بـدايـة اهـتـمـام الـعـراقـيـيـن بـآثـارهـم الـقـديـمـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

%d8%a5%d9%84%d8%af%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%af%d9%88-%d9%85%d8%aa%d8%ad%d9%81

لـم تـجـذب الـخـرائـب الـقـديـمـة اهـتـمـام الـنّـاس لـمـدّة قـرون طـويـلـة، ولـم تـؤثـر عـلى حـيـاتـهـم الـيـومـيـة.  وكـانـوا يـهـدمـون الـقـديـم لـيـشـيّـدوا في مـكـانـه أبـنـيـة جـديـدة، ويـذيـبـون الـمـصـنـوعـات الـمـعـدنـيـة لـيـصـبّـوهـا مـن جـديـد. ويـسـتـعـمـلـون نـقـوش الـمـاضي ومـنـحـوتـاتـه  في تـكـويـنـات مـسـتـحـدثـة أو يـعـيـدون حـفـرهـا ونـقـشـهـا.

ولـم يـكـن ذلـك وقـفـاً عـلى الـمـجـتـمـعـات الـشّـرقـيـة بـل عـرفـتـه كـلّ الـمـجـتـمـعـات قـبـل أن يـصـبـح الـحـفـاظ عـلى الـقـديـم وتـرمـيـمـه وإدخـالـه في مـكـوّنـات الـهـويـة الـتّـاريـخـيـة لـلـشّـعـوب مـن خـصـائـص الـثّـقـافـة الـحـديـثـة مـنـذ الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر.

وقـد كـتـب الـقـزويـني في “آثـار الـبـلاد وأخـبـار الـعـبـاد” الّـذي ألّـفـه في الـقـرن الـثّـالـث عـشـر كـيـف كـان الـنّـاس يـأخـذون صـخـور الـخـرائـب وطـابـوقـهـا لـيـشـيـدوا بـهـا دورهـم، فـهـم كـانـوا يـسـتـعـمـلـون مـخـلـفـات الـمـاضي لـتـشـيـيـد حـاضـرهـم. ومـن هـذه الإسـتـعـمـالات الـشّـائـعـة جـاءت الأسـطـورة الّـتي تـنـاقـلـهـا الأوربـيـون مـدّة قـرون طـويـلـة مـن أنّ بـغـداد شـيّـدت بـطـابـوق بـابـل.

وكـان الـذّيـن اهـتـمّـوا بـآثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن حـتّى الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر مـن تـجّـار أوربـا أو مـن رحّـالـتـهـا الّـذيـن تـجـولـوا في مـنـاطـق مـا بـيـن دجـلـة والـفـرات. وغـالـبـاً مـا كـان يـدفـعـهـم إلى زيـارة الـخـرائـب مـا كـانـوا قـد قـرأوه عـن أور أو بـابـل أو نـيـنـوى في الـتّـوراة أو في كـتـب الـمـؤلـفـيـن الإغـريـق والـرّومـان.

بـدايـة اكـتـشـاف آثـار حـضـارات مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

ومـنـذ أن اكـتـشـف بـول إمـيـل بـوتـا Paul- Emile BOTTA   قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (دور شـروكـيـن) في قـريـة خـورسـبـاد، قـرب الـمـوصـل في عـام 1843 أصـبـحـت الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة حـكّـراً عـلى الـغـربـيـيـن.

وتـتـابـعـت الـحـفـريـات الّـتي مـولـتـهـا مـؤسـسـات حـكـومـيـة أو خـاصـة أو مـتـاحـف أو جـامـعـات أجـنـبـيـة في ولايـات بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل الـتّـابـعـة لـلـدّولـة الـعـثـمـانـيـة حـتّى الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى.

وكـان يـكـفي لـلـقـيـام بـالـتّـنـقـيـبـات أن يـحـصـل سـفـيـر أو قـنـصـل غـربي عـلى “فـرمـان” مـن الـبـاب الـعـالي. وكـان الـمـنـقـبـون يـتـقـاسـمـون الـقـطـع الأثـريـة الّـتي يـعـثـرون عـلـيـهـا مـع بـاشـا الـولايـة. وهـذا مـا يـفـسـر الـكـمـيـات الـهـائـلـة مـن هـذه الـقـطـع الـتّي مـا زالـت تـحـتـفـظ بـهـا مـتـاحـف إسـطـنـبـول.

وقـد أرسـل الـمـنـقـبـون الـغـربـيـون نـصـيـبـهـم مـن الـقـطـع الأثـريـة إلى بـلـدانـهـم، ودخـلـت في مـتـاحـفـهـا مـثـل مـتـحف الـلـوفـر في بـاريـس أو الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن أو مـتـحـف بـرلـيـن …

وقـد أثـار اكـتـشـاف آثـار حـضـارات مـا بـيـن دجـلـة والـفـرات اهـتـمـام الـعـلـمـاء في كـلّ أرجـاء الـعـالـم، وأخـذوا يـدرسـونـهـا ويـحـاولـون حـلّ طـلاسـم نـصـوصـهـا الـمـكـتـوبـة بـالـمـسـمـاريـة. وبـعـد أن تـوصـلـوا إلى قـراءة الـمـسـمـاريـة وفـهـم الـلـغـة الأكّـديـة (الآشـوريـة ــ الـبـابـلـيـة) بـدأوا يـنـشـرون الـنّـصـوص الّـتي عـثـر عـلـيـهـا الـمـنـقـبـون. ونـشـأ عـلـم جـديـد أسـمي بـعـلـم الآشـوريـات وبـدأ يـدرّس في الـجـامـعـات. ولـكـن كـلّ هـذا لـم يـكـن إلّا في الـغـرب وبـلـغـات أوربـيـة.

بـعـد الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى :

وبـعـد سـقـوط الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة دخـل الـعـراق تـحـت الإنـتـداب الـبـريـطـاني، ونـظّـم الـبـريـطـانـيـون أمـور الـبـلـد حـسـب مـا تـقـتـضـيـه مـصـالـحـهـم.

وقـد أنـشـأ الـجـيـش الـبـريـطـاني في 1918 وظـيـفـة لآثـاري يـلـحـق بـه، مـهـمـتـه مـراقـبـة آثـار الـبـلـد وحـمـايـتـهـا، وكـذلـك الإشــراف عـلى الـتّـنـقـيـبـات فـيـه. وقـد اخـتـيـر لـهـذه الـوظـيـفـة كـامـبـل تـومـسـون R.Campbell Thompson ، مـن مـخـابـرات الـجـيـش الـبـريـطـاني، والّـذي كـان يـعـمـل في الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في لـنـدن قـبـل الـحـرب لـذلـك.

%d8%aa%d9%88%d9%85%d8%b3%d9%88%d9%86

وقـام تـومـســن بـتـنـقـيـبـات ســريـعـة في إريـدو (أبـو شـهـريـن)، كـما سـبـر الـطـبـقـات الـسّــفـلى مـن مـوقـع أور (تـل الـمـقـيّـر)، مـما دفـع الـمـتـحـف الـبـريـطـاني إلى إرسـال بـعـثـة تـرأسـهـا الـدّكـتـور هـال Dr. H. R. HALL   نـقّـبـت في أور وفي إريـدو وفي تـل الـعُـبـيـد.

ثـمّ اسـتـمـر الـبـريـطـانـيـون في تـسـيـيـر أمـور الـعـراق بـصـورة غـيـر مـبـاشـرة بـعـد تـكـويـن الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة في 1921. وأُلـحـق بـكـلّ وزيـر عـراقي مـسـتـشـار بـريـطـاني يـنـصـحـه ويـشـرف عـلى قـراراتـه قـبـل أن يـوافـق عـلـيـهـا. وكـان مـيـدان إدارة الآثـار مـخـصـصـاً لـلـبـريـطـانـيـيـن، ولـم يـقـبـلـوا أن يـشـارك الـعـراقـيـون فـيـه.

الـمـس بـيـل وآثـار الـعـراق :

وقـد اسـتـولـت سـكـرتـيـرة الـشـؤون الـشّـرقـيـة الـمـس جـيـرتـرود بـيـل Gertrude Bell عـلى إدارة الآثـار. وكـانـت قـد عـرفـت الـمـنـطـقـة قـبـل الـحـرب واطّـلـعـت عـلى الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة في الـعـراق .وقـد عـمـلـت مـع عـلـمـاء الآثـار بـعـد أن احـتـلـت هـذه الـوظـيـفـة وقـامـت بـدورات تـفـتـيـشـيـة عـلى عـدد مـن الـمـواقـع. وقـد قـالـت عـن نـفـسـهـا : “أعـتـقـد أنـني عـالـمـة آثـار شـيـئـاً مـا في داخـلي أنـا نـفـسي”.

%d8%ac%d8%b1%d8%aa%d8%b1%d9%88%d8%af-%d8%a8%d9%8a%d9%84-2

 

وقـد رأيـنـا كـيـف وضـع الـبـريـطـانـيـون مـراقـبـة آثـار الـبـلـد وحـمـايـتـهـا بـيـن أولـيـات مـهـمـاتـهـم بـعـد أن سـيـطـروا عـلى الـعـراق. ولأنّ عـدداً مـن الـمـؤسـسـات والـجـامـعـات اقـتـرحـت إجـراء حـمـلات تـنـقـيـبـات في الـعـراق فـقـد شـرعـت الـمـس بـيـل بـكـتـابـة مـسـودة لـنـصّ قـانـون لـتـنـظـيـم الـتّـنـقـيـبـات أرادت إصـداره.

وذكـرت في رسـالـة كـتـبـتـهـا في تـمـوز 1922 أنّـهـا حـصـلـت عـلى مـوافـقـة الـمـلـك فـيـصـل الأوّل عـلى الـقـانـون الّـذي صـاغـتـه عـن الـتّـنـقـيـبـات :       “for my law of excavations”، كـمـا ذكـرت أنّـهـا سـتُـعـيّـن “مـديـرة لـلآثـار”. وقـد الـتـقـت الـمـس بـيـل بـوزراء الـحـكـومـة لـتـقـنـعـهـم بـمـسـانـدة قـانـونـهـا. وكـانـت تـعـتـقـد أنّـه سـيـدخـل حـيـز الـتّـنـفـيـذ بـسـرعـة، ولـكـنّ الأمـر اسـتـغـرق أكـثـر مـمـا كـانـت تـتـوقـعـه.

ونـقـرأ في رسـالـة كـتـبـتـهـا في شـهـر أيـلـول مـن الـعـام الـتّـالي، 1923 أنّـهـا كـانـت مـا تـزال تـنـقّـح نـصّ “قـانـونـهـا”. وذكـرت أنّ “أحـد الـوزراء، يـاسـيـن بـاشـا حـاول أن يـبـدلـه بـنـصّ قـانـون كـتـبـه هـو نـفـسـه عـنـدمـا كـنـتُ غـائـبـة عـن بـغـداد”. وهي تـقـصـد بـه ولا شـكّ يـاسـيـن الـهـاشـمي.

كـمـا واجـهـت الـمـس بـيـل مـعـارضـة سـاطـع الـحـصـري الّـذي كـان يـتـرأس إدارة الـمـعـارف. وكـان الـحـصـري مـن أصـل سـوري عـمـل قـبـل الـحـرب في الـتّـعـلـيـم الـعـثـمـاني، ثـمّ تـبـع فـيـصـل بـن الـحـسـيـن في سـوريـا وجـاء مـعـه إلى الـعـراق. وكـان يـؤمـن بـأنّ الـعـرب يـشـكـلـون قـومـاً واحـداً يـنـبـغي أن يـوحّـد في وطـن واحـد. وكـان أسـاس هـذه الـفـكـرة الـقـومـيـة وحـدة الـتّـاريـخ والـلـغـة، ومـن هـنـا جـاء اهـتـمـامـه بـالـتّـاريـخ وبـالآثـار الـقـديـمـة وبـنـصّ الـمـس بـيـل لـقـانـون الـتّـنـقـيـبـات.

%d8%b3%d8%a7%d8%b7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b5%d8%b1%d9%8a

ويـبـدو مـمـا كـتـبـه الـحـصـري أنّـه دخـل في مـنـاقـشـات حـامـيـة مـع الـمـس بـيـل حـول هـذا الـقـانـون وخـاصـة عـن الـوزارة الّـتي سـتُـكـلّـف بـحـفـظ الآثـار. وكـانـت الـمـس بـيـل تـريـد أن تـرتـبـط مـديـريـة الآثـار بـوزارة الأشـغـال الـعـامـة بـدلاً مـن وزارة الـمـعـارف، وكـان ذلـك، حـسـب رأيـه، لأنّ الإنـكـلـيـز كـانـوا يـريـدون الإشـراف عـلى الآثـار مـا دامـوا يـسـيـطـرون عـلى هـذه الـوزارة. ولا تـذكّـر الـمـس بـيـل هـذه الـمـنـاقـشـات في كـتـابـاتـهـا.

وكـان الـعـراقـيـون يـحـاولـون تـعـديـل الـقـانـون لـيـتـيـح لـلـدّولـة الإشـراف عـلى الآثـار، بـيـنـمـا كـانـت الـمـس بـيـل تـنـوي أن يـسـمـح  “قـانـونـهـا” بـإجـراء مـزيـد مـن الـتّـنـقـيـبـات الأجـنـبـيـة وتـقـسـيـم مـا يـعـثـر عـلـيـه مـن آثـار بـإعـطـاء الـمـنـقـبـيـن جـزءاً مـنـاسـبـاً  adequate  ونـمـوذجـيـاً  representative (أي يـمـثّـل نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات في كـلّ مـيـاديـنـهـا) بـعـد أن يـخـتـار الـمـتـحـف الـعـراقي مـا يـحـتـاجـه مـنـهـا. ولأنّ الـصّـفـتـيـن  adequate و representative لـيـس لـهـمـا مـعـنى مـحـدد، فـقـد كـان قـانـون الـمـس بـيـل يـتـرك لـلـسّـلـطـات الـبـريـطـانـيـة الـمـجـال لإعـطـاء الـمـنـقـبـيـن مـا تـشـاء.

ولـتـطـبـيـق هـذا الـقـانـون ذهـبـت الـمـس بـيـل إلى مـواقـع الـتّـنـقـيـب لـلـقـيـام بـجـرد لـمـا عـثـر عـلـيـه واخـتـيـار مـا يـنـبـغي أن يـحـفـظ في الـعـراق. وقـد صـرحـت : “مـهـمـتي كـمـديـرة آثـار، فـأنـا مـسـؤولـة عـراقـيـة، تـجـبـرني عـلى احـتـرام الـشّـروط الّـتي مـنـحـت بـمـوجـبـهـا قـرارات الـسّـمـاح بـالـتّـنـقـيـبـات”. وحـتّى لـو صـدقّـنـا أنّـهـا كـ “مـسـؤولـة في الـحـكـومـة الـعـراقـيـة” كـانـت تـدافـع عـن مـصـالـح الـعـراق، فـهي قـد سـاعـدت الـمـنـقـبـيـن الأجـانـب في الحـصـول عـلى كـمـيـات كـبـيـرة مـن الـقـطـع الأثـريـة الـمـهـمـة.

وقـد تـبـنّـت الـمـس بـيـل مـنـذ عـام 1923 مـشـروع تـأسـيـس مـتـحـف وطـني عـراقي لـحـفـظ الـمـجـمـوعـات الأثـريـة الّـتي تـراكـمـت عـامـاً بـعـد عـام في قـاعـات الـسّـراي الـقـديـمـة.

وفـتـح الـمـتـحـف أبـوابـه لـلـزوّار في حـزيـران 1926. وكـانـت بـنـايـة الـمـتـحـف قـلـيـلـة الـسّـعـة في الـبـدايـة وتـحـتـوي خـاصـة عـلى آثـار مـا قـبـل الإسـلام.

وبـعـد زيـارتـه الأولى لـلـمـتـحـف كـتـب سـاطـع الـحـصـري يـنـتـقـد مـحـتـويـاتـه الّـتي لـم يـجـد بـيـنـهـا إلّا الـقـلـيـل مـن الآثـار الإسـلامـيـة وفي قـاعـة واحـدة مـن قـاعـات الـمـتـحـف الـسّـتّ.

ويـمـكـنـنـا تـلـخـيـص الـفـتـرة مـن 1921 إلى 1933بـأنّـهـا كـانـت فـتـرة إدارة الـبـريـطـانـيـيـن لـلآثـار، فـهـم الّـذيـن أصـدروا الـقـوانـيـن الـخـاصـة بـهـا وطـبّـقـوهـا. وقـد اكـتـفى الـعـراقـيـون بـمـتـابـعـة هـذه الإدارة مـن غـيـر أن يـشـاركـوا فـيـهـا.

في فـتـرة حـكـم الـمـلـك غـازي :

وبـوفـاة الـمـلـك فـيـصـل الأوّل في 1933 إنـتـهـت الـفـتـرة الّـتي كـانـت فـيـهـا الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة تـحـت وصـايـة بـريـطـانـيـا، وهـبّـت ريـح وطـنـيـة بـعـد أن اعـتـلى ابـنـه غـازي عـرش الـعـراق.

ونـجـد في الـجـرائـد الـعـراقـيـة في عـام 1933 انـتـقـادات لـوضـع إدارة الآثـار، مـثـل الـمـقـال الّـذي نـشـرتـه جـريـدة “صـوت الـعـراق” تـحـت عـنـوان “آثـارنـا” والّـذي يـعـبـر عـن إحـسـاس الـعـراقـيـيـن بـأنّ تـراثـهـم الـقـديـم يـسـرق أمـام أعـيـنـهـم، ويـطـالـب الـحـكـومـة بـالإشـراف عـلى كـمـيـات الـقـطـع الأثـريـة الّـتي تـخـرج مـن الـعـراق. ويـقـارن الـمـقـال بـيـن الـقـطـع الـقـلـيـلـة الّـتي كـان يـحـتـوي عـلـيـهـا الـمـتـحف الـعـراقي والـكـمـيـات الـهـائـلـة الّـتي كـانـت تـخـرج مـن بـاطـن الأرض في مـواقـع الـتّـنـقـيـبـات وتـرسـل إلى الـمـتـاحـف الـغـربـيـة. كـمـا طـالـب الـمـقـال بـأن تـهـتـم الـحـكـومـة بـإرسـال الـطّـلاب لـدراسـة عـلـم الآثـار لـتـمـكـيـن الـعـراقـيـيـن مـن الإعـتـنـاء بـآثـارهـم بـأنـفـسـهـم.

وقـد شـرع رجـال الـسّـيـاسـة الـعـراقـيـون في تـلـك الـفـتـرة بـاقـتـراح مـسـودات نـصـوص قـوانـيـن لـتـحـديـد كـمـيـات الآثـار الـمـرسـلـة إلى الـغـرب. وعـيّـن سـاطـع الـحـصـري مـديـراً لـلآثـار في تـشـريـن الأوّل 1934. ولأنّ الـحـصـري لـم يـكـن مـخـتـصّـاً بـالآثـار فـقـد عـيّـن عـالـم الآثـار الألـمـاني يـولـيـوس يـوردان  Julius JORDAN مـسـاعـداً لـه ومـسـتـشـاراً.

وقـد جـهـد الـحـصـري خـلال إدارتـه لـلآثـار كـمـا فـعـل خـلال إدارتـه لـلـمـعـارف بـتـنـمـيـة وعي الـعـراقـيـيـن بـمـاضـيـهـم وذلـك لـخـلـق شـعـور وطـني يـسـتـنـد عـلى الـتّـاريـخ. وهـكـذا أصـبـحـت الآثـار مـن بـيـن الأدوات الـسّـيـاسـيـة الّـتي اسـتـعـمـلـت لإرسـاء أسـس الإنـتـمـاء إلى الـدّولـة الـعـراقـيـة الـحـديـثـة.

وكـان اهـتـمـام الـحـصـري الـرّئـيـسي هـو الـحـفـاظ عـلى الآثـار الإسـلامـيـة وتـرمـيـم مـعـالـمـهـا وإنـشـاء مـتـحـف إسـلامي. أمّـا آثـار مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـقـديـمـة فـلـم تـنـل إلّا الـقـلـيـل مـن اهـتـمـامـه، فـهي تـبـدو لـه مـحـلـيـة ولا تـخـدم مـصـالـح الـقـومـيـة الـعـربـيـة.

وأعـلـنـت مـديـريـة الآثـار في شـبـاط 1936 أنّـهـا سـتـقـود أوّل حـمـلـة تـنـقـيـبـات عـراقـيـة في خـرائـب واسـط. وكـانـت واسـط مـن أهـم أمـصـار الـعـراق في الـفـتـرتـيـن الأمـويـة والـعـبّـاسـيـة مـن الـقـرن الـثّـامـن إلى الـقـرن الـحـادي عـشـر.

ورغـم اتـجـاهـاتـه الـسّـيـاسـيـة فـقـط ظـلّ سـاطـع الـحـصـري مـجـبـراً عـلى الإلـتـزام بـقـانـون الـمـس بـيـل الّـذي صـدر في 1924. وقـد كـتـب عـالـم الآثـار الـمـعـروف هـنـري فـرانـكـفـورت Henri Frankfort  في 1936 عـن تـقـسـيـم مـا عـثـر عـلـيـه في الـتّـنـقـيـبـات : “حـصـلـنـا عـلى قـسـمـة مـمـتـازة. وحـتّى في مـا يـخـصّ الـقـطـع الإسـتـثـنـائـيـة فـقـد حـصـلـنـا مـنـهـا عـلى كـمـيـات مـهـمّـة “.

وفي 1936، عـرض اقـتـراح قـانـون آثـار جـديـد أمـام الـبـرلـمـان الـعـراقي. وقـد صـدّقـه الـبـرلـمـان رغـم احـتـجـاجـات الـمـؤسـسـات الـغـربـيـة وعـلـمـاء الآثـار، ورغـم مـحـاولات الـدّبـلـومـاسـيـة الـغـربـيـة لـلـضـغـط عـلى الـحـكـومـة الـعـراقـيـة وإجـبـارهـا عـلى سـحـب اقـتـراح الـقـانـون.

وكـان الـقـانـون الـجـديـد يـقـتـرح أن يـحـتـفـظ الـعـراق بـكـلّ الـقـطـع الأثـريـة الّـتي لـم يـعـثـر مـنـهـا إلّا عـلى نـسـخـة واحـدة، أمّـا إذا كـانـت مـتـعـددة الـنّـسـخ فـيـتـقـاسـمـهـا مـع الـمـنـقـبـيـن. وهـو مـا تـنـصّ عـلـيـه كـلّ الـقـوانـيـن الـسّـائـدة في كـلّ أنـحـاء الـعـالـم.

وقـلـيـلاً فـقـلـيـلاً اسـتـقـلّـت إدارة الآثـار الـعـراقـيـة عـن الـسّـلـطـات الـبـريـطـانـيـة إلى حـدّ أنّ الـتّـقـريـر الـسّـنـوي لـوزارة الـخـارجـيـة الـبـريـطـانـيـة لـعـام 1938 اسـتـنـكـر أنّ “خـبـراء عـيّـنـوا في مـديـريـة الآثـار الـعـراقـيـة مـن غـيـر طـلـب الإذن مـن الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة” !

وفي عـام 1939 تـوفي الـمـلـك غـازي الأوّل في حـادث ســيّـارة، وصـار ابـنـه فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق. ولـكـن لـصـغـر سـنّـه عـيّـن خـالـه عـبـد الإلـه وصـيـاً عـلى الـعـرش إلى أن يــصـل فـيـصـل بـن غـازي إلى ســنّ الـبـلـوغ.

وقـد تـأثـرت إدارة الآثـار بـالـوضـع الـجـديـد، وعـادت لـلإنـكـلـيـز هـيـمـنـتـهـم عـلى الـعـراق بـعـد إسـقـاط حـركـة رشـيـد عـالي الـكـيـلاني. وكـان مـن نـتـائـج ذلـك أن طـردوا سـاطـع الـحـصـري مـن الـعـراق عـام 1941، وعـيّـنـوا يـوسـف رزق الله غـنـيـمـة خـلـفـاً لـه عـلى إدارة الآثـار.

بـعـد الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة :

وفي عـام 1944 أي في نـهـايـة الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة تـقـريـبـاً، عـيّـن نـاجي الأصـيـل مـديـراً لـلآثـار. ولأنّ نـاجي الأصـل لـم يـكـن عـالـم آثـار فـقـد اخـتـار لـمـسـانـدتـه في مـهـمـتـه عـالـمَي آثـار عـراقـيَـيـن:

أولـهـمـا فـؤاد سـفـر الّـذي كـان قـد حـصـل عـلى الـبـكـالـوريـوس والـمـاجـسـتـيـر مـن الـمـعـهـد الـشّـرقي في جـامـعـة شـيـكـاغـو في آثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن ولـغـاتـهـا، والّـذي كـان قـد عـيّـن، بـعـد رجـوعـه إلى بـغـداد عـام 1938، في مـديـريـة الآثـار الـقـديـمـة الّـتي كان يـديـرهـا سـاطـع الـحـصـري.

%d9%81%d8%a4%d8%a7%d8%af-%d8%b3%d9%81%d8%b1

وثـانـيـهـمـا طـه بـاقـر الّـذي كـان قـد حـصـل هـو أيـضـاً عـلى الـبـكـالـوريـوس والـمـاجـسـتـيـر مـن  الـمـعـهـد الـشّـرقي في جـامـعـة شـيـكـاغـو في آثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن ولـغـاتـهـا، والّـذي

كـان قـد عـيّـن، بـعـد رجـوعـه إلى بـغـداد عـام 1938 خـبـيـراً فـنـيـاً في مـديـريـة الآثـار الـقـديـمـة، ثـمّ أمـيـنـاً  لـلـمـتـحـف الـعـراقي مـن 1941 إلى 1953.

%d8%b7%d9%87-%d8%a8%d8%a7%d9%82%d8%b1

وكـان مـشـروع الـمـديـريـة الـمـهـمّ الأوّل الـقـيـام بـتـنـقـيـبـات في “أبـو شـهـريـن”، مـوقـع مـديـنـة أريـدو الـقـديـمـة، ثـمّ الـشّـروع في تـرمـيـم عـدد مـن الـمـبـاني الإسـلامـيـة. وكـانـت تـلـك الـبـدايـة الـحـقـيـقـيـة لامـتـلاك الـعـراقـيـيـن لـتـراثـهـم الـحـضـاري الـقـديـم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(4) إسـتـعـمـلـت في كـثـيـر مـن أقـسـام هـذا الـنّـصّ الـمـقـال الـمـهـمّ الّـذي كـتـبـه  Magnus T. Bernhardsson

تـحـت عـنـوان :

The Sens of Belonging, The Politics of Archaeology in Modern Iraq

ونـشـره في كـتـاب:  Selective Remembrances .

 

 

 

 

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s