ديـوك إلـيـنـغـتـون في بـغـداد عـام 1963

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

Ellington II

إرتـدت في شـبـابي أمـسـيـات مـوسـيـقى الـجـاز، كـمـا حـضـرت بـعـضـاً مـن مـهـرجـانـاتـهـا. واسـتـمـعـت إلى مـوسـيـقـيـيـن مـعـروفـيـن وآخـريـن أقـلّ شـهـرة جـاءوا مـن أغـلـب تـيـارات هـذه الـمـوسـيـقى الـهـادرة.

وعـنـدمـا كـنـت أذكـر لـبـعـض هـؤلاء الـمـوسـيـقـيـيـن ولـكـثـيـر مـن مـحـبّي هـذه الـمـوسـيـقى الّـذيـن الـتـقـيـت بـهـم أنّ ديـوك إلـيـنـغـتـون Duke Ellington (وهـل هـنـاك أشـهـر مـن ديـوك إلـيـنـغـتـون؟) مـرّ بـبـغـداد عـام 1963، وأنّـه أقـام حـفـلـة مـوسـيـقـيـة مـع فـرقـتـه فـيـهـا في قـاعـة الـخـلـد، لـم أحـضـرهـا لأنّي كـنـت صـبـيـاً حـيـنـذاك ولـكـنّي شـاهـدتـهـا في الـتّـلـفـزيـون، كـانـوا يـبـتـسـمـون لي كـمـا لـو كـنـت أمـزح مـعـهـم ! فـقـد كـان صـعـبـاً عـلـيـهـم أن يـتـصـوروا أنّ الـعـراقـيـيـن في بـدايـة سـتـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي كـانـوا قـد سـمـعـوا بـمـوسـيـقى الـجـاز.

فـكـيـف وصـل ديـوك إلـيـنـغـتـون إلى بـغـداد، وكـيـف اسـتـمـع إلـيـه الـبـغـداديـون؟

لـنـبـدأ أوّلاً بـالـكـلام عـن ديـوك، وعـن مـوسـيـقى الـجـاز The jazz music في زمـنـه :

ولـد ديـوك إلـيـنـغـتـون في آخـر عـام مـن الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر، وكـان والـداه عـازفَي بـيـانـو. وبـدأ هـو نـفـسـه بـتـعـلـم الـعـزف عـلى الـبـيـانـو في الـسّـابـعـة مـن عـمـره. وكـان اسـمـه في الـحـقـيـقـة إدوارد كـيـنـدي، ولـكـنّـه اخـتـار اسـم “ديـوك” أي “دوق” (ويـقـال إنّ رفـاقـه هـم الّـذيـن أطـلـقـوه عـلـيـه) لأنّـه كـان يـتـمـخـتـر مـعـجـبـاً بـنـفـسـه كـمـا لـو كـان مـن طـبـقـة الـنّـبـلاء.

وفي عـام 1914، وكـان في الـخـامـسـة عـشـرة مـن عـمـره، ألّـف أولى قـطـعِـهِ الـمـوسـيـقـيـة مـن نـوع الـجـاز. وبـعـد ثـلاث سـنـوات، شـكّـل فـرقـة مـوسـيـقـيـة مـع عـدد مـن الـمـوسـيـقـيـيـن، وبـدأ يـسـجـل اسـطـوانـات في بـدايـة الـعـشـريـنـيـات، ثـمّ شـكّـل عـدداً مـن الـ Big dands والأوركـسـتـرات الّـتي قـادهـا بـنـفـسـه وهـو يـعـزف عـلى الـبـيـانـو، لاقـت نـجـاحـاً مـنـقـطـع الـنّـظـيـر.  وأصـبـح ديـوك إلـيـنـغـتـون واحـداً مـن أهـمّ مـوسـيـقـيـي الـجـاز وأشـهـرهـم  (بـعـد لـويـس آرمـسـتـرونـغ).

ولا شـكّ في أنّ قـرائي يـعـرفـون أنّ مـوسـيـقى الـجـاز نـشـأت في نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر في جـنـوب الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة بـيـن الأفـارقـة الأمـريـكـيـيـن الـمـسـتـعـبـديـن في الـحـقـول ولـجـني الـقـطـن كـمـوسـيـقى بـسـيـطـة ولـكـن نـابـعـة مـن الأعـمـاق تـعـزف عـلى آلات مـوسـيـقـيـة بـدائـيـة، ويـصـاحـبـهـا الـغـنـاء.

وبـعـد تـحـريـر الـعـبـيـد (الـزّنـوج) تـطـوّرت هـذه الـمـوسـيـقى واسـتـعـمـلـت آلات مـوسـيـقـيـة عـالـيـة الـمـسـتـوى كـالـبـيـانـو والـسّـاكـسـفـون، كـمـا اسـتـعـمـلـت أنـواعـاً مـن الآلات الـهـوائـيـة وآلات مـوسـيـقى وقـعـيـة كـالـطـبـول … ولاقـت نـجـاحـاً واسـعـاً لـوقـعـهـا الـمـتـسـارع الـرّاقـص ولـحـيـويـتـهـا الـشّـديـدة الّـتي يـمـكـنـهـا في بـعـض أنـواعـهـا أن تـوصـل إلى الـدّوران (أو إلى الـصّـداع لـمـن لا يـحـبـهـا !). وسـرعـان مـا اجـتـاحـت مـوسـيـقى الـجـاز بـأنـواعـهـا وأسـالـيـبـهـا الـمـخـتـلـفـة حـدود الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة، وغـزت الـعـالـم مـروراً بـأوربـا في أواسـط الـقـرن الـعـشـريـن، وفـرضـت نـفـسـهـا عـلى مـحـبي الـمـوسـيـقى إلى جـانـب الـمـوسـيـقى الـكـلاسـيـكـيـة.

ديـوك إلـيـنـغـتـون في بـغـداد :

نـظّـمـت سـكـرتـاريـة الـدّولـة لـلـشـؤون الـخـارجـيـة أي وزارة الـخـارجـيـة الأمـريـكـيـة في خـريـف عـام 1963 جـولـة في الـشّـرق الأوسـط لـديـوك إلـيـنـغـتـون وفـرقـتـه لـزيـارة 13 بـلـداً مـن بـيـنـهـا الـعـراق، وأكـرمـتـه بـلـقـب : “سـفـيـر الـجـاز الأمـريـكي  American ambassador of jazz”.

وقـد وصـل إلـيـنـغـتـون إلى بـغـداد في 11 تـشـريـن الـثّـاني عـام 1963 في فـتـرة اضـطـرابـات شـديـدة وصـراع في داخـل حـزب الـبـعـث.

وعـليّ هـنـا أنّ أذكّـر الـقـارئ بـمـا حـدث ذلـك الـيـوم، فـخـلال انـعـقـاد مـؤتـمـر قـطـري دخـل 15 ضـابـطـاً قـاعـة الـمـؤتـمـر وعـلى رأسـهـم الـعـقـيـد مـحـمّـد الـمـهـداوي واعـتـقـلـوا تـحـت تـهـديـد الـسّـلاح عـدداً مـن أعـضـاء الـقـيـادة الـقـطـريـة، وأركـبـوهـم طـائـرة أقـلّـتـهـم إلى مـدريـد.

وقـد بـدأت إقـامـة إلـيـنـغـتـون وفـرقـتـه في بـغـداد بـأمـسـيـة party في مـقـر الـسّـفـارة الأمـريـكـيـة بـدعـوة مـن الـسّـفـيـر روبـرت سـتـرونـغ Robert C. Strong لإحـيـاء ذكـرى إنـشـاء الـ U.s. Marine Corps ويـبـدو أنّ 400 أمـريـكي وعـراقي رقـصـوا فـيـهـا عـلى وقـع مـوسـيـقى الـجـاز!

وأقـيـمـت حـفـلـة ديـوك إلـيـنـغـتـون الـمـوسـيـقـيـة في قـاعـة الـخـلـد يـوم 12 تـشـريـن الـثّـاني. وكـانـت مـحـطـة تـلـفـزيـون بـغـداد قـد اسـتـعـدّت لـنـقـل جـزء مـن الأمـسـيـة، ولـكـنّـهـا قـررت بـعـد ذلـك تـغـيـيـر بـرامـجـهـا وبـث الأمـسـيـة بـكـامـلـهـا ابـتـداءً مـن الـسّـاعـة الـسّـابـعـة والـنّـصـف مـسـاءً.

إلينغتون في بغداد

وفي يـوم 13 تـشـريـن الـثّـاني نـزلـت أعـداد كـبـيـرة مـن أعـضـاء حـزب الـبـعـث ومـنـاصـريـه إلى الـشّـارع لـمـسـانـدة الـقـيـاديـيـن الـمـنـفـيـيـن، واحـتـدم الـصّـراع بـيـنـهـم وبـيـن مـنـاصـري الـمـهـداوي الّـذي قـصـفـت طـائـراتـه مـعـسـكـر الـرّشـيـد.

ونـشـرت الـصـحـيـفـة الأمـريـكـيـة Reading Eagle  في عـددهـا الـصّـادر يـوم 13 تـشـريـن الـثّـاني مـا يـلي : “وصـل الـسّـفـيـر الأمـريـكي لـلـجـاز، ديـوك إلـيـنـغـتـون وفـرقـتـه الـمـوسـيـقـيـة إلى بـغـداد الّـتي يـبـدو أنّ حـركـة انـقـلاب حـدثـت فـيـهـا هـذا الـيـوم. وقـد أقـام إلـنـغـتـون حـفـلـة مـوسـيـقـيـة في قـاعـة الـخـلـد Khuld Hall، كـمـا كـان مـقـرراً أن تـقـام مـسـاء هـذا الـيـوم حـفـلـة أخـرى بـيـعـت كـلّ بـطـاقـات دخـولـهـا”.

وقـد طـلـبـت سـكـرتـاريـة الـدّولـة لـلـشـؤون الـخـارجـيـة أي وزارة الـخـارجـيـة الأمـريـكـيـة مـن ديـوك إلـيـنـغـتـون وفـرقـتـه أن يـتـركـوا بـغـداد بـأسـرع مـا يـمـكـنـهـم. وألـغـيـت الـحـفـلـة الـمـوسـيـقـيـة الـثّـانـيـة الّـتي كـان يـنـبـغي أن تـقـام في مـسـاء يـوم 13.

وقـد ذكـر إلـيـنـغـتـون وبـعـض أعـضـاء فـرقـتـه لـلـصّـحـافـة الأمـريـكـيـة أنّـهـم رأوا عـلى جـدران الـقـصـر الـجـمـهـوري ثـقـوب قـذائـف رمـتـهـا الـطّـائـرات الـعـراقـيـة عـلـيـه، كـمـا رأوا دبـابـات تـحـرس دار الإذاعـة والـبـنـايـات الـحـكـومـيـة.

وفي يـوم 18 تـشـريـن الـثّـاني 1963، إغـتـنـم  رئـيـس الـجـمـهـوريـة عـبـد الـسّـلام عـارف فـرصـة الإضـطـرابـات في بـغـداد لـيـنـحي أعـضـاء حـزب الـبـعـث عـن مـنـاصـبـهـم في الـدولـة، ويـنـفـرد بـالـحـكـم مـسـتـنـداً عـلى مـنـاصـريـه في الـجـيـش.

ولـم يـبـق لـنـا مـن زيـارة ديـوك إلـيـنـغـتـون لـبـغـداد إلّا صـورتـيـن : إلـتـقـطـت الأولى وهـو يـشـرب الـقـهـوة ويـدخـن الـنّـارجـيـلـة مـع بـول غـونـسـالـفـز Paul Gonsalves في خـيـمـة قـرب طـاق كـسـرى والّـتي وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال.

والـثّـانـيـة في قـاعـة الـخـلـد مـسـاء 12 تـشـريـن الـثّـاني والّـتي وضـعـتـهـا في وسـط الـمـقـال.

 

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s