كـيـف اكـتـشـف جـورج سـمـيـث بـعـض ألـواح مـلـحـمـة جـلـجـامـش

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

%d8%ac%d9%84%d8%ac%d8%a7%d9%85%d8%b4-8

كـان جـلـجـامـش (أو كـلـكـامـش)، مـلـك مـديـنـة الـوركـاء في بـلاد سـومـر، بـطـل حـكـايـات خـارقـة لـلـعـادة وصـلـنـا بـعـضـهـا بـالـلـغـة الـسّـومـريـة وبـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة. كـمـا وصـلـتـنـا تـرجـمـات لـهـا إلى الـلـغـة الأّكّـديـة، جـمـعـت في الـعـصـر الـبـابـلي لـتـكّـون مـلـحـمـة مـتـكـامـلـة.

وقـد لاقـت الـمـلـحـمـة نـجـاحـاً مـنـقـطـع الـنّـظـيـر. ووجـد مـنـقـبـو الآثـار مـنـذ الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر أجـزاء مـن ألـواح كـتـبـت عـلـيـهـا أحـداث الـمـلـحـمـة في مـنـاطـق مـخـتـلـفـة مـن بـلاد مـا بـيـن الـنـهـريـن والـمـنـاطـق الّـتي تـحـيـط بـهـا، إمّـا بـالـلـغـة الأكّـديـة (أي الـبـابـلـيـة ــ الآشـوريـة)، أو مـتـرجـمـة إلى لـغـات أخـرى مـثـل الـحـيـثـيـة أو الـحـوريـة (الـهـوريـة).

وقـد اسـتـمـر انـتـشـارهـا أكـثـر مـن ثـلاثـة آلاف سـنـة حـتّى صـيـغـتـهـا الإغـريـقـيـة (الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة) في الـقـرن الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد، أي بـعـد ثـلاثـة قـرون عـلى سـقـوط الـدّولـة الـبـابـلـيـة الـحـديـثـة، آخـر دول بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـقـديـمـة.

إكـتـشـاف الـحـضـارة الآشـوريـة :

أزاح بـول إمـيـل بـوتـا Paul-Emile Botta عـام 1843 الـتّـراب عـن “دور شـروكـيـن”، قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (حـكـم مـن 721 إلى 705 قـبـل الـمـيـلاد) في خـورسـبـاد، قـرب الـمـوصـل.  وبـهـذا اكـتـشـف آثـار الـحـضـارة الآشـوريـة الّـتي كـانـت قـد ضـاعـت في غـيـاهـب الـنـسـيـان مـنـذ سـقـوط نـيـنـوى، عـاصـمـة الـدّولـة الآشـوريـة في عـام 612 قـبـل الـمـيـلاد.

وقـد أثـار هـذا الإكـتـشـاف اهـتـمـام الأوسـاط الـعـلـمـيـة في أوربـا. ونـتـج عـنـه الـقـيـام بـأعـداد كـبـيـرة مـن الـتّـنـقـيـبـات في مـواقـع أخـرى بـحـثـاً عـن آثـار الآشـوريـيـن، دامـت إلى حـوالي عـام 1855.

وقـلّـت الـتّـنـقـيـبـات بـعـد ذلـك حـتّى كـادت أن تـخـمـد، إلى أن أثـارهـا دارس مـسـمـاريـات مـتـحـمّـس : جـورج سـمـيـث  George Smith.

جـورج سـمـيـث :

%d8%ac%d9%88%d8%b1%d8%ac-%d8%b3%d9%85%d9%8a%d8%ab-4

ولـد جـورج سـمـيـث في لـنـدن عـام 1840. وبـدأ يـعـمـل في سـنّ الـرابـعـة عـشـرة في ورشـة طـبـاعـة. وفي هـذه الـسّـنّ بـدأ شـغـفـه بـتـاريـخ الآشـوريـيـن وقـراءة كـلّ مـا كـان يـجـده عـنـهـم. وكـرّس كـلّ أوقـات فـراغـه لـزيـارة قـاعـات الآثـار الـشّـرقـيـة في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني، ودراسـة الألـواح الـمـسـمـاريـة حـتّى تـوصـل إلى مـعـرفـة قـراءتـهـا.

وقـد بـدأ مـنـذ عـام 1866 بـالـبـحـث عـن الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة الّـتي تـتـكـلّـم عـن آشـوربـانـيـبـال، وشـرع في نـسـخـهـا وجـمـعـهـا.

ولاحـظـه عـالـم الآشـوريـات الـبـريـطـاني هـ. ك. راولـنـسـن  H. C. RAWLINSON الّـذي قـدّر مـعـارفـه، وعـيّـنـه في 1867 مـسـاعـداً لـه في قـسـم الآثـار الآشـوريـة في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني، لـيـعـتـني خـاصـة بـالألـواح الـمـسـمـاريـة الـمـكـسـورة، ولـيـحـاول تـجـمـيـعـهـا وتـرمـيـمـهـا.

وقـد انـغـمـس جـورج سـمـيـث في دراسـة الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة، الّـتي كـان الـعـلـمـاء، ومـن بـيـنـهـم راولـنـسـن، قـد تـوصـلـوا إلى حـلّ طـلاسـم كـتـابـتـهـا قـبـل سـنـوات قـلـيـلـة مـن ذلـك، واكـتـشـف نـصّـيـن مـهـمـيـن : الأوّل يـحـدد تـاريـخ كـسـوف شـمـس كـلّي في شـهـر سـيـوان، أي في آذار، عـام 663  قـبـل الـمـيـلاد، والّـثـاني يـذكـر تـأريـخ غـزو الـعـيـلامـيـيـن لـبـابـل عـام 2280  قـبـل الـمـيـلاد.

كـمـا اشـتـغـل عـلى حـولـيـات مـلـوك الآشـوريـيـن كـمـا سـبـق أن رأيـنـا. ونـشـر عـام 1871 في لـنـدن كـتـاب : “تـاريـخ آشـوربـانـيـبـال مـتـرجـمـة عـن الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة

History of Assurbanipal translated from the cuneiform inscriptions”.

history-of-assurbanipal

وقـد سـجّـلـت الـحـولـيـات الـمـلـكـيـة الآشـوريـة مـا كـان يـحـدث في الـمـمـلـكـة عـامـاً بـعـام.

إكـتـشـاف لـوح مـن مـلـحـمـة جـلـجـامـش :

وفي تـشـريـن الـثّـاني عـام 1872، وجـد جـورج ســمـيـث، في لـوح مـسـمـاري انـكـسـر بـعـضـه، (كـان قـد عـثـر عـلـيـه هـرمـز رسّـام، مـسـاعـد هـنـري أوسـتـن لَـيـارد، في بـقـايـا مـكـتـبـة آشـوربـانـيـبـال في نـيـنـوى) مـقـطـعـاً مـهـمـاً يـحـكي قـصّـة طـوفـان.

وقـد ذكـر جـورج سـمـيـث بـعـد ذلـك أنّـه حـالـمـا فـهـم مـحـتـوى الـلـوح الـفـخـاري الّـذي كـان يـقـرأه نـهـض مـن كـرسـيـه في مـكـتـبـه مـنـتـفـضـاً وانـطـلـق نـحـو الـقـاعـة في حـالـة انـفـعـال شـديـد وبـدأ يـخـلـع مـلابـسـه أمـام نـظـرات الـحـاضـريـن الـمـذهـولـة.

والـلـوح الـمـكـسـور الّـذي حـلّ جـورج سـمـيـث رمـوزه كـان الـلـوح الـحـادي عـشـر مـن الـصّـيـغـة الـنّـيـنـويـة لـمـلـحـمـة جـلـجـامـش، والّـذي يـبـدأ بـ :

7  أور ــ ري/ را           أُو    [7] مـو ــ شـا ــ ا ــ تي

سـبـعـة أيّـام                  و                سـبـع لـيـالي

إل ــ لَـك ــ  شـا ــ ا رو  ا ــ  بـو ــ بـ [ و (؟) مي ــ خ ]  و ــ أو إي ــ سَـف ــ فَـن مـاتـو (كـور)

هـبّـت الـرّيـاح      وفـاضـت الـمـيـاه       وهـاجـت الـعـاصـفـة عـلى الأرض  (1)

وقـرأ جـورج سـمـيـث لـوح الـصّـلـصـال الـمـكـتـوب بـالـمـسـمـاريـة بـذهـول. وأدرك أنّـه يـحـكي جـزءاً مـن الـقّـصـة الّـتي رواهـا أوتـا نـفـسـتـيـم (أو أوتـا نـفـشـتـيـم) لـجـلـجـامـش عـن الـطّـوفـان الّـذي أرسـلـه الآلـهـة لـعـقـاب الـبـشـر، وكـيـف اسـتـثـنـوه هـو، أوتـا نـفـسـتـيـم مـن بـيـن كـلّ الـبـشـر، وطـلـبـوا مـنـه أن يـصـنـع سـفـيـنـة أركـب عـلـيـهـا أهـلـه وأخـذ مـعـه مـن كـلّ حـيـوان اثـنـيـن. ثـمّ كـيـف أطـلـق، بـعـد أن انـتـهى الـطّـوفـان حـمـامـة لـتـجـد الـيـابـسـة وتـحـطّ عـلـيـهـا.

وأدرك جـورج سـمـيـث مـن قـراءة الـلـوح الـمـكـسـور أنّـه وجـد أصـل حـكـايـة الـطّـوفـان الّـذي أخـذتـه الـتّـوراة بـعـد ذلـك. وأنّ أوتـا نـفـسـتـيـم هـو الّـذي غـيّـر كُـتّـاب الـتّـوراة اسـمـه إلى نـوح.

ولـم يـكـن يـعـرف في ذلـك الـحـيـن أنّ لـوحـه لـم يـكـن إلّا نـسـخـة نـيـنـويـة أمـر آشـوربـانـيـبـال (حـكـم مـن 669 إلى 630 قـبـل الـمـيـلاد) أن تـسـجّـل في الـقـرن الـسّـابـع قـبـل الـمـيـلاد مـن صـيـغـة بـابـلـيـة أقـدم مـنـهـا بـأكـثـر مـن ألـف ومـائـة سـنـة سـجّـلـت في زمـن حـمـورابي. وأنّ الـمـلـحـمـة الـبـابـلـيـة الـقـديـمـة لـم تـكـن هي نـفـسـهـا إلّا تـألـيـفـاً اعـتـمـد عـلى عـدّة نـصـوص سـرديـة وأسـاطـيـر سـومـريـة تـدور حـول سـيـرة جـلـجـامـش، مـلـك الـوركـاء، والّـتي يـعـود تـاريـخ تـألـيـفـهـا إلى الألـفـيـن الـرّابـع والـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد. (2)

وفي الـثّـالـث مـن الـشّـهـر الـتّـالي، كـانـون الأوّل، ألـقى جـورج سـمـيـث عـن اكـتـشـافـه مـحـاضـرة في مـقـر جـمـعـيـة آثـار الـكـتـاب الـمـقـدّس في لـنـدن. وقـرأ عـلى الـحـاضـريـن تـرجـمـتـه لـلـنـصّ مـمـا أثـار اهـتـمامـهـم الـشّـديـد. وكـان مـن بـيـنـهـم رئـيـس وزراء بـريـطـانـيـا في ذلـك الـحـيـن ولـيـام غـلادسـتـون.

ثـمّ نـشـر عـن ذلـك في جـريـدة الـتّـايـمـس الـلـنـدنـيـة  مـقـالـيـن في الـيـوم الـتّـالي (4 كـانـون الأوّل) والـيـوم الّـذي بـعـده (5 كـانـون الأوّل) عـنـوانـهـمـا : “قـصّـة الـطّـوفـان الـكـلـدانـيـة” :

The Chaldean History of the Deluge: The [London] Times, Number 27551,4th December 1872, and Number 27552, 5th December 1872.

وقـد اتـصـل بـه إدويـن أرنـولـد، Edwin Arnold رئـيـس تـحـريـر صـحـيـفـة الـ  Daily Telegraph الـلـنـدنـيـة  في كـانـون الـثّـاني 1873، واقـتـرح عـلـيـه أن تـضـع الـصّـحـيـفـة تـحـت تـصـرّفـه رصـيـداً بـألـف جـنـيـه مـن الـذّهـب إن ذهـب إلى مـوقـع نـيـنـوى لـيـبـحـث عـن الـمـقـاطـع الّـتي تـكـمـلـه، وبـالـمـقـابـل، طـلـب مـنـه أن يـخـصـص لـهـا مـقـالاتـه عـن الإكـتـشـاف.

رحـلـتـا جـورج سـمـيـث إلى الـعـراق :

%d8%ac%d9%88%d8%b1%d8%ac-%d8%b3%d9%85%d9%8a%d8%ab-10

وهـكـذا تـرك جـورج سـمـيـث لـنـدن في نـفـس الـشّـهـر، ووصـل إلى الـمـوصـل في شـهـر آذار. وبـانـتـظـار أن يـحـصـل لـه الـسّـفـيـر الـبـريـطـاني في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة عـلى فـرمـان يـسـمـح لـه بـالـتّـنـقـيـب، مـرّ بـقـلـعـة الـشّــرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور، أولى عـواصـم الآشـوريـيـن) في طـريـقـه إلى بـغـداد. ثـمّ زار مـوقـع بـابـل وبـيـرس نـمـرود (مـوقـع مـديـنـة بـورسـيـبـا الـقـديـمـة) وتـلّ الأحـيـمـر الّـذي تـعـرّف فـيـه عـلى مـوقـع مـديـنـة كـيـش. كـمـا زار تـلّ إبـراهـيـم.

وفي شـهـر نـيـسـان، عـاد جـورج سـمـيـث إلى الـمـوصـل، ثـمّ بـدأ يـنـقّـب عـلى تـلّ قـويـنـجـق في الـمـوقـع الّـذي كـان أوسـتـن هـنـري لَـيـارد وهـرمـز رسّـام قـد وجـدا فـيـه مـكـتـبـة آشــوربـانـيـبـال الـثّـاني.

وحـالـفـه الـحـظ فـعـثـر في شـهـر أيّـار عـلى مـقـطع بـسـبـعـة عـشـر ســطـراً مـن نـفـس نـصّ الـطّـوفـان يـكـمـل مـا ســبـق. وعـاد إلى لـنـدن جـالـبـاً مـعـه عـدّة صـنـاديـق مـن الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة والـقـطـع الأثـريـة.

وبـعـد أن نـجـح جـورج سـمـيـث في مـهـمـتـه، ولأنّ الـفـرمـان الّـذي كـان قـد حـصـل عـلـيـه مـازال ســاري الـمـفـعـول، فـقـد بـعـثـه الـمـتـحـف الـبـريـطـاني إلى الـمـوصـل مـن جـديـد عـام 1873. ووصـل إلى تـلّ قـويـنـجـق لـيـكـمل تـنـقـيـبـاتـه.

وفي 1875، نـشـر نـتـائـج أبـحـاثـه في كـتـاب : الإكـتـشـافـات الآشـوريـة، تـقـريـر عـن تـنـقـيـبـات مـوقـع نـيـنـوى والإكـتـشـافـات الّـتي نـتـجـت عـنـهـا خـلال عـامي 1873 و1874

Assyrian Discoveries: An Account of Explorations and Discoveries on the Site of Nineveh, During 1873 to 1874.

%d8%ac%d9%88%d8%b1%d8%ac-%d8%b3%d9%85%d9%8a%d8%ab-6

وقـد زار بـعـدهـا عـدّة مـواقـع إلى أن سـقـط مـريـضـاً بـضـربـة شـمـس قـويـة حـسـب بـعـض الـمـصادر أو بـالإسـهـال الـزّحـاري حـسـب مـصـادر أخـرى في شـهـر آب، ومـات في طريـقـه مـن الـمـوصـل إلى حـلـب عـام 1876، ولـم يـكـن قـد بـلـغ الـسّـادسـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـره بـعـد.

وفي نـفـس هـذا الـعـام صـدر في لـنـدن كـتـابـه : نـصّ الـبـدء الـكـلـداني (أي الأكّـدي)، ويـحـتـوي عـلى ذكـر خـلـق الـعـالـم، وسـقـوط الإنـسـان (أي طـرد آدم مـن الـجـنّـة) والـطّـوفـان، وبـرج بـابـل … إلـخ.

The Chaldean Account of Genesis, Containing the Description of the Creation, the Fall of Man, the Deluge, the Tower of Babel …

george-smith

وفي عـام 1877، نـشـر عـالـم الآشـوريـات الـبـريـطـاني أ. هـ. سـايـس A. H. Says  كـتـابـاً كـان جـورج سـمـيـث قـد ألّـفـه قـبـل وفـاتـه بـعـنـوان : تـاريـخ بـلاد بـابـل  The History of Babylonia.

%d8%ac%d9%88%d8%b1%d8%ac-%d8%b3%d9%85%d9%8a%d8%ab-12

ونـشـر أ. هـ. سـايـس في عـام 1878،  كـتـابـاً آخـر كـان جـورج سـمـيـث قـد ألّـفـه قـبـل وفـاتـه بـعـنـوان : تـاريـخ سـنـحـاريـب، مـتـرجـم عـن الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة :

History of Sennacherib : translated from the cuneiform inscriptions.

 

ــــــــــــــــــــــ

(1)  تـقـرأ الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة مـن الـيـسـار إلى الـيـمـيـن :

تي ـ  ا ـ  شـا ــ مـو      [7] أُو     را/ ري ــ  أور  7/6

وإذا مـا عـكـسـنـا الـنّـصّ لـنـقـرأه مـن الـيـمـيـن إلى الـيـسـار مـثـلـمـا نـقـرأ الـعـربـيـة نـجـد :

6/7  أور ــ ري/ را          أُو    [7] مـو ــ شـا ــ ا ــ تي

سـبـعـة أيّـام                  و             سـبـع لـيـالي

وكـانـت الـصّـيـغـة الآشـوريـة الّـتي وجـدت نـسـخـة مـنـهـا في مـكـتـبـة الـمـلـك آشـوربـانـيـبـال (669 ــ630  ق. م.) في نـيـنـوى، والـمـحـفـوظـة الآن في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن (إنـكـلـتـرة)، تـحـتـوي في الأصـل عـلى أحـد عـشـر لـوح، أضـيـف إلـيـهـا لـوح ثـاني عـشـر لا عـلاقـة لـه بـالـمـلـحـمـة.

وفي كـلّ لـوح سـتّـة أعـمـدة، يـشـتـمـل كـلّ عـمـود مـنـهـا عـلى حـوالي خـمـسـيـن سـطـراً. [أي أنّـهـا كـانـت تـحـتـوي بـكـامـلـهـا عـلى 3600 سـطـراً تـقـريـبـاً ]. والأجـزاء الّـتي وصـلـتـنـا مـنـهـا تـحـتـوي عـلى حـوالي 1600 سـطـراً، أي أنّـه لـيـس لـديـنـا إلّا أقـل مـن نـصـف نـصّ الـمـلـحـمـة الأصـلي. وهـذه هي الّـتي نـسـمـيـهـا بـ “الـصّـيـغـة الـنّـيـنـويـة ” لـلـمـلـحـمـة.

ومـن الـمـحـتـمـل أن تـحـتـوي ألـواح لـم تـدرس بـعـد، أو ألـواح سـرقـت في حـفـريـات نـهـب، أو مـازالـت تـحـت الـتّـراب في مـواقـع لـم تـنـقّـب بـعـد عـلى أجـزاء أخـرى مـن الـمـلـحـمـة. ويـمـكـنـهـا أن تـمـلأ ثـغـرات في لـوحـات الـنّـصّ الـمـكـسّـرة الّـذي بـيـن أيـديـنـا الآن، كـمـا يـمـكـنـهـا أن تـغـيـر مـن فـهـمـنـا لـهـا.

(2)  يـنـبـغي أن نـفـرّق بـيـن “الـكـاتـب” الّـذي يـمـكـنـه أن يـبـتـكـر مـا يـكـتـب، وبـيـن “الـمـؤلّـف”     الّـذي  يـؤلّـف مـا يـأتـيـه مـن سـابـقـيـه، وربّـمـا أضـاف عـلـيـه مـن عـنـده لـيـكـون كـلّاً مـتـكـامـلاً .

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري.

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

Advertisements

تـمـثـال جـرتـرود بـيـل في الـمـتـحـف الـعـراقي

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

%d8%aa%d9%85%d8%ab%d8%a7%d9%84-%d8%a8%d9%8a%d9%84

جـرتـرود بـيـل  Gertrude Bell والـمـتـحـف الـعـراقي :

تـبـنّـت الـمـس جـرتـرود بـيـل مـنـذ عـام 1923 مـشـروع تـأسـيـس مـتـحـف وطـني عـراقي لـحـفـظ الـمـجـمـوعـات الأثـريـة الّـتي تـراكـمـت عـامـاً بـعـد عـام في قـاعـات الـسّـراي الـقـديـمـة. وشُـيّـدت لـه بـنـايـة في مـنـطـقـة “عـلاوي الـحـلّـة”.

وفـتـح الـمـتـحـف، الّـذي أسـمي بـالـمـتـحـف الـعـراقي، أبـوابـه لـلـزوّار في حـزيـران 1926. وكـانـت بـنـايـتـه قـلـيـلـة الـسّـعـة في الـبـدايـة.

وفي بـغـداد، تـوفـيـت (الـخـاتـون)، كـمـا كـان الـبـغـداديـون يـسـمـون الـمـس جـرتـرود بـيـل، في 12 تـمّـوز 1926، قـبـل يـومـيـن مـن بـلـوغـهـا الـثّـامـنـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـرهـا. وكـانـت قـد أوصـت أن تـدفـن في بـغـداد، فـدفـنـت في مـقـبـرة الأرمـن في الـبـاب الـشّـرقي.

وقـد نـصـبـت في ذكـراهـا، في مـدخـل الـمـتـحـف الـعـراقي،  لـوحـة مـن الـبـرونـز فـوقـهـا تـمـثـال نـصـفي لـهـا. وعـلى الـلـوحـة نـصّ بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة في نـصـفـهـا الأيـسـر، وتـرجـمـتـه إلى الـلـغـة الـعـربـيـة في الـنّـصـف الأيـمـن.

حـفـل إزاحـة الـسّـتـارة عـن الـتّـمـثـال :

لـديـنـا ثـلاث صـور لـحـفـل إزاحـة الـسّـتـارة عـن الـلـوحـة والـتّـمـثـال. ولـم أجـد تـاريـخ إقـامـة هـذا الـحـفـل بـالـضّـبـط .

نـرى في الـصّـورة الأولى الـمـلـك فـيـصـل الأوّل واقـفـاً أمـام الـلـوحـة الّـتي مـا زالـت تـغـطّـيـهـا الـسّـتـارة، يـرتـدي مـعـطـفـاً فـاتـح الـلـون، يـبـدو مـعـطـفـاً واقـيـاً مـن الـمـطـر، وعـلى رأسـه “سـدارة”. ويـبـدو مـن وجـوه الـحـاضـريـن، الـعـراقـيـيـن والأجـانـب، الـنّـاظـريـن إلـيـه أنّـه كـان يـلـقي كـلـمـة بـهـذه الـمـنـاسـبـة.  ووقـف عـلى يـمـيـنـه الـمـنـدوب الـسّـامي الـبـريـطـاني.

%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d8%ad%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82%d9%8a-4

وقـد قـرأت في عـدّة مـواضـع أنّ حـفـل إزاحـة الـسّـتـارة عـن الـنّـصـب جـرى عـام 1930 بـحـضـور الـمـنـدوب الـسّـامي الـبـريـطـاني سـيـر فـرنـسـيـس هـ. هـمـفـريـز  Sir Francis Henry Humphrys. ولـكـنّ الـمـنـدوب الـسّـامي الّـذي يـظـهـر في الـصـورة لا يـشـبـه الـسّـيـر هـمـفـريـز الّـذي نـعـرفـه في صـور أخـرى. (1)

والّـذي يـظـهـر في الـصّـورة يـمـكـن أن يـكـون الـسّـيـر هـنـري دوبـس Sir Henry Dobbs الّـذي شـغـل هـذا الـمـنـصـب في الـعـراق مـن 1923 إلى 1928، أو الـسّـيـر جـلـبـرت ف. كـلايـتـون  Sir Gilbert Falkingham Clayton الّـذي شـغـلـه مـن 1928 إلى 1929، أي مـبـاشـرة قـبـل الـسّـيـر هـمـفـريـز.

ويـبـدو مـن الـمـعـاطـف الّـتي يـرتـديـهـا الـحـاضـرون أنّ الـحـفـل جـرى في طـقـس شـتـائي بـارد.

ونـرى الـمـنـدوب الـسّـامي مـرتـديـاً مـعـطـفـاً غـامـق الـلـون يـمـسـك قـبـعـتـه بـيـديـه الـلـتـيـن يـغـطـيـهـمـا قـفـازان. أمـا عـلى يـسـار الـمـلـك، فـقـد وقـف وزيـر الـمـعـارف عـبـد  الـحـسـيـن الـجـلـبي مـرتـديـاً  زيّـاً غـامـقـاً مـمـا يـلـبـسـه الأوربـيـون في الإحـتـفـالات الـرّسـمـيـة، بـسـتـرة طـويـلـة مـذيّـلـة (أي يـنـسـدل أسـفـلـهـا إلى مـنـتـصـف الـفـخـذيـن تـقـريـبـاً).  ولـكـنّـه يـتـمـيّـز عـن الـمـدعـويـن الأجـانـب بـأنّ عـلى رأسـه “سـدارة” سـوداء بـدلاً مـن الـقـبـعـة.

ونـلاحـظ أنّ الأجـانـب، ومـن ضـمـنـهـم الـمـنـدوب الـسّـامي، خـلـعـوا قـبـعـاتـهـم مـن عـلى رؤوسـهـم احـتـرامـاً، كـمـا هي الـعـادة في مـثـل هـذه الـمـنـاسـبـات، بـيـنـمـا أبـقى الآخـرون “الـسّـدارات” الـمـدنـيـة والـعـسـكـريـة (وحـتّى الـطـربـوش الّـذي نـلـمـحـه بـيـن الـمـلـك والـوزيـر) عـلى رؤوسـهـم.

ولا شـكّ في أنّـه كـان مـن بـيـن الـحـاضـريـن أحـد عـالـمَي الآثـار الـبـريـطـانـيَـيـن :  ريـشـارد س. كـوك الّـذي تـولى إدارة الـمـتـحـف مـن بـعـد وفـاة الـمـس بـيـل عـام 1926 إلى أن نُـحي عـنـهـا في 1929، أو سـيـدني سـمـيـث  Sidney Smith  الّـذي خـلـفـه في إدارة الـمـتـحـف مـن 1929 وإلى 1931. ولـم أسـتـطـع أن أتـعـرّف عـلى الـواحـد مـنـهـمـا أو الآخـر مـن بـيـن الـحـاضـريـن لأني لـم أجـد ولـو صـورة شـخـصـيـة واحـدة لأيّ مـنـهـمـا في الـمـراجـع الّـتي لـديّ عـن عـلـمـاء الآشـوريـات.

ونـلاحـظ في حـوش الـمـتـحـف، عـلى جـانـبي الـمـدخـل تـمـثـالَـيـن ضـخـمـيـن كـان قـد عـثـر عـلـيـهـمـا في مـعـبـد الإلـه نـبـو، في مـوقـع  نـمـرود، جـنـوب الـمـوصـل. وقـد تـكـلّـفـت بـنـقـلـهـمـا إلى الـمـتـحـف شـركـة الـنّـفـط                The Iraq Petruleum Company.

ونـرى في الـصّـورة الـثّـانـيـة الـمـلـك فـيـصـل الأوّل يـنـظـر إلى الـلـوحـة الـبـرونـزيـة  وتـمـثـال الـمـس بـيـل الـنّـصـفي بـعـد إزاحـة الـسّـتـارة. ووقـف خـلـفـه وزيـر الـمـعـارف وبـيـده مـا يـبـدو أنّـه ورقـة بـيـضـاء. فـهـل كـان يـلـقي كـلـمـة بـهـذه الـمـنـاسـبـة ؟ أمّـا الـمـنـدوب الـسّـامي الـبـريـطـاني فـلـم يـتـقـدّم نـحـو الـلـوحـة، بـل كـان يـنـظـر إلـيـهـا مـن بـعـيـد مـاسـكـاً قـبـعـتـه بـيـده.

%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d8%ad%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82%d9%8a-3

أمّـا في الـصّـورة الـثّـالـثـة، فـنـرى الـمـلـك والـمـنـدوب الـسّـامي يـتـحـادثـان بـيـنـمـا بـقي وزيـر الـمـعـارف وحـده في مـكـانـه، وبـقي الـحـاضـرون واقـفـيـن في أمـاكـنـهـم.

 

 

لـوحـة وتـمـثـال مـن الـبـرونـز :

وإذا اقـتـربـنـا مـن الـنّـصـب الّـذي صـنـع مـن الـبـرونـز نـجـد أنّـه لـوحـة مـسـتـطـيـلـة، تـقـارب مـقـايـيـسـهـا مـتـراً عـلى مـتـر ونـصـف، ثـبّـت في أعـلى وسـطـهـا مـحـمـل مـن الـبـرونـز عـلـيـه تـمـثـال نـصـفي لـمـس جـرتـرود بـيـل. (2)

والـتّـمـثـال الـبـرونـزي بـالـحـجـم الـطّـبـيـعي، لا نـعـرف اسـم نـحّـاتـه مـعـرفـة أكـيـدة. ونـعـرف مـن الّـنّـصّ الـمـنـقـوش عـلى الـلـوحـة الـبـرونـزيـة أنّ أصـدقـاء الـمـس بـيـل هـم الّـذيـن أقـامـوه “بـإذن مـن الـمـلـك والـحـكـومـة”. ويـبـدو لـنـا مـنـطـقـيـاً أنّـهـم اخـتـاروا نـحّـاتـاً بـريـطـانـيـاً لـتـنـفّـيـذه.

ولـكـن يـذكـر الـبـعـض أنّ الـمـلـك فـيـصـل هـو الّـذي طـلـب نـحـتـه، وأنّـه كـلّـف بـهـذه الـمـهـمـة الـنّـحّـات الإيـطـالي بـيـتـرو كـانـونـيـكـاPietro CANONICA  الّـذي نـفّـذ بـعـد ذلـك، في عـام 1933 تـمـثـالاً مـن الـصّـخـر لـلـمـلـك فـيـصـل بـالـمـلابـس الـعـربـيـة مـمـتـطـيـاً صـهـوة حـصـانـه، وتـمـثـالاً بـرونـزيـاً لـمـحـسـن الـسّــعـدون. وهـذا يـنـاقـض مـا جـاء في نـصّ الـلـوحـة الّـتي تـصـاحـب الـتّـمـثـال، كـمـا سـبـق أن رأيـنـا.

وأسـلـوب الـتّـمـثـال كـلاسـيـكي تـقـلـيـدي، يـشـبـه تـمـامـاً آلاف الـتّـمـاثـيـل الّـتي نـحـتـت في تـلـك الـسّـنـوات، والّـتي أُريـد بـهـا تـخـلـيـد “أبـطـال” الإمـبـراطـوريـة الـبـريـطـانـيـة الّـذيـن انـبـثّـوا في كـلّ أرجـاء الـعـالـم لـتـعـزيـز هـيـمـنـتـهـا وهـيـبـتـهـا.

وكـان هـذا الـنّـوع مـن الـتّـمـاثـيـل يـصـنـع حـسـب “مـوديـلات” شـبـه جـاهـزة، يـكـفي أن تـضـاف إلـيـهـا بـعـض تـفـاصـيـل شـكـل وجـه الـشّـخـصـيـة الّـتي يـراد تـصـويـرهـا لـيـتـمّ تـنـفـيـذهـا بـسـرعـة وبـدقّـة.

ونـلاحـظ أنّ الـتّـمـثـال صـوّر الـمـس بـيـل في آخـر فـتـرات حـيـاتـهـا : إمـرأة نـاضـجـة بـعـد أن مـضـت مـرحـلـة شـبـابـهـا :

%d8%ac%d8%b1%d8%aa%d8%b1%d9%88%d8%af-%d8%a8%d9%8a%d9%84-4

وعـلى الـلـوحـة، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، نـصّ بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة في نـصـفـهـا الأيـسـر، وتـرجـمـتـه إلى الـلـغـة الـعـربـيـة في الـنّـصـف الأيـمـن.

ونـقـرأ في الـنّـصّ الإنـكـلـيـزي عـلى الـيـسـار مـا يـلي :

Gertrude Bell. Whose memory the Arabs will ever hold in reverence and affection created this museum in 1923. Being the Honorary Director of Antiquities for the Iraq, with wonderful knowledge and devotion she assembled the most precious objects in it and through the heat of the summer worked on them until the day of her death on 12th July 1926. King Faisal and the Government of Iraq in gratitude for her great deeds in this country have ordered that the principal wing shall bear her name and with their permission her friends have erected this tablet.

ونـقـرأ تـرجـمـتـه (الـتّـقـريـبـيـة) إلى الـعـربـيـة عـلى الـيـمـيـن :

“كـرتـرود بـيـل الـتي لـذكـرهـا عـنـد الـعـرب كـل إجـلال وعـطـف

أسـسـت هـذا الـمـتـحـف سـنـة 1923

بـصـفـتـهـا الـمـديـرة الـفـخـريـة لـلـعـاديـات في الـعـراق

وجـمـعـت الأشـيـاء الـثـمـيـنـة الـتي يـحـتـويـهـا

بـإخـلاص وعـلـم دقـيـق

واشـتـغـلـت بـهـا مـدى حـر الـصـيـف إلى يـوم وفـاتـهـا

في 12 تـمـوز سـنـة 1926

الـمـلـك فـيـصـل وحـكـومـة الـعـراق

قـد أمـرا لـهـا شـكـراً عـلى أعـمـالـهـا الـكـبـيـرة في هـذه الـبـلاد

بـأن يـكـون الـجـنـاح الـرئـيـسي بـاسـمـهـا وبـإذن مـنـهـمـا

قـد أقـام أصـدقـاؤهـا هـذه الـلـوحـة”.

 

إخـتـفـاء الـلـوحـة والـتّـمـثـال :

لا نـعـرف إلى أيّـة سـنـة بـالـضّـبـط بـقـيـت الـلـوحـة والـتّـمـثـال في الـمـتـحـف الـعـراقي، وهـل أرسـل إلى مـديـنـة الـنّـجـف بـعـد أن افـتـتـح فـيـهـا “مـتـحـف ثـورة الـعـشـريـن”، ثـمّ اخـتـفى خـلال اضـطـرابـات عـام 1991، كـمـا تـذكـر بـعـض الـمـصـادر. ولـكـن يـبـدو أكـيـداً أنّـه اخـتـفى قـبـل  الـغـزو الأمـريـكي لـلـعـراق عـام 2003.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أنـظـر مـقـالي : “حـفـلـة في قـصـر حـديـقـة الـمـلـك” الـمـنـشـور في مـدونـة : “بـيـن دجـلـة والـفـرات” : https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/09/23/%d8%ad%d9%80%d9%81%d9%80%d9%84%d9%80%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%ad%d9%80%d8%af%d9%8a%d9%80%d9%82%d9%80%d8%a9-%d9%82%d9%80%d8%b5%d9%80%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%80%d9%85%d9%80%d9%84%d9%80%d9%83/

(2)  مـا زالـت نـسـخـة جـبـسـيـة مـن الـتّـمـثـال تـسـتـقـبـل الـدّاخـلـيـن إلى الـمـدرسـة الّـتي ارتـادتـهـا الـمـس بـيـل عـنـدمـا كـانـت تـلـمـيـذة في  Queen’s Colleg ، في شـارع  Harley Street، في لـنـدن :

%d8%a8%d9%8a%d9%84

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بـدايـة اهـتـمـام الـعـراقـيـيـن بـآثـارهـم الـقـديـمـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

%d8%a5%d9%84%d8%af%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%af%d9%88-%d9%85%d8%aa%d8%ad%d9%81

لـم تـجـذب الـخـرائـب الـقـديـمـة اهـتـمـام الـنّـاس لـمـدّة قـرون طـويـلـة، ولـم تـؤثـر عـلى حـيـاتـهـم الـيـومـيـة.  وكـانـوا يـهـدمـون الـقـديـم لـيـشـيّـدوا في مـكـانـه أبـنـيـة جـديـدة، ويـذيـبـون الـمـصـنـوعـات الـمـعـدنـيـة لـيـصـبّـوهـا مـن جـديـد. ويـسـتـعـمـلـون نـقـوش الـمـاضي ومـنـحـوتـاتـه  في تـكـويـنـات مـسـتـحـدثـة أو يـعـيـدون حـفـرهـا ونـقـشـهـا.

ولـم يـكـن ذلـك وقـفـاً عـلى الـمـجـتـمـعـات الـشّـرقـيـة بـل عـرفـتـه كـلّ الـمـجـتـمـعـات قـبـل أن يـصـبـح الـحـفـاظ عـلى الـقـديـم وتـرمـيـمـه وإدخـالـه في مـكـوّنـات الـهـويـة الـتّـاريـخـيـة لـلـشّـعـوب مـن خـصـائـص الـثّـقـافـة الـحـديـثـة مـنـذ الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر.

وقـد كـتـب الـقـزويـني في “آثـار الـبـلاد وأخـبـار الـعـبـاد” الّـذي ألّـفـه في الـقـرن الـثّـالـث عـشـر كـيـف كـان الـنّـاس يـأخـذون صـخـور الـخـرائـب وطـابـوقـهـا لـيـشـيـدوا بـهـا دورهـم، فـهـم كـانـوا يـسـتـعـمـلـون مـخـلـفـات الـمـاضي لـتـشـيـيـد حـاضـرهـم. ومـن هـذه الإسـتـعـمـالات الـشّـائـعـة جـاءت الأسـطـورة الّـتي تـنـاقـلـهـا الأوربـيـون مـدّة قـرون طـويـلـة مـن أنّ بـغـداد شـيّـدت بـطـابـوق بـابـل.

وكـان الـذّيـن اهـتـمّـوا بـآثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن حـتّى الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر مـن تـجّـار أوربـا أو مـن رحّـالـتـهـا الّـذيـن تـجـولـوا في مـنـاطـق مـا بـيـن دجـلـة والـفـرات. وغـالـبـاً مـا كـان يـدفـعـهـم إلى زيـارة الـخـرائـب مـا كـانـوا قـد قـرأوه عـن أور أو بـابـل أو نـيـنـوى في الـتّـوراة أو في كـتـب الـمـؤلـفـيـن الإغـريـق والـرّومـان.

بـدايـة اكـتـشـاف آثـار حـضـارات مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

ومـنـذ أن اكـتـشـف بـول إمـيـل بـوتـا Paul- Emile BOTTA   قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (دور شـروكـيـن) في قـريـة خـورسـبـاد، قـرب الـمـوصـل في عـام 1843 أصـبـحـت الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة حـكّـراً عـلى الـغـربـيـيـن.

وتـتـابـعـت الـحـفـريـات الّـتي مـولـتـهـا مـؤسـسـات حـكـومـيـة أو خـاصـة أو مـتـاحـف أو جـامـعـات أجـنـبـيـة في ولايـات بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل الـتّـابـعـة لـلـدّولـة الـعـثـمـانـيـة حـتّى الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى.

وكـان يـكـفي لـلـقـيـام بـالـتّـنـقـيـبـات أن يـحـصـل سـفـيـر أو قـنـصـل غـربي عـلى “فـرمـان” مـن الـبـاب الـعـالي. وكـان الـمـنـقـبـون يـتـقـاسـمـون الـقـطـع الأثـريـة الّـتي يـعـثـرون عـلـيـهـا مـع بـاشـا الـولايـة. وهـذا مـا يـفـسـر الـكـمـيـات الـهـائـلـة مـن هـذه الـقـطـع الـتّي مـا زالـت تـحـتـفـظ بـهـا مـتـاحـف إسـطـنـبـول.

وقـد أرسـل الـمـنـقـبـون الـغـربـيـون نـصـيـبـهـم مـن الـقـطـع الأثـريـة إلى بـلـدانـهـم، ودخـلـت في مـتـاحـفـهـا مـثـل مـتـحف الـلـوفـر في بـاريـس أو الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن أو مـتـحـف بـرلـيـن …

وقـد أثـار اكـتـشـاف آثـار حـضـارات مـا بـيـن دجـلـة والـفـرات اهـتـمـام الـعـلـمـاء في كـلّ أرجـاء الـعـالـم، وأخـذوا يـدرسـونـهـا ويـحـاولـون حـلّ طـلاسـم نـصـوصـهـا الـمـكـتـوبـة بـالـمـسـمـاريـة. وبـعـد أن تـوصـلـوا إلى قـراءة الـمـسـمـاريـة وفـهـم الـلـغـة الأكّـديـة (الآشـوريـة ــ الـبـابـلـيـة) بـدأوا يـنـشـرون الـنّـصـوص الّـتي عـثـر عـلـيـهـا الـمـنـقـبـون. ونـشـأ عـلـم جـديـد أسـمي بـعـلـم الآشـوريـات وبـدأ يـدرّس في الـجـامـعـات. ولـكـن كـلّ هـذا لـم يـكـن إلّا في الـغـرب وبـلـغـات أوربـيـة.

بـعـد الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى :

وبـعـد سـقـوط الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة دخـل الـعـراق تـحـت الإنـتـداب الـبـريـطـاني، ونـظّـم الـبـريـطـانـيـون أمـور الـبـلـد حـسـب مـا تـقـتـضـيـه مـصـالـحـهـم.

وقـد أنـشـأ الـجـيـش الـبـريـطـاني في 1918 وظـيـفـة لآثـاري يـلـحـق بـه، مـهـمـتـه مـراقـبـة آثـار الـبـلـد وحـمـايـتـهـا، وكـذلـك الإشــراف عـلى الـتّـنـقـيـبـات فـيـه. وقـد اخـتـيـر لـهـذه الـوظـيـفـة كـامـبـل تـومـسـون R.Campbell Thompson ، مـن مـخـابـرات الـجـيـش الـبـريـطـاني، والّـذي كـان يـعـمـل في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن قـبـل الـحـرب لـذلـك.

%d8%aa%d9%88%d9%85%d8%b3%d9%88%d9%86

وقـام تـومـســن بـتـنـقـيـبـات ســريـعـة في إريـدو (أبـو شـهـريـن)، كـما سـبـر الـطـبـقـات الـسّــفـلى مـن مـوقـع أور (تـل الـمـقـيّـر)، مـما دفـع الـمـتـحـف الـبـريـطـاني إلى إرسـال بـعـثـة تـرأسـهـا الـدّكـتـور هـال Dr. H. R. HALL   نـقّـبـت في أور وفي إريـدو وفي تـل الـعُـبـيـد.

ثـمّ اسـتـمـر الـبـريـطـانـيـون في تـسـيـيـر أمـور الـعـراق بـصـورة غـيـر مـبـاشـرة بـعـد تـكـويـن الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة في 1921. وأُلـحـق بـكـلّ وزيـر عـراقي مـسـتـشـار بـريـطـاني يـنـصـحـه ويـشـرف عـلى قـراراتـه قـبـل أن يـوافـق عـلـيـهـا. وكـان مـيـدان إدارة الآثـار مـخـصـصـاً لـلـبـريـطـانـيـيـن، ولـم يـقـبـلـوا أن يـشـارك الـعـراقـيـون فـيـه.

الـمـس بـيـل وآثـار الـعـراق :

وقـد اسـتـولـت سـكـرتـيـرة الـشـؤون الـشّـرقـيـة الـمـس جـيـرتـرود بـيـل Gertrude Bell عـلى إدارة الآثـار. وكـانـت قـد عـرفـت الـمـنـطـقـة قـبـل الـحـرب واطّـلـعـت عـلى الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة في الـعـراق .وقـد عـمـلـت مـع عـلـمـاء الآثـار بـعـد أن احـتـلـت هـذه الـوظـيـفـة وقـامـت بـدورات تـفـتـيـشـيـة عـلى عـدد مـن الـمـواقـع. وقـد قـالـت عـن نـفـسـهـا : “أعـتـقـد أنـني عـالـمـة آثـار شـيـئـاً مـا في داخـلي أنـا نـفـسي”.

%d8%ac%d8%b1%d8%aa%d8%b1%d9%88%d8%af-%d8%a8%d9%8a%d9%84-2

 

وقـد رأيـنـا كـيـف وضـع الـبـريـطـانـيـون مـراقـبـة آثـار الـبـلـد وحـمـايـتـهـا بـيـن أولـيـات مـهـمـاتـهـم بـعـد أن سـيـطـروا عـلى الـعـراق. ولأنّ عـدداً مـن الـمـؤسـسـات والـجـامـعـات اقـتـرحـت إجـراء حـمـلات تـنـقـيـبـات في الـعـراق فـقـد شـرعـت الـمـس بـيـل بـكـتـابـة مـسـودة لـنـصّ قـانـون لـتـنـظـيـم الـتّـنـقـيـبـات أرادت إصـداره.

وذكـرت في رسـالـة كـتـبـتـهـا في تـمـوز 1922 أنّـهـا حـصـلـت عـلى مـوافـقـة الـمـلـك فـيـصـل الأوّل عـلى الـقـانـون الّـذي صـاغـتـه عـن الـتّـنـقـيـبـات :       “for my law of excavations”، كـمـا ذكـرت أنّـهـا سـتُـعـيّـن “مـديـرة لـلآثـار”. وقـد الـتـقـت الـمـس بـيـل بـوزراء الـحـكـومـة لـتـقـنـعـهـم بـمـسـانـدة قـانـونـهـا. وكـانـت تـعـتـقـد أنّـه سـيـدخـل حـيـز الـتّـنـفـيـذ بـسـرعـة، ولـكـنّ الأمـر اسـتـغـرق أكـثـر مـمـا كـانـت تـتـوقـعـه.

ونـقـرأ في رسـالـة كـتـبـتـهـا في شـهـر أيـلـول مـن الـعـام الـتّـالي، 1923 أنّـهـا كـانـت مـا تـزال تـنـقّـح نـصّ “قـانـونـهـا”. وذكـرت أنّ “أحـد الـوزراء، يـاسـيـن بـاشـا حـاول أن يـبـدلـه بـنـصّ قـانـون كـتـبـه هـو نـفـسـه عـنـدمـا كـنـتُ غـائـبـة عـن بـغـداد”. وهي تـقـصـد بـه ولا شـكّ يـاسـيـن الـهـاشـمي.

كـمـا واجـهـت الـمـس بـيـل مـعـارضـة سـاطـع الـحـصـري الّـذي كـان يـتـرأس إدارة الـمـعـارف. وكـان الـحـصـري مـن أصـل سـوري عـمـل قـبـل الـحـرب في الـتّـعـلـيـم الـعـثـمـاني، ثـمّ تـبـع فـيـصـل بـن الـحـسـيـن في سـوريـا وجـاء مـعـه إلى الـعـراق. وكـان يـؤمـن بـأنّ الـعـرب يـشـكـلـون قـومـاً واحـداً يـنـبـغي أن يـوحّـد في وطـن واحـد. وكـان أسـاس هـذه الـفـكـرة الـقـومـيـة وحـدة الـتّـاريـخ والـلـغـة، ومـن هـنـا جـاء اهـتـمـامـه بـالـتّـاريـخ وبـالآثـار الـقـديـمـة وبـنـصّ الـمـس بـيـل لـقـانـون الـتّـنـقـيـبـات.

%d8%b3%d8%a7%d8%b7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b5%d8%b1%d9%8a

ويـبـدو مـمـا كـتـبـه الـحـصـري أنّـه دخـل في مـنـاقـشـات حـامـيـة مـع الـمـس بـيـل حـول هـذا الـقـانـون وخـاصـة عـن الـوزارة الّـتي سـتُـكـلّـف بـحـفـظ الآثـار. وكـانـت الـمـس بـيـل تـريـد أن تـرتـبـط مـديـريـة الآثـار بـوزارة الأشـغـال الـعـامـة بـدلاً مـن وزارة الـمـعـارف، وكـان ذلـك، حـسـب رأيـه، لأنّ الإنـكـلـيـز كـانـوا يـريـدون الإشـراف عـلى الآثـار مـا دامـوا يـسـيـطـرون عـلى هـذه الـوزارة. ولا تـذكّـر الـمـس بـيـل هـذه الـمـنـاقـشـات في كـتـابـاتـهـا.

وكـان الـعـراقـيـون يـحـاولـون تـعـديـل الـقـانـون لـيـتـيـح لـلـدّولـة الإشـراف عـلى الآثـار، بـيـنـمـا كـانـت الـمـس بـيـل تـنـوي أن يـسـمـح  “قـانـونـهـا” بـإجـراء مـزيـد مـن الـتّـنـقـيـبـات الأجـنـبـيـة وتـقـسـيـم مـا يـعـثـر عـلـيـه مـن آثـار بـإعـطـاء الـمـنـقـبـيـن جـزءاً مـنـاسـبـاً  adequate  ونـمـوذجـيـاً  representative (أي يـمـثّـل نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات في كـلّ مـيـاديـنـهـا) بـعـد أن يـخـتـار الـمـتـحـف الـعـراقي مـا يـحـتـاجـه مـنـهـا. ولأنّ الـصّـفـتـيـن  adequate و representative لـيـس لـهـمـا مـعـنى مـحـدد، فـقـد كـان قـانـون الـمـس بـيـل يـتـرك لـلـسّـلـطـات الـبـريـطـانـيـة الـمـجـال لإعـطـاء الـمـنـقـبـيـن مـا تـشـاء.

ولـتـطـبـيـق هـذا الـقـانـون ذهـبـت الـمـس بـيـل إلى مـواقـع الـتّـنـقـيـب لـلـقـيـام بـجـرد لـمـا عـثـر عـلـيـه واخـتـيـار مـا يـنـبـغي أن يـحـفـظ في الـعـراق. وقـد صـرحـت : “مـهـمـتي كـمـديـرة آثـار، فـأنـا مـسـؤولـة عـراقـيـة، تـجـبـرني عـلى احـتـرام الـشّـروط الّـتي مـنـحـت بـمـوجـبـهـا قـرارات الـسّـمـاح بـالـتّـنـقـيـبـات”. وحـتّى لـو صـدقّـنـا أنّـهـا كـ “مـسـؤولـة في الـحـكـومـة الـعـراقـيـة” كـانـت تـدافـع عـن مـصـالـح الـعـراق، فـهي قـد سـاعـدت الـمـنـقـبـيـن الأجـانـب في الحـصـول عـلى كـمـيـات كـبـيـرة مـن الـقـطـع الأثـريـة الـمـهـمـة.

وقـد تـبـنّـت الـمـس بـيـل مـنـذ عـام 1923 مـشـروع تـأسـيـس مـتـحـف وطـني عـراقي لـحـفـظ الـمـجـمـوعـات الأثـريـة الّـتي تـراكـمـت عـامـاً بـعـد عـام في قـاعـات الـسّـراي الـقـديـمـة.

وفـتـح الـمـتـحـف أبـوابـه لـلـزوّار في حـزيـران 1926. وكـانـت بـنـايـة الـمـتـحـف قـلـيـلـة الـسّـعـة في الـبـدايـة وتـحـتـوي خـاصـة عـلى آثـار مـا قـبـل الإسـلام.

وبـعـد زيـارتـه الأولى لـلـمـتـحـف كـتـب سـاطـع الـحـصـري يـنـتـقـد مـحـتـويـاتـه الّـتي لـم يـجـد بـيـنـهـا إلّا الـقـلـيـل مـن الآثـار الإسـلامـيـة وفي قـاعـة واحـدة مـن قـاعـات الـمـتـحـف الـسّـتّ.

ويـمـكـنـنـا تـلـخـيـص الـفـتـرة مـن 1921 إلى 1933بـأنّـهـا كـانـت فـتـرة إدارة الـبـريـطـانـيـيـن لـلآثـار، فـهـم الّـذيـن أصـدروا الـقـوانـيـن الـخـاصـة بـهـا وطـبّـقـوهـا. وقـد اكـتـفى الـعـراقـيـون بـمـتـابـعـة هـذه الإدارة مـن غـيـر أن يـشـاركـوا فـيـهـا.

في فـتـرة حـكـم الـمـلـك غـازي :

وبـوفـاة الـمـلـك فـيـصـل الأوّل في 1933 إنـتـهـت الـفـتـرة الّـتي كـانـت فـيـهـا الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة تـحـت وصـايـة بـريـطـانـيـا، وهـبّـت ريـح وطـنـيـة بـعـد أن اعـتـلى ابـنـه غـازي عـرش الـعـراق.

ونـجـد في الـجـرائـد الـعـراقـيـة في عـام 1933 انـتـقـادات لـوضـع إدارة الآثـار، مـثـل الـمـقـال الّـذي نـشـرتـه جـريـدة “صـوت الـعـراق” تـحـت عـنـوان “آثـارنـا” والّـذي يـعـبـر عـن إحـسـاس الـعـراقـيـيـن بـأنّ تـراثـهـم الـقـديـم يـسـرق أمـام أعـيـنـهـم، ويـطـالـب الـحـكـومـة بـالإشـراف عـلى كـمـيـات الـقـطـع الأثـريـة الّـتي تـخـرج مـن الـعـراق. ويـقـارن الـمـقـال بـيـن الـقـطـع الـقـلـيـلـة الّـتي كـان يـحـتـوي عـلـيـهـا الـمـتـحف الـعـراقي والـكـمـيـات الـهـائـلـة الّـتي كـانـت تـخـرج مـن بـاطـن الأرض في مـواقـع الـتّـنـقـيـبـات وتـرسـل إلى الـمـتـاحـف الـغـربـيـة. كـمـا طـالـب الـمـقـال بـأن تـهـتـم الـحـكـومـة بـإرسـال الـطّـلاب لـدراسـة عـلـم الآثـار لـتـمـكـيـن الـعـراقـيـيـن مـن الإعـتـنـاء بـآثـارهـم بـأنـفـسـهـم.

وقـد شـرع رجـال الـسّـيـاسـة الـعـراقـيـون في تـلـك الـفـتـرة بـاقـتـراح مـسـودات نـصـوص قـوانـيـن لـتـحـديـد كـمـيـات الآثـار الـمـرسـلـة إلى الـغـرب. وعـيّـن سـاطـع الـحـصـري مـديـراً لـلآثـار في تـشـريـن الأوّل 1934. ولأنّ الـحـصـري لـم يـكـن مـخـتـصّـاً بـالآثـار فـقـد عـيّـن عـالـم الآثـار الألـمـاني يـولـيـوس يـوردان  Julius JORDAN مـسـاعـداً لـه ومـسـتـشـاراً.

وقـد جـهـد الـحـصـري خـلال إدارتـه لـلآثـار كـمـا فـعـل خـلال إدارتـه لـلـمـعـارف بـتـنـمـيـة وعي الـعـراقـيـيـن بـمـاضـيـهـم وذلـك لـخـلـق شـعـور وطـني يـسـتـنـد عـلى الـتّـاريـخ. وهـكـذا أصـبـحـت الآثـار مـن بـيـن الأدوات الـسّـيـاسـيـة الّـتي اسـتـعـمـلـت لإرسـاء أسـس الإنـتـمـاء إلى الـدّولـة الـعـراقـيـة الـحـديـثـة.

وكـان اهـتـمـام الـحـصـري الـرّئـيـسي هـو الـحـفـاظ عـلى الآثـار الإسـلامـيـة وتـرمـيـم مـعـالـمـهـا وإنـشـاء مـتـحـف إسـلامي. أمّـا آثـار مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـقـديـمـة فـلـم تـنـل إلّا الـقـلـيـل مـن اهـتـمـامـه، فـهي تـبـدو لـه مـحـلـيـة ولا تـخـدم مـصـالـح الـقـومـيـة الـعـربـيـة.

وأعـلـنـت مـديـريـة الآثـار في شـبـاط 1936 أنّـهـا سـتـقـود أوّل حـمـلـة تـنـقـيـبـات عـراقـيـة في خـرائـب واسـط. وكـانـت واسـط مـن أهـم أمـصـار الـعـراق في الـفـتـرتـيـن الأمـويـة والـعـبّـاسـيـة مـن الـقـرن الـثّـامـن إلى الـقـرن الـحـادي عـشـر.

ورغـم اتـجـاهـاتـه الـسّـيـاسـيـة فـقـط ظـلّ سـاطـع الـحـصـري مـجـبـراً عـلى الإلـتـزام بـقـانـون الـمـس بـيـل الّـذي صـدر في 1924. وقـد كـتـب عـالـم الآثـار الـمـعـروف هـنـري فـرانـكـفـورت Henri Frankfort  في 1936 عـن تـقـسـيـم مـا عـثـر عـلـيـه في الـتّـنـقـيـبـات : “حـصـلـنـا عـلى قـسـمـة مـمـتـازة. وحـتّى في مـا يـخـصّ الـقـطـع الإسـتـثـنـائـيـة فـقـد حـصـلـنـا مـنـهـا عـلى كـمـيـات مـهـمّـة “.

وفي 1936، عـرض اقـتـراح قـانـون آثـار جـديـد أمـام الـبـرلـمـان الـعـراقي. وقـد صـدّقـه الـبـرلـمـان رغـم احـتـجـاجـات الـمـؤسـسـات الـغـربـيـة وعـلـمـاء الآثـار، ورغـم مـحـاولات الـدّبـلـومـاسـيـة الـغـربـيـة لـلـضـغـط عـلى الـحـكـومـة الـعـراقـيـة وإجـبـارهـا عـلى سـحـب اقـتـراح الـقـانـون.

وكـان الـقـانـون الـجـديـد يـقـتـرح أن يـحـتـفـظ الـعـراق بـكـلّ الـقـطـع الأثـريـة الّـتي لـم يـعـثـر مـنـهـا إلّا عـلى نـسـخـة واحـدة، أمّـا إذا كـانـت مـتـعـددة الـنّـسـخ فـيـتـقـاسـمـهـا مـع الـمـنـقـبـيـن. وهـو مـا تـنـصّ عـلـيـه كـلّ الـقـوانـيـن الـسّـائـدة في كـلّ أنـحـاء الـعـالـم.

وقـلـيـلاً فـقـلـيـلاً اسـتـقـلّـت إدارة الآثـار الـعـراقـيـة عـن الـسّـلـطـات الـبـريـطـانـيـة إلى حـدّ أنّ الـتّـقـريـر الـسّـنـوي لـوزارة الـخـارجـيـة الـبـريـطـانـيـة لـعـام 1938 اسـتـنـكـر أنّ “خـبـراء عـيّـنـوا في مـديـريـة الآثـار الـعـراقـيـة مـن غـيـر طـلـب الإذن مـن الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة” !

وفي عـام 1939 تـوفي الـمـلـك غـازي الأوّل في حـادث ســيّـارة، وصـار ابـنـه فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق. ولـكـن لـصـغـر سـنّـه عـيّـن خـالـه عـبـد الإلـه وصـيـاً عـلى الـعـرش إلى أن يــصـل فـيـصـل بـن غـازي إلى ســنّ الـبـلـوغ.

وقـد تـأثـرت إدارة الآثـار بـالـوضـع الـجـديـد، وعـادت لـلإنـكـلـيـز هـيـمـنـتـهـم عـلى الـعـراق بـعـد إسـقـاط حـركـة رشـيـد عـالي الـكـيـلاني. وكـان مـن نـتـائـج ذلـك أن طـردوا سـاطـع الـحـصـري مـن الـعـراق عـام 1941، وعـيّـنـوا يـوسـف رزق الله غـنـيـمـة خـلـفـاً لـه عـلى إدارة الآثـار.

بـعـد الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة :

وفي عـام 1944 أي في نـهـايـة الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة تـقـريـبـاً، عـيّـن نـاجي الأصـيـل مـديـراً لـلآثـار. ولأنّ نـاجي الأصـل لـم يـكـن عـالـم آثـار فـقـد اخـتـار لـمـسـانـدتـه في مـهـمـتـه عـالـمَي آثـار عـراقـيَـيـن:

أولـهـمـا فـؤاد سـفـر الّـذي كـان قـد حـصـل عـلى الـبـكـالـوريـوس والـمـاجـسـتـيـر مـن الـمـعـهـد الـشّـرقي في جـامـعـة شـيـكـاغـو في آثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن ولـغـاتـهـا، والّـذي كـان قـد عـيّـن، بـعـد رجـوعـه إلى بـغـداد عـام 1938، في مـديـريـة الآثـار الـقـديـمـة الّـتي كان يـديـرهـا سـاطـع الـحـصـري.

%d9%81%d8%a4%d8%a7%d8%af-%d8%b3%d9%81%d8%b1

وثـانـيـهـمـا طـه بـاقـر الّـذي كـان قـد حـصـل هـو أيـضـاً عـلى الـبـكـالـوريـوس والـمـاجـسـتـيـر مـن  الـمـعـهـد الـشّـرقي في جـامـعـة شـيـكـاغـو في آثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن ولـغـاتـهـا، والّـذي

كـان قـد عـيّـن، بـعـد رجـوعـه إلى بـغـداد عـام 1938 خـبـيـراً فـنـيـاً في مـديـريـة الآثـار الـقـديـمـة، ثـمّ أمـيـنـاً  لـلـمـتـحـف الـعـراقي مـن 1941 إلى 1953.

%d8%b7%d9%87-%d8%a8%d8%a7%d9%82%d8%b1

وكـان مـشـروع الـمـديـريـة الـمـهـمّ الأوّل الـقـيـام بـتـنـقـيـبـات في “أبـو شـهـريـن”، مـوقـع مـديـنـة أريـدو الـقـديـمـة، ثـمّ الـشّـروع في تـرمـيـم عـدد مـن الـمـبـاني الإسـلامـيـة. وكـانـت تـلـك الـبـدايـة الـحـقـيـقـيـة لامـتـلاك الـعـراقـيـيـن لـتـراثـهـم الـحـضـاري الـقـديـم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(4) إسـتـعـمـلـت في كـثـيـر مـن أقـسـام هـذا الـنّـصّ الـمـقـال الـمـهـمّ الّـذي كـتـبـه  Magnus T. Bernhardsson

تـحـت عـنـوان :

The Sens of Belonging, The Politics of Archaeology in Modern Iraq

ونـشـره في كـتـاب:  Selective Remembrances .