دخـول الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد عـام 1917

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

قـرن كـامـل مـضى عـلى دخـول الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد عـام 1917، ومـا نـتـج عـن ذلـك مـن تـغــيـيـرات سـيـاسـيـة مـا زلـنـا نـعـاني مـن آثـارهـا، ومـن تـغـيـيـرات جـذريـة في طـرق حـيـاة الـعـراقـيـيـن الـمـاديـة والـفـكـريـة والـثّـقـافـيـة.

بـريـطـانـيـون وعـثـمـانـيـون :

 يـنـبـغي عـلـيـنـا أوّلاً أن نـضـفي مـعـاني واضـحـة ودقـيـقـة عـلى الـكـلـمـات الّـتي نـسـتـعـمـلـهـا في هـذا الـعـرض الـسّـريـع :

فـغـالـبـاً مـا يـسـتـعـمـل الـكـتّـاب والـصـحـفـيـون كـلـمـة “الإنـكـلـيـز” كـمـرادف لـكـلـمـة “الـبـريـطـانـيـيـن”، في حـيـن أنّ “إنـكـلـتـرة” مـمـلـكـة في بـريـطـانـيـا. وبـريـطـانـيـا تـضـمّ أيـضـاً إسـكـتـلـنـدة وإيـرلـنـدة وبـلاد الـويـلـز. والـجـنـود الـبـريـطـانـيـون الّـذيـن احـتـلّـوا الـعـراق قـبـل الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى وخـلالـهـا لـم يـكـونـوا إنـكـلـيـزاً فـقـط وإنـمـا جـاءوا مـن كـلّ أرجـاء “بـريـطـانـيـا الـعـظـمى” ومـن “الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة”.

كـمـا يـسـتـعـمـلـون كـلـمـة “الأتـراك” كـمـرادف لـكـلـمـة “الـعـثـمـانـيـيـن” مـع أنّ الأتـراك كـانـوا قـلّـة في أراضي الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة، وكـانـت أصـول جـنـود “الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة” مـن كـلّ أراضي الـدّولـة ومـن بـيـنـهـا ولايـات الـبـصـرة وبـغـداد والـمـوصـل.

ونـحـن نـسـتـعـمـل كـلـمـة “الـعـراق” مـع أنّـه لـم يـكـن هـنـاك كـيـان سـيـاسي بـهـذا الإسـم في تـلـك الـحـقـبـة الـزّمـنـيـة، وإنّـمـا كـان هـنـاك ثـلاث ولايـات عـثـمـانـيـة : ولايـات الـبـصـرة وبـغـداد والـمـوصـل، وكـان يـحـكـمـهـا ولاة “عـثـمـانـيـون”.

الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق :

بـدأت “حـمـلـة بـلاد مـابـيـن الـنّـهـريـن  The Mesopotamian Campaign” عـنـدمـا تـقـدمـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في 1914، قـبـل أن تـبـدأ الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى (بـدأت الـحـرب يـوم 28 تـمّـوز)، واحـتـلّـت الـبـصـرة وضـفـاف دجـلـة والـفـرات، لـحـمـايـة مـصـالـح شـركـة الـنّـفـط الإنـكـلـيـزيـة ــ الـفـارسـيـة Anglo-Persian Oil Company الّـتي كـانـت الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة قـد وقـعـت مـعـهـا عـقـداً لـتـزويـد قـوّاتـهـا الـبـحـريـة بـالـوقـود. وقـد امـتـدّت عـمـلـيـات “الـحـمـايـة” هـذه إلى مـنـطـقـة الأهـوار وأطـراف الـصّـحـراء.

وبـعـد بـدايـة الـحـرب، أرسـل “مـكـتـب الـهـنـد” الـبـريـطـاني قـطـعـات مـسـلّـحـة مـن “جـيـش الـهـنـد الـبـريـطـاني” لـحـمـايـة عـبـدان وشـطّ الـعـرب. وكـان الـجـيـش الـرّابـع الـعـثـمـاني يـحـمي ولايـة الـبـصـرة الّـتي كـانـت تـابـعـة لـلـدّولـة الـعـثـمـانـيـة آنـذاك.

وفي الـخـامـس مـن تـشـريـن الـثّـاني عـام 1914، أعـلـنـت بـريـطـانـيـا وفـرنـسـا الـحـرب عـلى الـدّولـة الـعـثّـمـانـيـة. وقـد أجـابـت حـكـومـة “جـمـعـيـة الإتـحـاد والـتّـرقي” بـإعـلانـهـا الـحـرب عـلـيـهـمـا في 14 تـشـريـن الـثّـاني.

وبـدأ الـهـجـوم الـبـريـطـاني بـقـصـف مـيـنـاء الـفـاو في 6 تـشـريـن الـثّـاني.

وقـد بـعـث حـاكـم الـكـويـت الـشّـيـخ مـبـارك الـصّـبـاح بـمـجـمـوعـة مـن رجـالـه لـمـسـانـدة الـبـريـطـانـيـيـن. كـمـا هـاجـم رجـالـه الـقـوات الـعـثـمـانـيـة في عـدّة أمـاكـن. وغـيّـر رايـتـه مـزيـلاً مـنـهـا الـنّـجـمـة والـهـلال، رمـز الـعـثـمـانـيـيـن وأبـدلـهـا بـرايـة حـمـراء في وسـطـهـا كـلـمـة “كـويـت”.

(صـورة مـبـارك الـصّـبـاح قـبـل الـحـرب، وصـورة رايـتـه الـجـديـدة)

واكـتـمـل احـتـلال الـبـصـرة الـنّـهـائي في 22 مـن ذلـك الـشّـهـر. وطـاردت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة الـقـوات الـعـثـمـانـيـة حـتّى الـقـرنـة وأسـرت حـاكـم الـبـصـرة الـعـثـمـاني وحـوالي ألـف رجـل مـن جـنـوده.

وفي 1915 بـدأ أعـضـاء مـن جـمـعـيـة ” الـفـتـاة” بـعـقـد اتـصـالات مـع فـيـصـل، إبـن شـريـف مـكّـة لـلـقـيـام بـحـركـة ضـدّ الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة. وقـد تـبـنّى الإنـكـلـيـز هـذا الـمـشــروع ودفـعـوا حـسـيـن، شـريـف مـكّـة وأولاده لإطـلاق “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى”.

وفي نـيـسـان 1915، عـيّـن مـكـتـب الـهـنـد الـبـريـطـاني الـجـنـرال جـون نـيـكـسـون  John Nixon لـيـشـرف عـلى الـعـمـلـيـات الـعـسـكـريـة. وقـرر جـون نـيـكـسـون أن يـطـلـق عـمـلـيـة الـصّـعـود نـحـو بـغـداد. وهـكـذا أمـر تـشـارلـز تـاونـزنـد (يـكـتـب أيـضـاً طـاونـزنـد أو طـونـزنـد) Charles TOWNSHEND بـأن يـتـوجـه بـقـواتـه نـحـو الـكـوت.

وصـعـد تـاونـزنـد دجـلـة مـع قـوات قـلـيـلـة الـعـدد ونـجـح في هـزم عـدد مـن الـقـطـعـات الـعـثـمـانـيـة، وتـجـاوز الـكـوت نـحـو بـغـداد، ولـكـنّ الـعـثـمـانـيـيـن شـكّـلـوا في 5 تـشـريـن الأوّل جـيـشـاً سـادسـاً عـيّـنـوا لـقـيـادتـه الـفـيـلـد مـرشـال الألـمـاني فـون ديـر غـولـتـس  Field Marchal Von Der Goltz.

وفي 2 تـشـريـن الـثّـاني الـتـقـت قـوات تـاونـزنـد وقـوات فـون ديـر غـولـتـس في مـعـركـة طـيـسـفـون (سـلـمـان بـاك). وانـتـهـت الـمـعـركـة بـانـسـحـاب الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة. وطـاردتـهـا الـقـوات الـعـثـمـانـيـة حـتّى حـاصـرتـهـا في الـكـوت. وبـدأ الـحـصـار في 7 كـانـون الأوّل، ولـم يـسـتـطـع الـبـريـطـانـيـون كـسـر الـحـصـار رغـم مـحـاولاتـهـم الـمـتـكـررة :

جنود بريطانيون

(جـنـدي بـريـطـاني مـن فـصـيـلـة شـمـال سـتـفـوردشـر بـمـعـداتـه الـثّـقـيـلـة)

وتـوفي الـفـيـلـد مـرشـال فـون ديـر غـولـتـس بـعـد إصـابـتـه بـالـكـولـيـرا في 19 نـيـسـان 1916. وفي 24 نـيـسـان هـاجـمـت الـقـوات الـعـثـمـانـيـة الـكـوت ودخـلـت الـمـديـنـة، واسـتـسـلـم تـشـارلـز تـاونـزنـد وجـنـوده بـعـد خـمـسـة أيّـام :

جندي هندي بعد حصار الكوت

(جـنـدي هـنـدي مـن قـوّات الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة بـعـد الـحـصـار)

Townshend

(تـاونـزنـد في وسـط الـصّـورة بـعـد اسـتـسـلامـه في الـكـوت بـيـن ضـبّـاط عـثـمـانـيـيـن)

وبـعـد فـشـل الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في الـوصـول إلى الـكـوت لـفـك الـحـصـار، ثـمّ هـزيـمـتـهـا فـيـهـا، بـذلـت جـهـوداً كـبـيـرة لـتـحـسـيـن الـمـواصـلات بـيـن قـطـعـاتـهـا، ووسـعـت مـيـنـاء الـبـصـرة لاسـتـقـبـال أعـداد أكـثـر مـن الـبـواخـر ولـتـفـريـغـهـا بـسـرعـة كـمـا عـبّـدت الـطّـرق حـول الـمـديـنـة، وسـيّـرت سـفـنـاً بـخـاريـة في دجـلـة.

كـمـا شـكّـلـت إدارة لـلـسـكـك الـحـديـديـة بـعـد أن بـدأ الـمـاجـور فـردريـك كـول  Major Frederick Cole  وكـتـيـبـتـه الـهـنـديـة بـتـشــيـيـد خـط حـديـدي مـن الـبـصـرة بـاتـجـاه بـغـداد، وبـعـثـت حـكـومـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة إلى الـبـصـرة بـعـدد مـن عـربـات الـقـطـار.

وهـكـذا أمـكـن لـلـجـيـش الـبـريـطـاني أن يـجـلـب إلى جـبـهـة الـعـراق بـأعـداد أكـبـر مـن الـجـنـود والـمـعـدّات الـحـربـيـة وأن يـتـهـيـأ لـلـصـعـود نـحـو بـغـداد.

وبـدأت “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى” عـام 1916 بـعـد أن وعـد الـبـريـطـانـيـون الـحـسـيـن، شــريـف مـكّـة، كـمـا سـبـق أن رأيـنـا بـإنـشـاء مـمـلـكـة عـربـيـة لـه ولأولاده. ولـكـن بـريـطـانـيـا وفـرنـسـا وقـعـتـا في 16 أيّـار مـن نـفـس الـعـام مـعـاهـدات سـايـسكـس ــ بـيـكـو لـتـقـسـيـم ولايـات الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة بـيـنـهـمـا مـن غـيـر أن تـعـلـمـا شـريـف مـكّـة بـذلـك.

وفي نـفـس الـعـام، 1916، وصـلـت الـمـس جـرتـرود بـيـل Gertrude BELL إلى الـبـصـرة بعـد أن قـضـت عـامـاً في الـمخـابـرات الـبـريـطـانـيـة في الـقـاهـرة.

وعـيّـن الـلـيـوتـنـات ــ جـنـرال فـريـدريـك سـتـانـلي مـود                         Lieutenant General Frederick Stanley MAUDE عـلى رأس الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق،

مود 2

ووصـل مـن مـصـر مـع كـتـيـبـتـه إلى الـبـصـرة في أواخـر عـام 1916(1). واسـتـلـم في شـهـر كـانـون الأوّل 1917 أمـراً بـالـمـسـيـر نـحـو بـغـداد واحـتـلال مـا لـم يـكـن قـد احـتـل بـعـد مـن ولايـة الـبـصـرة ثـمّ ولايـتَي بـغـداد والـمـوصـل.

وألـقى الـجـنـرال مـود أوامـره بـبـدء الـهـجـوم في 13 كـانـون الأوّل. وتـقـدمـت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة عـلى ضـفـتي دجـلـة، وتـسـاقـطـت مـراكـز الـدّفـاع الـعـثـمـانـيـة أمـامـهـا.

وبـعـد أن اسـتـعـادت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة (بـمـسـاعـدة قـطـعـات هـنـديـة) الـكـوت مـن أيـدي الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة في 24 شـبـاط :

Tuck XXXXV

(نـصـب شـيّـده الأتـراك في الـكـوت قـبـل أن يـعـيـد الـبـريـطـانـيـون احـتـلالـهـا) (2)

دخـلـت طـيـسـفـون (سـلـمـان بـاك) بـعـد ذلـك بـعـدّة أيّـام،

بريطانيون أمام طاق كسرى (280x180)

ووصـلـت قـرب بـغـداد في 5 آذار. وقـد حـاول والي بـغـداد خـلـيـل بـاشـا إيـقـافـهـا أمـام نـهـر ديـالى ولـكـنّ قـوات الـجـنـرال مـود سـلـكـت طـريـقـاً أخـرى وعـادت إلى مـنـطـقـة ديـالى الّـتي احـتـلـتـهـا في 10 آذار، ثـمّ تـوجـهـت نـحـو بـغـداد، فـانـسـحـب خـلـيـل بـاشـا ثـمّ ركـب الـقـطـار تـاركـاً بـغـداد نـحـو سـامـراء.

ودخـلـت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة (الّـتي شـكّـل أغـلـبـهـا جـيـش الـهـنـد الـبـريـطـاني) في بـغـداد يـقـودهـا الـلـيـوتـنـات ــ جـنـرال فـريـدريـك سـتـانـلي مـود في 11 آذار. (3)

مود في بغداد

ونـرى في الـصّـورة جـنـود الـفـوج الأوّل لـكـتـيـبـة هـامـبـشـر الـرّابـعـة                 The 1st Division of the 4th Hampshire Regiment، يـدخـلـون مـن بـاب الـمـعـظـم (بـاب الـسّـلـطـان) ويـسـيـرون في جـادّة خـلـيـل بـاشـا (خـلـيـل بـاشـا جـادة سي، الّـتي أصـبـحـت بـعـد ذلـك  The New Street ثـمّ شـارع الـرّشـيـد) بـيـن مـجـمـوعـات مـن أهـل الـمـديـنـة.

وقـد تـسـاءلـت عـنـدمـا تـفـحـصّـت هـذه الـصّـورة عـن مـن الـتـقـطـهـا بـعـد أن أعـدّ الـمـشـهـد، فـلا يـمـكـن أن تـكـون قـد الـتـقـطـت عـفـويـاً في زمـن كـانـت آلات الـتّـصـويـر فـيـه ضـخـمـة وثـقـيـلـة وتـحـتـاج الـصّـور الّـتي تـلـتـقـطـهـا إلى تـهـيـئـة وإعـداد، كـمـا تـسـاءلـت لـمـاذا كـان الـنّـاس يـنـظـرون إلى عـدسـة الـمـصـوّر بـدلاً مـن أن يـنـظـروا إلى الـجـنـرال وجـنـوده، ومـن وضـع الـمـنّـصـة الّـتي نـراهـا عـلى يـمـيـن الـصّـورة، حـتّى وجـدت الـجـواب في الـتّـعـلـيـق الّـذي يـصـاحـب الـصّـورة في الأرشـيـفـات الـحـكـومـيـة لـلـمـمـلـكـة الـمـتّـحـدة. (4)

فـقـد ذكـرت هـذه الأرشـيـفـات أنّ الـفـوج الّـذي نـراه خـلـف الـجـنـرال مـود كـان مـخـيّـمـاً خـارج بـغـداد. وبـعـد أن دخـلـت الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد واسـتـولـت عـلى كـلّ الـمـديـنـة، اسـتـلـم هـذا الـفـوج أمـراً بـالـدّخـول فـيـهـا. وجُـمـع الـنّـاس عـلى جـانـبي الـطّـريـق لالـتـقـاط هـذه الـصّـورة لـكي تـنـشـر لأغـراض دعـائـيـة وتـسـتـعـمـل لإظـهـار قـوة الـجـيـش الـبـريـطـاني وانـتـصـاراتـه في الـحـرب، ولكي تـظـهـر “الـحـفـاوة” الّـتي اسـتـقـبـلـه الـعـراقـيـون بـهـا لـيـخـلـصـهـم مـن “الإضـطـهـاد الـعـثـمـاني”.

كـمـا أنّ لـديـنـا عـدّة صـور لـلـجـنـود الـبـريـطـانـيـيـن (ومـن بـيـنـهـم الـهـنـود) في بـغـداد عـام 1917 الـتـقـطـهـا الـكـولـونـيـل مـاك كـلـيـفـرتي Colonel A. H. McCleverty  مـن فـصـيـلـة The 2nd Queen Victoria’s Own Rajput Light Infantry جـمـعـت في ألـبـوم يـحـتـوي عـلى 103 مـنـهـا يـحـتـفـظ بـه مـتـحـف الـجـيـش الـوطـني  The National Army Museum في لـنـدن،  إخـتـرت لـكـم مـنـهـا صـورة لـلـقـطـعـات الـهـنـديـة تـسـيـر في شـارع الـرّشـيـد                          Indian troops marching through New Street :

القوات الهندية في شارع الرشيد

والـهـنـود يـنـقـلـون الـمـعـدّات عـلى ظـهـور الـحـمـيـر                                     Indian donckey transport, New Street :

Mc 5

والـهـنـود يـنـقـلـون الـمـعـدّات عـلى ظـهـور الـبـغـال

Indian troops and pack mule transport marching through New street :

باب المعظم 6

وصـور أخـرى لـلـجـنـود في بـغـداد :

 

ولـم يـقـرأ الـجـنـرال سـتـانـلي مـود خـطـابـه الـمـوجّـه لـلـبـغـداديـيـن، والـمـعـروف بـ  Proclamation of Baghdad ، إلّا في 19 آذار، أي بـعـد ثـمـانـيـة أيّـام مـن دخـولـه الى بـغـداد. وهـذا مـطـلـعـه بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة وتـرجـمـتـه الّـتي نـشـرت بـالـلـغـة الـعـربـيـة :

 

ونـنـهي عـرضـنـا الـسّـريـع هـذا بـغـلاف مـجـلـة الـحـرب الـمـصـورة                     The War Illustrared  الّـتي صـدرت في لـنـدن في 24 آذار 1917 وعـلـيـهـا تـصـويـر خـيـالي لـلـجـنـرال مـود في طـريـقـه إلى بـغـداد :

with general Maude (3)

ــــــــــــــــــــــــ

(1) تـذكـر مـسـز سـتـوارت مـنـزيـس أنّـه وصـل إلى الـبـصـرة في شـهـر شـبـاط أو آذار 1916، وهـو مـا لا يـطـابـق مـجرى الأحـداث :

.Sir Stanley Maude & Others Memoirs By Mrs Stuart Menzies, London 1920

(2) بـطـاقـة بـريـديـة نـشـرتـهـا شـركـة ر. تـك الـلـنـدنـيـة. أنـظـر مـقالي :بـطـاقـات بـريـديـة عـن الـعـراق نـشـرتـهـا شـركـة ر. تـك في لـنـدن

(3) عـنـدمـا تـقـدمـت الـقـوات الـبـريـطانـيـة نـحـو بـغـداد، فـجّـرت الـقـوات الـعـثـمانـيـة بـرج بـاب الـطّـلـسـم قـبـل انـســحـابـهـا مـن الـمـديـنـة.  وكـان الـبـرج قـد اسـتـعـمـل لـخـزن بارود الـمـدافـع الّـتي كـانـت تـحـمي أسـوار بـغـداد، فـتـنـاثـر شـظـايـا وتـسـاقـط أكـوام حـجارة بـعـد انـفـجـار الـبـارود الـمـخـزون. ولـم يـبـق لـنـا مـنـه أثـر.

(4) (www.nationalarchives.gov.uk › … › First World War)

دار الـجـنـرال مـود في بـغـداد

دار الجنرال مود

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

الـجـنـرال سـتـانـلي مـود يـفـتـح بـغـداد ثـمّ يـمـوت فـيـهـا :

دخـل الـلـيـوتـنـات ــ جـنـرال فـريـدريـك سـتـانـلي مـود  Lieutenant General Frederick Stanley MAUDE بـغـداد عـلى رأس قـوّاتـه الـبـريـطـانـيـة في 11 آذار  1917  بـعـد أن انـسـحـبـت الـقـوّات الـعـثـمـانـيـة مـنـهـا. ولـم يـقـرأ خـطـابـه الـمـوجّـه لـلـبـغـداديـيـن، والـمـعـروف بـ Proclamation of Baghdad، إلّا في 19 آذار.

ثـمّ أكـمـلـت قـوّاتـه مـسـيـرتـهـا نـحـو سـامـراء لـتـكـمـل سـيـطـرتـهـا عـلى ولايـة بـغـداد وعـلى ولايـة الـمـوصـل.

وفي شـهـر تـشـريـن الـثّـاني مـن نـفـس الـعـام، أقـيـم حـفـلٌ احـتـفـاءً بـه في مـدرسـة يـهـوديـة : الألـيـانـس الإسـرائـيـلـيـة، قـدمـت فـيـه مـسـرحـيـة هـامـلـت لـشـكـسـبـيـر بـالـعـربـيـة، وشـرب كـلّ الـحـاضـريـن فـنـاجـيـن قـهـوة. وذكـرت الـصّـحـفـيـة الأمـريـكـيـة إلـيـانـور إغـن Eleanor Egan الّـتي حـضـرت الـحـفـل أنّ الـجـنـرال مـود طـلـب حـلـيـبـاً. وجُـلـب لـه حـلـيـب لـم يـسـخـن إلى درجـة الـغـلـيـان، فـأضـافـه إلى قـهـوتـه وشـربـه.

وفي الـيـوم الـتّـالي سـقـط مـريـضـاً، وشـخّـص طـبـيـبـه الـبـريـطـاني حـالـة كـولـيـرا مـن أخـطـر الأنـواع يـبـدو أن عـدواهـا انـتـقـلـت إلـيـه مـن الـحـلـيـب. وسـرت شـائـعـات بـأنّـه سُـمّـم، لأنّ الـكـابـتـن ولـسـن الّـذي وضـع نـفـس الـحـلـيـب في قـهـوتـه في نـفـس الـحـفـل لـم يـصـب بـشئ.

ومـات الـلـيـوتـنـات ــ جـنـرال سـتـانـلي مـود في 18 تـشـريـن الـثّـاني 1917 .

ويـذكـر عـدد مـن الّـذيـن كـتـبـوا عـنـه أنّـه مـات في نـفـس الـدّار الّـتي كـان قـد مـات فـيـهـا الـفـيـلـد مـرشـال الألـمـاني فـون ديـر غـولـتـز                            Field Marshal Von der Goltz تـسـعـة عـشـر شـهـراً قـبـل ذلـك.(1)

ودفـن الـجـنـرال مـود في الـمـقـبـرة الـعـسـكـريـة الـبـريـطـانـيـة قـرب بـاب الـمـعـظـم (2) :

 

وقـد أقـيـم لـه تـمـثـال مـن الـبـرونـز يـمـثّـلـه بـزيّـه الـعـسـكـري مـمـتـطـيـاً صـهـوة حـصـان، أزيـح عـنـه الـسّـتـار عـام 1923  أمـام دار الـمـنـدوبـيـة الـبـريـطـانـيـة الـسّـامـيـة في الـكـرخ :

وقـد بـقي الـتّـمـثـال مـنـتـصـبـاً إلى أن أسـقـطـتـه الـجـمـوع الـثّـائـرة وحـطـمـتـه في 14 تـمّـوز 1958 :

إسقاط تمثال مود

أيـن كـانـت دار الـجـنـرال مـود ؟

ومـا ذكـرنـاه يـثـيـر تـسـاؤلات لـم أجـد عـلـيـهـا بـعـد أجـوبـة أكـيـدة، فـقـد وجـدت في كـتـاب إيـدا دونـغـيـس سـتـاوت Staudt Ida Donges : “مـذكّـرات أمـريـكـيـة عـن الـتـدريـس والـسّـفـر في الـعـراق مـن 1924 إلى1947” (3) الّـذي سـبـق لي أن كـتـبـت عـنـه مـقـالاً (4)، أنّـهـا سـمـعـت بـعـد وصـولـهـا إلى بـغـداد مـع زوجـهـا في 1924 بـأنّ : “داراً كـبـيـرة فـرغـت قـرب نـادي الـضّـبّـاط الـبـريـطـانـيـيـن، في حيّ حـديـث مـن الـمـديـنـة، تـحـيـطـه غـابـات الـنّـخـيـل. وعـنـدمـا زرتـهـا حـلـت لـعـيـنيّ فـأجـرتـهـا حـالاً وبـلا تـردد. وبـانـتـقـالـنـا إلـيـهـا في الـخـريـف بـدأت حـيـاتـنـا الـعـمـلـيـة حـقّـاً. وكـانـت الـدّار تـنـاسـب تـمـامـاً مـا نـريـد، وإن اعـتـبـر الـبـعـض أنّـهـا بـعـيـدة عـن مـركـز الـمـديـنـة. وقـد أصـبـحـت الآن في وسـط الـمـديـنـة لـشـدّة مـا تـوسـعـت بـغـداد وامـتـدّت. وكـانـت داراً كـبـيـرة فـيـهـا 20 غـرفـة واسـعـة حـول حـوش مـفـتـوح، أمـامـهـا شـرفـات عـريـضـة”.

ثـمّ تـكـمـل إيـدا سـتـاوت : ” وكـان لـهـذا “الـقـصـر” الـمـهـيـب قـصّـة مـدهـشـة، فـقـد اسـتـعـمـلـه الـبـريـطـانـيـون نـاديـاً لـضـبّـاطـهـم. وكـان الإيـطـالـيـون قـد اتـخـذوه قـنـصـلـيـة لـهـم، ووجـدنـا بـقـايـا رايـتـهـم عـلى الـسّـطـح حـيـنـمـا أجّـرنـا الـقـصـر. وخـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى إخـتـارتـه الـقـيـادة الألـمـانـيـة مـقـرّاً لـهـا. وغـالـبـاً مـا حـذرونـا مـن أنّ شـبـح الـجـنـرال فـون ديـر غـولـتـز كـان يـتـجـوّل في أنـحـائـه”.(5)

وقـد أخـطـأت إيـدا سـتـاوت في بـعـض مـعـلـومـاتـهـا لأنّ فـون ديـر غـولـتـز لـم يـكـن تـحـت أوامـر الـقـيـادة الـعـلـيـا لـلـقـوات الألـمـانـيـة وإنّـمـا كـان يـعـمـل في الـقـوات الـعـثـمـانـيـة، وحـصـل عـلى رتـبـة بـاشـا، ولـهـذا كـان يـدعى بـغـولـتـز بـاشـا. وقـد عـهـد إلـيـه أنـور بـاشـا في 1915 بـالـجـيـش الـخـامـس الـعـثـمـاني. وسـار غـولـتـز بـاشـا بـالـجـيـش الـخـامـس إلى جـنـوب بـغـداد وأوقـف تـقـدّم الـقـوات الـبـريـطـانـيـة.  ولـكـنّـه أصـيـب في 1916 بـالـتّـيـفـوئـيـد ومـات مـنـه في بـغـداد.

وإذا كـانـت الأمـريـكـيـة إيـدا سـتـاوت تـعـرف أنّ الألـمـاني فـون ديـر غـولـتـز مـات في تـلـك الـدّار فـكـيـف لـم تـسـمـع بـأنّ الـجـنـرال سـتـانـلي مـود مـات فـيـهـا أيـضـاً في 1917 ؟

وهي تـذكـر أنّ الـبـريـطـانـيـيـن اسـتـعـمـلـوه نـاديـاً لـضـبّـاطـهـم، فـهـل سـكـن الـجـنـرال مـود ومـات في مـا أصـبـح بـعـد ذلـك نـاديـاً لـضـبّـاطـه ؟

تـسـاؤلات كـنـت أودّ أن أجـد عـلـيـهـا أجـوبـة !

ولـم أجـد إلّا صـورة واحـدة مـا زالـت مـحـفـوظـة في أرشـيـفـات وكـالـة رول Rol  لـتـصـويـر الأنـبـاء ذكـر الـتّـعـلـيـق الّـذي يـصـاحـبـهـا أنّـهـا لـلـدّار الّـتي سـكـنـهـا الـجـنـرال مـود في بـغـداد (وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال) (6)، ولـكـنّ الأسـتـاذ أحـمـد رؤوف كـتـب لي بـأنّ الـبـعـض أشـار إلى أنّ الـمـنـزل الّـذي في هـذه الـصـورة كـان في الأصـل مـلـكـاً لأحـد الـوجـهـاء مـن عـائـلـة الـكـيـلاني، أو مـكـان إقـامـة آخـر ولاة الـعـثـمـانـيـيـن في بـغـداد، ومـكـانـه في شـارع الـرّشـيـد مـقـابـل سـيـنـمـا ومـسـرح الـنّـجـاح (سـيـنـمـا روكـسي سـابـقـاً). وقـد رمـم وأصـبـح مـتـحـفـاً لـمـقـتـنـيـات وهـدايـا الـزّعـيـم عـبـد الـكـريـم قـاسـم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   أنـظـر مـثـلاً : Lawrence Sondhaus, World War One, The Global Revolution, p. 372

(2)  أرسـل لي الـدّكـتـور خـالـد الـسّـلـطـاني بـهـاتـيـن الـصّـورتـيـن. وأقـدّم لـه جـزيـل شـكـري عـلى ذلـك.

(3)  Living in Romantic Baghdad : Un American Memoir of Teaching and Travel in Iraq, 1924 -1947, New York 2012

(4) أنـظـر مـقـالي :  إيـدا سـتـاوت ومـدرسـة الـبـنـيـن الأمـريـكـيـة في بـغـداد بـيـن 1924 و1947

(5)  الـمـصـدر الـسّـابـق، وهـنـا أذكّـر الـقـارئ بـأنّ إيـدا سـتـاوت أكـمـلـت تـألـيـف كـتـابـهـا في 1951.

(6)  أنـظـر مـقـالي : الـعـراق في صـور وكـالـة رول Rol

صـور الـمـوصـل في ألـبـومـات الآبـاء الـدومـنـيـكـان

 

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

كُـتـبـت مـقـالات كـثـيـرة عـن الآبـاء الـدّومـيـنـيـكـان (وهـو لـفـظ أصـحّ مـن : الـدّومـنـيـكـان) في الـعـراق، والـذّيـن كـان مـركـز نـشـاطـاتـهـم  في الـمـوصـل. وغـالـبـاً مـا كـانـت أهـداف كـتّـاب هـذه الـمـقـالات إدانـة أعـمـال الآبـاء الـتّـبـشـيـريـة، أو عـلى الـعـكـس مـن ذلـك، الإشـادة بـدورهـم الإيـجـابي في إدخـال كـثـيـر مـن مـكـونـات الـحـداثـة في مـنـطـقـة الـمـوصـل، والّـتي انـتـشـرت مـنـهـا بـعـد ذلـك في كـلّ أرجـاء الـعـراق مـنـذ الـقـرن الـثّـامـن عـشـر.

وإذا مـا تـابـعـنـا تـاريـخ إنـشـاء الـجـمـاعـة الـدّومـنـيـكـيـة وقـرأنـا بـعـض مـا نـشـروه هـم أنـفـسـهـم عـنـهـا فـسـتـظـهـر لـنـا صـورة أخـرى لـهـم ولـنـشـاطـاتـهـم. وسـأتـكـلّـم عـنـهـم هـنـا بـاخـتـصـار، وسـأعـرض بـعـض صـور ألـبـومـاتـهـم الّـتي جـمـعـوهـا عـن الـمـوصـل.

الـجـمـاعـة الـدّيـنـيـة الـدّومـنـيـكـيـة :

أنـشـئـت “الـجـمـاعـة الـدّيـنـيـة الـدّومـنـيـكـيـة” في مـديـنـة تـولـوز، في جـنـوب فـرنـسـا عـام 1215 م. وقـد حـصـل مـؤسـسـهـا دومـنـيـك وأصـحـابـه مـن بـابـا رومـا، هـنـريـوس الـثّـالـث Honorius III عـلى وثـيـقـة اعـتـراف رسـمـيـة بـالـجـمـاعـة في عـام 1217.

ولأنّ الأوربـيـيـن كـانـوا يـعـتـبـرون الـعـراق مـن بـيـن أقـدم أمـاكـن الـشّـرق الّـتي ظـهـرت فـيـهـا الـمـسـيـحـيـة، فـقـد اتـجـه إلـيـه مـبـشـرو الـجـمـاعـة الـدّومـنـيـكـيـة مـنـذ إنـشـائـهـا.

ويـبـدو أنّ أحـد أصـحـاب الـقـديـس دومـنـيـك، مـؤسـس الـجـمـاعـة، وكـان اسـمـه غـلـيـوم دو مـونـفـيـرا Guillaume de Montferrat قـد وصـل إلى بـغـداد عـام 1235، وتـوصّـل إلى الـدّخـول في بـلاط الـخـلـيـفـة الـمـسـتـنـصـر بـالله.

وفي عـام 1290، وصـل الـمـبـشـر الـدّومـنـيـكي فـرا ريـكـولـدو بـيـنـيـني دا مـونـتي كـروتـشي  Fra Ricoldo Pennini da Montecroce  (الّـذي كـان إيـطـالـيـاً مـن مـديـنـة فـلـورنـسـا) إلى الـمـوصـل قـادمـاً مـن شـيـراز.

وقـد جـاء فـرا ريـكـولـدو هـذا إلى الـمـوصـل ضـمـن الـبـعـثـة الّـتي كـان الـبـابـا نـيـقـولا الـرّابـع قـد بـعـثـهـا لـلـتّـبـشـيـر في الـشّــرق. وأقـام في مـديـنـة شـيـراز الّـتي بـشّـر فـيـهـا وتـعـلّـم الـلـغـة الـعـربـيـة.

واتـصـل فـرا ريـكـولـدو  في الـمـوصـل بـالـنّـسـاطـرة، الّـذيـن كـان يـعـتـبـرهـم مـنـشـقـيـن عـلى ديـن الـمـسـيـح، ووعـظـهـم ولـكـنّـهـم رفـضـوا اعـتـنـاق الـمـذهـب الـكـاثـولـيـكي.  وذهـب إلى مـعـبـد الـيـهـود ووعـظـهـم وتـنـاقـش مـعـهـم حـول “الـدّيـن الـحـقّ”.

ثـمّ أقـام في ديـر مـار مـتى شـمـال الـمـديـنـة لـيـتـنـاقـش مـع رهـبـانـه مـن الـيـعـاقـبـة الّـذيـن كـان يـعـتـبـرهـم هـم الآخـريـن :”عـلى مـذهـب مـنـشـقّ عـلى الـدّيـن يـخـطئ في كـثـيـر مـن الإعـتـقـادات. وهـم لا يـتـبـعـون كـنـيـسـة رومـا”. ولـم يـسـتـطـع إدخـالـهـم في الـمـذهـب الـكـاثـولـيـكي.

ويـمـكـنـكـم قـراءة الـنّـصّ الّـذي كـتـبـه عـن ذلـك في الـمـلـحـق رقـم (1) في نـهـايـة هـذا الـمـقـال.

ثـمّ نـزل فـرا ريـكـولـدو إلى بـغـداد عـن طـريـق دجـلـة وتـوقّـف في تـكـريـت. وفي بـغـداد اتّـصـل بـالـدّومـنـيـكـان الّـذيـن كـانـوا قـد اسـتـقـروا فـيـهـا. وقـد اسـتـطـاع الـدّخـول في الـمـدرسـتـيـن الـنّـظـامـيـة والـمـسـتـنـصـريـة والـدّراسـة فـيـهـمـا.  وفي بـغـداد شـرع في تـرجـمـة الـقـرآن إلى الـلاتـيـنـيـة.

BNF_MS_ar_384

ويـبـدو أنّـه كـان مـن بـيـن أوائـل الأوربـيـيـن الّـذيـن الـتـقـوا بـالـصّـابـئـة الـمـنـدائـيـيـن، ومـن أوائـل مـن كـتـب عـنـهـم.  وقـد أقـام في الـعـراق حـوالي عـشـر سـنـوات.

مـعـاهـدة “الإمـتـيـازات” :

وفي عـام 1535 وقّـع الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني سـلـيـمـان الـقـانـوني مـع مـلـك فـرنـسـا فـرنـسـوا الأوّل مـعـاهـدة تـخـوّل لـفـرنـسـا، ضـمـن “الإمـتـيـازات” الّـتي مـنـحـتـهـا الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة لـلـدّول الأوربـيـة، إرسـال قـنـاصـل إلى الـولايـات الـعـثـمـانـيـة : حـلـب ودمـشـق والإسـكـنـدريـة وبـغـداد، والـسّـمـاح لـلإرسـالـيـات الـدّيـنـيـة بـدخـول أراضي الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة ومـمـارسـة نـشـاطـاتـهـا فـيـهـا، أي فـتـح مـراكـز تـبـشـيـريـة كـاثـولـيـكـيـة فـيـهـا.

وفي عـام 1553، أي بـعـد أكـثـر مـن مـائـتـيـن وخـمـسـيـن سـنـة عـلى زيـارة فـرا ريـكـولـدو لـلـعـراق، ذهـب راهـب مـن ديـر الـرّبـان هـرمـزد (قـرب بـلـدة الـقـوش) إلى رومـا، وكُـرّس فـيـهـا كـأوّل أب لـلـكـنـيـسـة الّـتي أسـمـيـت بـ “الـكـنـيـسـة الـكـلـدانـيـة”.

وهـنـا أذكّـر الـقـارئ بـأنّ كـثـيـراً مـن الـمـسـيـحـيـيـن الـعـراقـيـيـن الّـذيـن كـانـوا يـسـمـون بـ “الـنّـسـاطـرة” تـحـوّلـوا إلى الـكـاثـولـيـكـيـة عـام 1445، وأسـمـوا أنـفـسـهـم بـ “الـكـلـدان” إدعـاءً مـنـهـم بـرجـوع أصـولـهـم إلى الـبـابـلـيـيـن الـكـلـدانـيـيـن الّـذيـن كـانـوا يـنـتـسـبـون إلى كـلـدو، إسـم عـدّة قـبـائـل كـانـت لـهـا صـلات قـرابـة بـالآرامـيـيـن، والّـتي كـانـت قـد تـوطّـنـت في مـنـطـقـة الأهـوار، جـنـوب دجـلـة والـفـرات في الألـف الأوّل قـبـل الـمـيـلاد. ثـمّ أنـشـأ الـكـلـدانـيـون الـدّولـة الـبـابـلـيـة الـحـديـثـة، آخـر دول الـعـراق الـقـديـم.

وعـنـدمـا عـاد هـذا الـرّاهـب إلى الـعـراق صـاحـبـه إلـيـهـا مـبـشـران مـن الـدّومـنـيـكـان الـفـرنـسـيـيـن لـمـسـاعـدتـه في مـهـمـتـه.

وفي عـام 1636، أرسـل بـابـا رومـا عـدداً مـن جـمـاعـة الـكـبـوشـيـيـن الـفـرنـسـيـيـن إلى الـمـوصـل، وفـتـحـوا فـيـهـا عـام 1638 مـركـز تـبـشـيـر، في دار تـطـلّ على نـهـر دجـلـة، في حـارة مـار إشـايـا، ولـكـنّـهـم تـركـوا الـمـديـنـة بـعـد أقـل مـن قـرن.

بـدايـة الإرسـالـيـة الـدّومـنـيـكـيـة في الـمـوصـل :

ذهـب الـقـس خـضـر الـمـوصـلي عـام 1750 مـن الـمـوصـل إلى رومـا حـامـلاً مـعـه عـدداً مـن الـمـخـطـوطـات بـالـسّـريـانـيـة إلى مـكـتـبـة الـفـاتـيـكـان. وقـد دفـع مـجـيـئـه إلى رومـا الـبـابـا بـنـديـكـت الـرّابـع عـشـر إلى أن يـطـلـب مـن الـدّومـنـيـكـان الـفـرنـسـيـيـن أن يـحـلّـوا مـحـلّ الإيـطـالـيـيـن في إرسـالـيـات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن.

وبـهـذا بـدأت رسـمـيّـاً الإرسـالـيـة الـدّومـنـيـكـيـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن والّـتي كـان مـركـزهـا الـمـوصـل. وكـان هـدفـهـا الأوّل إعـادة مـسـيـحـيي شـمـال الـعـراق “الـمـنـشـقّـيـن عـن الـكـنـيـسـة” إلى “ديـن الـحـق” حـسـب مـعـتـقـدات الـدّومـنـيـكـان أي إلى الـكـنـيـسـة الـكـاثـولـيـكـيـة الّـتي يـرأسـهـا الـبـابـا في رومـا.

وهـكـذا حـصـل دومـنـيـكـو لَـنـزا  Domenico Lanza  في 1756 عـلى فـرمـان مـن الـبـاب الـعـالي الـعـثـمـاني لـيـصـبـح رئـيـس الإرسـالـيـة. ويـذكـر الأب لَـنـزا أنّ عـدد سـكـان الـمـوصـل عـنـدمـا وصـلـهـا كـان حـوالي 300 ألـف سـاكـن. ووصـل بـعـده ذلـك الـعـام عـدد مـن الآبـاء الـفـرنـسـيـيـن.

Les pères Dominicains

وكـانـت الـبـدايـات الـتّـبـشـيـريـة لـلـدّومـنـيـكـان شـديـدة الـصّـعـوبـة، فـقـد تـوفي عـام 1871 واحـد مـن أوائـل الآبـاء الّـذيـن وصـلـوا إلى الـمـوصـل : الأب فـرنـسـوا تـوريـاني  P. François TURIANI، بـعـد أن أصـيـب بـإنـهـاك جـسـدي شـديـد وبـمـرض عـانى مـنـه طـويـلاً، قـبـل أن يـسـتـطـيـع كـسـب شـخـص واحـد إلى الـكـاثـولـيـكـيـة. ودفـن في الـمـقـبـرة الّـتي خـصـصـهـا الـدّومـنـيـكـان لـمـوتـاهـم في مـار يـعـقـوب، قـرب الـمـوصـل :

Dominicains 3

وكـان الآبـاء قـد اخـتـاروا إنـشـاء ديـر لـهـم في مـار يـعـقـوب.

Dominicains 2

وفي 1787، نـشـر الـدّومـنـيـكي مـورزيـو غـارزوني Maurizio Garzoni كـتـابـاً لـقـواعـد الـلـغـة الـكـرديـة ومـفـرداتـهـا، وكـان قـد مـارس الـتّـبـشـيـر بـيـن الأكـراد لـسـنـوات طـويـلـة.

وبـعـد انـدلاع الـثّـورة الـفـرنـسـيـة عـام 1789 م. والإضـطـرابـات الّـتي عـاشـتـهـا أوربـا بـعـد ذلـك تـوقّـفـت أعـمـال الإرسـالـيـة بـيـن 1815  و1840.

وفي 1842، عـيّـن بـول أمـيـل بـوتـا  Paul- Emile BOTTA قـنـصـلاً لـفـرنـسـا في الـمـوصـل، وبـقي في مـنـصـبـه إلى 1845. (1) وقـد جـرت في تـلـك الـفـتـرة مـحـاولات لـفـتـح مـدارس الإرسـالـيـة الّـتي كـانـت قـد أهـمـلـت، كـمـا أُنـشئ مـركـز تـبـشـيـري في ديـر مـار يـعـقـوب.

وفي عـام 1850، حـدثـت تـغـيـيـرات جـددت جـمـاعـة الـدّومـنـيـكـان وأعـادت لـهـا حـيـويـتـهـا، فـقـرر مـسـؤولـهـا بـعـث إرسـالـيـة جـديـدة إلى الـعـراق. وبُـعـث الـدّومـنـيـكي بـيـسـون  J.-B. Besson في 1856  لـيـدرس وضـعـيـة الـبـلـد والإمـكـانـيـات الـمـتـاحـة في تـلـك الـفـتـرة. وكـان بـيـسـون قـد درس الـفـنّ فـجـلـب مـعـه عـنـد عـودتـه إلى فـرنـسـا عـام 1858 عـدداً مـن الـرّسـوم والـتّـخـطـيـطـات عـن  مـنـطـقـة الـمـوصـل ومـشـاهـد حـيـاة الـقـرى فـيـهـا. وفي أيـلـول مـن نـفـس الـسّـنـة عـهـد إلـيـه بـرئـاسـة إرسـالـيـة الـمـوصـل الـتّـبـشـيـريـة، فـرجـع إلى الـعـراق ومـات في ديـر مـار يـعـقـوب بـعـد أن أصـيـب بـالـتـيـفـوئـيـد عـام 1861.

واشـتـرى آبـاء الـبـعـثـة الـدّومـنـيـكـيـة في الـمـوصـل عـام 1860 مـطـبـعـة مـتـعـددة الـلـغـات مـن بـاريـس. وبـدأوا في عـام 1862يـطـبـعـون فـيـهـا بـالـعـربـيـة وبـالـسّـريـانـيـة الـكـلـدانـيـة الـكـتـب الّـتي كـانـوا يـحـتـاجـونـهـا في مـدارسـهـم (الّـتي كـانـت ثـلاث مـدارس لـلأولاد واثـنـتـيـن لـلـبـنـات)، بـالـلـغـتـيـن الـعـربـيـة والـسّـريـانـيـة ــ الـكـلـدانـيـة : كـتـب قـراءة وقـواعـد وتـاريـخ وجـغـرافـيـا وحـسـاب، وتـعـلـيـم ديـني …

وقـد اسـتـمـرت الـمـطـبـعـة تـشـتـغـل حـتّى عـام 1915، عـنـدمـا حـطّـمـهـا الأتـراك، وأوقـفـوا أعـمـال نـشـرهـا.

ولـديـنـا صـورة لـعـمـال ورشـة الـتّـجـلـيـد الـمـلـحـقـة بـالـمـطـبـعـة الـتـقـطـت في حـوالي عـام 1860:

Mosul 1890

وفي ذلـك الـعـام، 1862، شُـرع في تـشـيـيـد ديـر جـديـد في الـمـوصـل في داخـلـه كـنـيـسـة واسـعـة مـولـت تـشـيـيـد بـرج نـاقـوسـهـا أوجـيـني، زوجـة إمـبـراطـور فـرنـسـا نـابـلـيـون الـثّـالـث، الّـتي كـانـت تـعـرف الآبـاء الـدّومـنـيـكـان مـنـذ طـفـولـتـهـا عـنـدمـا كـانـت تـقـضي عـطـلـهـا في مـديـنـة تـولـوز، في جـنـوب فـرنـسـا.

Dominicains

وقـد انـتـهى تـشـيـيـد الـدّيـر والـكـنـيـسـة في 1866. وفي 1876، نـصـبـت عـلى بـرج الـدّيـر سـاعـة كـانـت فـرنـسـا قـد أهـدتـهـا لـلإرسـالـيـة :

E. Dominicains Mossul 1880 (640x454)

كـمـا فـتـحـت مـدارس جـديـدة في الـمـوصـل وفي بـعـض قـراهـا.

وقـد وصـلـت في 1873 أولى أخـوات جـمـاعـة زيـارة الـعـذراء مـن مـديـنـة تـور في فـرنـسـا إلى الـمـوصـل لـيـلـتـحـقـن بـالـبـعـثـة الـدّومـنـيـكـيـة فـيـهـا. وهـكـذا حـاول مـبـشـرو الـدّومـنـيـكـان الـتّـغـلـغـل في الـحـيـاة الإجـتـمـاعـيـة لـلـمـوصـل عـن طـريـق فـتـح مـسـتـوصـفـات لـمـعـالـجـة الـمـرضى وفـتـح مـدارس لـتـعـلـيـم الـصّـغـار.

وقـد جـدّ جـديـد في مـهـمـات الـدّومـنـيـكـان في عـام 1878عـنـدمـا طـلـب مـنـهـم الـبـابـا لـيـون الـثّـالـث عـشـر أن يـفـتـحـوا حـلـقـة ديـنـيـة لـيـدرس فـيـهـا كـلـدانـيـون وسـريـان مـن أبـنـاء الـمـنـطـقـة ويـعـمـلـوا بـعـد تـخـرجـهـم مـنـهـا في كـنـائـس هـاتـيـن الـجـالـيـتـيـن :

Séminaire Dominicain

 

كـتـاب الأب دوفـال عـن الإرسـالـيـة الـتّـبـشـيـريـة الـدّومـنـيـكـيـة في الـمـوصـل :

وفي 1889، نـشــر الأب دوفـال  Duval  كـتـابـاً في بـاريـس عـن الإرسـالـيـة الـتّـبـشـيـريـة الـدّومـنـيـكـيـة في الـمـوصـل : « La mission des Dominicains à Mossoul »:

 

الإرسالية الدومنيكية 2 (436x640)

 

يـذكـر فـيـه أنّـهـا كـانـت تـتـألـف مـن 18 أبـاً و 12 أخـتـاً مـن جـمـاعـة تـقـديـم الـعـذراء.

ويـذكـر الأب دوفـال في كـتـابـه أنّ الـمـوصـل : “عـلى ارتـفـاع حـوالي مـائـة وسـتّـة أمـتـار فـوق سـطـح الـبـحـر، يـسـكـنـهـا 57 ألـف سـاكـن مـنـهـم 48 ألف ومـائـتي مـسـلـم، وثـلاثـة آلاف يـهـودي، وسـتّـة آلاف و 500 مـسـيـحي : 2000 كـلـداني كـاثـولـيـكي، و 2000 سـريـاني كـاثـولـيـكي، و 250 كـلـداني “مـا زالـوا في الـضـلال، أي لـم يـعـتـنـقـوا الـكـاثـولـيـكـيـة”، ومـائـتي بـروتـسـتـانـتي، وخـمـسـيـن مـن مـذاهـب أخـرى”.

ونـفـهـم مـن هـذا الـمـقـطـع أنّ الآبـاء الـدّومـنـيـكـان كـانـوا قـد نـجـحـوا في إدخـال أعـداد كـبـيـرة مـن أهـل الـمـوصـل ومـا حـولـهـا في الـمـذهـب الـكـاثـولـيـكي مـنـذ وصـولـهـم عـام 1750.

ويـكـمـل الأب دوفـال : “والـطّـقـس في الـمـوصـل صـحي، وإن كـان حـارّاً، وتـرتـفـع درجـات الـحـرارة في الـصّـيـف إلى 45ْ أو  50ْ في الـظّـل”.

“وأهـل الـمـوصـل عـرب، يـتـكـلّـمـون الـعـربـيـة، مـع أنّ الـلـغـة الـرّسـمـيـة الّـتي يـتـكـلّـمـهـا مـوظـفـو الـولايـة هي الـلـغـة الـتّـركـيـة [وطـبـعـاً فـالـكـاتـب يـقـصـد بـهـا الـلـغـة الـعـثـمـانـيـة]. أمّـا في قـرى ضـفـة الـنّـهـر الـغـربـيـة فـالـمـسـلـمـون والـيـزيـديـة يـتـكـلّـمـون الـكـرديـة، وهي مـن الـلـهـجـات الـفـارسـيـة، ويـتـكـلّـم الـمـسـيـحـيـون لـهـجـة سـريـانـيـة ــ كـلـدانـيـة”.

وكـانـت بـعـثـة الآبـاء الـدّومـنـيـكـان تـنـظّـم دروسـاً تـبـشـيـريـة وتـديـر مـدرسـة بـنـات ذكـر الأب دوفـال أنّـه كـان فـيـهـا 160 تـلـمـيـذة بـيـنـهـنّ 26  مـسـلـمـة. وتـضـمّ أربـعـة أقـسـام : ثـلاثـة لـلـكـاثـولـيـكـيـات وقـسـم لـلـمـسـلـمـات. وتـعـلّـم في كـلّ قـسـم أخـت مـبـشـرة مـعـهـا مـسـاعـدة مـعـلـمـة مـن أهـل الـبـلـد. وتـدرّس فـيـهـا الـلـغـة الـفـرنـسـيـة [إلى جـانـب الـمـواد الأخـرى]”.

وكـان فـيـهـا دار يـتـامى ذكـر الأب دوفـال أنّـهـا : “تـفـتـح أبـوابـهـا لـبـنـات الـفـقـراء وتـعـلـمـهــنّ طـرق الـحـيـاة الـمـسـيـحـيـة لـتـجـعـل مـنـهـنّ مـعـلّـمـات يـشـتـغـلـن إمّـا في مـدارس الـقـرى الّـتي جـئـن مـنـهـا أو مـسـاعـدات مـعـلّـمـات في مـدارس الأخـوات الـدّيـنـيـة”.

كـمـا كـان فـيـهـا قـاعـة لاسـتـقـبـال الـبـنـات يـتـعـلّـمـن فـيـهـا الأعـمـال الـيـدويـة والـقـراءة وأصـول الـدّيـن و”الـتّـاريـخ الـمـقـدّس”.

وقـاعـة لاسـتـقـبـال الأطـفـال، “مـلـجـأ” كـمـا يـسـمـيـهـا الأب دوفـال : “يـرتـادهـا مـائـة وخـمـس بـنـات و 66 ولـداً تـشـرف عـلـيـهـم أخـت مـبـشّـرة ومـسـاعـدتـا تـعـلـيـم، ويـمـارسـون فـيـهـا تـمـاريـن ريـاضـيـة ويـتـعـلـمـون الـقـراءة والـحـسـاب”. وهي “روضـة أطـفـال” يـقـضـون فـيـهـا ثـلاث أو أربـع سـنـوات قـبـل أن يـدخـلـوا في مـدرسـة الأخـوات الـمـبـشّـرات.

وكـان الآبـاء الـدّومـنـيـكـان يـديـرون مـسـتـوصـفـاً طـبـيّـاً سـألـخـص لـكـم قـصّـة تـأسـيـسـه :

أرسـلـت الـحـكـومـة الـفـرنـسـيـة الـبـارون لـوجـون  Le baron LEJEUNE إلى بـلاد الـفـرس في أوائـل خـمـسـيـنـيـات الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر. وقـد أصـيـب في سـفـرتـه بـمـرض أنـهـكـه ومـات مـنـه بـعـد عـودتـه إلى بـاريـس. وقـررت والـدة الـبـارون أن تـشـيّـد في ذكـرى ابـنـهـا الـفـقـيـد مـسـتـوصـفـاً طـبـيـاً لـلـمـسـافـريـن إلى الـشّـرق. وقـد اخـتـارت قـبـل وفـاتـهـا سـنـة 1874 أن يـشـيّـد في الـمـوصـل، وأسـمى بـمـسـتـوصـف لـوجـون.

وفي 1902 أصـدر الآبـاء الـدّومـنـيـكـان مـجـلـة ديـنـيـة : “إكـلـيـل الـورود”. وقـد اهـتـمّـت بـأخـبـار الإخـتـراعـات الـحـديـثـة وتـعـريـف الـقـرّاء بـهـا.

ونـشـرت مـطـبـعـة الـدّومـنـيـكـان في الـمـوصـل عـام 1903 كـتـاب “جـمـع مـخـتـارات مـن الآداب الـفـرنـسـيـة”، وكـتـاب الأب شـفـالـيـه الـدّومـيـنـيـكي “الـمـطـالـعـات لـلـنّـصـوص الـفـرنـسـيـة “.

وبـعـد تـفـكـك الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة عـقـب انـتـهـاء الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى ودخـول الـعـراق تـحـت الإنـتـداب الـبـريـطـاني إزدهـرت الارسـالـيـات مـن جـديـد. واسـتـمـرّت نـشـاطـات الـدّومـنـيـكـان في الـعـراق إلى أن أغـلـقـت الـحـكـومـة الـعـراقـيـة حـلـقـتـهـم الـدّيـنـيـة في 1976 وغـادروا الـبـلـد.

أرشـيـفـات الـصّـور في ديـر الـدّومـنـيـكـان في الـمـوصـل :

تـحـتـوي هـذه الأرشـيـفـات عـلى 76 ألـبـومـاً بـقي مـنـهـا في أيّـامـنـا هـذه حـوالي 8800 صـورة الـتـقـطـت أقـدم صـورة مـنـهـا، وهي صـورة لـلأب بـيـسـون، في أربـعـيـنـات الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر.

وقـد جـمـع الآبـاء الـدّومـنـيـكـان أوّل ألـبـومـاتـهـم عـام 1900، والّـذي يـحـتـوي في بـدايـتـه عـلى صـور ديـرهـم وكـنـيـسـتـهـم :

Dominicains Mosul 3

وصـور الـمـوصـل مـثـل “جـسـر الـمـوصـل” :

جسر الموصل ÷÷أو “جـسـر الـقـوارب والـمـديـنـة” :

موصلأو “جـسـر الـقـوارب ونـيـنـوى” :

الموصل

وأسـوارهـا (مـثـل الـصّـورة الّـتي وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال)، ومـعـالـمـهـا الّـتي الـتـقـطـت في سـبـعـيـنـات الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر وثـمـانـيـنـاتـه.

ثـمّ تـحـوّلـت الـصّـور شـيـئـاً فـشـيـئـاً إلى مـشـاهـد الـتـقـطـهـا الآبـاء الـفـرنـسـيـون لـمـا كـان غـريـبـاً عـلـيـهـم مـن أنـواع الـنّـاس ومـلابـسـهـم وعـاداتـهـم الإجـتـمـاعـيـة، عـلى طـريـقـة مـا كـان يـفـعـلـه الـرّسـامـون الـمـسـتـشـرقـون، مـثـل صـور الـفـقـراء بـمـلابـسـهـم الـرّثـة أو الـشّـحـاذيـن الّـذيـن يـقـرعـون عـلى أبـوابـهـم مـتـسـولـيـن أو “الـنـهـابـيـن الـسّـلابـيـن” عـلى ضـفـة الـنّـهـر.

ولـديـنـا صـور عـن بـاعـة عـلى قـارعـة الـطّـريـق :

Mission Dominicaine

وعـن غـسّـالات الـثّـيـاب عـلى ضـفـة دجـلـة :

الموصل 2

وعـن بـئـر في الـبـرّيـة :

Dominicains 5

وعـن أكـلاك دجـلـة :

Dominicains 18

وعـن طـحـن الـقـمـح في مـار يـعـقـوب :

Dominicains 12

وعـن شـيـخـيـن مـن الـيـزيـديـة :

Dominicains 20

ومـع أنـنـا لا نـعـرف أسـمـاء أغـلـب الّـذيـن الـتـقـطـوا هـذه الـصّـور فـإنّ بـعـضـهـا يـحـمـل أسـمـاء مـصـوريـهـا وبـهـذا يـمـكـن تـرتـيـبـهـا زمـنـيـاً وإلى مـا بـعـد مـنـتـصـف الـقـرن الـعـشـريـن.

ويـبـدو أنّ نـعّـوم الـصّـائـغ، تـعـلّـم فـنّ الـتّـصـويـر الـفـوتـوغـرافي عـنـد الآبـاء الـدّومـنـيـكـان قـبـل أن يـصـبـح أحـد رواد هـذا الـفـنّ في الـعـراق.

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1)   أذكّـر الـقـارئ هـنـا إلى أنّ بـول إمـيـل بـوتـا بـدأ يـنـقّـب في قـويـنـجـق، عـلى الـضّـفـة الـمـقـابـلـة لـلـمـوصـل عـام 1942 بـحـثـاً عـن آثـار نـيـنـوى الـقـديـمـة، ثـمّ تـرك قـويـنـجـق عـام  1843 ونـقـل تـنـقـيـبـاتـه إلى قـريـة خـورسـبـاد الّـتي اكـتـشـف فـيـهـا آثـار “دور شـروكـيـن” : قـصـرالـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني الّـذي يـعـود تـاريـخـه إلى الـقـرن الـثّـامـن قـبـل الـمـيـلاد. وهـكـذا “اكـتـشــف” بـوتـا الـحـضـارة الآشـوريـة الّـتي كـانـت قـد ضاعـت في غـيـاهـب الـنّـسـيـان مـنـذ ســقـوط  “الـدّولـة الآشـوريـة الـحـديـثـة” قـبـل خـمـسـة وعـشـريـن قـرنـاً.

 

مـلـحـق (1)

وصـف فـرا ريـكـولـدو لـلـمـوصـل وعـلاقـاتـه بـالـنّـسـاطـرة والـيـعـاقـبـة :

كـتـب فـرا ريـكـولـدو بـيـنـيـني دا مـونـتي كـروتـشي  Fra Ricoldo Pennini da Montecroce  الّـذي كـان قـد وصـل إلى الـمـوصـل عـام 1290 سـرد رحـلاتـه بـالـلـغـة الـلاتـيـنـيـة، بـعـنـوان :  Itinerarium أو Liber peregrinationis . وهـو نـصّ قـصـيـر لا يـتـجـاوز 79 صـفـحـة.

وفي مـا يـلي وصـفـه لـلـمـوصـل. ويـتـكـلّـم فـيـه عـن عـلاقـاتـه بـالـنّـسـاطـرة والـيـعـاقـبـة. وقـد تـرجـمـت لـكـم الـمـقـطـع (ص. 38 ومـا بـعـدهـا) مـن الـنّـصّ الأصـلي :

“مـن بـلاد الأكـراد Curtes سـرنـا مـسـافـة طـويـلـة،  ووصـلـنـا إلى نـيـنـوى  الـمـديـنـة الـكـبـيـرة الّـتي أرسـل إلـيـهـا يـونـس الـنّـبي والـمـبـشّـر، كـمـا ذكـر ذلـك الـكـتـاب الـمـقـدّس. وهي مـديـنـة عـظـيـمـة واسـعـة الإمـتـداد، تـقـع عـلى دجـلـة، أحـد أنـهـار الـجـنّـة [تـعـتـبـر الـتّـوراة دجـلـة والـفـرات مـن أنـهـار الـجـنّـة الأربـعـة]. وهـنـاك رأيـنـا الـتّـل الّـذي عـاش وبـشّـر عـلـيـه يـونـس، والـنّـبـع الّـذي كـان يـشـرب مـنـه ومـا زال يـدعى بـنـبـع يـونـس حـتّى الآن. وكـانـت مـديـنـة نـيـنـوى هـذه قـد خـرّبـت بـكـامـلـهـا، ومـع ذلـك مـا زلـنـا نـرى بـعـض أسـوارهـا الّـتي بـقـيـت. وقـد أعـيـد تـشـيـيـدهـا بـعـد ذلـك عـلى الـضّـفـة الـمـقـابـلـة لـلـنّـهـر، وتـسـمى في أيّـامـنـا هـذه : الـمـوصـل  Monsal. ومـلـوك الـمـديـنـة مـسـيـحـيـون، مـن الـنّـسـاطـرة الـمـنـشـقّـيـن عـلى ديـن الـمـسـيـح. وقـد انـصـتـوا بـاهـتـمـام شـديـد إلى وعـظـنـا وتـفـصـيـلـنـا في الـكـلام عـن عـقـيـدتـنـا، ولـكـنّـهـم رفـضـوا اعـتـنـاق مـذهـبـنـا الـكـاثـولـيـكي، وظـلّـوا في جـهـلـهـم يـرتـعـون.

وفي هـذه الـمـديـنـة كـثـيـر مـن الـيـهـود، وقـد نـاقـشـنـاهـم في مـعـبـدهـم، وفـنّـدنـا آراءهـم وأفـحـمـنـاهـم  في مـنـاقـشـات أمـام الـنّـاس الّـذيـن جـاءوا يـسـتـمـعـون إلـيـنـا.

وقـرب مـديـنـة نـيـنـوى الّـتي تـسـمى الآن الـمـوصـل عـلى نـهـر دجـلـة ديـر مـشـهـور عـالي الـمـقـام يـدعى بـديـر الـقـديـس مـتـاي (مـار مـتى) وفـيـه مـركـز كـنـيـسـة بـطـريـك الـيـعـاقـبـة. والـيـعـاقـبـة في الـشّـرق عـلى مـذهـب مـنـشـقّ عـلى الـدّيـن يـخـطئ في كـثـيـر مـن الإعـتـقـادات. وهـم لا يـتـبـعـون كـنـيـسـة رومـا. ويـدّعـون أنّ في هـذا الـدّيـر 300 راهـب. ووجـدنـاهـم شـديـدي الـزّهـد يـقـيـمـون كـثـيـراً مـن الـصّـلـوات الـطّـويـلـة. وقـدّاسـهـم بـطئ يـدوم وقـتـاً طـويـلاً، يـظّـلـون فـيـه واقـفـيـن، لا يـريـد أحـد مـنـهـم خـلالـه أن يـجـلـس.

وهـم كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا خـارجـون عـلى الـدّيـن مـنـشـقـون، يـؤمـنـون بـأنّ الـمـسـيـح لـيـس لـه إلّا جـوهـر واحـد وطـبـيـعـة ومـشـيـئـة كـلّـهـا إلـهـيـة. وهـذا ضـلال لا يـوافـق عـقـيـدتـنـا الـكـاثـولـيـكـيـة، لأنّ لـلـمـسـيـح إلى جـانـب جـوهـره وطـبـيـعـتـه الإلـهـيـة طـبـيـعـة ومـشـيـئـة بـشـريـة. وتـنـصّ عـقـيـدتـنـا عـلى أن الـمـسـيـح إلـه حـق وفي نـفـس الـوقـت إنـسـان حـقـيـقي … [ثـمّ يـسـتـمـرّ في ذكـر الـفـروق بـيـن مـعـتـقـداتـهـم وأعـمـال عـدّة صـفـحـات]. (ص. 38 ومـا بـعـدهـا).

مـلـحـق (2)

إلـتـقـط “الأخ” رفـائـيـل الـنّـيـنـوي  Frère Raphaël (de Ninive) عـام 1904 صـوراً نـشـرتـهـا “الإرسـالـيـة الـكـبـوشـيـة في أرمـيـنـيـا وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن” في ألـبـوم وضـعـت في آخـره صـورتـيـن لـبـعـض وسـائـل نـقـل ذلـك الـزّمـان. وقـد طـبـعـت الـصّـورتـان أيـضـاً كـبـطـاقـتـيـن بـريـديـتـيـن.

واحـدة لـلـتّـخـتـروان  Takhtarouan، وذكـر الـتّـعـلـيـق الّـذي يـصـاحـب الـصّـورة أنّـه : وسـيـلـة نـقـل شـائـعـة لـلـسّـفـر في أنـحـاء بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

والـثّـانـيـة لـلـمـحـفّـة  Mahhaffa، وذكـر الـتّـعـلـيـق الّـذي يـصـاحـب الـصّـورة أنّـهـا : نـوع مـن الـسّـلال تـثـبّـت عـلى ظـهـر بـغـل تـسـتـعـمـل لـلـسّـفـر في أنـحـاء بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

كـمـا وجـدت لـكـم بـطـاقـة بـريـديـة طـبـعـهـا الـكـبـوشـيـون ذكـر الـتّـعـلـيـق الّـذي يـصـاحـبـهـا أنـهـا تـصـور : رعـاة غـنـم أكـراد في “صـحـراء: بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

Capucins 2