عـنـدمـا كـانـت الـرّطـبـة حـصـنـاً في وسـط الـصّـحـراء

rutba-6

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

في وسـط الـصّـحـراء الـعـراقـيـة ــ الـسّـوريـة، حـفـرت آبـار كـان يـسـتـقي مـنـهـا الـبـدو الـرّحـل، تـحـيـطـهـا تـلال في وسـطـهـا وادٍ جـاف. ودعـيـت الآبـار بـالـرّطـبـة، ثـمّ تـحـوّل الإسـم إلى “الـرُّطـبـة”. وصـارت طـرق الـقـوافـل تـمـرّ بـهـا وتـتـقـاطـع عـنـدهـا.

حـصـن الـرُّطـبـة :

وخـلال فـتـرة الإنـتـداب الـبـريـطـاني عـلى الـعـراق أدرك الـبـريـطـانـيـون أهـمـيـة مـوقـع آبـار الـرّطـبـة : Rutbah Wells  كـمـا كـانـوا يـسـمـونـهـا آنـذاك، وأنـشـأوا فـيـه قـاعـدة جـوّيـة ومـطـاراً عـسـكـريـاً فـيـه مـحـطـة إذاعـة لـلـمـراسـلات الـعـسـكـريـة. كـمـا كـانـت طـائـرات الـخـطـوط الـجـوّيـة لـلإمـبـراطـوريـة الـبـريـطـانـيـة The Imperial Airways  تـتـوقّـف فـيـه في طـريـقـهـا إلى الـهـنـد.

وفي عـام 1927 شـيّـدوا فـيـه حـصـنـاً : Rutbah Fort، بـنـايـة مـربـعـة واسـعـة لـيـس لـجـدرانـهـا نـوافـذ تـنـفـتـح عـلى الـخـارج. في زوايـهـا الأربـع أربـعـة أبـراج. وألـصـق بـأحـد أضـلاعـهـا بـنـاء مـثـلـث زاويـتـه الـمـدبـبـة مـوجـهـة نـحـو الـخـارج لـيـقـاوم ريـاح الـفـيـفـاء ورمـالـهـا.

سـيّـارات نـيـرن والـرّطـبـة :

ذكـرنـا في مـقـال سـابـق (1) كـيـف اسـتـطـاع الأخـوان نـورمـان وجـيـرالـد نـيـرن Norman and Gerald Nairn (وأصـلـهـمـا مـن نـيـوزيـلـنـدة) تـوقـيـع عـقـد مـع الـسّـلـطـات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق وفـلـسـطـيـن، ومـع الـسّـلـطـات الـفـرنـسـيـة في سـوريـا لـنـقـل الـبـريـد بـيـن حـيـفـا وبـغـداد. وتـعـهـدّا بـإيـصـالـه بـمـدّة لا تـتـجـاوز الـيـومـيـن والـنّـصـف. وبـدأت أولى سـفـرات الـشّـركـة الّـتي أسـسـاهـا لـذلـك في نـهـايـة عـام 1923.

وبـعـد أن حـالـفـهـمـا الـنّـجـاح في مـهـمـتـهـمـا، وسّـعـا أعـمـال شـركـتـهـمـا لـتـشـمـل نـقـل الـمـسـافـريـن والـبـضـائـع، واشـتـريـا بـاصـات كـاديـلاك تـتـسـع لـنـقـل سـبـعـة مـن الـرّكّـاب إلى جـانـب خـزّان مـاء واحـتـيـاطي وقـود، صـمـمـت خـصـيـصـاً لـقـطـع مـسـافـات طـويـلـة عـبـر الـبـراري الـقـاحـلـة.

وكـانـت الـبـاصـات تـسـيـر مـجـتـمـعـة، ثـلاثـة مـعـاً في الـغـالـب يـصـاحـبـهـا دلـيـل مـن الـبـدو يـتـبـع آثـار الـطّـريـق. وكـانـت الـطّـريـق إلى بـغـداد تـعـبـر الـفـرات في الـفـلـوجـة.

ثـمّ بـدأت الـشّـركـة بـاسـتـخـدام بـاصـات كـبـيـرة تـوفّـر بـعـض وسـائـل الـرّاحـة لـلـمـسـافـريـن، وزودت بـعـجـلات مـن نـوع جـديـد تـتـحـمـل قـسـاوة الـجـو وسـوء حـالـة الـطّـريـق.

وعـنـدمـا تـدهـورت الـحـالـة الأمـنـيـة عـلى هـذه الـطّـريـق، حـوّلـت الـشّـركـة مـسـيـر سـيّـاراتـهـا إلى الـطّـريـق الـجـنـوبـيـة مـن حـيـفـا إلى الـقـدس فـعـمـان ثـمّ الـرّطـبـة وبـغـداد.

وقـد سـمـحـت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة لـسـيّـارات الأخـوَيـن نـيـرن بـالـتّـوقّـف بـالـرّطـبـة لـلـتّـزود بـالـوقـود، واسـتـعـمـال الـحـصـن لـلإسـتـراحـة بـيـن مـراحـل الـسّـفـرات.

وفـتـح الأخـوان نـيـرن في الـحـصـن نـزل اسـتـراحـة عـرف بـاسـم                   The Rutba Rest House، يـسـتـطـيـع الـمـسـافـرون فـيـه تـنـاول وجـبـات طـعـام عـلى الـطّـريـقـة الأوربـيـة وقـضـاء الـلـيـل في أسـرّة مـريـحـة.

وكـانـت سـيّـارات نـيـرن تـقـطـع الـمـسـافـة بـيـن دمـشـق وبـغـداد (843 كـلـم.) بـأربـع وعـشـريـن سـاعـة. ولـم تـكـن تـتـوقّـف إلّا مـرّتـيـن : في الـرّطـبـة في حـوالي مـنـتـصـف الـطّـريـق، ثـمّ في الـرّمـادي. ولـم يـكـن عـلى الـحـدود مـخـفـر تـفـتـيـش ولا جـمـارك، وإنّـمـا كـانـت الـجـمـارك في الـرّمـادي.

وبـعـد اكـتـشـاف الـبـريـطـانـيـيـن لـلـنّـفـط الـعـراقي واسـتـخـراجـه في بـدايـة عـشـريـنـيـات الـقـرن الـعـشـريـن، مـرّت بـالـرّطـبـة أنـابـيـب نـفـط الـمـوصـل ــ حـيـفـا.

فـريـا م. سـتـارك في الـرّطـبـة :

إخـتـرقـت الـكـاتـبـة الـبـريـطـانـيـة فـريـا مـادلـيـن سـتـارك Freya Madeline STARK بـاديـة الـشّـام مـن دمـشـق إلى بـغـداد عـام 1929، وذكـرت في رسـالـة كـتـبـتـهـا إلى أخـتـهـا فـيـفـا Viva  في 26 تـشـريـن الأوّل 1929 :

“وصـلـنـا الـرّطـبـة عـلى ضـوء الـنّـجـوم، ورأيـنـا نـوراً يـشـع مـن بـعـيـد مـن فـوق الـجـدران الّـتي لـيـس لـهـا نـوافـذ ـ أربـعـة أبـراج وبـوابـة وشـرطي مـن أبـنـاء الـعـشـائـر بـوجـهـه الـعـربي الـوحـشي وبـنـجـمـة عـلى جـبـيـنـه، يـرتـدي مـعـطـفـاً أحـمـر طـويـلاً وبـيـده بـنـدقـيـة، يـنـتـصـب أمـام الـبـوابـة الـمـوصـدة.

11745858_495278620640042_2795898238070758125_n

وكـان هـذا الـمـكـان يـبـدو شـبـيـهـاً بـذلـك الّـذي أخـرجـه الـجـنّي مـن الـعـدم عـنـدمـا فـرك الـمـصـبـاح [الـسّـحـري].

وجـاء الـعـشـاء بـعـد ذلـك : سـمـك سـالـمـون ومـايـونـيـز وكـسـتـر وجـلي. ووجـدنـا عـلى الـجـدران أخـبـاراً وإعـلانـات عـن نـادي الـغـولـف في الـمـنـطـقـة، وسـمـعـنـا الـضّـبـاط الإنـكـلـيـز يـثـرثـرون عـن مـشـتـريـاتـهـم أو عـن صـيـدهـم ومـا إلى ذلـك، ويـبـدون لـطـفـاء مـقـارنـة بـالـضّـبـاط الـفـرنـسـيـيـن في سـوريـا.

وفي الـسّـاعـة الـواحـدة، فـتـحـت لـنـا الـبـوابـة، وسـرعـان مـا اخـتـفـت أضـواء الـرّطـبـة وراءنـا. ووصـلـنـا الـرّمـادي في الـثّـامـنـة [صـبـاحـاً] ومـررنـا بـالـجـمـارك. وبـعـد مـسـيـرة ثـلاث سـاعـات أخـرى أبـصـرنـا دجـلـة في الـثّـانـيـة [بـعـد الـظّـهـر]، ثـمّ اهـتـزّ تـحـتـنـا جـسـر الـقـوارب الـعـائـم في بـغـداد”. (2)

ولـديـنـا عـدد مـن الـصّـور تـنـتـمي إلى مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون E. Matson، الـتـقـطـت عـام 1932. وهي مـحـفـوظـة الآن في مـكـتـبـة الـكـونـغـرس الأمـريـكي. (3)

matson-rt-1

rutba-2

rutba

matson-rt-2

rutba-4

 

matson-rt-4

matson-rt-3

 

هـنـري مـورتـون في الـرّطـبـة :

وبـعـد 22 عـامـاً عـلى مـرور فـريـا سـتـارك بـالـرّطـبـة مـرّ بـهـا الـكـاتـب الـبـريـطـانـي هـنـري ف. مـورتـون Henry V. Morton. ووصـف الـلـيـلـة الّـتي قـضـاهـا فـيـهـا في كـتـابـه : “الـشّـرق الأوسـط  Middle East”  الّـذي نـشـر في لـنـدن عـام 1941 :

“رأيـت الـعـلـم الـعـراقي [عـنـدمـا وصـلـنـا] يـرفـرف فـوق الـبـوابـة، وصـاريـة الـلاسـلـكي تـرتـفـع نـحـو الـسّـمـاء مـن أحـد أبـراج الـحـصـن […] بـيـنـمـا كـان خـفـيـر مـسـلّـح بـزي رسـمي أزرق يـسـيـر أمـامـه جـيـئـة وذهـابـاً”.

“وكـان الـحـوش في الـدّاخـل مـدهـشـاً بـضـجـيـجـه وصـخـبـه مـقـارنـة بـالـصّـحـراء الـسـاكـنـة حـولـه”. “وانـفـتـح بـاب خـرج مـنـه رجـل قـصـيـر الـقـامـة يـرتـدي سـتـرة بـيـضـاء وسـألـني بـالإنـكـلـيـزيـة  : “هـل تـودّ أن تـغـتـسـل وتـمـشـط شـعـرك يـا سـيـدي ؟ لـديـنـا مـاء سـاخـن”. وتـبـعـتـه إلى غـرفـة نـصـبـت فـيـهـا حـوالي عـشـريـن مـغـسـلـة أعـدّت لـلـمـسـافـريـن. وكـان بـجـانـب كـلّ واحـدة مـنـهـا إنـاء مـعـدني مـطـلّي بـالـمـيـنـا مـلئ بـالـمـاء الـسّـاخـن وفـوقـه مـنـشـفـة نـظـيـفـة لـفّـت بـعـنـايـة. وكـان هـنـاك صـابـون إنـكـلـيـزي وأعـداد مـن الأمـشـاط وفـرشـات الـشّـعـر الـنـظـيـفـة”.

“ورأيـت لافـتـة كـتـب عـلـيـهـا “غـرفـة اسـتـراحـة”. فـتـحـت الـبـاب ورأيـت مـشـهـداً مـدهـشـاً حـقّـاً، كـان في الـغـرفـة أعـداد مـن طّـاولات الـخـيـزران الـصّـغـيـرة، وجـلـس رجـال ونـسـاء في مـقـاعـد مـن الـخـيـزران حـول مـدفـأة. وكـان أغـلـبـهـم مـن الإنـكـلـيـز، يـدخـن بـعـضـهـم سـجـائـر ويـرتـشـف آخـرون أكـواب شـاي. وغـامـرت بـالـجـلـوس بـجـانـب انـكـلـيـزيـة كـانـت تـرتـدي الـتّـويـد وتـقـرأ مـجـلّـة إنـكـلـيـزيـة”.

“كـان هـذا نـزل الإسـتـراحـة الّـذي فـتـحـتـه شـركـة نـيـرن لـزبـائـنـهـا في طـريـقـهـم مـن الـشّـرق إلى الـغـرب أو مـن الـغـرب إلى الـشّـرق، وكـانـت هـذه الـغـرفـة تـفـضي إلى غـرفـة طـعـام صـغـيـرة : كـانـت الـشّـراشـف الّـتي تـغـطـيـهـا واسـعـة تـنـزل حـتّى مـسـتـوى الأرضـيـة تـقـريـبـاً. ووضـعـت الـسّـكـاكـيـن والـشّـوكـات بـعـنـايـة شـديـدة …”.  (4)

rutba-1941

(صـورة لـحـصـن الـرّطـبـة الـتـقـطـت عـام 1941)

وفي الـثّـاني مـن أيّـار مـن ذلـك الـعـام، 1941، دخـلـت الـقـوات الـعـراقـيـة الـمـوالـيـة لـرشـيـد عـالي الـكـيـلاني الـحـصـن وسـيـطـرت عـلـيـه فـقـصـفـتـه طـائـرات الـقـوات الـمـلـكـيـة الـبـريـطـانـيـة .R.A.F وفي الـعـاشـر مـن أيّـار أعـادت الـقـوات الـمـوالـيـة لـلـبـريـطـانـيـيـن احـتـلالـه.

وقـد اسـتـمـرت سـيّـارات نـيـرن تـتـوقـف في حـصـن الـرّطـبـة لـيـتـنـاول الـمـسـافـرون وجـبـة عـشـاء أوربـيـة في الـ Rutba Rest House ، ولـيـقـضـوا فـيـه لـيـلـة مـريـحـة حـتّى عـام 1956 عـنـدمـا أوقـفـت الـشّـركـة أسـفـارهـا بـيـن دمـشـق وبـغـداد.

وبـقي الـحـصـن مـنـتـصـبـاً إلى أن خـرّب في 1990/ 1991. وقـد احـتـلّـتـه الـقـوات الأمـريـكـيـة بـعـد غـزو عـام 2003، قـبـل أن يُـسـلّـم إلى الـحـكـومـة الـعـراقـيـة في 2010.

ــــــــــــــــــــــ

(1)  أنـظـر مـقـالي : “عـنـدمـا كـانـت سـيّـارات نـيـرن تـنـقـل الـمـسـافـريـن عـبـر الـبـاديـة ”  عـنـدمـا كـانـت سـيّـارات نـيـرن تـنـقـل الـمـسـافـريـن عـبـر الـبـاديـة

(2)  أنـظـر مـقـالي : “فـريـا مـادلـيـن سـتـارك والـعـراق”  فـريـا مـادلـيـن ســتـارك والـعـراق

(3) أنـطـر مـقـالي : “صـور الـعـراق في مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون”   صـور الـعـراق في مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون

(4)  Henry Vollam MORTON, Middle East : a record of travel in the countries of Egypte, Palestine, Iraq, Turkey and Greece , London 1941.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s