بـطـاقـات بـريـديـة عـن الـعـراق نـشـرتـهـا شـركـة ر. تـك في لـنـدن

tuck-xxxxvi

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

شـركـة رفـائـيـل تـك في لـنـدن :

بـدأ رفـائـيـل تـك Raphael Tuck  يـمـارس الـتّـجـارة بـمـسـاعـدة زوجـتـه في لـنـدن. وشـرعـا عـام 1866 بـبـيـع صـور لـرسـوم ولـبـطـاقـات تـهـاني. وتـحـسـنـت تـجـارتـهـمـا عـنـدمـا  أضـافـا إلـيـهـا بـيـع الـبـطـاقـات الـبـريـديـة.

وأصـبـحـت شـركـتـهـمـا بـعـد سـنـوات قـلـيـلـة مـن أهـم الـشّـركـات الـبـريـطـانـيـة الـمـخـتـصـة بـطـبـع الـبـطـاقـات وبـيـعـهـا في نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر وبـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن.

وشـارك ثـلاثـة مـن أبـنـائـهـمـا في تـسـيـيـر الـشّـركـة فـأصـبـح اسـمـهـا :           R. Tuck & Sons  ثـمّ أدار الإبـن الـثّـاني أدولـف الـشّـركـة حـتّى وفـاتـه في 1926.

tuck-34

(عـلامـة شـركـة رفـائـيـل تـك وأبـنـائـه الـمـسـجّـلـة)

وقـد قـصـف مـقـر الـشّـركـة في بـدايـة الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة عـام 1940 ودُمـرت الـمـسـوّدات الأصـلـيـة لـلـصّـور الّـتي كـانـت فـيـه، ومـن بـيـنـهـا صـور الـعـراق في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن. ولـم يـبـق لـنـا إلّا الـبـطـاقـات الـبـريـديـة الّـتي كـانـت قـد طـبـعـت عـنـهـا.

بـطـاقـات بـريـديـة طـبـعـتـهـا شـركـة ر. تـك لـحـسـاب عـبـد الـكـريـم الـبـصـراوي :

نـعـرف مـن الـنّـص الـمـكـتـوب عـلى ظـهـر عـدد مـن الـبـطـاقـات الـبـريـديـة أنّ الـشّـركـة الـلـنـدنـيـة طـبـعـتـهـا لـحـسـاب كـريـم الـبـصـراوي :

.Copyright Kerim

.Raphael Tuck & Sons’ « Collo- Photo » Post Card

.Art Publishers to Their Majesties The King & Queen

.Published for A. Kerim, Basra, Persian Gulf

%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b5%d8%b1%d8%a9-2-2

وقـد تـكـلّـمـنـا في مـقـال سـابـق عـن كـريـم الـبـصـراوي هـذا (1) وقـلـنـا إنّ الإسـم    A. Kerim ربّـمـا كـان إخـتـصـاراً لـعـبـد الـكـريـم :  Abdul Kerim.  ويُـحـتـمـل إذن أن يـكـون الـمـقـصـود بـه عـبـد الـكـريـم إبـراهـيـم يـوسـف تـبـوني الّـذي كـان مـسـيـحـيـاً كـلـدانـيـا مـن الـبـصـرة، سـافـر إلى الـهـنـد في نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر ودرس في بـومـبـاي. وقـد اشـتـرى هـنـاك آلـة تـصـويـر عـاد بـهـا إلى الـبـصـرة وفـتـح اسـتـوديـو تـصـويـر فـيـهـا.

وقـد وجـدت 42 بـطـاقـة عـلـيـهـا في أسـفـل يـسـارهـا عـلامـة الـشّـركـة، وفي أسـفـلـهـا أيـضـاً تـعـلـيـق بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة يـصـف الـمـشـهـد والـمـكـان الّـذي الـتـقـطـت فـيـه الـصّـورة.

ويـمـكـنـنـا أن نـصـنّـف هـذه الـبـطـاقـات في ثـلاث مـجـمـوعـات :

1 .  صـور تـتـعـلـق بـالـسّـلـطـات الإداريـة لـلـجـيـش الـبـريـطـاني في الـبـصـرة والـمـبـاني الإداريـة الـتّـابـعـة لـهـا :

صـورة لـمـبـنى الـحـكـومـة   »The Government House «  في الـبـصـرة. ونـلاحـظ الـعـلـم الـبـريـطـاني يـرفـرف فـوق الـمـبـنى، مـمـا يـدلّ عـلى أنّـه كـان مـقـرّ الإدارة الـبـريـطـانـيـة لـولايـة الـبـصـرة بـعـد أن دخـلـتـهـا الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في 1914. ولا شـكّ في أنّـه اسـتـعـمـل حـتّى عـام 1921، عـنـدمـا تـكـوّنـت الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة وضـمّـت ولايـة الـبـصـرة إلى ولايـة بـغـداد.

 

ونـجـد عـلى ظـهـر الـبـطـاقـة الـبـريـديـة الّـتي لـديـنـا أنّـهـا أرسـلـت مـن إيـران إلى بـلـجـيـكـا في 10 حـزيـران 1923، وعـلـيـهـا طـابـع إيـراني : “بـسـت مـمـالـك مـحـروسـة إيـران”. وهـذا يـدلّ عـلى أن عـبـد الـكـريـم اسـتـمـرّ في بـيـع بـطـاقـاتـه لـمـدة سـنـوات طـويـلـة .

ورشـات الـجـيـش الـبـريـطـاني الـهـنـدسـيـة  “Engineer Field Park”  في الـبـصـرة :

tuck-ii

مـخـازن الـعـتـاد “Ordnance Depôt” في الـبـصـرة  :

tuck-iv

ورشـات الـبـحـريـة لـلإصـلاح والـصّـيـانـة،  ومـبـنى الـجـمـارك  “Marine Repair shop and Customs” في الـبـصـرة. ولـديـنـا صـورة أخـرى لـمـبـنى الـجـمـارك “Customs House” الـتـقـطـت مـن جـهـة أخـرى :

الـمـسـتـشـفي الـبـريـطـاني  British General Hospital في الـبـصـرة :

tuck-xxxi

مـكـتـب الـبـريـد والـبـرق، شـارع الـسّـاحـل، الـبـصـرة   The Strand. Post & Telegraphs ، وهي الـصّـورة الّـتي وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال.

مـعـسـكـر بـريـطـاني في عـلي الـغـربي  British Camp, Ali Gharbi, Mesopotamia :

xxx

نـصـب شـيّـده الأتـراك في الـكـوت قـبـل أن يـعـيـد الـبـريـطـانـيـون احـتـلالـهـا  Turkish Obelisk Built before Re-occupation of Kut by the British :

tuck-xxxxv

جـنـود أسـتـرالـيـون  Australian Fleying Grops   في الـبـصـرة :

tuck-xxvii

حـطـام سـفـيـنـة في شـطّ الـعـرب Wreck of the « Ekbatana » Shatt- El- Arab  . وكـانـت سـفـيـنـة نـقـل أجـنـبـيـة اسـتـولـت عـلـيـهـا الـقـوات الـتّـركـيـة، وأغـرقـهـا الـبـريـطـانـيـون في الـخـامـس مـن تـشـريـن الـثّـاني عـام 1914 :

tuck-viii

حـطـام سـفـيـنـة حـربـيـة تـركـيـة “مـرمـرة” في نـهـر دجـلـة  Wreck of the « Mermaris » Turkish Gun Boat, River Tigris ، وهي ولا شـكّ قـد أغـرقـت في 1914:

tuck-xxi

 

  1. صـور الـبـصـرة و جـنـوب الـعـراق

صـورة الـقـشـلـة (ثـكـنـة جـنـود الـعـشـار) في الـبـصـرة                            Qashla (Ashar Barracks) Basra ، وكـانـت الـبـنـايـة قـد شـيّـدت في فـتـرة الـحـكـم الـعـثـمـاني لـلـمـديـنـة :

tuck-33

صـورة جـسـر وايـتـلي   Whiteley Bridge (أسـمي بـعـد ذلـك جـسـر الأمـيـر غـازي) في الـبـصـرة :

tuck-xxxx-iv

صـورة شـارع الـسّـاحـل  The Strand  في الـبـصـرة :

صـورتـان لـمـقـاهي الـعـرب Arab Coffee- Shops  في الـبـصـرة :

نـخـيـل  Date Palms في الـبـصـرة :

tuck-xxxiii

بـاعـة الـوقـود  Fuel Market  في الـبـصـرة :

tuck-xxxvi

عـبـور الـخـورة  Across the Kora  ، الـبـصـرة :

tuck-xx

صـورتـان لـنـهـر الـخـورة (عـلى الـبـطـاقـة : جـدول الـخـورة)  Kora Creek :

مـدخـل نـهـر الـعـشّـار (عـلى الـبـطـاقـة : جـدول الـعـشّـار)  Mouth of the Ashar Creek :

tuck

نـهـر الـعـشّـار (عـلى الـبـطـاقـة : جـدول الـعـشّـار)  Ashar Creek  :

tuck-xiv

 

مـشـهـد خـلّاب لـشـطّ الـعـرب   A picturesque View on the Shatt- El- Arab

tuck-xix

الـمـحـمّـرة، الـضّـفـة الـيـسـرى لـشـطّ الـعـرب  Mohhammerah, Left Bank, Shatt- El- Arab :

%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b5%d8%b1%d8%a9-2

قـبـر الـعـزيـر، الـضّـفـة الـيـمـنى لـدجـلـة  Ezra’s Tomb, Right Bank, Tigris :

tuck-xxxv

مـنـظـر لـنّـهـر الـفـرات River Scene, Euphrates :

tuck-x

صـورة لـلـنّـاصـريـة (مـثـلـمـا يـراهـا الـطّـائـر الـمـحـلّـق، كـمـا يـقـول الـنّـصّ الإنـكـلـيـزي) Birds eye View :

tuck-xxix

سـوق في الـنّـاصـريـة Bazaar Scene  :

tuck-xxviii-1918

أور “الـكـلـدانـيـة”  « Ur » of the Caldees, Nasiriyeh . والـصّـورة لـلـزّقّـورة. ويـبـدو أنّـهـا الـتـقـطـت قـبـل أن يـشـرع عـالـم الآثـار الـبـريـطـاني لـيـونـارد وولي بـالـتّـنـقـيـب فـيـهـا عـام 1922 :

r-tuck-31

ضـفـة دجـلـة في مـديـنـة الـعـمـارة Amara, Tigris Bank . ونـقـرأ عـلى ظـهـر هـذه الـبـطـاقـة أنّـهـا أرسـلـت في 11 آب 1918 :

قـريـة أعـراب عـلى ضـفـة دجـلـة  (هـل هي في الأهـوار ؟) Arab Village on the Bank of the Tigris :

tuck-xxiv

فـتـاتـان صـابـئـيـتـان  Subean Girls :

tuck-xxxx

 

صـور بـغـداد :

إلـتـقـطـت هـذه الـصّـور ولا شـكّ بـعـد دخـول الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد عـام 1917.

صـورة شـارع”أصـيـل”  Typical Street  في بـغـداد :

tuck-xxxxx

مـحـطّـة قـطـار بـغـداد   Railway Station :

tuck-xxxxi

جـامـع الـكـاظـمـيـن   Kaza main Mosque :

tuck-xxxiv

مـقـبـرة مـسـلـمـيـن  Muslim Cemetry :

tuck-xxxxii

ونـنـهي عـرضـنـا بـصـورة لـلـنّـقـل الـنّـهـري  River Transport, Mesopotamia :

tuck-xxxxiii

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  ألـبـوم صـور طـبـعـتـه شـركـة حـسـو إخـوان عـام 1925 : https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/05/12/%D8%A3%D9%84%D9%80%D8%A8%D9%80%D9%88%D9%85-%D8%B5%D9%80%D9%88%D8%B1-%D9%86%D9%80%D8%B4%D9%80%D8%B1%D8%AA%D9%80%D9%87-%D8%B4%D9%80%D8%B1%D9%83%D9%80%D8%A9-%D8%AD%D9%80%D8%B3%D9%80%D9%88-%D8%A5%D8%AE/

 

 

 

 

 

Advertisements

عـنـدمـا كـانـت سـلـوقـيـة دجـلـة إحـدى عـواصـم الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة

%d8%b3%d9%84%d9%88%d9%82%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d9%84-%d8%b9%d9%85%d8%b1

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

نـادراً مـا نـجـد في كـتـب الـتّـاريـخ فـصـلاً فـيـه مـعـلـومـات وافـرة عـن مـديـنـة سـلـوقـيـة دجـلـة كـعـاصـمـة لـلـدّولـة الـسّـلـوقـيـة في الـعـراق الـقـديـم، وعـن دورهـا في تـكـويـن الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة الّـتي أدخـلـت في الـثّـقـافـة الـهـيـلـيـنـيـة (أي الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة) كـثـيـراً مـن مـكـونـات ثـقـافـات مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـقـديـمـة وخـاصـة الـثّـقـافـة الـبـابـلـيـة.

وسـأحـاول في هـذا الـمـقـال أن أقـدّم عـرضـاً مـبـسّـطـاً وواضـحـاً لـهـذه الـفـتـرة الّـتي لا تـقـلّ أهـمـيـة عـن الـفـتـرات الأخـرى مـن تـاريـخـنـا.

الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في الـشّـرق :

تـكـلّـمـنـا في مـقـال سـابـق عـن خـروج الإسـكـنـدر الـكـبـيـر مـن مـقـدونـيـا، شـمـال الـيـونـان، بـعـد مـقـتـل أبـيـه الـمـلـك فـيـلـيـب. (1) ورأيـنـا كـيـف عـبـر الـبـوسـفـور مـع جـيـشـه إلى آسـيـا عـام 334 قـبـل الـمـيـلاد، وكـيـف أسـقـط مـدن الـفـيـنـيـقـيـيـن وخـاصـة صـور وصـيـدا، ونـزل إلى مـصـر الّـتي أسـس فـيـهـا مـديـنـة الإسـكـنـدريـة. وكـيـف اعـتـرف بـه كـبـيـر كـهـنـة الإلـه آمـون ابـنـاً لـهـذا الإلـه، فـثـبّـت عـلى خـوذتـه قـرني الـكـبـش (رمـز الإلـه آمـون)، وصُـوّر بـهـمـا عـلى قـطـع الـنّـقـود الّـتي سـكّـهـا حـتّى أسـمي بـالإسـكـنـدر ذي الـقـرنـيـن.

ورأيـنـا كـيـف رجـع مـن مـصـر وصـعـد مـن جـديـد لـيـعـبـر الـفـرات ثـمّ دجـلـة، وكـيـف هـزم داريـا الـثّـالـث، آخـر مـلـوك الـسّـلالـة الـفـارسـيـة الأخِـمـيـنـيـة (الّـتي كـانـت قـد أسـقـطـت الـدّولـة الـبـابـلـيـة حـوالي ثـلاثـة قـرون قـبـل ذلـك) في مـعـركـة دارت في مـوقـع بـيـن الـمـوصـل وأربـيـل في الأوّل مـن تـشـريـن الأوّل عـام 331 قـبـل الـمـيـلاد.

ورأيـنـا كـيـف أنّ الإسـكـنـدر، بـعـد أن أسـقـط الـدّولـة الأخِـمـيـنـيـة، نـزل نـحـو بـابـل الّـتي فـتـح لـه أبـوابـهـا الـسّـطـراب الـفـارسـي مـازدي، وكـيـف دخـلـهـا الـمـقـدوني مـعـلـنـاً أنّـه جـاء يـحـررهـا مـن ربـقـة الـفـرس!

وكـيـف أقـام فـيـهـا شـهـراً أظـهـر خـلالـه تـقـديـسـه لآلـهـة الـبـابـلـيـيـن، وأمـر بـإعـادة تـشـيـيـد الـ “أي سَـجـيـل”، مـعـبـد الإلـه مـردوخ الّـذي كـانـت قـد تـهـدّمـت أجـزاء كـثـيـرة مـنـه (2)، ثـمّ كـيـف اتّـخـذ مـديـنـة بـابـل عـاصـمـة لامـبـراطـوريـتـه الـشّـرقـيـة. (3)

وقـد اخـتـار الإسـكـنـدر أن يـقـيـم في الـقـصـر الـصّـيـفي لـلـمـلـك نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني، الّـذي كـان الـفـرس الأخـمـيـنـيـون قـد اسـتـمـرّوا في اسـتـعـمـالـه قـصـراً يـسـكـنـه مـلـوكـهـم بـعـد أن اسـقـطـوا آخـر الـدّول الـبـابـلـيـة في الـقـرن الـسّـادس قـبـل الـمـيـلاد. (4)

ورأيـنـا كـيـف تـرك الإسـكـنـدر الـمـقـدوني بـابـل مـتّـجـهـا نـحـو الـشّـرق الّـذي غـزا أراضـيـه إلى مـا بـعـد أفـغـانـسـتـان الـحـالـيـة والـهـنـد، وضـمّـهـا إلى امـبـراطـوريـتـه.  ورأيـنـا أخـيـراً كـيـف رفـض جـنـوده الـمـتـعـبـون الإسـتـمـرار في الـتّـقـدم نـحـو أقـصى الـشّـرق، وكـيـف رجـع الإسـكـنـدر نـحـو بـابـل الّـتي مـات فـيـهـا في الـعـاشـر مـن حـزيـران سـنـة 323  قـبـل الـمـيـلاد، بـعـد أن عـانى مـن الـحـمى الّـتي دامـت أيّـامـاً طـويـلـة.

تـقـسـيـم إمـبـراطـوريـة الإسـكـنـدر :

وبـعـد مـوت الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في بـابـل، إشـتـدّت الـصّـراعـات بـيـن قـوّاده. وتـقـاسـم الـمـنـتـصـرون مـنـهـم الأراضي الّـتي كـان قـد اسـتـولى عـلـيـهـا، فـانـفـصـل بـطـلـيـمـوس الـلاجي (بـطـلـيـمـوس بـن لاجـوس) بـمـصـر وأقـام فـيـهـا سـلالـة الـبـطـالـسـة  (أو الـبـطـالـمـة)، واتّـخـذ مـن الإسـكـنـدريـة عـاصـمـة لـه.

واسـتـولى أنـتـيـغـونـوس مـونـو فـثـالـمـوس (أنـتـيـغـونـوس الـوحـيـد الـعـيـن، أي الأعـور) عـلى بـلاد الإغـريـق وجـزء مـن غـرب آسـيـا.

واسـتـقـلّ سـلـوقـوس (ويـكـتـب أيـضـاً : سـلـوقـس) الّـذي أسـمى نـفـسـه بـ “نـيـكـاتـور Σέλευκος Νικάτωρ”، أي الـمـنـتـصـر، بـالـجـزء الـشّـرقي مـن الإمـبـراطـوريـة، والّـذي كـان يـمـتـدّ مـن سـوريـا وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن وبـلاد فـارس إلى الـهـنـد.

%d8%b3%d9%84%d9%88%d9%82%d9%88%d8%b3-2

سـلـوقـوس في بـابـل :

وقـد دخـل سـلـوقـوس نـيـكـاتـور بـابـل عـام 312 قـبـل الـمـيـلاد، واتـخـذهـا عـاصـمـة لـه في بـدايـة حـكـمـه. وضـرب فـيـهـا عـمـلـة بـاسـمـه.

وقـد بـدأ سـلـوقـوس، حـال اسـتـيـلائـه عـلى بـابـل بـتـرمـيـم أجـزاء مـن مُـجـمّـع عـبـادة الإلـه مـردوخ، وبـإعـادة بـنـاء بـعـض أجـزائـه، وخـاصّـة مـعـبـد “أي سَـجـيـل” الـسّـفـلي، والـطـابـق الأرضي لـزقّـورتـه. وقـد أمـر بـاحـتـرام طـرق الـبـنـاء الأصـلـيـة وطـرازه.

وقـد أراد سـلـوقـوس ومـن جـاء بـعـده مـن مـلـوك الـسّـلالـة الـسّـلـوقـيـة بـتـرمـيـمـهـم لـلـبـنـايـات الـمـهـمّـة وخـاصّـة الـدّيـنـيـة مـنـهـا إظـهـار ارتـبـاطـهـم بـتـاريـخ الـمـديـنـة واحـتـرامـهـم لـه لـيـوثّـقـوا صـلاتـهـم بـوجـهـاء بـابـل الأصـلـيـيـن وبـرجـال ديـنـهـم.

ثـمّ شـرعـوا بـاسـتـعـمـال طـرق مـعـمـاريـة تـمـزج بـيـن الأسـالـيـب الـبـابـلـيـة والأسـالـيـب الـهـيـلـيـنـيـة (أي الإغـريـقـيـة)، كـانـت بـدايـة لـتـكـويـن ثـقـافـة هـلـنـسـتـيـة شـرقـيـة تـجـمـع بـيـن عـنـاصـر الـهـلـيـنـيـة وثـقـافـات الـشّـرق وخـاصـة الـبـابـلـيـة. وكـانـت تـخـتـلـف عـن الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة في مـصـر الـبـطـالـسـة في ذلـك الـزّمـن.

ثـمّ ظـهـرت شـيـئـاً فـشـيـئـاً في بـابـل بـنـايـات جـديـدة مـن أصـل هـيـلـيـني، مـثـل الـمـسـرح الّـذي كـان بـنـايـة رئـيـسـيـة في كـلّ مـديـنـة هـيـلـيـنـيـة. وكـان تـشـيـيـده في بـابـل يـدلّ عـلى إقـامـة جـالـيـة كـبـيـرة الأعـداد مـن الـيـونـانـيـيـن فـيـهـا.

seleucie-005

ولـكـنّ مـسـرح بـابـل لـم يـشـيـد بـالـصّـخـور والـحـجـر ولا حـتّى بـالـطّـابـوق الـمـفـخـور بـل بـالـلِـبـن، مـمـا يـدلّ عـلى أنّ الـيـونـانـيـيـن تـبـنّـوا هـذا الـنّـوع مـن طـرق الـبـنـاء بـسـرعـة. أمّـا في الأجـزاء الّـتي تـسـتـعـمـل فـيـهـا الـهـنـدسـة الـيـونـانـيـة الـصّـخـور والـحـجـر، كـالأعـمـدة وقـواعـدهـا ومـسـانـد الـسّـقـوف والـمـنـحـوتـات الـتّـزيـيـنـيـة، فـقـد اسـتُـعـمـل فـيـهـا خـلـيـط مـن الـجـصّ الـمـمـزوج بـأحـجـار مـكـسّـرة.

ولـم يـغـيّـر الـيـونـانـيـون مـخـطـط مـديـنـة بـابـل، واسـتـمـرّت الأحـيـاء تـنـمـو بـطـريـقـة تـراكـمـيـة، تـسـتـنـد الـدّور بـعـضـهـا عـلى بـعـض. والـتّـجـديـد الـوحـيـد الّـذي أدخـلـوه في الـمـسـكـن الـبـابـلي كـان “الـطّـارمـة” في جـانـب حـوش الـدّار، أي في الـفـنـاء الـدّاخـلي، والّـتي يـسـتـنـد سـقـفـهـا عـلى أعـمـدة أسـطـوانـيـة.

الـتّـقـويـم الـسّـلـوقي :

وقـد أقـام سـلـوقـوس تـقـويـمـاً جـديـداً يـبـدأ بـسـنـة حـكـمـه (صـيـف 312 ق. م.) (5)، وتـبـعـه ابـنـه  أنـطـيـوخـوس  Ἀντίoχoς  في اسـتـعـمـالـه لـحـسـاب سـنـوات حـكـمـه. ثـمّ جـرى اسـتـعـمـالـه في بـلاد الـمـشـرق.

والـحـقـيـقـة هي أنّ سـلـوقـوس تـبـع في تـقـويـمـه الـسّـلـوقي مـا كـان قـد فـعـلـه سـيّـده الإسـكـنـدر الـمـقـدوني قـبـلـه عـنـدمـا أرّخ سـنـوات حـكـمـه ابـتـداءً بـشـهـر ديـوس الـيـونـاني عـام 336 ق. م. وشـهـر ديـوس يـقـابـل شـهـر تـشـريـتـو (أي تـشـريـن الأوّل) في الـتّـأريـخ الـبـابـلي.

وأبـقى سـلـوقـوس هـذا الـشّـهـر بـدايـة  لـلـسّـنـة الـمـقـدونـيـة، فـلا تـحـسـب سـنـوات حـكـم الـمـلـك الـجـديـد إلّا في شـهـر تـشـريـن الأوّل الّـذي يـلي تـتـويـجـه. أمّـا الـسّـنـة الـبـابـلـيـة فـقـد كـانـت تـبـدأ في شـهـر نـيـسـان، ولـم تـكـن سـنـوات حـكـم الـمـلـك الـجـديـد تـبـدأ عـنـد الـبـابـلـيـيـن إلّا في شـهـر نـيـسـان الّـذي يـلي تـتـويـجـه.

سـلـوقـيـة دجـلـة   Σελεύκεια:

وفي عـام 311  قـبـل الـمـيـلاد (في رأي أكـثـر الـمـؤرخـيـن)، بـدأ سـلـوقـوس بـتـأسـيـس مـديـنـة جـديـدة لـه عـلى نـهـر دجـلـة، حـوالي 60 كـيـلـومـتـراً شـمـال مـديـنـة بـابـل (الّـتي تـقـع عـلى نـهـر الـفـرات). في مـوقـع كـانـت عـلى ضـفـتـه الـمـقـابـلـة مـديـنـة يـذكـر الـمـؤلـفـون الإغـريـق أن اسـمـهـا كـان أوبـيـس  Opis.(6)

وتـطـلّ سـلـوقـيـة عـلى نـهـر دجـلـة مـن جـانـب وعـلى الـقـنـاة الـمـلـكـيـة الّـتي كـانـت قـد شـيّـدت قـبـل ذلـك بـقـرون لـتـربـط دجـلـة بـالـفـرات. وهي في الـمـكـان الّـذي أسـمـاه الـعـرب بـعـد ذلـك بـالـمـدائـن، ومـا يـسـمى الآن بـسـلـمـان بـاك في جـنـوب بـغـداد.

seleucie-004

وربّـمـا لـم يـسـتـقـرّ سـلـوقـوس فـيـهـا رسـمـيـاً إلّا عـنـدمـا تـوّج مـلـكـاً عـام 306 ق. م.(7) لـتـكـون لـه عـاصـمـة تـقـتـرن بـاسـمـه. ويـذكـر الـمـؤرخ الـرّومـاني أبـيـانـوس  Appianus  أنّ سـلـوقـوس تـوّج “مـلـكـاً عـلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن وبـلاد الأرمـن والـفـرس والـعـرب … وبـلاد أخـرى”.

وعـلى عـكـس مـديـنـة بـابـل الّـتي كـانـت قـد نـمـت وتـوسّـعـت قـرنـاً بـعـد قـرن حـتّى وصـلـت إلى أوج عـظـمـتـهـا، فـقـد شـيّـدت سـلـوقـيـة كـمـديـنـة جـديـدة انـطـلاقـاً مـن مـخـطـط طـبّـقـت فـيـه قـوانـيـن الـمـعـمـار الـجـديـدة الّـتي كـان الـيـونـانـيـون قـد اسـتـعـمـلـوهـا لأوّل مـرّة في تـشـيـيـد مـديـنـة الإسـكـنـدريـة في مـصـر، والّـتي كـانـت قـد انـتـفـعـت هي نـفـسـهـا مـن ابـتـكـارات الـمـعـمـاريـيـن الـبـابـلـيـيـن عـنـدمـا جـددوا أقـسـامـاً مـن مـديـنـة بـابـل في فـتـرتـهـا الأخـيـرة.

وقـد خـطـطـت الـعـاصـمـة الـجـديـدة لـيـسـكـنـهـا مـسـتـعـمـرون إغـريـق، مـنـهـم الـجـنـود الّـذيـن صـاحـبـوا فـتـوحـات الإسـكـنـدر الـمـقـدوني، ومـنـهـم مـن تـبـعـوا سـلـوقـوس في قـتـالـه ضـدّ قـادة الإسـكـنـدر الآخـريـن خـلال صـراعـهـم مـن أجـل الـسّـلـطـة، ومـنـهـم مـن وصـل إلـيـهـا بـعـد ذلـك.

وحـسـب مـخـطـط الـمـديـنـة الـجـديـد، شـيّـدت أبـنـيـتـهـا داخـل مـسـتـطـيـلات واسـعـة الـمـقـايـيـس (75 م. × 145 م.) تـحـيـطـهـا شـوارع مـسـتـقـيـمـة تـتـقـاطـع بـزوايـا حـادّة بـ  ْ90  درجـة. وكـانـت أكـبـر مـسـتـطـيـلات سـعـةً وجـدت في مـديـنـة هـلـنـسـتـيـة.

وقـد نـظّـمـت الـمـسـتـطـيـلات، كـمـا في مـديـنـة بـابـل في فـتـرتـهـا الأخـيـرة، في أحـيـاء يـشـغـل كـلّ واحـد مـنـهـا مـهـمّـة وظـيـفـيـة : سـيـاسـيـة أو ديـنـيـة أو صـنـائـعـيـة أو تـجـاريـة أو ثـقـافـيـة … أو في أحـيـاء سـكـنـيـة.

ويـقـدّر عـلـمـاء الآثـار الّـذيـن نـقـبّـوا مـوقـع سـلـوقـيـة دجـلـة خـلال الـقـرن الـعـشـريـن مـسـاحـة الـمـديـنـة بـحـوالي 550 هـكـتـاراً (والـهـكـتـار الـواحـد يـعـادل عـشـرة آلاف مـتـر مـربـع)، وربّـمـا أكـثـر مـن ذلـك خـاصّـة وأنّـهـم لـم يـجـدوا بـعـد أسـوارهـا الـخـارجـيـة.

ولـم يـكـن لأيّ مـن الـمـدن الـيـونـانـيـة هـذا الإمـتـداد الـشّـاسـع. ولا شـكّ في أنّ سـلـوقـوس كـان قـد انـبـهـر بـسـعـة مـدن بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـقـديـمـة، وأراد إنـشـاء مـديـنـة تـضـاهـيـهـا في الـضّـخـامـة.

وقـد شـبّـه الـمـؤرخ الـرّومـاني بـلـيـنـيـوس الأكـبـر (الّـذي عـاش مـن سـنـة  23 إلى سـنـة 97 بـعـد الـمـيـلاد) مـخـطـطـ الـمـديـنـة بـ “نـسـر نـشـر جـنـاحـيـه عـلى سـعـتـيـهـمـا”. ويـبـدو أنّ قـنـاةً كـانـت تـفـصـل قـصـر الـمـلـك عـن الأحـيـاء الأخـرى الّـتي كـان فـيـهـا بـنـايـات إداريـة وسـوق مـركـزيـة وقـاعـة شـاسـعـة لـيـلـتـقي فـيـهـا سـكّـان الـمـديـنـة ومـسـرح واسـع …

ويـذكـر الـمـؤرّخـون الإغـريـق أنّـهـا شـيّـدت بـطـابـوق بـابـل ! وهـذا لا يـعـنى أنّ مـديـنـة بـابـل هـدمـت ونـقـل طـابـوقـهـا إلى الـمـديـنـة الـجـديـدة كـمـا فـهـمـه كـثـيـر مـمـن قـرأوا هـذه الـنّـصـوص بـعـد ذلـك، وإنّـمـا يـعـني أنّـهـا لـم تـشـيّـد بـالـحـجـر والـصـخـر مـثـل الـمـدن الإغـريـقـيـة الأخـرى بـل بـالـطـابـوق الـمـصـنـوع في بـلاد بـابـل.

كـمـا أراد سـلـوقـوس ولا شـكّ أن يـنـشئ مـديـنـة أفـضـل مـوقـعـاً مـن بـابـل الّـتي كـانـت قـد فـقـدت مـجـدهـا، لـتـكـون عـلى تـقـاطـع طـرق الـمـواصـلات والـتّـجـارة عـلى نـهـر دجـلـة والـقـنـاة الّـتي كـانـت تـربـطـه بـنـهـر الـفـرات، وعـلى مـقـربـة مـن شـرق دولـتـه (بـلاد الـفـرس والـهـنـد) ومـن غـربـهـا (سـوريـا).

وقـد أسـمـيـت عـاصـمـة سـلـوقـوس بـاسـمـه : سـلـوقـيـة  Σελεύκεια . ولـتـحـاشي الـخـلـط بـيـنـهـا وبـيـن مـدن أخـرى أسـسـهـا سـلـوقـوس وأسـمـيـت بـاسـمـه، فـقـد عُـرفـت بـسـلـوقـيـة دجـلـة.

ونُـقـل إلـيـهـا جـزء مـن سـكّـان بـابـل وخـاصـة صـنّـاعـهـا وتـجّـارهـا لـيـسـكـنـوهـا مـع الـمـسـتـعـمـريـن الإغـريـق. كـمـا جـذبـت الـمـديـنـة الـجـديـدة كـثـيـراً مـمـن جـاءوا يـسـكـنـونـهـا : سـوريـيـن وفـارثـيـيـن وفـرسـاً وأرمـن وهـنـوداً، وجـذبـت كـثـيـراً مـن الـتّـجّـار والـصّـرافـيـن الـيـهـود.

وقـد تـركـت بـابـل لأهـلـهـا. ورغـم أنّ سـلـوقـوس تـرك بـابـل وأهـمـلـهـا (زارهـا آخر مـرّة في عـام 301 قـبـل الـمـيـلاد) فـقـد دامـت أهـمـيـتـهـا، وإن قـلّـت، لـمـدة قـرنـيـن بـعـد ذلـك إلى أن اضـمـحـلّـت في الـقـرن الأوّل بـعـد الـمـيـلاد.

ويـعـود تـاريـخ آخـر نـصّ كـتـب بـالـمـسـمـاريـة إلى عـام 75 م. وقـد سـقـطـت الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة بـعـد ذلـك في غـيـاهـب الـنّـسـيـان ولـم يـعـد أحـد يـقـرأهـا أو يـعـرف قـراءتـهـا.

وعـنـدمـا مـرّ الإمـبـراطـور الـرّومـاني تـراجـان بـبـابـل عـام 116 بـعـد الـمـيـلاد، وتـوقّـف بـهـا لـيـزور الـقـصـر الّـذي مـات بـه الإسـكـنـدر الـمـقـدوني، وجـدهـا خـرابـاً.

ولأنّ سـلـوقـيـة دجـلـة كـانـت تـقـع، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، عـلى تـقـاطـع طـرق الـتّـجـارة الّـتي كـانـت تـنـطـلـق في كـلّ الإتـجـاهـات فـسـرعـان مـا تـوسـعـت وازدهـرت. وقـد وضـعـهـا الـجـغـرافي الـيـونـاني سـتـرابـون Στράϐων  في أعـلى مـقـام مـن الـعـظـمـة بـعـد إسـكـنـدريـة مـصـر، وذكـر أنّ عـدد سـكـانـهـا تـجـاوز 600 ألـف سـاكـن.

سـلـوقـوس في سـوريـا :

وبـعـد أن اسـتـولى سـلـوقـوس عـلى شـمـال سـوريـا، الّـتي كـانـت تـحـت سـيـطـرة أنـتـيـغـونـوس مـونـو فـثـالـمـوس، وعـلى الـجـزء الـشّـرقي مـن آسـيـا الـصـغـرى عـام 301 قـبـل الـمـيـلاد، أسـس مـديـنـة أنـطـاكـيـة الّـتي أسـمـاهـا بـاسـم أبـيـه : “أنـطـيـوخــوس (أو أنـطـيـوقـوس)  Ἀντίoχoς ” في غـرب سـوريـا، واتّـخـذهـا عـاصـمـة لـه لـيـفـتـح مـمـلـكـتـه عـلى الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط ولا يـقـطـعـهـا عـن بـلاد الإغـريـق.

وأصـبـحـت سـلـوقـيـة دجـلـة الـمـديـنـة الـثّـانـيـة في الـدّولـة، ومـكـان إقـامـة ولي الـعـهـد.  وفي عـام 294 قـبـل الـمـيـلاد، عـيّـن سـلـوقـس ابـنـه أنـطـيـوخـوس نـائـب مـلـك مـقـيـمـاً في سـلـوقـيـة. وظـلّـت هـذه الـمـديـنـة بـعـده مـكـان إقـامـة أبـنـاء الـمـلـوك الـسّـلـوقـيـيـن حـتّى عـام 141 قـبـل الـمـيـلاد عـنـدمـا احـتـلّـهـا الـفـارثـيـون.

وبـعـد وفـاة سـلـوقـوس سـنـة 281 قـبـل الـمـيـلاد، خـلـفـه ابـنـه أنـطـيـوخـوس سـوتِـر Ἀντίoχoς ο Σωτήρ  الأوّل، الّـذي كـان يـعـتـبـر نـفـسـه مـلـكـاً عـلى بـابـل أيـضـاً.

%d8%a3%d9%86%d8%b7%d9%8a%d9%88%d8%ae%d9%88%d8%b3

وقـد شـارك هـذا الـمـلـك في احـتـفـالات رأس الـسّـنـة الـبـابـلي الّـتي كـانـت تـقـام في الأي سَـجـيـل، مـعـبـد الإلـه مـردوخ في بـابـل. وقـد عـثـر خـلال تـنـقـيـبـات أجـريـت في مـعـبـد الإلـه نـبـو في بـورسـيـبـا عـلى نـصّ لـهـذا الـمـلـك نـقـش بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة عـلى مـخـروط مـن الـصّـلـصـال الـمـفـخـور وضـع في أسـس الـبـنـاء حـسـب الـعـادات الـبـابـلـيـة والآشـوريـة.

مـا هي الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة ؟

أصـبـحـت سـلـوقـيـة دجـلـة، بـعـد أن أسـسـهـا سـلـوقـوس، كـمـا رأيـنـا، واحـدة مـن أهـمّ عـواصـم الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة. فـمـاهي الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة؟

كـثـيـراً مـا يـذكـر الـمـؤرخّـون الـغـربـيـون أنّ الـثّـقـافـة الـهـلـيـنـيـة (أي الإغـريـقـيـة أو الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة) كـانـت تـرتـكـز عـلى نـظـام الـمـديـنـة. فـكـلّ مـديـنـة كـانـت مـسـتـقـلّـة يـحـكـمـهـا مـواطـنـوهـا الأحـرار الـمـيـسـورو الـحـال (وهـو مـا لـم يـكـن يـحـقّ لـلـعـبـيـد أو الـفـقـراء). يـشـرّعـون قـوانـيـنـهـا، ثـمّ يـخـلـصـون في تـطـبـيـقـهـا لـيـتـحـاشـوا أن يـسـتـبـدّ بـهـا طـاغـيـة يـنـفـرد بـالـسّـلـطـة، وهـو مـا يـسـمى بـالـنّـظـام الـدّيـمـقـراطي. ويـذكـرون أنّ هـذا كـان غـريـبـاً عـلى شـرقـيي تـلـك الأزمـان والّـذيـن كـان عـلى رأس مـدنـهـم ودولـهـم مـلـوك “إخـتـارتـهـم الآلـهـة” لـيـحـكـمـوا رعـيـتـهـم حـسـب مـشـيـئـاتـهـم.

ويـلاحـظ الـقـارئ أنّ في هـذا الـرّأي تـحـيّـزاً ورؤيـة ضـيّـقـة لـلأمـور، فـقـد كـان الإسـكـنـدر الـمـقـدوني حـسـب رأي نـفـس هـؤلاء الـدّارسـيـن مـمـثّـلاً لـلـثّـقـافـة الـهـيـلـيـنـيـة، ومـع ذلـك فـقـد كـان أبـوه مـلـكـاً مـسـتـبـدّاً عـلى مـقـدونـيـا. وكـان الإسـكـنـدر نـفـسـه مـلـكـاً مـسـتـبـدّاً قـاد مـئـات الآلاف مـن الـجـنـود لـيـحـقـقـوا لـه طـمـوحـاتـه في الـسّـيـطـرة عـلى كـلّ الـمـنـاطـق الـمـعـروفـة في زمـانـه. وذلـك قـبـل أن يـلـتـقي بـالـشّـرقـيـيـن، ويـتـأثّـر بـعـاداتـهـم وتـقـالـيـدهـم.

وكـلـمـة الـهـلـنـسـتـيـة  والـفـكـرة الّـتي تـعـبـرّ عـنـهـا اخـتـرعـهـا الألـمـاني يـوهـان غ. درويـسـن Johanne G. Droysen  في الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر، إشـتـقـهـا مـن كـلـمـة يـونـانـيـة تـعـني : “الـعـيـش عـلى طـريـقـة الـهـلـيـنـيـيـن (أي الـيـونـانـيـيـن الـقـدمـاء)”.  ويـعـني بـهـا الـثّـقـافـة الّـتي نـشـأت في الـشّـرق الـتّـابـع لـلإغـريـق، والـمـمـتـد في الأراضي الّـتي فـتـحـهـا الإسـكـنـدر الـمـقـدوني مـن مـصـر الـبـطـالـسـة إلى الـهـنـد.

ورغـم أنّ الإغـريـقـيـة كـانـت لـغـة هـذه الـثّـقـافـة، فـقـد اسـتـوعـبـت أجـزاءً مـن الـثّـقـافـات الـشّـرقـيـة الّـتي نـشـأت عـلى أراضـيـهـا إلى جـانـب الـثّـقـافـة الـهـيـلـيـنـيـة (الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة). ونـتـج عـن ذلـك انـفـتـاح وتـبـادلات ومـزج أثـرى كـلّ ثـقـافـات الـمـنـطـقـة واسـتـمـر عـبـر الـقـرون الّـتي تـبـعـت هـذه الـتّـجـربـة الـثّـقـافـيـة الـفـريـدة.

وقـد رأيـنـا كـيـف أنّ ثـقـافـة هـلـنـسـتـيـة كـانـت قـد بـدأت تـنـشـأ في بـابـل بـعـد أن سـيـطـر عـلـيـهـا الـيـونـانـيـون، وكـيـف أنّـهـم تـأثّـروا بـثـقـافـات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن وخـاصـة الـبـابـلـيـة في تـشـيـيـدهـم لـدورهـم ومـبـانـيـهـم. وقـد تـبـنّـوا عـادات كـانـت شـائـعـة عـنـد الـبـابـلـيـيـن، ودخـلـت في الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة كـدفـن الـنّـاس لـمـوتـاهـم في داخـل بـيـوتـهـم.

ورغـم أنّـه لـم يـنـقّـب مـن سـلـوقـيـة دجـلـة إلّا جـزء مـحـدود ولـم يـدرس إلّا جـزء أقّـل مـمـا عـثـر عـلـيـه فـيـهـا، فـقـد وجـد الـمـنـقّـبـون في أحـد مـعـابـدهـا نـصّـاً بـالـلـغـة الإغـريـقـيـة يـذكـر أسـمـاء كـهـنـة الـمـلـوك. ويـحـتـمـل أن يـكـون الـمـعـبـد مـكـرّسـاً لـمـلـوك الـسّـلـوقـيـيـن الّـذيـن فـرضـوا ألـوهـيـتـهـم في حـيـاتـهـم أو بـعـد مـوتـهـم، ودخـلـوا في صـفـوف الآلـهـة كـمـا فـعـلـه قـبـلـهـم بـعـض الـمـلـوك الـشّـرقـيـيـن.

كـتـاب بـيـروسـوس :

وفي زمـن سـلـوقـوس، وزمـن خـلـفـه أنـطـيـوخـوس الأوّل عـاش بـيـروسـوس  Berossos (الّـذي يـسـمى أيـضـاً بـيـروسـوس الـكـلـداني).  واسـمـه بـالـلـغـة الـبـابـلـيـة : بـعـل رعـيـشـو، أي بـعـل راعـيـه. ويـدّعي الـبـعـض أنّ اسـمـه كـان آرامـيـاً : بـر حـوشـا ، أي ابـن حـوشـا.

وكـان رجـل ديـن بـابـلي في مـعـبـد الإلـه مـردوخ.  ولـد في الـزّمـن الّـذي أقـام فـيـه الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في بـابـل أو قـبـلـه بـقـلـيـل أي في أواخـر الـقـرن الـرّابـع قـبـل الـمـيـلاد.

وقـد كـتـب بـالـلـغـة الإغـريـقـيـة (الـيـونـانـيـة الـقـديـمـة) كـتـاب بـابـل  Babyloniaka  (ويـعـرف أيـضـاً بـكـتـاب بـلاد الـكـلـدان Chaldaika ) الّـذي ألّـفـه لـلـمـلـك الـسّـلـوقي أنـطـيـوخـوس الأوّل بـيـن 290 و278 قـبـل الـمـيـلاد لـيُـعـرّف الإغـريـق بـحـضـارة بـلـده بـابـل.

ولـم يـصـلـنـا هـذا الـكـتـاب. ولـيـس لـديـنـا مـنـه إلّا تـلـخـيـص الإسـكـنـدر الـمـلـقّـب بـبـولي هـيـسـتـور (أي الـغـزيـر الـعـلـم)  Alexandre Polyhistor  لـه، واقـتـبـاسـات الـكـتّـاب الّـذيـن جـاءوا بـعـده مـثـل بـلـيـنـيـوس الأكـبـر Gaius Pilinus Seconus  وسـنـسـوريـنـوس  Censorinus وفـلافـيـوس يـوسـيـفـوس Flavius Josephus   وفـيـتـروفـيـوس Vitruvius .

ولا شـكّ في أنّ مـؤلَّـف بـيـروسـوس لـم يـكـن الـوحـيـد الّـذي ألـفـه بـابـلي لـيـعـرّف الـعـالـم بـثـقـافـة بـلـده الّـتي كـانـت عـرضـة لـلإنـدثـار في ذلـك الـزّمـن، ولـكـنّـه الـوحـيـد الّـذي تـجـاوزت أجـزاء مـنـه الـقـرون الـطّـويـلـة لـيـصـلـنـا. ولا شـكّ أنّ الـيـونـانـيـيـن تـعـلّـمـوا في هـذه الـمـؤلـفـات كـثـيـراً مـمـا أدخـلـوه في ثـقـافـتـهـم وفي طـرق تـفـكـيـرهـم.

الـفـلـسـفـة في سـلـوقـيـة :

وقـد أصـبـحـت سـلـوقـيـة دجـلـة واحـداً مـن مـراكـز الـفـلـسـفـة الـرّواقـيـة. وكـانـت هـذه الـفـلـسـفـة الـيـونـانـيـة قـد نـشـأت في أثـيـنـا في الـقـرن الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد. وكـان مـن روّادهـا زيـنـون وكـلـيـانـثـس.

وقـد عـلّـم في سـلـوقـيـة دجـلـة الـفـيـلـسـوف الـرّواقي ديـوجـيـن الـسّـلـوقي الـمـعـروف أيـضـاً بـديـوجـيـن الـبـابـلي (ولـد حـوالي سـنـة 240 وتـوفي حـوالي سـنـة 150 قـبـل الـمـيـلاد). كـمـا ولـد فـيـهـا تـلـمـيـذه وخـلـيـفـتـه في تـعـلـيـم الـفـلـسـفـة أبـولـودور الأثـيـني.

كـمـا كـان لـديـوجـيـن آخـر عـرف بـاسـم ديـوجـيـن الأبـيـقـوري في سـلـوقـيـة دجـلـة حـلـقـة عـلّـم فـيـهـا الـفـلـسـفـة الأبـيـقـوريـة.

وكـان فـيـهـا حـلـقـة تـدريـس لـفـيـلسـوف آخـر يـنـتـمي إلى الـمـدرسـة الـشّـكـوكـيـة : أيـفـرانـور   Euphranor  الـشّـكّـاك الـسّـلـوقي.

وقـد ولـد في سـلـوقـيـة دجـلـة حـوالي سـنـة 170 بـعـد الـمـيـلاد عـالـم الـفـلـك سـلـوقـوس (الّـذي أسـمي بـاسـم أوّل مـلـوك الـدّولـة). وكـان سـلـوقـوس الـسّـلـوقي هـذا واحـداً مـن اثـنـيـن، مـن كـلّ عـلـمـاء الـفـلـك في ذلـك الـزّمـن، يـؤمـنـان بـأنّ الأرض تـدور حـول الـشّـمـس، ولـيـسـت الـشّـمـس هي الّـتي تـدور حـول الأرض !

الـفـنّ الـهـلـنـسـتي :

رأيـنـا كـيـف حـوّر الـيـونـانـيـون فـنّ مـعـمـارهـم في بـابـل، وكـيـف شـيّـدوا مـسـرحـهـم (وهـو مـن أهـم مـبـاني الـمـديـنـة الـهـلـيـنـيـة) بـالـلِـبـن، وكـيـف اسـتـخـدمـوا في الأجـزاء الّـتي تـسـتـعـمـل فـيـهـا الـهـنـدسـة الـيـونـانـيـة الـصّـخـور والـحـجـر، كـالأعـمـدة وقـواعـدهـا ومـسـانـد الـسّـقـوف والـمـنـحـوتـات الـتّـزيـيـنـيـة، خـلـيـطـاً مـن الـجـصّ الـمـمـزوج بـأحـجـار مـكـسّـرة حـسـب الإمـكـانـيـات الـمـحـلّـيـة.

وقـد وجـد الـمـنـقّـبـون في جـزء مـديـنـة سـلـوقـيـة دجـلـة الّـذي تـخـتـرقـه الـطّـريـق الـجـنـوبـيـة دوراً كـبـيـرة تـحـيـطـهـا مـن الـجـانـبـيـن تـغـطّي واجـهـاتـهـا نـقـوش واسـعـة مـن الـصّـلـصـال الـمـفـخـور، وحـول فـنـاءاتـهـا الـدّاخـلـيـة “طـارمـات” تـسـنـد سـقـوفـهـا أعـمـدة أسـطـوانـيـة. وهـو مـا يـدلّ عـلى مـزج بـيـن الإسـتـعـمـالات الـهـلـيـنـيـة والإسـتـعـمـالات الـشّـرقـيـة.

كـمـا وجـدوا بـقـايـا مـسـرح الـمـديـنـة، والـسّـاحـة الـواسـعـة agora (الّـتي كـانـت مـسـقّـفـة) والّـتي كـانـت مـكـان اجـتـمـاع سـكـان الـمـديـنـة. ووجـدوا بـجـانـبـهـا بـنـايـة مـسـتـطـيـلـة مـقـسّـمـة إلى غـرف تـنـفـتـح الـواحـدة مـنـهـا عـلى الأخـرى، شـيّـدت بـالـلِـبـن وغـطي سـطـحـهـا بـجـذوع نـخـيـل مـشـكّـلاً سـطـحـاً مـسـطّـحـاً. ويـبـدو أنّ هـذه الـبـنـايـة احـتـرقـت في حـوالي عـام 129 قـبـل الـمـيـلاد.

وقـد وجـدوا فـيـهـا حـوالي 25 ألـف خـتـم مـن الـصّـلـصـال فـخـرهـا الـحـريـق، مـمـا يـفـسّـر اجـتـيـازهـا لـكـلّ هـذه الـقـرون ووصـولـهـا إلـيـنـا.

ويـعـتـقـد الـمـخـتـصّـون أنّ هـذه الـبـنـايـة كـانـت أرشـيـفـات الـمـديـنـة الّـتي اسـتـعـمـلـت مـنـذ الـقـرن الـثّـالـث قـبـل الـمـيـلاد. وعـلى هـذه الأخـتـام مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز أسـلـوب أغـلـبـهـا هـيـلـيـني، وتـظـهـر في بـعـضـهـا عـنـاصـر فـنّـيـة بـابـلـيـة تـقـلـيـديـة.

seleucie-006

كـمـا وجـدت فـيـهـا مـجـمـوعـة كـبـيـرة مـن الـتّـمـاثـيـل الـصـغـيـرة الأحـجـام الّـتي صـنـعـت مـحـلّـيـاً. وهي كـثـيـرة الـشّـبـه بـالـتّـمـاثـيـل الّـتي وجـدت في الـفـتـرات الـبـابـلـيـة والّـتي كـان لـهـا دور ديـني بـتـقـريـب الأشـخـاص الّـذيـن تـصـوّرهـم مـن آلـهـتـهـم. وفي سـلـوقـيـة دجـلـة كـمـا في بـابـل تـخـتـلـف أسـالـيـب هـذه الـمـنـحـوتـات مـن الـواقـعـيـة الـتّـشـخـيـصـيـة إلى الإخـتـزال.

وقـد اسـتـمـرّت هـذه الأسـالـيـب الـهـلـنـسـتـيـة مـسـتـعـمـلـة حـتّى بـعـد سـيـطـر الـفـارثـيـون عـلى الـمـديـنـة، وبـقـيـت إلى الـفـتـرة الـفـارثـيـة الـمـتـأخّـرة، أي إلى بـدايـة الـقـرن الـثّـالـث بـعـد الـمـيـلاد. ولا شـكّ في أنّـهـا أثّـرت بـعـد ذلـك أيـضـاً عـلى الـفـنّ الـسّـاسـاني.

سـلـوقـيـة الـفـارثـيـيـن :

وبـعـد أن اشـتـدّت قـوة الـفـارثـيـيـن، الّـذيـن جـاءوا مـن أراضي مـيـديـا في بـلاد الـفـرس، وامـتـدت سـيـطـرتـهـم عـلى الـمـمـتـلـكـات الـشّـرقـيـة لـلـدّولـة الـسّـلـوقـيـة، إسـتـطـاع مـلـكـهـم مـثـريـدات الأوّل فـتـح مـديـنـة بـابـل عـام 141 قـبـل الـمـيـلاد بـعـد أن اسـتـولى عـلى سـلـوقـيـة دجـلـة، واتّـخـذ سـلـوقـيـة عـاصـمـة شـتـائـيـة لـه. وفي عـام 139 قـبـل الـمـيـلاد، طـرد مـثـريـدات الأوّل الـحـاكـم الّـذي كـان يـحـكـم بـاسـم الـمـلـك الـسّـلـوقي أنـطـيـوخـوس الـسّـابـع مـن كـلّ الـمـنـاطـق الـشّـرقـيـة ومـن ضـمـنـهـا بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، واكـتـمـلـت لـه الـسّـيـطـرة عـلـيـهـا.

ثـمّ اخـتـار خـلـفـه مـثـريـدات الـثّـاني (حـكـم مـن 123 إلى 88 قـبـل الـمـيـلاد) أن يـشـيـد لـه عـاصـمـة جـديـدة : طـيـسـفـون، في الـضّـفـة الـمـقـابـلـة لـسـلـوقـيـة دجـلـة، حـكـم مـنـهـا كـلّ دولـتـه.

ورغـم سـقـوطـهـا بـأيـدي الـفـارثـيـيـن، فـقـد ظـلّـت سـلـوقـيـة دجـلـة مـديـنـة مـزدهـرة. ويـذكـر الـمـؤرخ الـرّومـاني بـلـيـنـيـوس الأكـبـر (الّـذي عـاش مـن سـنـة  23 إلى سـنـة 97 بـعـد الـمـيـلاد) أنّ جـمـارك الـمـديـنـة كـانـت مـا تـزال بـأيـدي سـكـانـهـا مـن الإغـريـق في زمـنـه، وأنّ عـدد سـكـانـهـا كـان يـقـارب 600 ألـف يـحـكـمـهـم مـجـلـس شـيـوخ عـدد أعـضـائـه 300.

وبـعـد أن أسـقـط الـمـلـك الـفـارسي الـسّـاسـاني أردشـيـر الأوّل دولـة الـفـارثـيـيـن عـام 224 بـعـد الـمـيـلاد، أصـبـحـت طـيـسـفـون عـاصـمـة الـدّولـة الـسّـاسـانـيـة. وظّـلـت إحـدى عـواصـمـهـم حـتّى الـفـتـح الإسـلامي عـام 651 م. الّـذي أسـقـط آخـر مـلـوكـهـم يـزدجـرد الـثّـالـث.

وقـد أطـلـق الـعـرب اسـم “الـمـدائـن” عـلى الـعـاصـمـتـيـن : سـلـوقـيـة وطـيـسـفـون (الـفـارثـيـة ــ الـسّـاسـانـيـة) وضـواحـيـهـمـا الـمـمـتـدة عـلى ضـفـتـي دجـلـة.

الـمـنـاطـق الأخـرى مـن الـعـراق الـقـديـم في الـفـتـرة الـسّـلـوقـيـة :

كـانـت الـوركـاء (في بـلاد سـومـر)(8) الـمـديـنـة الـثّـالـثـة في الأهـمـيـة في تـلـك الـحـقـبـة بـعـد سـلـوقـيـة دجـلـة وبـابـل. وقـد شـهـدت الـوركـاء نـهـضـة ثـقـافـيـة آنـذاك، وعـاد إلـيـهـا شئ مـن دورهـا الـدّيـني. وقـد ذكـر الـجـغـرافي الـيـونـاني سـتـرابـون والـمـؤرخ الـرّومـاني أبـيـانـوس الـلـذان عـاصـرا الـفـتـرتـيـن الـسّـلـوقـيـة والـفـارثـيـة أنّ الـوركـاء كـانـت مـركـزاً لـواحـدة مـن أهـمّ مـدارس عـلـم الـفـلـك والـتّـنـجـيـم في زمـنـيـهـمـا.

وقـد عـثـر خـلال الـتّـنـقـيـبـات عـلى بـنـايـات كـانـت قـد جـددت في الـعـصـر الـسّـلـوقي، ولـكـنّـهـا احـتـفـظـت في الـغـالـب بـأسـالـيـبـهـا وخـصـائـصـهـا الـتّـقـلـيـديـة.

وعـثـر في بـورسـيـبـا (الّـتي تـسـمى الآن بـيـرس نـمـرود) قـرب بـابـل عـلى نـصـوص مـسـمـاريـة تـذكـر تـشـيـيـد الـمـلـك أنـطـيـوخـوس الأوّل لـلإزيـدا، مـعـبـد الإلـه نـبـو. وعـثـر كـذلـك في أور عـلى نـصـوص مـسـمـاريـة تـذكـر تـرمـيـمـات وأعـمـال صـيـانـة لـلـمـعـابـد والأمـاكـن الـمـقـدسـة فـيـهـا.

وقـد وجـدت في أور وفي نـيـبـور أخـتـام مـن الـفـتـرة الـسّـلـوقـيـة. وعـثـر في نـيـبـور عـلى مـسـتـويـات سـلـوقـيـة في داخـل الـقـصـر احـتـفـظـت بـمـخـطـط الـبـنـاء الـقـديـم ولـكـن أضـيـفـت عـلـيـهـا “طـارمـات” تـسـتـنـد سـقـوفـهـا عـلى أعـمـدة مـن الـصـلـصـال الـمـفـخـور تـعـلـوهـا تـيـجـان زيّـنـت حـسـب الأسـلـوب الـيـونـاني الـدّوري.

ووجـدت مـسـتـويـات سـكـنـت في الـعـصـر الـسّـلـوقي في مـواقـع نـيـنـوى وتـلّ نـمـرود.

ومـن هـذا نـرى أنّ بـلاد بـابـل، الّـتي كـانـت بـيـن بـلاد سـومـر في الـجـنـوب وبـلاد آشـور في الـشّـمـال، كـان لـهـا دور رئـيـسي في تـكـويـن الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة في الـشّـرق.

آثـار مـديـنـة سـلـوقـيـة دجـلـة :

عـثـر الـمـنـقّـبـون عـلى آثـار سـلـوقـيـة في عـشـريـنـيـات الـقـرن الـعـشـريـن خـلال بـحـثـهـم عـن مـديـنـة أوبـيـس  Opis الّـتي ذكـرتـهـا الـمـصـادر الإغـريـقـيـة الّـتي تـكـلّـمـت عـن الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن.

وقـد بـدأت الـتّـنـقـيـبـات الأمـريـكـيـة الّـتي أشـرف عـلـيـهـا وتـرمـان L. Waterman مـن جـامـعـة مـيـشـغـان عـام 1927 (9). واسـتـمـرت إلى عـام 1932. ثـمّ نـقّـب فـي سـلـوقـيـة هـوبـكـنـس   C. Hopkins  في 1936/ 1937. وقـامـت جـامـعـة تـوريـنـو الإيـطـالـيـة بـتـنـقـيـبـات في الـمـوقـع مـن 1964 إلى 1968، ومـن 1985 إلى 1989.

وأهـم جـزء مـن مـديـنـة سـلـوقـيـة وجـد في تـلّ عـمـر، مـقـابـل طـاق كـسـرى في طـيـسـفـون.

%d8%b3%d9%84%d9%88%d9%82%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d9%84-%d8%b9%d9%85%d8%b1-2

 

ولا شـكّ في أنّ مـعـرفـتـنـا بـهـذه الـفـتـرة الـمـهـمّـة مـن تـاريـخ الـعـراق سـتـتـحـسـن إذا مـا نـقّـب الـمـوقـع بـكـامـلـه في يـوم مـن الأيّـام، وإذا مـا أولـيـنـاه شـيـئـاً أكـبـر مـن الـجـهـد والإهـتـمـام.

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) أنـظـر مـقـالي : “الإسـكـنـدر الـمـقـدوني يـمـوت في بـابـل” الـمـنـشـور في مـدونـتي : “بـيـن دجـلـة والـفـرات” :  https://sabahalnassery.wordpress.com/2016/03/07/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%80%D9%83%D9%80%D9%86%D9%80%D8%AF%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%80%D9%85%D9%80%D9%82%D9%80%D8%AF%D9%88%D9%86%D9%8A-%D9%8A%D9%80%D9%85%D9%80%D9%88%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D8%A8%D9%80/

(2) خـلال تـنـقـيـبـاتـه في بـابـل في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن، وجـد عـالـم الآثـار الألـمـاني روبـرت كـولـدِفي Robert Koledewey  في تـلّ الـحـمـيـرة أكـوام بـقـايـا الـخـرائـب الّـتي حـمـلـهـا الـعـمّـال مـن مـوقـع الأي سَـجـيـل، مـعـبـد الإلـه مـردوخ ومـن زقـورتـه : إي تي مـيـن أنـكي، بـعـد أن قـرر الإسـكـنـدر الـمـقـدوني إزاحـة مـا تـهـدّم مـنـهـمـا وإعـادة تـشـيـيـدهـمـا.

(3) لـم يـؤسـس الـمـقـدوني عـاصـمـة لـه، فـقـد بـهـرتـه مـديـنـة بـابـل الّـتي كـانـت قـد طـبّـقـت فـيـهـا، عـنـد إعـادة بـنـاء مـركـزهـا ومـعـالـمـهـا الـمـهـمّـة في فـتـرتـهـا الأخـيـرة، قـوانـيـن مـعـمـاريـة جـديـدة : تـقـسـيـم الـمـديـنـة إلى أجـزاء حـيـويـة وتـنـظـيـمـهـا لـيـشـغـل كـلّ قـسـم مـنـهـا دوره الـمـعـهـود بـه إلـيـه : الـسّـيـاسي والـدّيـني والـصّـنـائـعي والـتّـجـاري إلى جـانـب الأحـيـاء الـسّـكـنـيـة. وقـد اسـتـوعـب مـعـمـاريـة الـيـونـان هـذه الـقـوانـيـن وحـوّروهـا لـتـنـاسـب طـبـيـعـة مـدنـهـم، ثـمّ طـبّـقـوهـا وخـاصـة في تـشـيـيـد مـديـنـة الإسـكـنـدريـة في مـصـر.

(4) كـان اخـتـيـار الإسـكـنـدر هـذا سـيـاسـيـاً أراد بـه أن يـفـرض نـفـسـه كـمـلـك شـرعي وخـلـف لـلـمـلـوك الـشّـرقـيـيـن الّـذيـن حـكـمـوا بـابـل.

(5) وهـو في حـسـاب مـؤرخـيـن آخـريـن يـبـدأ في عـام 311 قـبـل الـمـيـلاد.

(6) كـانـت أوبي أو أوبـيـس هـذه في مـوقـع مـديـنـة قـديـمـة عـرفـت بـاسـم أكـشـاك، نـجـد لـهـا ذكـراً في الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة في زمـن حـمـورابي، مـلـك بـابـل (1955ــ 1913 قـبـل الـمـيـلاد) قـرب مـا أسـمي بـعـد ذلـك بـ”سـدّ نـبـوخـذ نـصـر” أو “الـسّـور الـحـامي مـن الـمـيـديـيـن”.

(7) أو في 305 قـبـل الـمـيـلاد في حـسـاب مـؤرخـيـن آخـريـن.

(8) كـانـت الـوركـاء واحـدة مـن أقـدم مـدن بـلاد سـومـر والّـتي يـعـود تـاريـخـهـا إلى مـا يـقـارب أربـعـة آلاف عـام قـبـل الـمـيـلاد (أي قـبـل سـتّـة آلاف عـام قـبـل زمـنـنـا هـذا !). وقـد عـثـر الـمـنـقّـبـون في الـوركـاء عـلى أقـدم نـصّ مـكـتـوب في تـاريـخ الـبـشـريـة، ولـهـذا يـقـال إنّ “الـكـتـابـة ولـدت في الـوركـاء”.

(9) مـوّل الـتّـنـقـيـبـات :  The Kelsey Museum of Archaeologie و   The American School of Oriental Rasaarch و The Toledo Museum and The Clevland Museum .

*  إسـتـعـنـت في بـعـض أقـسـام الـمـقـال بـبـعـض مـا ذكـره الـبـاحـث كـارلـو لـيـبـولـيـس في مـقـالـه عـن الـهـلـنـسـتـيـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، والـمـنـشـور في كـتـاب L’art en Mésopotamie الـصّـادر عـن دار نـشـر هـازان في 2006. أمّـا في أغـلـب مـا جـاء في الـمـقـال فـقـد اعـتـمـدت عـلى عـدد كـبـيـر مـن الـمـصـادر الـتّـاريـخـيـة.

 

 

 

 

بـغـداد 1919

حـصـلـت مـكـتـبـة جـامـعـة كـالـيـفـورنـيـا في لـوس أنـجـلـس عـلى ألـبـوم صـور يـعـود تـاريـخـه إلى 1919. ويـحـتـوي عـلى حـوالي 185 صـورة فـوتـوغـرافـيـة و 25 بـطـاقـة بـريـديـة عـلـيـهـا تـعـلـيـقـات بـخـطّ  الـيّـد.

ويـبـدو أنّـه كـان يـعـود إلى ضـابـط بـريـطـاني الـتـقـط الـصّـور خـاصّـة في بـغـداد والـبـصـرة، ولـكـن أيـضـاً في سـلـمـان بـاك وبـابـل والـنّـجـف والـكـوفـة … وتـصـوّر مـشـاهـد مـتـنـوّعـة مـثـل حـيـاة الـعـراقـيـيـن الـيـومـيـة والـمـقـاهي وقـوارب وقـفـف دجـلـة والـجـسـور وضـبـاط الـجـيـش الـبـريـطـاني والـجـوامـع والـكـنـائـس وجـني الـتّـمـر مـن عـلى الـنّـخـيـل …

وقـد وجـدت لـكـم عـدّة صـور نـشـرت مـنـهـا :

صـورة لـبـغـداديـة مـتـنـقّـبـة :

ucla-1919-7

وصـورة لـلـجـسـر الـقـديـم، جـسـر الـقـطـعـة في بـغـداد، ولـمـقهى وقـفـف ولـبـغـداديـيـن “arabs”.

وقـد تـوقـفـت الـقـفـف والأبـلام في شـريـعـة بـاب الـسّـيـف في جـانـب الـكـرخ (1):

ucla-1919-2

وصـورة  لـتـرامـوي بـغـداد ـ الـكـاظـمـيـة  الّـذي شـيّـد سـكّـتـه الألـمـان :

ucla-1919-3

وصـورة بـغـداد مـديـنـة الـجـوامـع (the City of Mosques ). وقـد الـتـقـطـت الـصـورة مـن فـوق بـاب الـمـعـظـم (1) :

ucla-1919-4

وصـورة لـطـاق كـسـرى :

ucla-1919-5

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أقـدّم شـكـري الـجـزيـل لـلأسـتـاذ أحـمـد إبـراهـيـم عـلى هـذه الـتّـوضـيـحـات الّـتي بـعـثـهـا لي.