ســـردنـبـال، أو كـيـف شُـوّهـت صـورة آشـوربـانـيـبـال لـمـدة قـرون طـويـلـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

سردنبال 4

عـنـدمـا نـتـجـوّل في قـاعـة الـلـوحـات الـكـبـيـرة في مـتـحـف الـلـوفـر  Musée du Louvre في بـاريـس، فـرنـسـا، نـتـوقّـف مـع كـثـيـر مـن الـزّوّار أمـام لـوحـة واســعـة الـمـقـايـيـس (96 ،4 × 92 ،3 م.)  تـبـدو مـتـوهـجـة الـوســط  مـعـتـمـة الأطـراف يـتـعـاكـس فـيـهـا الـبـيـاض الـمـشـعّ الإضـاءة بـالـحـمـرة الـسّــاطعـة بـتـدرجات الـصّـفـرة، مـن الإنـارة الـبـاهـرة إلى الأعـماق الـعـسـلـيـة والـبـنّـيـة والـقـهـوائـيـة الّـتي تـخـتـلـط بـالـدّخـان الـرّمـادي وبـالـظـلـمـة الـمـســودّة.

وتـجـول الـعـيـن مـشــدوهـة عـلى هـذا الـمسـتـطيـل الـشّـاسـع نـازلـة مـن زاويـة أعـلى الـلـوحـة الـيـسـرى لـتـنـحـدر إلى يـمـيـن أســفـلـهـا يـجـرفـهـا الـسّـيـل الـمـضئ الـهـادرالـمـنـهـمـر مـن ثـوب الـمـلـك الـمـلـتـحي الـمـعـمـم الـنّـاصـع الـبـيـاض لـيـصـبّ عـلى حـمـرة ســريـره الـقـرمـزي دافـعـاً أمـامـه الـعـبـيـد وأجـســاد الإمـاء الـعـاريـات وأكـوام الـذّهـب والـجـواهـر …

وبـعـد أن تـشــبـع الـعـيـن الـمـبـهـورة مـن الـحـركـة والأضـواء والألـوان، تـبـدأ بـتـمـيـيـز مـوضـوع الـلـوحـة، وتـتـعـرف عـلـيهـا فـقـد رأتـهـا أكـثـر مـن مـرّة مـصـوّرة في كـتـب الـفـنّ  وتـاريـخـه  … هـذه  إذن لـوحـة  “مـوت ســردنـبـال  La mort de Sardanapale”، الّـتي رســمـهـا الـفـنّـان الـفـرنـسي أوجـيـن دولاكـروا  Eugène DELACROIX  في 1827 ، وعـرضـهـا في الـصّـالـون الـفـنّي في الـعـام الـتّـالي 1828.

ولـكـن مـن هـو ســردنـبـال ؟ ومـاذا تـقـصّ هـذه الـلـوحـة، مـا دام مـوضـوعـهـا ســرديـاً ؟

إســتـوحى دولاكـروا مـوضـوع  لـوحـتـه مـن “Sardanapalus”، وهي مـسـرحـيـة تـراجـيـديـة نـظـمـهـا الـشّـاعـر الإنـكـلـيـزي  جـورج غـوردون، لـورد بـايـرون George Gordon, Lord Byron  ونـشــرهـا عـام  1821.  وأهـداهـا لـلـشـاعـر الألـمـاني الـكـبـيـر غـوتـه الّـذي كـان غـارقـاً في فـتـرتـه الـرّومـانـطـيـقـيـة قـبـل أن يـتـركـهـا مـتـحـوّلاً إلى الـكـلاســيـكـيـة.

وكـان طـبـيـعـيـاً إذن أن يـسـتـوحي دولاكـروا، أهـمّ  رسّـامي الـحـركـة الـرّومـانـطـيـقـيـة، مـوضـوع لـوحـتـه مـن الـلـورد بـايـرون، ألـمـع شــعـراء الـرّومـانـطـيـقـيـة  في زمـنـه.

مـن أيـن جـاءت شـخـصـيـة سـردنـبـال ؟

وجـد الـلـورد بـايـرون شـخـصـيـة سـردنـبـال، الّـتي جـذبـت انـتـبـاهـه، ثـمّ شـدّت اهـتـمـامـه عـنـدمـا كـان تـلـمـيـذاً غـارقـاً في دراسـة الآداب الـقـديـمـة ، عـنـد ديـودورس الـصّـقـلّي  Diodorus Siculus .

و ديـودورس هـذا ولـد حـوالي عـام 90 قـبـل الـمـيـلاد، ومـات بـسـنـوات قـلـيـلـة قـبـل الـمـيـلاد، وقـد قـضى أكـثـر مـن ثـلاثـيـن عـامـاً مـن حـيـاتـه في تـألـيـف “مـكـتـبـة تـاريـخـيـة ” بـأربـعـيـن جـزءاً ، وصـلـنـا مـنـهـا  خـمـسـة عـشـر جـزءاً، وجـد بـايـرون مـبـغـاه في واحـد مـنـهـا ( Bibliotheca Historicae, lib.ii.pp.78; sq., ed. 1604 ).

وقـصـة سـردنـبـال الّـتي يـحـكـيـهـا  ديـودورس كـان قـد أخـذهـا هـو نـفـسـه عـن  كـاتـب إغـريـقي سـبـقـه بـأكـثـر مـن ثـلاثـة  قـرون : طـسـيـاس الإقـنـيـدي (1)  Ktesias Knidos  الّـذي ولـد عـام 405  ومـات عـام 359 قـبـل الـمـيـلاد. وقـد كـان طـبـيـبـاً مـن مـديـنـة إقـنـيـدوسKnidos  الـيـونـانـيـة. أسـره الـفـرس واصـطـحـبـوه إلى بـلادهـم سـجـيـنـاً، ثـمّ أصـبـح طـبـيـبـاً لـمـلـكـهـم الأخـمـيـني أرطـاخـرخـيـس الـثّـاني مـنـيـمـون. وبـعـد عـودتـه إلى بـلـده كـتـب كـتـابـاً عـن “بـلاد الـفـرس  Persica ”  إدّعى فـيـه أنّـه اطـلـع عـلى تـآلـيـف ثـقـات عـلـمـاء الـفـرس  وقـرأهـا قـبـل أن يـؤلّـف مـؤلّـفـه.

ورغـم أنّ كـتـابـه ضـاع، فـنـحـن نـجـد مـقـاطـع كـثـيـرة مـنـه ذكـرهـا مـن جـاءوا بـعـده واسـتـشـهـدوا بـهـا، كـمـا أنّ لـديـنـا نـصـوصـاً طـويـلـة يـعـتـقـد الـمـخـتـصـون أنّـهـا اخـتـصـارات لـه، مـثـل الأجـزاء الأولى مـن مـؤلـفـه الّـتي يـتـكـلّـم فـيـهـا عـن بـلاد آشـور والّـتي لـخّـصـهـا ديـودورس الـصّـقـلي في الـقـرن الأوّل قـبـل الـمـيـلاد في فـصـول طـويـلـة مـن مـؤلـفـه “الـمـكـتـبـة الـتّـاريـخـيـة “. و ديـودورس يـذكـر اسـم طـسـيـاس مـراراً مـمـا يـدلّ عـلى أنّـه اسـتـعـمـل مـا كـتـبـه  طـسـيـاس.

ويـبـدو أن ديـودورس عـرف كـتـاب طـسـيـاس في نـسـخـة مـن الـقـرن الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد تـغـيّـرت شـيـئـاً فـشـيـئـاً عـبـر عـدّة أجـيـال مـن نـاسـخ لـنـاسـخ حـتّى اخـتـلـفـت بـعـض الـشّـئ عـن الأصـل.

ونـحـن لا نـعـرف هـل اخـتـرع طـسـيـاس شــخـصـيـة سـردنـبـال كـما صـوّرهـا أم وجـدهـا حـقّـاً في تـراث الـفـرس الأدبي في ذلـك الـحـيـن. ولـيـس غـريـبـاً أن يـجـد عـنـد فـرس ذلـك الـزّمـن قـصـصـاً مـن هـذا الـنّـوع، فـبـعـد أن تـوصل كـورش مـؤسـس الـسّـلالـة الأخـمـيـنـيـة إلى الإســتـيـلاء عـلى جـزء مـن إيـران تـوجـه غـربـاً عـابـراً دجـلـة نـحـو الـفـرات، واسـتـولى عـلى مـديـنـة بـابـل، عـاصمـة مـمـلـكـة بـابـل الـحـديـثـة عـام 539  قـبـل الـمـيـلاد. وهـكـذا أســقـط آخـر حـضـارات بـلاد مـا بـيـن الـنـهـريـن الّـتي ازدهـرت بـيـن دجـلـة والـفـرات أكـثـر مـن ثـلاثـة آلاف سـنـة.

وقـد اسـتـولى الـفـرس الأخـمـيـنـيـون عـلى تـراث بـلاد الـنّـهـريـن الـحـضاري فـاسـتـعـمـلـوا الـكـتـابـة الـمـســمـاريـة  وقـلّـدوا الـفـنـون الآشــوريـة والـبـابـلـيـة. ولا شــك في أنّـهـم تـأثّـروا بـتـاريـخ الـبـلاد الـسّـيـاسي واحـتـفـظـوا بـذكـريـات، وإن كـانـت مـشــوّهـة، عـن أمـجـاد مـلـوكـهـم.

ويـمـكـنـنـا أن نـفـتـرض أنّ تـشــويـه صـورة الـمـلـك الآشــوري آشــوربـانـيـبـال وتـحـويـلـه إلى ســردنـبـال أمـر بـدأ عـنـد الـفـرس ثـمّ أخـذه عـنـهـم الإغـريـق، وأنّ طـسـيـاس الإقـنـيـدي لـم يـخـتـرع الـشّـخـصـيـة وإنّـمـا وجـدهـا عـنـد الـفـرس الأخـمـيـنـيـيـن.

ســردنـبـال صـورة مـشــوهـة لآشــوربـانـيـبـال :

سردنبال 4 (2)

صـوّر طـسـيـاس الإقـنـيـدي  سـردنـبـال مـلـكـاً مـاجـنـاً مـخـنّـثـاً، يـتـمـرّغ في الـشّـهـوات والـجـرائـم. وعـنـدما هـاجـم الأعـداء عـاصـمـتـه تـوصـل أخـيـراً لـلـنـهـوض لـمـقـاومـتـهـم، ولـكـنّ مـقـاومـتـه الـمـتـأخـرة لـم تـنـفـعـه في شئ. وعـنـدمـا عـجـزعـن حـفـظ مـمـلـكـتـه قـرر أن يـجـمـع كـلّ مـمـتـلـكـاتـه في وسـط قـصـره، وأمـرعـبـيـده أن يـذبـحـوا الـخـيـول والـنّـسـاء حـتّى لا تـقـع بـأيـدي الأعـداء وأضـرم الـنّـار في قــصـره لـيـمـوت مـع ثـرواتـه ويـتـحـاشى الأســر.

كـتـب ديـودورس الـصّـقـلّي نـقـلاً عـن طـسـيـاس الإقـنـيـدي في حـديـثـه عـن سـردنـبـال :

“لـقـد بـذّ هـذا الـمـلـك كـلّ سـابـقـيـه في الـتّـخـنّـث والـبـذخ والـجـبـن. ولـم يـكـن يـخـرج قـطّ مـن قـصـره، بـل كـان يـقـضي فـيـه كـلّ وقـتـه بـصحـبـة الـنّـسـاء، يـلـبـس لـبـسـهـنّ ويـغـطي وجـهـه بـالأصـبـاغ مـثـلـهـنّ، ويـفـعـل مـا يـفـعـلـن. وكـان يـجـد كـلّ سـعـادتـه ومـجـده في تـجـمـيـع خـزائـن هـائـلـة، وفي الـولائـم وفي مـشــاهـدة الـمـصـارعـات. ولـم يـكـن يـكـبـح جـمـاح نـفـسـه مـن الإسـتـمـتـاع بـأشــدّ الـلـذات خـزيـاً وإجـرامـاً. وقـد أمـر أن يُـنـقـش بـيـتـان مـن الـشّـعـر عـلى شــاهـدة قـبـره ذكـر فـيـهـمـا أنّـه يـأخـذ مـعـه كـلّ مـا أكـلـه وكـلّ مـا تـمـتـع بـه ويـتـرك وراءه مـا عـدا ذلـك. قـال أرسـطـوطـالـيـس: “هـذه الـشّــاهـدة تـلـيـق بـخـنـزيـر خـصيّ “. وقـد وجـد أربـاص، حـاكـم بـلاد الـمـيـد ســبـيـلاً لـلـدّخـول في الـقـصـر. وبـعـد أن شــاهـد بـأمّ عـيـنـيـه سـردنـبـال في بـلاطـه الـمـخـزي، غـضـب لـهـذا الـمـشـهـد، ولـم يـتـحـمّـل أن يـرى أنّ كـلّ هـؤلاء الـرّجـال الـشّـجـعـان يـجـبـرون عـلى الـخـضـوع لـســلـطـة هـذا الّـذي كـان أكـثـر مـيـوعـة وتـأنّـثـاً مـن الـنّـسـاء أنـفـسـهـنّ. وشـرع حـالاً في حـوك مـؤامـرة ضـدّه، وانـضـمّ إلـيـه بـلـيـس، حـاكـم بـابـل وعـدد مـن الآخـريـن. وعـنـدمـا ســمـع الـمـلـك أوّلى هـمـهـمـات الـثّـورة، إخـتـبـأ في أكـثـر أمـاكـن الـقـصـر عـزلـة. ولـكـنّـه أجـبـر بـعـد ذلـك عـلى الـنّـزول إلى مـيـدان الـقـتـال مـع بـعـض الـكـتـائـب الّـتي جـمّـعـهـا، واسـتـطـاع في الـبـدايـة كـسـب ثـلاث مـعـارك ضـدّ الأعـداء، ولـكـنّـه هـزم بـعـد ذلـك ولـوحـق حـتّى أبـواب نـيـنـوى الّـتي أغـلـقـهـا عـلـيـه، آمـلاً أن تـحـفـظـه أسـوارالـمـديـنـة الـمـتـيـنـة الـبـنـيـان والّـتي خـزّن في داخـلـهـا زاداً ومـؤونـة تـكـفـيـه لـلـصّـمـود زمـنـاً طـويـلاً. وامـتـدّ الـحـصـار حـقـاً زمـنـاً طـويـلاً. وكـان كـاهـن قـد تـكـهّـن في زمـن قـديـم بـأنّ نـيـنـوى لـن تُـفـتـح حـتّى يـصـيـر الـنّـهـر لـهـا عـدوّاً. وقـد شــجّـع هـذا الـتّـنـبـؤ ســردنـبـال، فـقـد كـان يـرى الأمـر مـسـتـحـيـلاً. ولـكـنّـه عـنـدمـا رأى أنّ نـهـر دجـلـة، وقـد فـاض فـيـضانـاً عـنـيـفـاً، هـدم أجـزاءاً مـن أسـوار الـمـديـنـة عـلى مـدى عـشـريـن فـرسـخـاً وفـتـح طـريـقـاً لأعـدائـه، أدرك مـعـنى الـنّـبـوءة، وعـرف أنّـه مـقـهـور لا شـكّ في ذلـك. ومـع ذلـك، قـرر أن يـمـوت بـمـا اعـتـقـد أنّـه يـمـحـو عـار حـيـاتـه الـمـخـزيـة الـتّـخـنّـث، فـأمـر أن يـكـدّس الـحـطـب في قـصـره، وأن تـوقـد فـيـه الـنّـيـران، واحـتـرق فـيـهـا مـع خـصـيـانـه ونـسـائـه وخـزائـنـه”.

كـتـب طـسـيـاس الإقـنـيـدي كـتـابـه  بـعـد حـوالي ثـلاثـة قـرون عـلى مـوت آشـوربـانـيـبـال، وبـعـد أن انـدثـرت آثـار الـحـضـارة الآشـوريـة. واسـتـمـرت الـصـورة الـمـشـوّهـة الّـتي وصـفـه بـهـا، والّـتي لا عـلاقـة لـهـا بـالـحـقـيـقـة الـتّـاريـخـيـة تـنـتـقـل مـن جـيـل إلى جـيـل ومـن قـرن إلى قـرن حـتّى وصـلـت إلى الـلـورد بـايـرون في 1821 ، ثـمّ أخـذهـا عـنـه  دولاكـروا في 1827.

في الـكـتّـيـب الّـذي نـشـر دلـيـلاً لـلـصّـالـون الـفـنّي الّـذي عـرضـت فـيـه لـوحـة “مـوت سـردنـبـال” كـتـب الـفـنّـان الـفـرنـسي دولاكـروا :

“حـاصـر الـمـتـمـردون ســردنـبـال في قـصـره. فـاسـتـلـقى فـوق ســريـر مـهـيـب  وضـع فـوق أكـوام مـن الـحـطـب، وأمـر خــصـيـانـه ومـســؤولي الـقـصـر بـذبـح نـســائـه وغـلـمـانـه وحـتّى خـيـلـه وكـلابـه الـعـزيـزة عـلـيـه. لا يـنـبـغي أن يـبـقى بـعـده  شـئ مـمـا كـان لـه في مـتـعـه ومـلـذاتـه. عـائـشــة Aisheh ، وهي غـادة مـن بـلاد الـبـخـتـيـار، لـم تـتـحـمّـل أن يـقـتـلـهـا عـبـد وضـيـع فـشـنـقـت نـفـسـهـا عـلى عـمـود يـســنـد الـسّــقـف… و وضعـت بـالـيـه  Baleah، سـاقـيـة سـردنـبـال الـنّـار في الـحـطـب ورمـت بـنـفـســهـا فـيـهـا”.

سردنبال 4 (3)

ولا بـدّ أن أذكّـر الـقـارئ هـنـا أنّ دولاكـروا ،مـثـل كـلّ مـعـاصـريـه، كـان يـجـهـل الـحـضـارة الآشـوريـة وتـاريـخـهـا فـقـد ضـاع ذكـرهـا مـنـذ زمـن طـويـل ولـم تـكـن آثـارهـا قـد اكـتـشـفـت بـعـد، ولـهـذا صـور الـمـلـك وحـاشـيـتـه كـمـا تـعـوّد الـفـنّـانـون الـمـسـتـشـرقـون أنّ يـصـوروا “الـشّـرق” الـخـيـالي بـخـلـيـط مـمـا وصـلـهـم مـن هـنـا وهـنـاك : رجـال شـديـدي الـعـنـف ونـسـاء عـاريـات لإشـبـاع شـهـوات الـمـلـك الـمـتـجـبّـر (نـلاحـظ أنّـهـم مـن كـلّ الأجـنـاس والألـوان) وآلات وأدوات مـمـا وصـل أوربـا مـن أراضي الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة في الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر وخـلـط بـيـن مـنـاطـق “الـشّـرق” وأراضـيـه، فـسـريـر “سـردنـبـال” مـثـلاً تـزيـنـه رؤوس فـيـلـة. ولا حـاجـة لي لأن أذكّـر الـقـارئ بـأنّ بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن لـم تـعـرف الـفـيـلـة لا في تـاريـخـهـا الـقـديـم ولا في تـاريـخـهـا الـحـديـث !

إكـتـشـاف الـحـضـارة الآشـوريـة :

وتـشـاء الـصّـدفـة أن يـكـتـشـف فـرنـسي آخـر في 1843، أي بـعـد مـا يـقـارب سـتّ عـشــرة سـنـة عـلى رسـم الـلـوحـة، آثـار الـحـضـارة الآشــوريـة وأن يـزيـح عـنـهـا الـتّـراب الّـذي تـراكـم عـلـيـهـا خـلال أكـثـر مـن خـمـسـة وعـشـريـن قـرنـاً. فـقـد دفـع الـضّـجـر بـول أمـيـل بـوتـا، قـنـصـل فـرنـسـا في الـمـوصـل، في شـمـال الـعـراق، إلى الـشـروع في الـتّـنـقـيـب بـحـثـاً عـن آثـار نـيـنـوى، عـاصـمـة الآشــوريـيـن الّـتي ســقـطـت في 612 قـبـل الـمـيـلا د.

وقـد فـتـح بـوتـا ثـغـرة في جـدار الـتّـاريـخ الـسّـمـيـك الّـذي حـجـب حـضـارات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن عـن الـمـعـرفـة الـبـشـريـة قـرونـاً طـويـلـة. وانـزلـق عـلـماء آثـار كـثـيـرون بـعـده في هـذه الـثّـغـرة ووســعـوهـا لـيـصـلـوا إلى الـحـضـارات الـبـابـلـيـة والـسّــومـريـة، وأخـرجـوا مـن بـاطـن الأرض بـقـايـا مـدن ومـعـابـد وزقـورات وقـصـور مـلـكـيـة تـغـطّي جـدرانـهـا مـنـحـوتـات وتـمـاثـيـل، وآلاف الـقـطـع الـفـخـاريـة والـحـجـريـة والـمعـدنـيـة، ومـئات الآلاف من ألـواح الـصّـلـصـال الـمـجـفـفـة في الـشّـمـس أو الـمـفـخـورة، والّـتي تـسـجّـل نـصـوصـاً بـالـلـغـات الـسّــومـريـة أو الأكّـديـة (أي الـبـابـلـيـة ـ الآشــوريـة) كـتـبـت بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة.

ونـشـأ عـلـم جـديـد سـمّي بـعـلـم الآشـوريـات، تـوصـل الـمـخـتـصّـون فـيـه إلى حـلّ رمـوزالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة وقـراءة لـغـات بـلاد مـابـيـن الـنّـهـريـن الـقـديـمـة، ثـمّ إلى نـشــر الـنّـصـوص الـدّيـنـيـة والـمـدنـيـة  والأدبـيـة الّـتي كـتـبـت بـهـا. وعـرف عـالـم الـدّارسـيـن والـمـثـقـفـيـن مـدى أهـمـيـة حـضـارات مـا بـيـن الـنّـهـريـن وعـمـقـهـا واتـسـاعـهـا، وتـعـرّف عـلـيـهـا الـمـطّـلـعـون عـنـدمـا وصـلـت آثـارهـا إلى مـتـاحـف أوربـا. واكـتـشــف الـمـخـتـصّـون صـورة لآشــوربـانـيـبـال مـغـايـرة تـمـامـاً لـلّـتي أذاعـهـا عـنـه كـتّـاب الإغـريـق وتـنـاقـلـتـهـا الأجـيـال :

آشـوربـانـيـبـال كـمـا تـكـشـفـه لـنـا الـنّـصـوص الـتّـاريـخـيـة :

آشوربانيبال 3

إعـتـلى آشــوربـانـيـبـال الـعـرش عـام 668  قـبـل الـمـيـلاد بـعـد مـوت أبـيـه أصـرحـدون. وكـانـت الإمـبـراطـوريـة الآشــوريـة الـتّي حـكـمـهـا مـا يـقـارب الأربـعـيـن عـامـاً في أوج مـجـدهـا، وقـد مـدّت ســيـطـرتـهـا عـلى كـلّ الـشّــرق الأدنى تـقـريـبـاً، مـن شــرق دجـلـة إلى الـبـحـرالأبـيـض الـمـتـوسّــط . وسـار آشــوربـانـيـبـال بـجـيـشـه إلى وادي الـنّـيـل لـيـطـرد طـرهـقـة الـحـبـشي الّـذي كـان قـد اسـتـولى عـلى عـرش مـصـر، كـمـا هـزم أردمـان الّـذي حـاول الإســتـيـلاء عـلـيـهـا بـعـده. وهـزم آشــوربـانـيـبـال بـاقي مـلـوك الـدّول الـصّغـيـرة الّـذيـن وقـفـوا بـوجـهـه.

آشوربانيبال 2

وإلى جـانـب ســطـوتـه وسـعـة إمـبـراطـوريـتـه، كـان آشــوربـانـيـبـال مـن بـيـن أكـثـر مـلـوك زمـنـه مـعـرفـة وثـقـافـة، فـقـد تـعـلّـم قـراءة الـمـسـمـاريـة وكـتـابـتـهـا ومـنـهـا تـعـلّـم الـلـغـة الـسّــومـريـة وكـان يـحـسـن الـبـابـلـيـة إلى جـانـب لـغـتـه الـمـحـلـيـة الآشــوريـة. وقـد أطّـلـع عـلى آداب بـلاد مـا بـيـن الـنـهـريـن مـنـذ تـدويـنـهـا في نـهـايـة الألـف الـرابـع قـبـل الـمـيـلاد : نـصوصهـا الـدّيـنـيـة وأسـاطـيـرهـا، كـمـا كـان عـلى مـعـرفـة بـعـلـومـهـا و قـوانـيـنـهـا.

وكـان جـدّه سـنـحـاريـب قـد أمـر بـإعـادة تـدويـن الـنّـصـوص الـقـديـمـة، واسـتـمـرّ في ذلـك أبـوه أصـرحـدون. وأكـمـل آشـوربـانـيـبـال  جـهـود جـدّه وأبـيـه في الـبـحـث عـن الـنّـصـوص الـقـديـمـة وجـمـعـهـا وإعـادة تـدويـنـهـا، وقـد شـارك في ذلـك بـنـفـسـه مـسـتـعـيـنـاً بـمـعـارفـه وذوقـه وحـسـه الـمـرهـف.

وقـد وجـد الـمـنـقـبـون، في مـنـتـصـف الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر، مـكـتـبـة قـصـره في نـيـنـوى، ووجـدوا فـيـهـا أكـثـر مـن 25 ألـف لـوح طـيـني (نـقـل أغـلـبـهـا إلى الـمـتـحـف الـبـريـطـاني) عـلـيـهـا أكـثـر مـن خـمـسـة آلاف نـصّ (سـجّـل الـنّـص الـواحـد مـنـهـا عـلى عـدّة ألـواح)، وتـحـوي بـيـن مـا تـحـوي عـلى الـصّـيـغـة الـنّـيـنـويـة لأسـطـورة جـلـجـامـش وعـلى أسـطـورة الـخـلـق.

وعـرف الـعـالـم مـن الـنّـصـوص الـتّـاريـخـيـة الّـتي تـركـهـا لـنـا الآشـوريـون أنّ آشـوربـانـيـبـال لـم يـكـن آخـرمـلـوكـهـم ، وأنّ نـيـنـوى لـم تـسـقـط في زمـن مـلـكـه، بـل بـعـد مـوتـه بـسـنـوات، فـقـد مـات آشـوربـانـيـبـال في 627 قـبـل الـمـيـلاد، ولـم تـسـقـط نـيـنـوى إلّا في 612 قـبـل الـمـيـلاد، أي بـعـد 15 سـنـة مـن مـوتـه !

أمّـا قـصّـة حـريـق الـقـصـر فـلـم يـخـتـلـقـهـا طـسـيـاس الإقـنـيـدي بـل جـاءت مـن خـلـطـه بـيـن آشـوربـانـيـبـال وبـيـن أخـيـه. فـقـد نـصـب آشـوربـانـيـبـال أخـاه شـمـش ـ شُـم ـ أوكـيـن مـلـكـاً عـلى بـابـل  الّـتي كـانـت تـحـت سـيـطـرة الآشـوريـيـن. ثـمّ تـمـرّد  شـمـش ـ شُـم ـ أوكـيـن عـلى أخـيـه مـسـتـقـلّاً بـبـابـل.

ولـيـقـمـع هـذا الـتّـمـرد، سـار آشـوربـانـيـبـال بـجـيـشـه نـحـو بـابـل وفـتـحـهـا. وفـضّـل  شـمـش ـ شُـم ـ أوكـيـن الـمـوت عـلى الإسـتـسـلام، فـأشـعـل الـنّـار في قـصـره ومـات فـيـه مـع حـاشـيـتـه وخـدمـه وحـشـمـه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  نـكـتـب الإسـم الإغـريـقي  Ktesias : طـسـيـاس كـمـا نـكـتـب  Ktēsiphôn : طـيـسـفـون بـعـد أن يـسـقـط حـرف الـ K . وهـكـذا نـجـده في تـرجـمـة يـحـيى بـن عـدي لـمـؤلـفـات أرسـطـوطـالـيـس.