نـادي الـصّـيـد الـمـلـكي في الـحـارثـيـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

وجـدت في كـتـاب نـشـره الـمـؤرخ الـبـريـطـاني فـيـلـيـب مـانـسـل  Philip MANSEL  صـورة لـعـبـد الإلـه، الـوصي عـلى عـرش الـعـراق، في نـادي الـصّـيـد الـمـلـكي في الـحـارثـيـة.(1)  كـمـا أنّ الـكـاتـب ذكـر مـعـلـومـات كـثـيـرة عـن إنـشـاء هـذا الـنّـادي في عـام 1943.

وقـد أكّـد فـيـلـيـب مـانـسـل عـلى أنّـه اسـتـطـاع الإطّـلاع عـلى وثـائـق الأرشـيـفـات الـبـريـطـانـيـة وأعـتـمـد في بـحـثـه عـلى مـا كـتـبـه سـابـقـوه. وأعـتـقـد أنّ تـرجـمـة بـعـض مـا كـتـبـه عـن ذلـك يـمـكـن أن يـضـيـف أشـيـاء جـديـدة عـلى مـعـارفـنـا عـن تـاريـخـنـا الـحـديـث، ويـمـكـن أن يـثـيـر نـقـاشـاً لـتـوضـيـح مـواقـفـنـا مـنـه. وطـبـعـاً فـلـيـس هـنـاك حـقـائـق مـطـلـقـة لا يـمـكـن مـنـاقـشـتـهـا في مـيـدان الـتّـاريـخ … ومـن الـنّـقـاش يـنـبـثـق الـنّـور !

ذكـر فـيـلـيـب مـانـسـل أنّـه بـعـد وفـاة مـلـك الـعـراق غـازي الأوّل في حـادثـة اصـطـدام سـيـارة عـام 1939، إسـتـطـاعـت زوجـتـه، الـمـلـكـة عـالـيـة أن تـفـرض أخـاهـا عـبـد الإلـه كـوصي عـلى ابـنـهـا ولي الـعـهـد فـيـصـل بـن غـازي بـدلاً مـن الأمـيـر زيـد شـقـيـق الـمـلـك فـيـصـل الأوّل وأكـبـر رجـال الـعـائـلـة سـنّـاً، والّـذي كـان يـنـبـغي أن تـعـهـد إلـيـه الـوصـايـة.

عالية وفيصل

ولـم يـكـن عـبـد الإلـه إلّا في الـسّـادسـة والـعـشـريـن مـن عـمـره. (2)

عبد الإله وفيصل

وكـان عـبـد الإلـه قـد درس في The Victoria College في الإسـكـنـدريـة، وشـغـف بـحـبّ إنـكـلـتـرة والإنـكـلـيـز وعـاداتـهـم وطـرق حـيـاتـهـم “الـرّاقـيـة”. وكـان لـه في بـغـداد عـدد مـن الأصـدقـاء الإنـكـلـيـز الـمـقـرّبـيـن. وحـتّى سـيـارتـه الـ  Rolls-Royce  كـان يـعـتـني بـهـا “فـيـتـرجي” إنـكـلـيـزي !

وكـان أثـاث مـسـكـنـه في قـصـر الـرحـاب إنـكـلـيـزيـاً، تـتـصـدّره صـورة لـلـعـائـلـة الـحـاكـمـة الـبـريـطـانـيـة أهـديـت خـصـيـصـاً لـه. وكـان عـبـد الإلـه قـد شـيّـد هـذا الـقـصـر في بـغـداد عـام 1937 وأسـمـاه “قـصـر الـرّحـاب” بـاسـم الـقـريـة الـصّـغـيـرة في الـحـجـاز الّـتي جـاءت مـنـهـا عـائـلـة جـدّه الـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة.

كـمـا اشـتـرى عـبـد الإلـه لـعـائـلـتـه الـمـالـكـة شـقـة في ضـواحي لـنـدن لـقـضـاء فـتـرات طـويـلـة فـيـهـا.

وكـان فـيـصـل بـن غـازي عـنـدمـا تـوفي أبـوه في الـرّابـعـة مـن عـمـره، وبـقي في قـصـر الـزّهـور يـسـكـنـه مـع والـدتـه الـمـلـكـة عـالـيـة. فـأحـاطـه خـالـه عـبـد الإلـه، الـوصيّ عـلـيـه بـمـربـيـة ومـشـرفـة ومـسـؤول تـربـيـة جـاءوا مـبـاشـرة مـن إنـكـلـتـرة. ويـبـدو أنّ مـربـيـتـه مـس بـورلانـد Miss Borland الّـتي ظـلّـت تـعـمـل في الـقـصـر فـتـرة طـويـلـة كـان لـهـا عـلـيـه تـأثـيـر شـديـد.

Faisal II

وبـعـثـه الـوصي عـبـد الإلـه بـعـد ذلـك لـيـدرس في إنـكـلـتـرة، إلى سـانـدرويـد Sandroyd أوّلاً، ثـمّ إلى هـارو Harrow.

Faisal at Harrow 1950

ويـبـدو أنّ فـيـصـل بـن غـازي أحـبّ كـلـيـة هـارو الّـتي كـان أبـوه الـمـلـك غـازي قـد ارتـادهـا في صـبـاه وكـرهـهـا كـراهـيـة شـديـدة.

Faysal II 3

وقـد نـمـا دور الإدارة الـبـريـطـانـيـة في تـسـيـيـر شـؤون الـدّولـة خـلال فـتـرة وصـايـة عـبـد الإلـه، بـعـد أن كـان قـد اضـمـحـلّ في فـتـرة حـكـم الـمـلـك غـازي الأوّل. وأصـبـح مـسـتـشـار الـشّـؤون الـشّـرقـيـة في الـسّـفـارة الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد سـتـيـوارت بـيـروني  Stewart Perowne مـتـسـلّـطـاً إلى حـدّ أنّ بـعـض الـمـراقـبـيـن الـسّـيـاسـيـيـن أسـمـوا الـعـراق بـمـمـلـكـة بـيـروني : “Perownia”.

وفي عـام 1943، أنـشـأ الـوصي عـبـد الإلـه نـادي الـصّـيـد الـمـلـكي في الـحـارثـيـة. ووصـلـت كـلاب الـصّـيـد مـن إنـكـلـتـرة بـالـبـاخـرة، وشُـيّـد لـهـا وِجـار قـرب قـصـر الـزّهـور. وكـانـت تـكـالـيـف إطـعـامـهـا والإعـتـنـاء بـهـا تـؤخـذ مـن مـخـصـصـات إطـعـام جـنـود الـجـيـش الـعـراقي !

وكـان الـوصيّ عـبـد الإلـه يـمـارس صـيـد الـثّـعـالـب وبـنـات آوى (كـمـا يـفـعـل الإنـكـلـيـز في ريـفـهـم !)، يـطـاردهـا بـصـحـبـة ضـبـاط الـحـرس الـمـلـكي وضـبـاط الـقـوات الـبـريـطـانـيـة في الـعـراق.

عبد الإله 4 001

ونـرى في الـصّـورة مـن الـيـسـار إلى الـيـمـيـن : مـسـتـشـار الـشّـؤون الـشّـرقـيـة في الـسّـفـارة الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد، سـتـيـوارت بـيـروني  Stewart Perowne، والـلـيـوتـنـات كـولـونـيـل جـيـرالـد دي غـاوري Lieutenant- colonel Gerald de Gaurey الّـذي ألّـف بـعـد ذلـك (في 1961) كـتـابـاً عـن الـحـيـاة الـسّـيـاسـيـة في الـعـراق : Three Kings in Baghdad.

أمّـا الـولـد الـصّـغـيـر الّـذي نـراه مـعـهـم وهـو يـداعـب الـكـلـب فـقـد كـان جـيـمـس مـوس الإبـن  James B. Moose Jr.  إبـن الـمـسـؤول عـن الـشـؤون الأمـريـكـيـة في بـغـداد.

ونـرى عـلى يـمـيـن الـصّـورة الـوصي عـبـد الإلـه أنـيـقـاً مـنـتـصـب الـقـامـة في مـلابـس صـيـده الإنـكـلـيـزيـة.

مـلـحـق

وجـدت في الـعـدد الصّـادر في 2 أيّـارــ مايو 1953 مـن مـجـلّـة الـمـصـور الـقـاهـريـة والّـذي يـحـتـوي عـلى مـقـابـلـة أجراهـا حـبـيـب جـامـاتي مـع الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني بـمـنـاسـبـة ارتـقـائـه عـرش الـعـراق مـقـطـعـاً يـتـكـلّـم عـن هـوايـة الـمـلـك لـلـصّـيـد :

“الـصّـحـفي : وهـل تـجـيـدون الـفـروسـيـة ؟ الـمـلـك : أجـل، ولـكـنّي أتـجـنـب الـسّـرعـة وأنـا عـلى ظـهـر الـحـصـان كـمـا أتـجـنـبـهـا وأنـا في الـسّـيّـارة. […] “الـصّـحـفي : ومـاذا تـفـضّـلـون بـيـن الـحـيـوانـات الألـيـفـة ؟ “الـمـلـك : الـكـلاب … وقـد وصـلـني مـنـهـا أخـيـراً هـذان الـكـلـبـان، هـديـة مـن مـلـك الأفـغـان. وقـال الـمـلـك فـيـصـل إنّـه يـعـنى أيـضـاً بـكـلاب الـصّـيـد، وإنّـه يـخـرج أحـيـانـاً بـتـلـك الـكـلّاب فـيـصـطـاد الـطّـيـور، ولـكـنّـه لا يـصـطـاد عـلى ظـهـور الـخـيـل ولا بـواسـطـة الـصّـقـور …”.

المصور 1953 4 (3)

المصور 1953 2 (4) (562x800) (450x640)

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  Philip MANSEL, Sultans in Splendour, London 1988.

(2)  كـان عـبـد الإلـه وأخـتـه الـمـلـكـة عـالـيـة مـن أبـنـاء عـلي بـن الـحـسـيـن. وكـان عـلي قـد تـوّج مـلـكـاً عـلى مـمـلـكـة الـحـجـاز الـهـاشـمـيـة في أواخـر عـام 1924 خـلـفـاً لأبـيـه الـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة، ولـكـنّ قـوّات آل سـعـود هـزمـتـه في نـهـايـة عـام 1925، فـتـرك مـكّـة إلى الـهـنـد ثـمّ اسـتـقـرّ في بـغـداد، قـرب أخـيـه الـمـلـك فـيـصـل الأوّل حـتّى وفـاتـه سـنـة 1935.

 

حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري ©

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

One thought on “نـادي الـصّـيـد الـمـلـكي في الـحـارثـيـة”

  1. الأخ العزيز صباح تحية وبعد
    لقد ظهر في مقالتك هذه نقطتان أود التعليق عليهما
    1. هل صحيح ما ذكر أن الملكة عالية فرضت أخوها الأمير عبد الأله على وصاية العرش؟
    2. هل صحيح أن الأمير عبد الأله كان يأخذ من أكل الجنود ليطعم كلابه؟

    الأشاعات الموجهة ضد عبد الأله كانت كثيرة والكثير منها أيضا كانت غير صحيحة فمثلا كان يقولون عنه وهذا ماسمعته بأذني , أنه كان يستحم بالحليب. لقد لقي هذا الرجل من أشاعات ما أنزل الله بها من سلطان, العائلة المالكة كانت متواضعة وعفيفة, وهو منهم لكن العراقيين لم يرحموهم من التشويه والطعن في ذمتهم . للأسف تسجيل التأريخ صعب جدا بلأخص بعد مرور عقود من الزمن.
    هل لك سيدي الفاضل توضيح أعلاه أم هي إدعائات “عراقية” كالعادة
    ولك مني الشكر والتقدير
    أخوكم
    جعفر

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s