رحـلـة عـالـم طـبـيـعـيـات مـن زمـن الـثّـورة الـفـرنـسـيـة إلى الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

أولفيييه

كـنـت أنـوي عـنـدمـا قـرأت قـبـل عـدّة سـنـوات سـرد رحـلـة غـلـيـوم أنـطـوان أولـيـفـيـيـه Guillaume-Antoine OLIVIER إلى الـعـراق في نـصّـه الأصـلي أن أكـتـب عـنـه مـقـالاً قـصـيـراً، ولـكـنّ مـشـاغـلي في ذلـك الـحـيـن أعـاقـتـني عـن تـنـفـيـذ مـشـروعي. وكـنـت قـد أخـذت مـلاحـظـات كـثـيـرة وتـرجـمـت مـقـاطـع تـهـمـني مـن هـذه الـرّحـلـة الّـتي قـام بـهـا أولـيـفـيـيـه في نـهـايـة الـقـرن الـثّـامـن عـشـر، والّـتي بـدأهـا في فـتـرة الإرهـاب الّـتي اجـتـاحـت فـرنـسـا عـقـب انـدلاع الـثّـورة الـفـرنـسـيـة، وأنـهـاهـا عـائـداً إلى بـاريـس قـبـل أن يـقـوم نـابـلـيـون بـونـابـرت بـحـمـلـتـه عـلى مـصـر.

غـلـيـوم أنـطـوان أولـيـفـيـيـه ورحـلـتـه إلى الـشّـرق :

ولـد غ. أ. أولـيـفـيـيـه في جـنـوب فـرنـسـا سـنـة 1756. وبـعـد أن أكـمـل دراسـتـه في كـلـيـة الـطّـب سـافـر إلى مـديـنـة باريـس لـيـعـمـل فـيـهـا، ولـيـدرس الـعـلـوم الـطّـبـيـعـيـة مـتخـصـصـاً في دراسـة الـحـشـرات الّـتي ألّـف عـنـهـا دائـرة مـعـارف بـأربـعـة أجـزاء. وقـد تـكـفّـل بـحـمـايـتـه بـعـض وجـهـاء الـعـهـد الـمـلـكي حـتّى اعـتـلى بـعـض الـمـنـاصـب.

وبـعـد انـدلاع الـثّـورة الـفـرنـسـيـة في 1789 لـم يُـخـفِ أولـيـفـيـيـه عـداءه لـروبـسـبـيـيـر ورفـاقـه. ورغـم ذلـك اخـتـارتـه حـكـومـة الـجـمـهـوريـة الـجـديـدة في 1792، بـعـد ســقـوط الـمـلـكـيـة، مـبـعـوثـاً إلى الـدّولـة الـعـثـمانـيـة بـصـحـبـة عـالـم طـبـيـعـيـات آخـر : جـان غـلـيـوم بـروغـيـيـر Jean-Guillaume BRUGUIERE.  وكـان هـدف الـبـعـثـة جـمـع مـعـلـومـات عـن الأراضي الـعـثـمانـيـة ومـا يـجـاورهـا وعـن امـكانـيـة تـنـمـيـة عـلاقـات تـجـاريـة مـعـهـا.

وعـبـر أولـيـفـيـيـه وبـروغـيـيـر الـبـحـر ووصـلا إلى الـقـسـطنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) في أيّـار 1793، وبـقـيـا فـيـهـا سـتّـة أشـهـر يـنـتـظـران تـعـلـيـمـات تـأتـيـهـمـا مـن بـاريـس ومـبـالـغ مـن الـمـال لـيـكـمـلا رحـلـتـهـمـا، ولـكـنّ بـاريـس كـانـت تـعـيـش آنـذاك فـتـرة رعـب وإرهـاب تـسـاقـطـت فـيـهـا شـفـرات الـمـقـاصـل عـلى الـرّقـاب، ولـم يـنـج مـنهـا حـتّى الـمـلـك الـمـخـلـوع.

وعـنـدمـا وصـل سـفـيـر فـرنـسـي جـديـد إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة رفـضـت الإدارة الـعـثـمـانـيـة أن تـعـتـرف بـه، وطـبـعـاً لـم يـسـتـطـع أن يـحـصـل لـهـمـا عـلى ســمـاح لـلـذّهـاب إلى بـغـداد ومـنـهـا إلى بـلاد فـارس.

وبـعـد هـذا الـفـشـل الـجـزئي لـمـهـمـتـهـمـا، قـرر أولـيـفـيـيـه وبـروغـيـيـر الـعـبـور إلى الـجـزر الـيـونـانـيـة والـتّـنـقـل بـيـنـهـا. وبـعـد سـنـة قـضـيـاهـا في هـذه الـجـزر، وصـلا إلى الإســكـنـدريـة في كـانـون الأوّل مـن عـام 1794.

وأقـامـا في مـصـر سـتّـة أشـهـر، حـتّى اسـتـدعـاهـمـا الـسّـفـيـر الـفـرنـسـي الّـذي اعـتـرف بـه الـعـثـمـانـيـون أخـيـراً، ووصـلا إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة في ربـيـع 1795. ومـنـهـا تـوجّـهـا نـحـو بـلاد فـارس,الّـتي كـان قـد اسـتـولى عـلى الـحـكـم فـيـهـا أغـا مـحـمّـد خـان، أحـد خـصـيـان الـشّـاه الـرّاحـل، لـيـبـدأ سـلالـة حـكّـام جـديـدة : الـقـجـر.

Olivier

وركـب أولـيـفـيـيـه وبـروغـيـيـر الـبـحـر، ووصـلا إلى بـيـروت في تـشـريـن الأوّل عـام 1795. ومـنـهـا اسـتـمـرا في سـيـرهـمـا إلى صـور وصـيـدا ثـمّ إلى الـلاذقـيـة.

وعـنـدمـا بـلـغـا حـلـب، لـم يـجـدا قـافـلـة يـصاحـبـانـهـا عـبـر الـصّحـراء إلى بـغـداد، فـلـم يـبـق لـهـمـا إلّا أن يـسـلـكـا الـطّـريـق الـشّـمالـيـة، فـعـبـرا الـفـرات إلى بـيـرجـك في شـبـاط 1796، ووصـلا إلى أورفـة (الـرّهـا).

وفي أورفـة اشــتـريـا قـطـع نـقـود مـن كـلّ الـفـتـرات الـقـديـمـة وخـتـمـيـن أسـطـوانـيـيـن إعـتـقـد أولـيـفـيـيـه أنّـهـمـا كـانـا مـن الـفـتـرة الـفـارثـيـة، ونـعـرف الآن أنّ أحـدهـمـا مـن الـفـتـرة الأكـدّيـة (حـوالي 2300 قـبـل الـمـيـلاد)

Olivier 1

والـثّـاني مـن الـفـتـرة الـبـابـلـيـة الـقـديـمـة (1800 ق.م.) :

Olivier 2

ومـا زال هـذان الـخـتـمـان الأسـطـوانـيـان في ديـوان الـمـدالـيـات Cabinet des Médailles في بـاريـس.

وذهـبـا مـن أورفـة إلى نـصـيـبـيـن فـالـمـوصـل الّـتي كـانـت مـن أهـمّ الـمـدن الـتّـجـاريـة في الـشّـرق.

وفي الـكـتـاب الّـذي نـشـره بـعـد ذلـك عـن رحـلـتـه إلى الـشّـرق بـسـتّـة أجـزاء يـتـكـلّـم عـن وصـولـه إلى الـمـوصـل في نـهـايـة الـفـصـل الـتّـاسـع مـن الـجـزء الـثّـالـث.

وخـصـص الـفـصـل الـعـاشـر لـوصـف الـمـوصـل والـكـلام عـن سـكّـانـهـا وقـواتـهـا الـعـسـكـريـة ومـواردهـا ومـنـتـوجـاتـهـا. وهـو يـذكـر : “ونـجـد بـكـثـرة في الـمـوصـل، كـمـا نـجـده في بـغـداد، “الـمَـن والـسّـلـوى” الّـتي يـصـنـعـون مـنـهـا قـطـع حـلـوى صـغـيـرة بـيـضـاء : “مَـن الـسّـمـا” الّـتي لـهـا شـكـل عـجـيـنـة الـلـوز ولـهـا طـعـمـهـا ولـكـن أشـدّ حـلاوة، أو شـكـل عـسـل الـنّـحـل الـشّـديـد الـصّـفـاء الـمـخـلـوط بـ”الـطّـحـيـنـيـة”، وهـو مـاتـصـورنـاه في الـبـدايـة عـنـدمـا ذقـنـاهـا”.

وتـكـلّـم عـن تـجـارة الـمـوصـل، وعـن حـكـم الـبـاشـا لـهـا، ثـمّ عـن مـغـادرتـه لـهـا.

ووصف في الـفـصـل الـحـادي عـشـر سـفـرتـه عـلى كـلـك.

وكـتـب قـبـل وصـولـه إلى أربـيـل مـلاحـظـات عـن الـمـكـان الّـذي جـرت فـيـه الـمـعـركـة بـيـن الإسـكـنـدر الـمـقـدوني والـمـلـك الأخـمـيـني داريـا في 331 قـبـل الـمـيـلاد. ثـمّ تـكـلّـم عـن أربـيـل وألـتـون كــوبـري وكـركـوك … وعـن وصـولـه إلى بـغـداد في فـتـرة فـيـضـان دجـلـة الّـتي أجـبـرت الـقـافـلـة الّـتي صـاحـبـهـا عـلى الإبـتـعـاد عـن الـطّـريـق الـمـحـاذيـة لـلـنّـهـر قـبـل أن تـدخـل الـمـديـنـة، مـمـا أطـال مـدّة الـسّـفـرة.

أولـيـفـيـيـه في بـغـداد :

وصـل أولـيـفـيـيـه وبـروغـيـيـر إلى بـغـداد في آخـر نـيـسـان 1796، وأقـامـا فـيـهـا مـن 26 نـيـسـان إلى 18 أيّـار.

ووصـف أولـيـفـيـيـه مـديـنـة بـغـداد في الـفـصـل الـثّـاني عـشـر مـن الـجـزء الـثّـالـث مـن كـتـابـه وذكـر كـيـف كـانـت مـزدهـرة تـمـتـد عـلى ضـفـتـي دجـلـة في زمـن الـعـبـاسـيـيـن، وكـيـف خـرّبـهـا الـتّـتـار حـتّى تـقـلـصـت وتـقـوقـعـت عـلى نـفـسـهـا في جـزء مـن الـجـانـب الـشّـرقي :

“كـان لـبـغـداد في الـمـاضي أربـعـة أبـواب مـن جـهـة الـرّيـف ولـم يـبـق مـنـهـا إلّا ثـلاثـة (بـعـد أن أمـر الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني مـراد بـرقـم الـرّابـع بـالـطّـابـوق) … أمّـا مـن جـهـة دجـلـة فـلـيـس لـهـا إلّا بـاب واحـد يـفـضي إلى جـسـر قـوارب لا يـسـحـب مـن الـنّـهـر إلّا في فـتـرات الـفـيـضـانـات الـمـدمـرة. ويـرتـكـز الـجـسـر عـلى ثـلاثـيـن قـارب تُـربـط بـيـنـهـا بـسـلـسـلـة مـتـيـنـة. وكـلّـمـا ارتـفـع مـسـتـوى الـمـاء كـلّـمـا أضـيـفـت إلـيـه قـوارب أخـرى. ولـكـن لأنّ الـقـوارب تـطـفـو مـن غـيـر أن يـربـطـهـا “أنـكـر” ولا مِـرسـاة فـالـجـسـر يـتـحـطّـم وتـتـنـاثـر قـواربـه تـجـرفـهـا الـمـيـاه إذا مـا فـاض الـنّـهـر فـجـأة أو هـبـت ريـاح عـاتـيـة مـن جـهـة الـشّـمـال أو شـمـال الـشّـرق.

أمّـا الـضّـاحـيـة الّـتي في الـجـانـب الـمـقـابـل لـلـنـهـر فـلـيـس حـولـهـا أسـوار بـل حـائـط فـقـط حـولـه خـنـدق مـاء يـكـفي لـيـردّ عـنـهـا هـجـمـات الإعـراب”.

وتـكـلّـم عـن مـسـاكـنـهـا : “ومـنـازل بـغـداد قـلـيـلـة الـهـيـبـة إذا رأيـنـاهـا مـن الـخـارج. وهي قـلـيـة الـنّـوافـذ، ولـيـس لـهـا إلّا طـابـقـيـن بـالـكـاد. وفي وسـطـهـا كـلّـهـا تـقـريـبـاً حـوش مـربـع تـنـبـت فـيـه شـجـرة نـبـق أو اثـنـتـان أو نـخـلـتـان أو ثـلاث. ومـنـازل الأغـنـيـاء مـنـهـم لـهـا حـوش آخـر يـزرع كـحـديـقـة حـولـه غـرف أخـرى تـخـصـص لـلـنّـسـاء. وهـذا مـكـان “حـريـمـهـم”، وفـيـه تـقـيـم الـنّـسـاء، ولا يـدخـلـه رجـل”.

ثـمّ تـكـلّـم عـن عـادات أهـلـهـا  وعـن سـكـانـهـا ودرجـات الـحـرارة فـيـهـا ونـقـاء هـوائـهـا.

ووجـد أولـيـفـيـيـه أنّ عـدد سـكّـان الـمـديـنـة، الّـتي كـانـت عـاصـمـة الـدّنـيـا، قـد انـخـفـض إلى أقـل مـن مـائـة ألـف. وكـتـب عـن ذلـك :

“يـرفـع أهـل بـغـداد عـدد سـكـان مـديـنـتـهـم إلى أكـثـر مـن مـائـة ألـف، غـيـر أنّ روسـو، وكـيـل الـعـلاقـات الـتّـجـاريـة ولـيـوني، رجـل الأعـمـال الإيـطالي الّـذي يـسـكـن الـمـديـنـة مـنـذ أكـثـر مـن أربـعـيـن سـنـة، ورئـيـس ديـر الـكـرمـلـيـيـن أخـبـرونـا بـأنّـهـم لا يـقـدرون سـكـانـهـا بـأكـثـر مـن ثـمـانـيـن ألـفـاً : 50000 ألـف عـربي و 20000  تـركي بـمـا فـيـهـم الإنـكـشـاريـة وحـرس الـبـاشـا، وحـوالي 1000 كـردي، و500 مـسـيـحي كـلـداني وأرمـني، و2500 يـهـودي”.

وهـو يـذكـر أنّ الـيـهـود والأرمـن سـكـنـوا فـيـهـا : “لإمـكـانـيـة الـمـتـاجـرة فـيـهـا مـع تـركـيـا والـهـنـد، فـالـبـاشـا يـبـذل كـلّ مـا في وسـعـه لـتـشـجـيـع الـتّـجـارة”.

ورغـم أنّ بـغـداد كـانـت قـد فـقـدت مـكـانـتـهـا الـعـلـيـا بـيـن الـمـدن فـإنّ أولـيـفـيـيـه وجـد أنّـهـا قـد احـتـفـظـت في عـادات أهـلـهـا وتـصـرفـاتـهـم : “بـبـقـايـا مـن هـذه الـلـطّـافـة الـمـدنـيـة وهـذا الـذّوق وهـذا الـمـيـل إلى الـمـتـع والـمـسـرّات الّـذي تـتـمـيـز بـه الـعـواصـم الـكـبـرى. وأهـل بـغـداد أكـثـر رقّـة، وتـجّـارهـم أكـثـر نـشـاطـاً، والـتّـعـصّـب الـدّيـني بـيـنـهـم أقـلّ تـشـدداً، والـحـسـد أقـلّ تـفـشـيـاً وأقـلّ شـراسـة” مـن غـيـرهـم مـن الـشّـرقـيـيـن.

ولاحـظ أنّ الـطّـقـس في بـغـداد أكـثـر صـحـيّـاً مـنـه في مـصـر، فـالـلـيـالي أقـلّ حـرارة، والـنّـاس يـصـعـدون إلى سـطـوح الـمـنـازل بـعـد الـعـشـاء ويـقـضـون الـلـيـل عـلـيـهـا. أمّـا في الـنّـهـار، فـهـم يـحـتـمـون مـن الـحـرارة بـالـنّـزول إلى الـسّـراديـب. وأعـجـب بـمـهـارة بـنـائـيـهـا في ابـتـكـار “الـمـلاقـف” أي مـسـالـك لـتـجـديـد الـهـواء فـيـهـا.

ثـمّ تـكـلّـم عـن أسـواق بـغـداد، وعـن تـاريـخ الـمـديـنـة مـنـذ تـأسـيـسـهـا.

وقـد خـصـص بـعـد ذلـك مـقـاطـع طـويـلـة لـمـلابـس نـسـاء بـغـداد الّـتي وصـفـهـا بـكـثـيـر مـن الـتّـفـاصـيـل، وصـاحـب نـصّـه رســم دقـيـق لاثـنـيـن مـنـهـمـا :

Femmes de Bagdad

نـرى في الأوّل مـنـهـمـا ثـوبـاً عـاديـاً كـانـت الـبـغـداديـة تـلـبـسـه في الـبـيـت، بـيـنـمـا تـلـبـس الـثّـاني عـنـدمـا كـانـت تـخـرج لـلـزيـارة أو في الـمـنـاسـبـات :

Femmes de Bagdad 2

وخـصـص مـقـاطـع طـويـلـة أخـرى لـلـمـسـاحـيـق والـمـراهـم الّـتي كـانـت تـسـتـعـمـلـهـا الـنّـسـاء لـلـزيـنـة، وسـجّـل الـوصـفـة  الّـتي كُـنّ يـحـضـرنّ بـهـا الـمـسـاحـيـق الّـتي يـطـلـيـن أظـافـرهـنّ بـهـا بـالـسّـواد ويــصـبـغـن بـهـا شـعـورهـنّ، والـوصـفـة الّـتي يـعـددن بـهـا الـحـنّـاء الّـتي يـزيـنّ بـهـا أكـفـهـنّ وأقـدامـهـنّ.

وتـكـلّـم أولـيـفـيـيـه في الـفـصـل الـثّـالـث عـشـر عـن ولايـة بـغـداد : عـن سـعـتـهـا وقـوتـهـا الـعـسـكـريـة  وعـن مـواردهـا. وذكـر حـصـار الـبـصـرة ومـرض الـوالي سـلـيـمـان بـاشـا وكـيـف شـفـاه أطـبّـاءه مـنـه. كـمـا فـصّـل الـقـول في كـاهـيـتـه Kiaya ودسّـه ومـؤامـراتـه الّـتي أدّت إلى مـوتـه.

وألـقى في الـفـصـل الـرّابـع عـشـر “نـظـرة” عـلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، تـقـسـيـمـهـا الـجـغـرافي وطـقـسـهـا ومـنـتـوجـاتـهـا وتـاريـخـهـا الـطّـبـيـعي. أمّـا في الـفـصـل الـخـامـس عـشـر فـقـد وصـف الـمـنـطـقـة الـمـحـيـطـة بـبـغـداد.

وقـد الـتـقى أولـيـفـيـيـه وبـروغـيـيـر بـالـقـنـصـل الـفـرنـسي في بـغـداد جـان فـرنـسـوا روسـو الّـذي كـان مـهـتـمـاً بـالآثـار الـقـديـمـة.

وتـكـلّـم أولـيـفـيـيـه في الـفـصـل الـخـامـس عـشـر عـن ذهـابـه إلى مـوقـع عـقـرقـوف، ووصـف “الـبـنـاء الـمـربـع الـمـتـيـن” الّـذي رجّـح أن يـكـون مـعـبـداً، وأنّ بـقـايـا الأبـنـيـة حـولـه كـانـت مـنـازل الـكـهّـان.

وذهـب أولـيـفـيـيـه وبـروغـيـيـر أيـضـاً إلى طـيـسـفـون، ووصـف طـاق كـسـرى Tak- Kesré أو إيـوان كـسـرى Aiouan-Kesré بـجـنـاحـيـه، قـبـل أن يـنـهـدم جـنـاحـه الأيـمـن عـام 1887 أو عـام 1888.  وكـتـب أنّـه كـان مـن بـقـايـا قـصـر مـن الـفـتـرة الـفـارثـيـة. ونـحـن نـعـرف الآن أنّـه يـعـود إلى فـتـرة حـكـم شـابـور الأوّل مـؤسـس الـسّـلالـة الـسّـاسـانـيـة. ولـم يـسـتـطـيـعـا عـبـور دجـلـة لـزيـارة آثـار مـديـنـة “سـلـوقـيـة دجـلـة”.

كـمـا زارا مـوقـع “بـابـل” الّـذي ذكـر أولـيـفـيـيـه أنّـه جـلـب مـنـه طـابـوقـة مـحـدّبـة الـجـانـبـيـن عـلـيـهـا سـبـعـة أسـطـر مـن الـحـروف، وهي في الـحـقـيـقـة سـبـعـة أسـطـر مـن الـرّمـوز الـمـسـمـاريـة. ونـذكّـر الـقـارئ هـنـا أنّ الـمـسـمـاريـة كـانـت آنـذاك كـتـابـة غـامـضـة لـم يـكـشـف عـن أسـرارهـا بـعـد.

وزارا مـوقـع بـورسـيـبـا (بـيـرس نـمـرود). وقـد زارا أيـضـاً الـنّـجـف الّـتي أسـمـاهـا أولـيـفـيـيـه : “مـشـهـد عـلي Mesched Ali” أو “إمـام عـلي Iman Ali” : “عـلى بـعـد فـرسـخـيـن جـنـوب غـرب “خـرائـب الـكـوفـة”، و كـربـلاء الّـتي أسـمـاهـا “مـشـهـد حـسـيـن Mesched Hossein” والّـتي وجـدهـا أكـبـر مـن الـنّـجـف.

وأنـهى كـلامـه عـن بـغـداد في الـفـصـل الـسّـادس عـشـر بـذكـر الـمـنـتـوجـات الـغـذائـيـة لـلـمـنـطـقـة الـمـحـيـطـة بـالـمـديـنـة، والـوقـود الـمـسـتـعـمـل فـيـهـا وعـن أشـغـال أهـلـهـا، وعـن الـتّـجـارة بـيـن تـركـيـا والـهـنـد وبـلاد فـارس الّـتي تـمـرّ بـبـغـداد والـبـصـرة والـخـلـيـج.

وفي أيّـار 1796، تـرك أولـيـفـيـيـه وبـروغـيـيـر بـغـداد مـتّـجـهـيـن إلى بـلاد فـارس.

وبـعـد أن عـبـرا نـهـر ديـالى : “الّـذي كـان بـنـفـس ســعـة نـهـر الـسّـيـن في هـذا الـفـصـل مـن الـسّـنـة، وبـنـفـس جـريـانـه الـهـادئ”، “سـرنـا بـمـحـاذاة الـنّـهـر ربـع سـاعـة تـقـريـبـاً، ووصـلـنـا إلى قـريـة صـغـيـرة اسـمـهـا بـعـقـوبـة، تـحـيـطـهـا الـنّـخـيـل وأشـجـار الـلـيـمـون والـرّمـان وأشـجـار فـواكـه أخـرى”.  ولايـذكـر شـيـئـاً آخـر إلّا أنّـهـم ارتـاحـوا طـيـلـة الـنّـهـار مـن عـنـاء الـسّـفـر في خـان وسـط الـقـريـة.

وبـعـد أن بـلـغـا بـلاد فـارس، جـالا فـيـهـا طـويـلاً، ونـذكـر هـنـا أنّ أولـيـفـيـيـه في وصـفـه لـبـلاد فـارس ذكـر الـعـراق عـدّة مـرّات, فـفي حـديـثـه عـن أحـد أنـواع الـعـقـارب مـثلاً، كـتـب: “وبـغـداد يـنـتـشـر فـيـهـا مـثـل هـذا الـنّـوع مـن الـعـقـارب أكـثـر مـما في بـلاد فـارس، ورغـم أنّـهـا تـتـمـيـز بـدرجـات حـرارة أعـلى كـثـيـراً، فـإنّـه لا يـحـدث أبـداً مـا يـعـرض حـيـاة الـنّـاس لـلـخـطـر: فـهـم يـتّـقـونـهـا بالـنّـوم عـلى أسـرّة عـالـيـة بأكـثـر مـن قـدم، تـوضع في كـلّ لـيـلـة عـلى الـسّـطـوح، يـصـنـعـونـهـا مـن سـعـف الـنّـخـيـل”.

وذكـر في مـوضع آخـر : “في الـمـوصـل، مـثـلـما في بـعـض مـدن بـلاد فـارس، أكـلـنا خـبـزاً رقـيـقـاً رقّـة الـشّـمـع الّـذي تـضـرب عـلـيـه الأخـتـام، يـخـبـز عـلى رقـاق مـن نـحـاس تـسـخّـن فـوق نـار الـحـطـب”.

وعـنـدمـا يـتـكـلّـم عـن تـجـارة الـفـرس يـذكـر : “الـتّـبـغ الّـذي يـصـدرونـه إلى بـغـداد وحـلـب والـقـسـطـنـطـيـنـيـة، وحـريـر جـيـلان إلى بـغـداد وحـلـب ودمـشـق، وجـوز الـعـنـفـص إلى بـغـداد والـبـصـرة” ، “ويـمـرّ بـبـغـداد أيـضـاً بـعـض حـصـران الأسـل، تـصـنـع في جـيـلان ومـزنـدران”.

وويـذكـر أن بـلاد فـارس لـم تـكـن تـســتـورد مـن تـركـيـا : “إلّا بـعـض تـمـر بـغـداد وقـلـيـلاً مـن الـرّز لـكـرمـان شـاه وهـمـدان، وبـعـض الـسّـلـع الأوربـيـة الّـتي تـأتـيـهـا عـن طـريـق حـلـب”.

وفي حـديـثـه عـن الـقـار، الّـذي يـسـمـيـه بالأسـفـلـت يـروي كـيـف أنّ : “الـقـار الأسـود يـحـرق في بـعـض الأمـاكـن كـمـا في بـغـداد وكـركـوك”.

وبـعـد أن زار أولـيـفـيـيـه وبـروغـيـيـر مـدنـاً عـديـدة في مـنـاطـق مـخـتـلـفـة مـن بـلاد الـفـرس، عـادا مـنـهـا عـن طـريـق أصـفـهـان. ولـتـدهـور صحـة بـروغـيـيـر لـم يـسـتـطـيـعـا الـمـرور بـمـنـطـقـة الـخـلـيـج كـمـا كـانـا يـنـويـان، فـرجـعـا، عـن طـريـق كـرمـانـشـاه، إلى بـغـداد الّـتي وصـلاهـا في 25 كـانـون الأوّل 1796.

وقـضـيـا في بـغـداد أكـثـرمـن أربـعـة أشـهـر، إلى بـداية شـهـر أيّـار عـام 1797. وتـركـاهـا بـصـحـبـة قـافـلـة ضـمّـت أكـثـر مـن ألـفي جـمـل صعـدت نـحـو حـلـب. وسـلـكـت الـقـافـلـة طـريـقـاً تـحـاذي الـفـرات الّـذي عـبـرتـه في عـانـة مـتـجـهـة نـحـو بـاديـة الـشّـام. وذكـر أولـيـفـيـيـه أنّ عـبـور الـقـافـلـة لـنـهـر الـفـرات اقـتـضى عـشـرة أيّـام لـكـثـرة رجـال الـقـافـلـة وحـيـوانـاتـهـا والأمـتـعـة والـسّـلـع الّـتي تـنـقـلـهـا.

وقـد اغـتـنـم أولـيـفـيـيـه هـذه الأيّـام الـعـشـرة لـيـتـجـوّل في الـمـنـطقـة ولـيـتـفـحّـص الـفـروق بـين مـلابـس نـسـاء عـانـة ومـلابـس نـسـاء هـيـت، ويـلاحـظ أنّ الـصّحـون الّـتي يـمـتـريـن بـهـا الـمـاء صـنـعـت مـن الـخـوص أوالأسـل وطـلـيـت بـالـقـار.

كـمـا اكـتـشـف في مـزارع الـمـنـطـقـة نـوعـاً مـن شـجـر الـحـور لـم يـر مـثـلـه مـن قـبـل ولـم تـذكـره الـكـتـب، ونـوعـاً مـن الـسّـبـانـخ الـبـريـة أخـذ مـنـه حـبـوبـاً نـبـتـت في بـاريـس ومـازالـت في حـدائـق نـبـاتـاتـهـا.

وفي تـمـوز عـام 1797، وصـلـت الـقـافـلـة إلى حـلـب. وأكـمـل أولـيـفـيـيـه وبـروغـنـيـيـر طـريـقـهـمـا إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة، ثـمّ إلى بـاريـس الّـتي بـلـغـاهـا في نـهـايـة الـسّـنـة.

وفي عـام 1801 نـشـر أولـيـفـيـيـه في بـاريـس الـجـزء الأوّل مـن كـتـابـه : “رحـلات في أراضي الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة ومـصـر وبـلاد الـفـرس Voyages dans l’empire Ottoman, l’Egypte et la Perse”. بـسـتّـة أجـزاء. ونـشـر الـجـزء الـسّـادس مـنه في عـام 1807، سـبـع سـنـوات قـبـل وفـاتـه في مـديـنـة لـيـون، في فـرنـسـا.

وأنـهي هـذا الـمـقـال بـالـتّـلـخـيـص الّـذي كـتـبـه أولـيـفـيـيـه في مـقـدمـة كـتـابـه عـن جـزئي الـعـراق كـمـا كـان يـقـسّـمـه الـكـتّـاب الـغـربـيـون في ذلـك الـزّمـن:بـلاد مـا بـيـن الـنـهـريـن في شـمـال بـغـداد وبـلاد بـابـل في جـنـوبـهـا:

“والـجـزء الأعـلى مـن بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Mésopotamie  شـديـد الـخـصـوبـة مـعـتـدل الـطّـقـس، أمّـا جـزءهـا الآخـر فـقـاحـل شـديـد الـحـرارة. وضـفـاف الـفـرات ودجـلـة الّـتي كـانـت تـعـجّ بـالـسّـكـان في الـمـاضي خـلـت مـنـهـم الآن تـقـريـبـاً، ولا تـرتـادهـا في أيّـامـنـا هـذه إلّا عـشـائـر الأعـراب الـرّعـاة … ولـكـن لا يـنـبـغي الـخـلـط بـيـنـهـم وبـيـن جـمـاعـات الـرّحّـل الـقـلـيـلـة الأعـداد الّـتي تـهـاجـم بـلا هـوادة، تـسـرق الـقـطـعـان وتـنـهـب الـمـسـافـريـن.

ولا شـكّ في أنّ مـنـطـقـة بـابـل La Babylonie الـمـتّـصـلـة الـسّـهـول الـعـمـيـقـة الـتّـربـة كـانـت في الـمـاضي خـزائـن مـمـتـلـئـة بـالـحـبـوب، يـسـكـنـهـا شـعـب مـتـحـضّـر مـن الـصّـنّـاع والـزّرّاع. ولا عـجـب أن نـشـأ عـلـم الـفـلـك فـيـهـا، فـسـمـاءهـا مـضـيـئـة دائـمـة الـصّـفـاء تـغـري الإنـسـان بـتـأمّـل الـكـواكـب ومـتـابـعـة مـسـيـرهـا.

وشـدّة الـحـرارة في أيّـامـنـا هـذه والّـتي زاد مـنـهـا إهـمـال الـنّـاس لـهـا حـتّى قـحـلـت أراضـيـهـا تـجـبـر الإنـسـان في الـصّـيـف عـلى قـضـاء نـهـاره تـحـت الأرض، ولـيـلـه في الـحـقـول أو عـلى سـطـوح الـمـنـازل. ويـركـد فـيـهـا أحـيـانـاً هـواء خـانـق، وتـهـاجـم أسـراب الـجـراد في كـثـيـر مـن الأحـيـان حـصـاد الـمـزارعـيـن مـن غـيـر أن يـحـاول الـمـسـلـم الـغـبي الـمـسـتـسـلـم لـلـقـدر أن يـفـعـل شـيـئـاً لـيـتـحـاشـاهـا”.

وهـكـذا فـرغـم ثـقـافـتـه الـعـلـمـيـة وسـفـراتـه الـطّـويـلـة لـم يـسـتـطـع أولـيـفـيـيـه أن يـتـخـلّـص مـمـا بـقي في أعـمـاقـه مـن أفـكـار اسـتـعـلائـيـة واحـتـقـاريـة عـن “الـمـسـلـم” الـشّـرقي الـمـسـتـسـلـم لـلـقـدر، والّـذي يـظـلّ سـاكـنـاً لا يـتـحـرك يـرضى بـمـشـيـئـة الله بـيـنـمـا يـقـضـم الـجـراد مـزروعـاتـه!

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

نـشـر الـدّكـتـور يـوسـف حـبي تـرجـمـة لـرحـلـة أولـيـفـيـه إلى بـغـداد في مـجـلّـة الـمـورد ، م. 11 ع. 4 ، 1982. وقـد أعـيـد نـشـرهـا في كـتـاب : “بـغـداد بـأقـلام رحّـالـة” الّـذي صـدر دار الـورّاق، لـنـدن  2007. وقـد تـرجـمـت الـمـقـاطـع الّـتي اسـتـعـمـلـتـهـا في هـذا الـمـقـال مـبـاشـرة عـن نـصّ الـرّحـلـة الأصـلي بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة.