـربـون. وقـد احـتـفـظ مـاتـسـون وزوجـتـه بـكـلّ مـسـودّات الـصّـور، وحـتّى الـمـسـودّات الـمـعـتـمـة أوالـشّـديـدة الإضـاءة أو الّـتي أفـسـدت أشـعـة الـشّـمـس الـقـويـة أجـزاءً مـنـهـا.

وسـنـتـابـع فـيـمـا يـلي تـبـويـب الـصّـور كـمـا نـشـرتـه مـكـتـبـة الـكـونـغـرس، وسـأريـكـم بـعـضـاً مـنـهـا في انـتـظـار أن أخـصـص لـبـعـض أقـسـامـهـا مـقـالات مـسـتـقـلّـة :

الـعـراق ــ الـهـنـديـة  al- Hindyah،  سـتّ صـور (صـورتـان لـقـوارب مـزيـنـة بـالـزّخـارف Bellums )

ماتسون الهندية

أربـعـة لـسـدّة الـهـنـديـة

ماتسون سدة الهندية

الـكـاظـمـيـن  al-Khadhmain ، خـمـس عـشـرة (15) صـورة  لـلـضـريـح والـمـنـطـقـة،

ماتسون الكاظمين

الـكـفـل  al-Kifl،  ثـلاث عـشـرة (13) صـورة لـلـقـريـة الّـتي فـيـهـا قـبـر ذي الـكـفـل الّـذي يـعـتـبـره الـيـهـود الـنّـبي حـزقـيـال، وكـانـوا يـحـجـون إلـيـه،

ماتسون الكفل

الـقـيّـارة  al-Qayyarah،  إثـنـتـا عـشـرة (12) صـورة عـن مـنـابـع الـقـار في الـقـيّـارة

ماتسون القيارة

آشـور Ashur ، ، ثـلاث صـور لآثـار مـديـنـة آشـور الّـتي كـانـت أقـدم عـواصـم الـمـمـلـكـة الآشـوريـة، في مـوقـع قـلـعـة الـشّـرقـاط على دجـلـة جـنـوب الـمـوصـل

ماتسون آشور

بـابـل Babylon ،  ثـلاث وأربـعـون (43) صـورة لآثـار مـديـنـة بـابـل

ماتسون بابل

بـغـداد  Baghdad، مـائـة وإحـدى وأربـعـون (141) صـورة فـيـهـا صـور لـجـوامع بـغـداد وخـاصـة جـامـع الـحـيـدرخـانـة

ماتسون بغداد

ولـكـلـيـة الـطّـب ولـحـفـلـة أقـيـمـت في حـديـقـة “الـقـصـر الـمـلـكي  The Palace”  يـوم 10 حـزيـران 1932،

ماتسون فيصل

ولاحـتـفـال أقـيـم في 6 تـشـريـن الأوّل بـدخـول الـعـراق في عـصـبـة الأمـم (في 3 تـشـريـن الأوّل 1932)، ولأسـواق بـغـداد وأحـيـائـهـا، ولـدجـلـة ومـراكـبـهـا مـن قـفـف وأبـلام، ولـجـسـر الـقـطـعـة ، وصـور جـويـة لـلـمـديـنـة …

بـورسـيـبـا  Borsippa (بـيـرس نـمـرود) الّـتي تـبـعـد حـوالي 20 كـلـم. جـنـوب غـرب بـابـل، 10 صـور مـنـهـا اثـنـتـان طـبـعـتـا بـالألـوان.

ماتسون بيرس نمرود

ثـلاث صـور لـمـوقـع مـديـنـة كـلـح   Calah الّـتي كـانـت مـن عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة، وتـقـع في مـكـان يـسـمى نـمـرود، جـنـوب الـمـوصـل

ماتسون كلح

طـيـسـفـون Ctesiphon (الـمـدائـن)، إحـدى عـشـرة صـورة، كـلّـهـا لـطـاق كـسـرى (إيـوان كـسـرى)

ماتسون طيسفون

الـوركـاء  Erech ، صـورة لـلـتـلّ الّـذي كـان قـد غـطى واحـدة مـن أقـدم الـمـدن الـسّـومـريـة في جـنـوب الـعـراق، والّـتي وجـد فـيـهـا أقـدم لـوح مـكـتـوب في تـاريـخ الـبـشـريـة (يـعـود تـاريـخـه إلى حـوالي مـنـتـصـف الألـف الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد)

ماتسون الوركاء

الـحـلّـة Hillah ،  ثـمـاني وعـشـرون (28) صـورة، وهي صـور لـمـنـاظـر طـبـيـعـيـة لـلـفـرات أمـام الـحـلّـة ولـلـنـخـيـل والـنّـاس عـلى ضـفـة الـنّـهـر

ماتسون الحلة

أربـيـل Irbil ،  إثـنـتـا عـشـرة (12) صـورة لـلـمـديـنـة والـقـلـعـة والـنّـاس فـيـهـا

ماتسون أربيل

كـربـلاء  Karbalâ ،  سـبـع عـشـرة (17) صـورة لـلـمـديـنـة ومـعـالـمـهـا

ماتسون كربلاء

كـركـوك Karkuk ،  واحـدة وعـشـرون (21) صـورة لـمـنـابـع الـنـفـط والـغـاز

Maston K 13

ولـلـمـديـنـة

Maston K 7

كـيـش  Kish ، خـمـس صـور لآثـار الـمـديـنـة الـسّـومـريـة  في تـلّ الأحـيـمـر، جـنـوب الـعـراق

Maston Kish 2

الـكـوفـة Kûfah ، تـسـع صـور مـنـهـا صـورتـان لـلـمـديـنـة، والـبـاقـيـة لـضـفـاف الـفـرات

Maston Kufa 8

الـمـوصـل  Mosul ،  خـمـس وثـلاثـون (35) صـورة لـلـمـديـنـة ومـعـالـمـهـا والـمـنـطـقـة الّـتي تـحـيـطـهـا

Matson M 7

الـنّـجـف  Najaf ،  تـسـع عـشـرة (19) صـورة لـلـمـديـنـة ومـعـالـمـهـا وأسـواقـهـا والـمـنـطـقـة الّـتي تـحـيـطـهـا

Matson Naj 8

نـيـنـوى  Ninevah ،  سـبـع (7) صـور لـلـنّـبي يـونـس والـمـنـطـقـة الـمـحـيـطـة بـالـتّـلّ

Matson Nn 5

الـرّطـبـة  Rutbah ، أربـع صـور لـحـصـن آبـار الـرّطـبـة في غـرب الـعـراق

Matson Rt 2

أور Ur، ثـمـاني عـشـرة (18) صـورة + ثـلاث عـشـرة (13) صـورةعـن آثـار مـديـنـة أور في جـنـوب الـعـراق وزقـورتـهـا الـشّـهـيـرة

Matson Ur 13

ويـنـتـهى قـسـم الـصّـور الـمـخـصـص لـلـعـراق بـ 78 صـورة مـتـنـوعـة الـتـقـطـت في أمـاكـن مـخـتـلـفـة وضـعـت تـحـت عـنـوان : Iraq أخـذت مـنـهـا الـصّـورة الّـتي وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال.

ونـلاحـظ أنّ الـمـجـمـوعـة لـم تـشـمـل كـلّ مـدن الـعـراق فـلا نـجـد صـورة واحـدة لـلـبـصـرة مـثـلاً ولا لـمـدن الـجـنـوب الـمـهـمـة عـلى نـهـر دجـلـة و لا لـمـدن الـفـرات شـمـال الـحـلّـة، كـمـا لا نـجـد صـورة واحـدة لأهـوار جـنـوب الـعـراق.

وقـد صـدر كـتـاب عـن صـور “الـمـسـتـعـمـرة” الأمـريـكـيـة  ومـجـمـوعـة مـاتـسـون  :

« The American Colony and Eric Matson collection »بـثـمـانـيـة أجـزاء خـصـصـت لـصـور فـلـسـطـيـن وسـوريـا ولـبـنـان، ولـكـن لـم تـصـدر بـعـد دراسـة عـن صـور الـعـراق في الـمـجـمـوعـة. ولا شـكّ في أنّـهـا تـسـتـحـق رغـم نـواقـصـهـا أن تـكـرّس لـهـا دراسـة أكـاديـمـيـة مـفـصّـلـة أو حـتّى رسـالـة جـامـعـيـة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إعـتـمـدت في كـتـابـة هـذا الـمـقـال خـاصـة عـلى مـا نـشـرتـه مـكـتـبـة الـكـونـغـرس الأمـريـكي عـن هـذه الـمـجـمـوعـة.

 

 

 

 

Advertisements

خـارطـتـان لـمـديـنـة بـغـداد 1929 و1933

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

أصـدرت مـديـريـة الأشـغـال الـعـمـومـيـة  Public Works Department في بـغـداد عـام 1929 خـارطـة بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة لـمـديـنـة بـغـداد طـبـعـت في لـنـدن.

خارطة بغداد 1929

وظـهـرت نـفـس الـخـارطـة تـقـريـبـاً مـع تـغـيـيـرات طـفـيـفـة وبـالألـوان في دلـيـل كـوك Cook الـسّـيـاحي لـسـنـة 1934. ولاشـكّ في أنّ إعـداد الـدلـيـل وطـبـعـه تـطـلـبـا عـدّة أشهـر قـبـل أن يـصـدر في نـهـايـة 1933 ويـكـون بـيـن أيـدي الـمـسـافـريـن في بـدايـة 1934، ولـهـذا سـنـسـمـيـهـا خـارطـة 1933.

خ ب 2 001

ونـلاحـظ أوّل مـا نـلاحـظ قـلّـة إتـسـاع الـمـديـنـة بـيـن 1929 و1933 الّـتي لـم تـمـتـد حـتّى إلى أسـوارهـا الـقـديـمـة (الّـتي رسـمـت تـحـاذيـهـا خـطـوط قـصـيـرة مـتـوازيـة).

ورغـم أنّ الـوالي الـعـثـمـاني مـدحـت بـاشـا كـان قـد أمـر عـام 1869 بـهـدم أجـزاء كـبـيـرة مـن أسـوار بـغـداد الّـتي كـانـت مـا زالـت قـائـمـة والّـتي رآهـا تـحـصـر الـمـديـنـة وتـمـنـعـهـا مـن الـتّـوسـع فـإنّ الـمـديـنـة لـم تـتـوسـع كـثـيـراً، ويـكـفي لـنـرى ذلـك أنّ نـقـارن خـارطـة بـغـداد عـام 1929 بـالـخـارطـة الّـتي كـان رسـمـهـا الـعـثـمـاني نـصـوح الـسّـلاحي الـمـعـروف بـمـطـراقي زاده أو مـطـرقـجي نـصـوحي (تـوفي حـوالي سـنـة 1564) :

مطرقجي نصوحي 2

أو بـالـخـارطـة الّـتي نـشـرهـا ألان م. مـالـيـه   Alain M. MALLETعـام 1683  في كـتـابـه : “وصـف الـكـون  Description de l’Univers” :

خارطة بفداد 1683

أو بـالـخـارطـة الـمـفـصّـلـة الّـتي رسـمـهـا الـبـريـطـاني جـيـمـس فـيـلـكـس جـونـس James Felix JONES، والّـتي نـشـرهـا في كـتـابـه : Memoir on Baghdad عـام 1857:

بغداد 1857

بـغـداد في خـارطَـتي 1929 و 1933:

يـنـحـدر نـهـر دجـلـة في الـخـارطـتـيـن مـن أعـلى يـسـارهـمـا إلى أسـفـل يـمـيـنـهـمـا.

ويـمـكـنـنـا أن نـبـدأ زيـارة جـانـب الـرّصـافـة مـن أسـفـل يـمـيـن خـارطـة 1929 أي مـن الـبـاب الـشـرقي (أو بـاب كـلـوذا) الّـذي كـان مـا يـزال قـائـمـاً (قـبـل أن تـهـدمـه أمـانـة الـعـاصـمـة في عـام 1937)(1)  صـاعـديـن إلى أعـلى الـخـارطـة لـنـتـابـع آثـار الأسـوار الـقـديـمـة (الّـتي رسـمـت تـحـاذيـهـا خـطـوط قـصـيـرة مـتـوازيـة) والّـتي يـقـطـعـهـا بـاب الـطـلـسـم الّـذي لـم تـبـق مـنـه في ذلـك الـزّمـن إلّا آثـاره بـعـد أن فـجّـرتـه الـقـوات الـعـثـمانـيـة في 1917 قـبـل انـسـحابـهـا عـنـدمـا تـقـدمـت الـقـوات الـبـريـطانـيـة نـحـو بـغـداد. وكـان الـبـرج قـد اســتـعـمـل لـخـزن بـارود الـمـدافـع الّـتي كـانـت تـحـمي أسـوار بـغـداد، فـتـنـاثـر شــظـايـا وتـسـاقـط أكـوام حـجارة بـعـد انـفـجـار الـبـارود الـمـخـزون، ثـمّ الـبـاب الـوسـطـاني الّـذي كـان خـرابـاً هـو الآخـر، ونـنـزل عـنـدمـا نـصـل إلى يـسـار الـخـارطـة نـحـو بـاب الـمـعـظـم الّـذي كـان قـد هـدم في عـام  1922:

خارطة بغداد 1929 (2)

ونـلاحـظ الـسّـكـة الـحـديـديـة الّـتي تـوازي آثـار الأسـوار الـقـديـمـة تـقـريـبـاً ومـحـطـتَي الـقـطـار الـشّـرقـيـة والـشّـمـالـيـة. كـمـا نـلاحـظ أنّ قـبـر الـشّـيـخ عـمـر كـان خـارج الـمـديـنـة الـمـسـكـونـة في الـرّصـافـة.

أمّـا في جـانـب الـكـرخ فـنـلاحـظ أنّ قـبـر الـشّـيـخ مـعـروف وقـبـر زمـرد خـاتـون (الّـذي تـسـمـيـه الـعـامـة : قـبـر زبـيـدة) كـانـا خـارج الـمـديـنـة الـمـسـكـونـة وكـذلـك مـحـطـة الـقـطـار الـغـربـيـة.

وعـلـيـنـا أن لا نـنـسى هـنـا أنّ مـنـطـقـتي الأعـظـمـيـة والـكـاظـمـيـة كـانـتـا مـنـفـصـلـتـيـن عـن بـغـداد، بـيـنـهـمـا وبـيـن الـرّصـافـة والـكـرخ بـسـاتـيـن نـخـيـل شـاسـعـة.

والـرّصـافـة في خـارطـتـيـنـا تـمـتـدّ مـن الـبـاب الـشّـرقي (عـلى ضـفـة دجـلـة) وكـان مـازال قـائـمـاً في تـلـك الـسّـنـوات، ثـمّ الـسّـنـك Sinak ، وفي شـمـالـه بـاب الـشّـيـخ  Bab-Ash-Saikh وجـامـع الـشّـيـخ عـبـد الـقـادر الـجـيـلي (الـجـيـلاني)، فـالـسّـيـد سـلـطـان عـلي والـعـبـخـانـةAbakhana ، وشـمـالـهـا سـوق الـغـزلSuq-al-Ghazil  فـالـشّـورجـةShorjah  وجـامـع مـرجـان والـحـيـدرخـانـة  Haidar-Khana وقـمـبـرعـلي Qambar Ali ، فـالـمـيـدان  Maidanوالـبـاب الـشّـمـالي (بـاب الـمـعـظـم الّـذي هـدم في 1922، ولـكـنّ الـمـكـان احـتـفـظ بـاسـمـه الـقـديـم) :

خ ب 1 001 (2)

ونـنـزل نـحـو دجـلـة إلى الـحـصـن الـعـثـمـاني  الّـذي كـان بـيـن بـاب الـمـعـظـم والـنّـهـر ونـجـد فـيـه سـكـن الـمـلـك فـيـصـل الأوّل Residence of H.M.The King. فـعـنـدمـا نـصـب الـبـريـطـانـيـون في 1921 فـيـصـل بـن الـحـسـيـن مـلـكـاً عـلى الـعـراق تـحـت اسـم فـيـصـل الأوّل، لـم يـكـن في بـغـداد سـكـن يـنـاسـب مـقـام الـمـلـك الـجـديـد إلّا الـحـصـن الّـذي كـان يـقـيـم فـيـه الـوالي الـعـثـمـاني.

ولـم يـعـهـد الـمـلـك فـيـصـل الأوّل إلى الـمـعـمـاري الـبـريـطـاني Mason  بـتـصـمـيـم  قـصـر في الـحـارثـيـة (الّـتي كـانـت خـارج الـمـديـنـة الـمـسـكـونـة) أُسـمي بـقـصـر الـزّهـور إلّا في عـام 1932. ولـكـن فـيـصـل الأول تـوفي سـنـة 1933 قـبـل أن يـكـتـمـل تـشـيـيـد الـقـصـر، وسـكـنـه ابـنـه الّـذي تـوّج تـحـت اسـم غـازي الأوّل بـعـده. وكـان في الـحـصـن الـسّـراي بـبـرج سـاعـتـه الـشّـهـيـرة والـقـشـلـة.

أمّـا الـكـرخ فـلا تـمـتـدّ إلّا مـن الـصّـالـحـيـة  Salhyaوعـلاوي الـحـلّـةAlawi-al-Hillah  إلى سـوق الـجـديـد  Suq-al-Jadidوخـضـر الـيـاس Khidr Elias :

خ ب 1 001

ونـلاحـظ جـسـريـن يـربـطـان الـرّصـافـة بـالـكـرخ عـبـر نـهـر دجـلـة : جـسـر مـود الّـذي شـيّـد في 1918 في مـنـطـقـة سـيّـد سـلـطان عـلي، وفي شـمـالـه جـسـر الـقـطـعـة أي جـسـر الـقـوارب الـعـائـم الـقـديـم.

ونـلاحـظ أنّ أهـم جـزء مـن الـمـديـنـة كـان حـول نـهـر دجـلـة وفـيـه أهـم مـعـالـمـهـا:

ونـجـد مـن بـيـن هـذه الـمـعـالـم إلى جـانـب سـكـن الـمـلـك في داخـل الـحـصـن الـعـثـمـاني، دار الـمـنـدوب الـسّـامي الـبـريـطـاني الـقـديـمـة Old British Residency عـلى ضـفـة دجـلـة في الـرّصـافـة، والـدّار الـجـديـدة British Residency في الـشّـواكـة، في جـانـب الـكـرخ، ومـجـلـس الـنّـواب  Houses of Parliament في جـانـب الـكـرخ (خـضـر الـيـاس)، والـقـنـصـلـيـة الأمـريـكـيـة .American Consul في الـبـاب الـشـرقي، والـقـنـصـلـيـة الألـمـانـيـة  German Consul قـرب جـسـر مـود. ولـكـنـنـا لا نـجـد الـقـنـصـلـيـة الـفـرنـسـيـة الّـتي كـان جـيـمـس فـيـلـكـس جـونـس قـد وضـعـهـا قـرب الـسّـراي عـلى خـارطـتـه عـام 1857.

كـمـا نـجـد الـمـتـحـف الـعـراقيMuseum  الّـذي شـيّـد في 1923في شـارع الـجـسـر، في جـانـب الـرّصـافـة (وكـانـت الـمـس جـيـرتـرود بـيـل قـد قـد بـدأتـه في قـاعـة صـغـيـرة في بـنـايـة الـقـشـلـة، ثـكـنـة الـجـنـود)، وعـدّة مـصـارف (الـبـنـك الـعـثـمـاني والـبـنـك الـفـارسي والـ Eastern Bank )، ومـسـتـشـفـيـات ومـدارس. ونـجـد في خـارطـة 1929 فـنـدقـيـن يـطـلان عـلى الـنّـهـر : Grand Hotel و Imperial Hotel ، أمّـا Maude Hotel  فـقـد كـان في شـارع مـود في الـصّـالـحـيـة .

خارطة بغداد تفاصيل

أمّـا في خـارطـة 1933 فـنـجـد Tigris Palace Hotel  وClaridge’s Hotel  و Maude Hotel الّـذي انـتـقـل إلى ضـفـة دجـلـة في الـرّصـافـة قـرب الـفـنـدقـيـن الآخـريـن.

خ ب 2 001 (2)

ونـلاحـظ عـلى خـارطـة عـام 1929 مـحـلّات حـسـو إخـوانHasso   في شـارع الـرّشـيـد The New Street عـلى يـسـار مـدخـل جـسـر مـود ومـقـابـل وكـالـة تـومـاس كـوك وأولاده الـسّـيـاحـيـة  Thom. Cook & sons، والـنّـادي الـبـريـطـاني ومـكـتـبـتـه. The British Club & Bookshop  كـمـا نـلاحـظ في شـارع الـنّـهـر River Street اسـمـاً كـتـب Orosdiback، وهـو طـبـعـاً مـحـلاّت أوروزدي بـاك الـشـهـيـرة.

خ ب 1 001 (2)

ويـظـهـر تـمـثـال الـجـنـرال مـود في الـخـارطـتـيـن، أمـام بـاب الـ British Residency  في جـانـب الـكـرخ. ونـحـن نـعـرف أنّـه نـصـب في هـذا الـمـكـان في 1922 وبـقي فـيـه إلى أن أسـقـطـتـه الـجـمـوع الـثّـائـرة في 14 تـمّـوز 1958.

ويـظـهـر في خـارطـة 1933 تـمـثـال الـمـلـك فـيـصـل الأوّل، وهـو تـمـثـال صـخـري نـفـذّه الـنّـحّـات الإيـطالي بـيـتـرو كـانـونـيـكـا Pietro CANONICA ، وأزيـح الـسّـتـار عـنـه في شـارع مـود في الـصـالـحـيـة في ذلـك الـعـام، مـمـا يـدلّ عـلى دقّـة مـعـلـومـات رسـامي الـخـارطـة

ولـكـن الـذّي يـثـيـر الإنـتـبـاه هـو أنّ هـذه الـخـارطـة لـم تـذكـر الـتـمـثـال الـبـرونـزي الّـذي نـحـتـه بـيـتـرو كـانـونـيـكـا أيـضـاً لـمـحـسـن الـسّــعـدون، ونـصـب في ذلـك الـعـام، إمّـا لأنّـه قـد نـصـب بـعـد تـمـثـال الـمـلـك فـيـصـل الأوّل أي بـعـد رسـم الـخـارطـة أو لأنّ رسـامـيـهـا اعـتـبـروا أنّـه لا يـهـمّ الـسّـائـح الإنـكـلـيـزي الّـذي يـزور بـغـداد.

وأنهي هـذا الـمـقـال الـقـصـيـر بـخـارطـة نـشـرت عـام 1944، نـرى فـيـهـا تـوسـع مـديـنـة بـغـداد، فـقـد امـتـدّ جـانـب الـرّصـافـة شـمـالاً نـحـو الأعـظـمـيـة وجـنـوبـاً إلى الـكـرّادة، بـيـنـمـا امـتـدّ جـانـب الـكـرخ جـنـوبـاً إلى الـحـارثـيـة وإلى كـرّادة مـريـم :

خارطة بغداد 1944

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  هـدم الـبـاب الـشّـرقي في 1937 رغـم احـتـجـاج مـديـريـة الآثـار الـعـامـة، وشـيّـدت في مـكانـه ساحـة واسعـة (أصبـحـت سـاحـة الـتّـحـريـر بـعـد ذلـك).

ديـوك إلـيـنـغـتـون في بـغـداد عـام 1963

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

Ellington II

إرتـدت في شـبـابي أمـسـيـات مـوسـيـقى الـجـاز، كـمـا حـضـرت بـعـضـاً مـن مـهـرجـانـاتـهـا. واسـتـمـعـت إلى مـوسـيـقـيـيـن مـعـروفـيـن وآخـريـن أقـلّ شـهـرة جـاءوا مـن أغـلـب تـيـارات هـذه الـمـوسـيـقى الـهـادرة.

وعـنـدمـا كـنـت أذكـر لـبـعـض هـؤلاء الـمـوسـيـقـيـيـن ولـكـثـيـر مـن مـحـبّي هـذه الـمـوسـيـقى الّـذيـن الـتـقـيـت بـهـم أنّ ديـوك إلـيـنـغـتـون Duke Ellington (وهـل هـنـاك أشـهـر مـن ديـوك إلـيـنـغـتـون؟) مـرّ بـبـغـداد عـام 1963، وأنّـه أقـام حـفـلـة مـوسـيـقـيـة مـع فـرقـتـه فـيـهـا في قـاعـة الـخـلـد، لـم أحـضـرهـا لأنّي كـنـت صـبـيـاً حـيـنـذاك ولـكـنّي شـاهـدتـهـا في الـتّـلـفـزيـون، كـانـوا يـبـتـسـمـون لي كـمـا لـو كـنـت أمـزح مـعـهـم ! فـقـد كـان صـعـبـاً عـلـيـهـم أن يـتـصـوروا أنّ الـعـراقـيـيـن في بـدايـة سـتـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي كـانـوا قـد سـمـعـوا بـمـوسـيـقى الـجـاز.

فـكـيـف وصـل ديـوك إلـيـنـغـتـون إلى بـغـداد، وكـيـف اسـتـمـع إلـيـه الـبـغـداديـون؟

لـنـبـدأ أوّلاً بـالـكـلام عـن ديـوك، وعـن مـوسـيـقى الـجـاز The jazz music في زمـنـه :

ولـد ديـوك إلـيـنـغـتـون في آخـر عـام مـن الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر، وكـان والـداه عـازفَي بـيـانـو. وبـدأ هـو نـفـسـه بـتـعـلـم الـعـزف عـلى الـبـيـانـو في الـسّـابـعـة مـن عـمـره. وكـان اسـمـه في الـحـقـيـقـة إدوارد كـيـنـدي، ولـكـنّـه اخـتـار اسـم “ديـوك” أي “دوق” (ويـقـال إنّ رفـاقـه هـم الّـذيـن أطـلـقـوه عـلـيـه) لأنّـه كـان يـتـمـخـتـر مـعـجـبـاً بـنـفـسـه كـمـا لـو كـان مـن طـبـقـة الـنّـبـلاء.

وفي عـام 1914، وكـان في الـخـامـسـة عـشـرة مـن عـمـره، ألّـف أولى قـطـعِـهِ الـمـوسـيـقـيـة مـن نـوع الـجـاز. وبـعـد ثـلاث سـنـوات، شـكّـل فـرقـة مـوسـيـقـيـة مـع عـدد مـن الـمـوسـيـقـيـيـن، وبـدأ يـسـجـل اسـطـوانـات في بـدايـة الـعـشـريـنـيـات، ثـمّ شـكّـل عـدداً مـن الـ Big dands والأوركـسـتـرات الّـتي قـادهـا بـنـفـسـه وهـو يـعـزف عـلى الـبـيـانـو، لاقـت نـجـاحـاً مـنـقـطـع الـنّـظـيـر.  وأصـبـح ديـوك إلـيـنـغـتـون واحـداً مـن أهـمّ مـوسـيـقـيـي الـجـاز وأشـهـرهـم  (بـعـد لـويـس آرمـسـتـرونـغ).

ولا شـكّ في أنّ قـرائي يـعـرفـون أنّ مـوسـيـقى الـجـاز نـشـأت في نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر في جـنـوب الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة بـيـن الأفـارقـة الأمـريـكـيـيـن الـمـسـتـعـبـديـن في الـحـقـول ولـجـني الـقـطـن كـمـوسـيـقى بـسـيـطـة ولـكـن نـابـعـة مـن الأعـمـاق تـعـزف عـلى آلات مـوسـيـقـيـة بـدائـيـة، ويـصـاحـبـهـا الـغـنـاء.

وبـعـد تـحـريـر الـعـبـيـد (الـزّنـوج) تـطـوّرت هـذه الـمـوسـيـقى واسـتـعـمـلـت آلات مـوسـيـقـيـة عـالـيـة الـمـسـتـوى كـالـبـيـانـو والـسّـاكـسـفـون، كـمـا اسـتـعـمـلـت أنـواعـاً مـن الآلات الـهـوائـيـة وآلات مـوسـيـقى وقـعـيـة كـالـطـبـول … ولاقـت نـجـاحـاً واسـعـاً لـوقـعـهـا الـمـتـسـارع الـرّاقـص ولـحـيـويـتـهـا الـشّـديـدة الّـتي يـمـكـنـهـا في بـعـض أنـواعـهـا أن تـوصـل إلى الـدّوران (أو إلى الـصّـداع لـمـن لا يـحـبـهـا !). وسـرعـان مـا اجـتـاحـت مـوسـيـقى الـجـاز بـأنـواعـهـا وأسـالـيـبـهـا الـمـخـتـلـفـة حـدود الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة، وغـزت الـعـالـم مـروراً بـأوربـا في أواسـط الـقـرن الـعـشـريـن، وفـرضـت نـفـسـهـا عـلى مـحـبي الـمـوسـيـقى إلى جـانـب الـمـوسـيـقى الـكـلاسـيـكـيـة.

ديـوك إلـيـنـغـتـون في بـغـداد :

نـظّـمـت سـكـرتـاريـة الـدّولـة لـلـشـؤون الـخـارجـيـة أي وزارة الـخـارجـيـة الأمـريـكـيـة في خـريـف عـام 1963 جـولـة في الـشّـرق الأوسـط لـديـوك إلـيـنـغـتـون وفـرقـتـه لـزيـارة 13 بـلـداً مـن بـيـنـهـا الـعـراق، وأكـرمـتـه بـلـقـب : “سـفـيـر الـجـاز الأمـريـكي  American ambassador of jazz”.

وقـد وصـل إلـيـنـغـتـون إلى بـغـداد في 11 تـشـريـن الـثّـاني عـام 1963 في فـتـرة اضـطـرابـات شـديـدة وصـراع في داخـل حـزب الـبـعـث.

وعـليّ هـنـا أنّ أذكّـر الـقـارئ بـمـا حـدث ذلـك الـيـوم، فـخـلال انـعـقـاد مـؤتـمـر قـطـري دخـل 15 ضـابـطـاً قـاعـة الـمـؤتـمـر وعـلى رأسـهـم الـعـقـيـد مـحـمّـد الـمـهـداوي واعـتـقـلـوا تـحـت تـهـديـد الـسّـلاح عـدداً مـن أعـضـاء الـقـيـادة الـقـطـريـة، وأركـبـوهـم طـائـرة أقـلّـتـهـم إلى مـدريـد.

وقـد بـدأت إقـامـة إلـيـنـغـتـون وفـرقـتـه في بـغـداد بـأمـسـيـة party في مـقـر الـسّـفـارة الأمـريـكـيـة بـدعـوة مـن الـسّـفـيـر روبـرت سـتـرونـغ Robert C. Strong لإحـيـاء ذكـرى إنـشـاء الـ U.s. Marine Corps ويـبـدو أنّ 400 أمـريـكي وعـراقي رقـصـوا فـيـهـا عـلى وقـع مـوسـيـقى الـجـاز!

وأقـيـمـت حـفـلـة ديـوك إلـيـنـغـتـون الـمـوسـيـقـيـة في قـاعـة الـخـلـد يـوم 12 تـشـريـن الـثّـاني. وكـانـت مـحـطـة تـلـفـزيـون بـغـداد قـد اسـتـعـدّت لـنـقـل جـزء مـن الأمـسـيـة، ولـكـنّـهـا قـررت بـعـد ذلـك تـغـيـيـر بـرامـجـهـا وبـث الأمـسـيـة بـكـامـلـهـا ابـتـداءً مـن الـسّـاعـة الـسّـابـعـة والـنّـصـف مـسـاءً.

إلينغتون في بغداد

وفي يـوم 13 تـشـريـن الـثّـاني نـزلـت أعـداد كـبـيـرة مـن أعـضـاء حـزب الـبـعـث ومـنـاصـريـه إلى الـشّـارع لـمـسـانـدة الـقـيـاديـيـن الـمـنـفـيـيـن، واحـتـدم الـصّـراع بـيـنـهـم وبـيـن مـنـاصـري الـمـهـداوي الّـذي قـصـفـت طـائـراتـه مـعـسـكـر الـرّشـيـد.

ونـشـرت الـصـحـيـفـة الأمـريـكـيـة Reading Eagle  في عـددهـا الـصّـادر يـوم 13 تـشـريـن الـثّـاني مـا يـلي : “وصـل الـسّـفـيـر الأمـريـكي لـلـجـاز، ديـوك إلـيـنـغـتـون وفـرقـتـه الـمـوسـيـقـيـة إلى بـغـداد الّـتي يـبـدو أنّ حـركـة انـقـلاب حـدثـت فـيـهـا هـذا الـيـوم. وقـد أقـام إلـنـغـتـون حـفـلـة مـوسـيـقـيـة في قـاعـة الـخـلـد Khuld Hall، كـمـا كـان مـقـرراً أن تـقـام مـسـاء هـذا الـيـوم حـفـلـة أخـرى بـيـعـت كـلّ بـطـاقـات دخـولـهـا”.

وقـد طـلـبـت سـكـرتـاريـة الـدّولـة لـلـشـؤون الـخـارجـيـة أي وزارة الـخـارجـيـة الأمـريـكـيـة مـن ديـوك إلـيـنـغـتـون وفـرقـتـه أن يـتـركـوا بـغـداد بـأسـرع مـا يـمـكـنـهـم. وألـغـيـت الـحـفـلـة الـمـوسـيـقـيـة الـثّـانـيـة الّـتي كـان يـنـبـغي أن تـقـام في مـسـاء يـوم 13.

وقـد ذكـر إلـيـنـغـتـون وبـعـض أعـضـاء فـرقـتـه لـلـصّـحـافـة الأمـريـكـيـة أنّـهـم رأوا عـلى جـدران الـقـصـر الـجـمـهـوري ثـقـوب قـذائـف رمـتـهـا الـطّـائـرات الـعـراقـيـة عـلـيـه، كـمـا رأوا دبـابـات تـحـرس دار الإذاعـة والـبـنـايـات الـحـكـومـيـة.

وفي يـوم 18 تـشـريـن الـثّـاني 1963، إغـتـنـم  رئـيـس الـجـمـهـوريـة عـبـد الـسّـلام عـارف فـرصـة الإضـطـرابـات في بـغـداد لـيـنـحي أعـضـاء حـزب الـبـعـث عـن مـنـاصـبـهـم في الـدولـة، ويـنـفـرد بـالـحـكـم مـسـتـنـداً عـلى مـنـاصـريـه في الـجـيـش.

ولـم يـبـق لـنـا مـن زيـارة ديـوك إلـيـنـغـتـون لـبـغـداد إلّا صـورتـيـن : إلـتـقـطـت الأولى وهـو يـشـرب الـقـهـوة ويـدخـن الـنّـارجـيـلـة مـع بـول غـونـسـالـفـز Paul Gonsalves في خـيـمـة قـرب طـاق كـسـرى والّـتي وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال.

والـثّـانـيـة في قـاعـة الـخـلـد مـسـاء 12 تـشـريـن الـثّـاني والّـتي وضـعـتـهـا في وسـط الـمـقـال.