لـوحـات أوجـيـن فـلانـدان ورسـومـه في رحـلـتـه الأولى إلى الـعـراق

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

 

رحـلـة الـرّسّـام الـفـرنـسي أوجـيـن فـلانـدان الأولى إلى الـعـراق :

إخـتـار “مـعـهـد فـرنـسـا L’Institut de France” (الّـذي يـضـمّ كـلّ الأكـاديـمـيـات الـفـرنـسـيـة) عـام 1840 الـرّسّـام أوجـيـن فـلانـدان Eugène Flandin (1) لـلـمـشـاركـة في مـهـمّـة بـاسـم مـلـك فـرنـسـا، لـويـس فـيـلـيـب، يـرأسـهـا إدوار دو سـيـرسي Edouard de Sercey إلى بـلاد الـفـرس لـتـوثـيـق عـلاقـات سـيـاسـيـة واقـتـصـاديـة مـع مـحـمّـد شـاه قـجـر، ولـلـتـعـرف عـلى الـبـلـد ومـا يـجـاوره، ودراسـة الـمـواقـع الأثـريـة والـمـعـالـم الـحـديـثـة في الـمـنـطـقـة.

وضـمّـت الـبـعـثـة أيـضـاً الـمـعـمـاري وعـالـم الآثـار بـاسـكـال كـوسـت                  Pascal COSTE.

وبـعـد عـودة دو سـيـرسي إلى بـاريـس، أكـمـل فـلانـدان وكـوسـت رحـلـتـهـمـا عـبـر الـمـنـطـقـة لـدراسـة مـعـالـمـهـا الأثـريـة، وسـارا في طـرق لا يـعـرفـانهـا وفي جـو مـتـطـرّف في شــدّة بـرودتـه وحـرارتـه وبـيـن أنـاس لا يـفـهـمـان لا لـغـتـهـم ولا عـاداتـهـم وتـقـالـيـدهـم.

ودامـت سـفـرتهـمـا عـامـيـن مـرّا بـهـا بـيـن مـا مـرّا بـأصـفـهـان و شـيـراز و تـبـريـز وبـغـداد الّـتي وصـلاهـا في تـمّـوز عـام 1841، والـمـوصـل وحـلـب والـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) ثـمّ عـادا إلى بـاريـس.

ويـذكـر فـلانـدان وكـوسـت في الـفـصـل الـخـامـس عـشـر مـن الـجـزء الـثّـاني كـتـاب  نـشـراه في بـاريـس عـنـوانـه : “رحـلـة إلى بـلاد فـارس  Voyage en Perse “، (2) عـبـورهـمـا لـلـجـزء الـتّـركي مـن كـردسـتـان ووصـولـهـمـا إلى الـسّـلـيـمـانـيـة وإلى كـفـري ثـمّ إلى بـغـداد عـبـر الـبـاديـة.

Flandin er C

ويـتـكـلّـمـان في الـفـصـل الـسّـادس عـشـر عـن زيـارتـهـمـا لـطـيـسـفـون (الـمـدائـن) ولـسـفـرتـهـمـا إلى بـابـل، ويـتـكـلّـمـان عـن خـرائـب بـابـل وعـن الـحـلّـة ثـمّ عـودتـهـمـا إلى بـغـداد.

ومـن بـغـداد صـعـدا إلى الـمـوصـل فـديـار بـكـر ثـمّ حـلـب وبـيـروت، ثـمّ عـادا إلى فـرنـسـا.

وقـد ألـحـق بـالـكـتـاب ثـلاثـة أجـزاء تـضـمّ الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة (الـغـرافـيـكـيـة) الّـتي أخـذت عـن رسـوم فـلانـدان وكـوسـت بـعـد أن حـفـرت عـلى الـخـشـب وطـبـعـت.

ونـجـد في ثـانـيـهـا أي في الـجـزء الـرّابـع مـن الـكـتـاب ثـمـانـيـة رسـوم عـن الـعـراق سـأضـعـهـا في أمـاكـنـهـا مـن الـمـقـاطـع الّـتي سـأتـرجـمـهـا مـن الـكـتـاب : واحـد لـجـسـر (ألـتـون كـوبـري)، وثـلاثـة لـطـاق كـسـرى، وأربـعـة لـبـابـل.

رسـوم فـلانـدان لـلـعـراق في رحـلـتـه الأولى ووصـفـه لـه :

بـعـد أن مـرّ فـلانـدان ومـصـاحـبـه كـوسـت بـالـسّـلـيـمـانـيـة، وبـألـتـون كـوبـري الّـذي رسـمـه فـلانـدان :

Flandin voyage Altoon Kopri

نـزلا بـكـفـري : “مـديـنـة صـغـيـرة وسـط الـصّـحـراء، وجـدنـا مـكـانـاً سـنـقـضي فـيـه الـلـيـل في حـوش تـظـلـلـه نـخـلات قـلـيـلـة”. وبـعـد أن أراحـوا خـيـولـهـم غـادراهـا في الـلـيـلـة الـتّـالـيـة نـحـو بـغـداد الّـتي وصـلاهـا في 7 تـمّـوز 18841 (وأتـرجـم في مـا يـلي كـلّ الـمـقـاطـع الّـتي أسـتـشـهـد بـهـا مـبـاشـرة عـن الـنّـصـوص الأصـلـيـة) :

“مـنـذ أن تـركـنـا تـبـريـز، قـبـل أربـعـة وثـلاثـيـن يـومـاً، ونـحـن نـسـيـر بـلا تـوقـف. ولـهـذا فـمـا أن كـشـفـت لـنـا أولى أضـواء الـفـجـر مـنـائـر بـغـداد فـوق أفـق الـصّحـراء الـمـهـتـزّ  حـتّى نـهـضـنـا نـحـيي عـاصـمـة الـخـلـفـاء بـسـرور مـا بـعـده سـرور.

وارتـفـعـت الـشّـمـس في هـذا الـيـوم، الـسّـابـع مـن تـمّـوز في سـمـاء شـديـدة الـصّـفـاء عـنـدمـا وصـلـنـا إلى بـاب الـكـاظـم، أي بـاب الـعـبـد (خـلـط بـيـن الـكـاظـم والـخـادم !). ولـم يـكـن الـبـغـداديـون، في هـذه الـسّـاعـة الـمـبـكـرة، قـد اسـتـيـقـظـوا مـن نـومـهـم بـعـد، ولـم نـر في الـدّروب إلّا الـكـراول  Caraouls  أي الـعـسـاسـيـيـن الأتـراك. ولـم نـسـتـطـع الـدّخـول فـقـد كـان عـلـيـنـا أن نـنـتـظـر أن تـفـتـح أبـواب الـمـديـنـة. وأخـيـراً وصـل الـضّـابـط الـمـسـؤول عـن الـبـوابـة. وبـعـد أن تـوضـأ وأقـام الـصـلاة، فـتـحـهـا ودخـلـنـا”.

ولـم يـجـدا الـقـنـصـل الـفـرنـسي ولا الـمـسـتـشـار في الـمـديـنـة، فـبـحـثـا عـن سـكـن، ووجـدا داراً رخـيـصـة الإيـجـار لأنّـهـمـا قـررا الإقـامـة في بـغـداد حـتّى يـنـتـهي الـقـيـظ، كـمـا كـانـا يـنـويـان زيـارة طـيـسـفـون (الـمـدائـن) وبـابـل.

ومـا أن ارتـاحـا مـن مـتـاعـب الـسّـفـر حـتّى شـرعـا في الـبـحـث عـن آثـار عـاصـمـة الـخـلـفـاء :

“وقـضـيـنـا الأيّـام الأولى في ذرع دروب الـمـديـنـة الـعـجـيـبـة الّـتي كـانـت تـمـثّـل لـنـا في بـدايـة إقـامـتـنـا فـيـهـا الـهـيـبـة الّـتي كـان تـضـفـيـهـا عـلـيـهـا ذكـريـات الـخـلـفـاء وحـضـارة تـلـك الـفـتـرة الإسـلامـيـة الـزّاهـرة. وعـلى الـقـارئ أنّ لا يـنـسى تـأثـيـر حـكـايـات “ألـف لـيـلـة ولـيـلـة” في خـيـالـنـا، نـحـن الأوربـيـيـن.

ولـكـن لـم يـعـد لـبـغـداد مـجـدهـا الـقـديـم، وتـراكـمـت طـبـقـات كـثـيـفـة مـن الأتـربـة غـطـت أسـافـل الـبـنـايـات الّـتي لا تـبـدو فـيـهـا إلّا بـالـكـاد آثـار هـرون الـرّشـيـد.

ونـجـد بـعـد بـحـث طـويـل في زوايـا الأسـواق أو عـلى ضـفـاف الـنّـهـر وسـط أكـوام خـرائـب ضـاعـت حـتّى لـم يـعـد أحـد يـتـذكّـر أسـمـاءهـا بـقـايـا جـدران عـلـيـهـا نـقـوش كـوفـيـة أو مـئـذنـة مـتـسـاقـطـة أو مـا ظـلّ قـائـمـاً مـن بـوابـة مـغـطـاة بـالـقـاشـاني ظـلّـت أجـزاء مـلـوّنـة مـنـهـا مـلـتـصـقـة بـخـلـفـيـة الـجـصّ الـمـتـشـقـق. ولا يـبـدو عـلى الأتـراك أنّـهـم يـبـالـون بـضـيـاع آثـار الـحـضـارة الّـتي كـانـت زاهـرة ونـافـسـت حـضـارة الـبـيـزنـطـيـيـن”.

“وعـلى الـمـسـافـر أن لا يـبـحـث عـن مـاضي الـمـديـنـة، وأن يـكـتـفي بـالـمـديـنـة الـحـالـيـة، أن يـتـأمّـل مـسـاجـدهـا الـجـديـدة وفـنـونـهـا الـحـاضـرة، فـفـيـهـا مـا يـشـبـع فـضـولـه. ثـمّ أنّ نـهـرهـا الـعـربي وسـمـاءهـا الـصّـافـيـة الّـتي تـعـكـس زرقـتـهـا عـلى آجـر قـبـاب مـسـاجـدهـا وعـلى رؤوس نـخـيـلـهـا الـبـالـغـة الـعـلـو سـتُـبـقي بـغـداد حـيّـة في ذاكـرتـه”.

“وبـغـداد مـكـان تـبـادل الـبـضـائـع والـسّـلـع بـيـن الـهـنـد وبـلاد الـفـرس وتـركـيـا، وأسـواقـهـا الـشّـديـدة الإمـتـداد لـهـا أهـمـيـة كـبـيـرة. ونـجـد فـيـهـا مـجـتـمـعـة مـا جـاء مـن مـنـاطـق مـخـتـلـفـة : مـنـتـجـات تـتـنـافـس في الـحـسـن وجـودة الـنّـوعـيـة. وفـيـهـا تُـنـزل حـمـولـتـهـا الـمـراكـب الـصّـاعـدة مـن الـخـلـيـج، والـقـوافـل الـنّـازلـة مـن آسـيـا الـصّـغـرى، وتـلـك الآتـيـة مـن سـوريـا ومـن جـزيـرة الـعـرب. كـلّ آسـيـا تـتـوجـه إلى بـغـداد الّـتي صـارت سـوقـاً شـديـدة الـسّـعـة لـتـجـارة بـالـغـة الـغـنى والـثّـراء، ومـركـز اتـصـالات بـيـن كـلّ شـعـوب هـذا الـجـزء مـن الـعـالـم.

ولـكي يـدرك الـقـارئ مـدى أهـمـيـة الـمـبـادلات الـتّـجـاريـة الّـتي تـجـري في بـغـداد يـكـفـيـنـا أن نـذكـر لـه أنّ فـيـهـا سـتـيـن شـركـة تـجـاريـة أوربـيـة جـاءت مـن كـلّ بـلـدان أوربـا”.

وقـد سـجّـل فـلانـدان بـعـد ذلـك وصـفـاً دقـيـقـاً لـمـديـنـة بـغـداد أنـهـاه بـالـمـقـطـع الـتّـالي عـن ولايـة بـغـداد :

“وبـغـداد مـن غـيـر شـكّ واحـدة مـن الأمـاكـن الأشـدّ أهـمّـيـة في الـقـارة الآسـيـويـة : مـوقـعـهـا عـلى نـهـر يـنـزل نـحـو الـمـحـيـط الـهـنـدي، وعـلى حـدود الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة مـن جـهـة وتـقـريـبـاً عـلى حـدود الإمـبـراطـوريـة الـبـريـطـانـيـة مـن جـهـة أخـرى، تـحـاذي بـلاد الـفـرس مـن جـانـب وجـزيـرة الـعـرب مـن الـجـانـب الآخـر، يـضـفي عـلـيـهـا أهـمـيـة سـيـاسـيـة لا يـنـازعـهـا فـيـهـا مـنـازع. وفـوق ذلـك فـهي في وسـط مـنـطـقـة لا يـمـكـن تـصـور سـعـة خـيـراتـهـا لـو أعـدنـا لأهـلـهـا هـمّـة الـبـابـلـيـيـن وتـذكـرنـا حـضـارتـهـا الـمـاضـيـة، فـمـن كـركـوك إلى ضـفـاف الـخـلـيـج، ومـن جـبـال زاغـروس إلى الـفـرات تـمـتـد أراضٍ شـاسـعـة تـرويـهـا عـشـرات الأنـهـر، شـقّـت فـيـهـا قـنـوات قـديـمـة. وفي كـلّ مـكـان لا تـنـتـظـر هـذه الأراضي إلّا أن يـزرعـهـا الـزّارعـون ويـعـمّـروهـا، وأن تـسـتـخـرج مـن أعـمـاقـهـا ثـروات تـعـادل ثـروات الـهـنـد والـيـمـن الـسّـعـيـد”.

ونـفـهـم في آخـر هـذا الـمـقـطـع أنّـه يـدعـو الـسّـلـطـات الـفـرنـسـيـة وأصـحـاب رؤوس الأمـوال لـلـمـجئ إلى ولايـة بـغـداد لاسـتـثـمـار ثـرواتـهـا :

“وهـنـا يـمـكـن لـمـلايـيـن الـمـسـتـعـمـريـن أن يـغـتـنـوا مـن إنـتـاج الـسّـكّـر والـقـهـوة والـقـطـن وأحـسـن نـوعـيـات الـقـمـح لـو طـبّـقـوا فـيـهـا عـلـومـهـم الـزّراعـيـة [الـحـديـثـة] ومـعـارف حـضـارة يـحـتـقـرهـا الـبـدو لـقـلّـة حـاجـتـهـم إلـيـهـا”.

وكـتـب فـلانـدان مـلاحـظـاتـه عـن مـشـاريـع الإنـكـلـيـز في ولايـة بـغـداد :

“أدركـت إنـكـلـتـرة أهـمـيـة بـغـداد مـنـذ زمـن طـويـل. وإن لـم تـكـن قـد اسـتـعـمـرت هـذه الـمـنـطـقـة بـعـد فـهي تـبـذل كـلّ جـهـودهـا لـلـتّـوصـل إلى ذلـك. وفي انـتـظـار أن تـنـجـح في جـهـودهـا فـقـد جـعـلـت مـن [بـغـداد] مـركـزاً سـيـاسـيـاً شـديـد الأهـمـيـة، ووضـعـت فـيـه مـنـذ أكـثـر مـن عـشـريـن سـنـة مـقـيـمـاً تـدّل الـمـهـمـات الّـتي عـهـد إلـيـه بـهـا وأهـمـيـة الـمـوظـفـيـن الـمـحـيـطـيـن بـه عـلى مـشـروع إنـكـلـتـرة لـلـتـغـلـغـل في الـبـلـد. ويـكـفي أن نـرى الـمـبـالـغ الّـتي خـصـصـت لـمـهـمـتـه لـنـدرك عـظـمـهـا، كـمـا خـصـصـت لـحـراسـتـه قـطـعـات مـن الـجـنـود الإنـكـلـيـز والـهـنـود Sipayes . ووضـعـت في حـوش مـقـيـمـيـتـه مـدافـع، بـيـنـمـا ربـطـت في الـنّـهـر أمـامـهـا مـجـمـوعـة مـن الـسّـفـن الـبـخـاريـة، لـيـسـتـطـيـع الإتـصـال بـبـومـاي في الـهـنـد، وكـذلـك لـتـقـويـة مـكـانـتـه في داخـل مـديـنـة بـغـداد والّـتي تـمـتـد عـلى ضـفـتي الـنّـهـر. أمّـا فـرنـسـا فـقـد مـثّـلـهـا، حـتّى عـام 1841  مـوظـفـون قـنـصـلـيّـون قـلـيـلـو الـقـيـمـة …”.

ويـكـمـل كـلامـه عـن الـفـرق بـيـن الـمـشـاريـع الـفـرنـسـيـة والإنـكـلـيـزيـة :

“والـبـصـرة، الّـتي هي الأخـرى مـديـنـة مـهـمّـة، والّـتي تـقـع عـلى مـلـتـقى دجـلـة والـفـرات، كـان فـيـهـا قـنـصـل يـمـثـل فـرنـسـا مـنـذ أكـثـر مـن قـرن. وكـان فـيـهـا مـؤسـسـة تـجـاريـة فـرنـسـيـة مـهـمـة ومـكـتـب مـبـادلات، ولـكـن مـصـالـح مـواطـنـيـنـا في هـذه الـمـديـنـة الآن لا يـدافـع عـنـهـا أحـد، ولا يـمـثـلـنـا فـيـهـا إلّا عـمـيـل لا أهـمـيـة لـه يـرتـدي عـمـامـة وثـيـابـاً عـربـيـة، لا فـرق بـيـنـه وبـيـن أي واحـد مـن رؤسـاء raïas الـمـسـيـحـيـيـن. وصـارت دار الـقـنـصـلـيـة خـرابـاً لا يـجـد الـفـرنـسـيـون الّـذيـن يـمـرّون بـالـبـصـرة فـيـهـا لا أمـنـاً لأشـخـاصـهـم ولا حـمـايـة لـمـصـالـحـهـم. وعـلى الـعـكـس مـن ذلـك، شـيّـد الإنـكـلـيـز فـيـهـا بـنـايـة شـديـدة الـضّـخـامـة، مـسـوّرة مـحـصّـنـة، هي في نـفـس الـوقـت مـقـيـمـيـة لـمـسـؤولـيـهـا ولـعـمـلائـهـا، ومـركـزاً لإدارة بـحـريـتـهـا، ومـخـازن يـكـدّسـون فـيـهـا كـلّ مـا يـمـكـنـه أن يـنـفـعـهـم لإعـداد مـشـاريـعـهـم في الـمـسـتـقـبـل. وبـيـنـمـا تـتـلاشـى مـكـانـة فـرنـسـا تـعـظـم مـكـانـة إنـكـلـتـرة. وهـكـذا مـنـذ أواخـر الـقـرن الـمـاضي قـلّـت أهـمـيـة واحـدة مـنـهـمـا عـلى هـذه الـسّـواحـل الـبـعـيـدة بـيـنـمـا أزداد تـوسـع الأخـرى حـتّى شـمـل كـلّ أرجـاء الـعـالـم”.

ورغـم أنّ أوجـيـن فـلانـدان ومـصـاحـبـه لـم يـزورا الـبـصـرة فـقـد كـتـب مـا ذكـرنـاه نـقـلاً عـن الـفـرنـسـيـيـن الّـذيـن ألـتـقـيـا بـهـم في بـغـداد، وهـو ولا شـكّ يـمـثّـل آراءهـم عـن الـحـالـة الـسّـيـاسـيـة في تـلـك الـفـتـرة.

الـمـدائـن :

Flandin voyage 2

تـرك أوجـيـن فـلانـدان ومـصـاحـبـوه بـغـداد بـعـد غـروب الـشّـمـس مـتّـجـهـيـن نـحـو الـمـدائـن (سـلـمـان بـاك) ووصـلـوهـا بـعـد مـسـيـرة خـمـس سـاعـات، في حـوالي مـنـتـصـف الـلـيـل. ويـذكـر فـلانـدان أنّ الـنّـاس كـانـوا يـسـمـون الإيـوان : “تـخـت كـسـرى” أي عـرش كـسـرى أو “طـاق كـسـرى”.

ولـم تـكـن مـعـرفـتـه بـتـاريـخ الـمـدائـن، أي طـيـسـفـون وسـلـوقـيـة دجـلـة، مـعـرفـة عـمـيـقـة، ولا تـتـجـاوز مـا كـان شـائـعـاً عـنـهـمـا في ذلـك الـحـيـن، ولـكـن الـرّسّـوم الـشّـديـدة الـدّقـة الّـتي نـفّـذهـا فـلانـدان عـن الـطـاق والـتـخـطـيـطـات الـهـنـدسـيـة الّـتي قـام بـهـا بـاسـكـال كـوسـت تـبـقى شـهـادات مـهـمّـة عـن حـال الـطّـاق عـنـدمـا زاراه :

ثـمّ عـادا إلى بـغـداد. وبـعـد أن بـقـيـا فـيـهـا عـدّة أيّـام غـادراهـا مـن جـديـد نـحـو الـحـلّـة، وقـد سـافـرا لـيـلاً لـشـدّة قـيـظ تـمّـوز، وقـطـعـا الـمـسـافـة في خـمـس مـراحـل هـبّـت خـلالـهـا عـواصـف تـراب : الـسّـم  sam. ووصـلا الـحـلّـة بـعـد يـومـيـن.

بـابـل :

Flandin voyage 6 

وبـعـد وصـف دقـيـق ومـفـصّـل لـلـقـنـوات الّـتي كـان الـبـابـلـيـون قـد شـقّـوهـا بـمـهـارة لـيـس بـعـدهـا مـهـارة لـيـحـولـوا الـفـيـافي إلى جـنّـات مـتـنـوعـة الـخـضـرة، وصـل فـلانـدان ومـصـاحـبـوه إلى : “قُـريـة تـهـدمـت أغـلـب دورهـا تُـدعى بـ “الـمـحـاويـل”. ومـا أن تـركـوا الـمـحـاويـل حـتّى أبـصـروا نـحـو الأفـق بـتـلال بـابـل.

وذهـبـوا إلى “تـلّ بـابـل” الّـذي وجـدوا عـلـيـه نـقـوشـاً بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة، ومـنـه رأوا تـلّاً آخـر يـدعي “الـقـصـر” تـسـلـقـاه والـتـقـطـا عـلـيـه ألـواحـاً تـغـطـيـهـا نـقـوش بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة :

Flandin voyage

ويـمـكـنـنـا أن نـتـعـرف في الـنّـص الّـذي نـراه في أعـلى الـصّـورة عـلى اسـم الـمـلـك نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني :

Flandin voyage (2)

كـمـا تـسـلـقـا أيـضـاً تـلّ “عـمـران بـن عـلي” وتـلّاً آخـر “عـلى بـعـد ثـمـانـيـة كـيـلـومـتـرات شـرق “الـقـصـر” يـسـمـونـه “El Heimar” عـلـيـه بـقـايـا أبـنـيـة قـديـمـة…

ووجـدا : “تـلّاً واحـداً لـه أهـمـيـة في الـضّـفـة الـيـمـنى مـن الـفـرات، عـلى بـعـد تـسـعـة كـيـلـومـتـرات مـن الـحـلّـة : “بـيـرس نـمـرود Birs-Nemrod أو بـرج نـمـرود  Bourdj-Nemrod،وعـلـيـه الـبـرج الـوحـيـد الّـذي بـقي مـنـتـصـبـاً وسـط هـذا الـخـراب الـشّـامـل”.

Flandin voyage 7

وبـيـرس نـمـرود هـذا كـمـا أظـهـرتـه الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة مـنـذ نـهـايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر مـوقـع مـديـنـة بـورسـيـبـا الـقـريـبـة مـن مـديـنـة بـابـل الـقـديـمـة.

ورسـم الـمـعـمـاري بـاسـكـال كـوسـت مـخـطـطـاً لـلـمـوقـع :

Flandin voyage 5

وكـانـت نـتـيـجـة بـحـثـهـمـا : “وهـكـذا نـرى أنّ بـابـل كـانـت أعـظـم مـدن الـدّنـيـا في الأزمـان الـقـديـمـة، وكـانـت رأس واحـدة مـن أوسـع الإمـبـراطـوريـات امـتـداداً كـمـا كـانـت روحـهـا، ولـكـنّ عـظـمـتـهـا نـفـسـهـا هي الّـتي تـسـبـبـت في سـقـوطـهـا، ولـم يـبـقَ مـنـهـا في أيّـامـنـا هـذه أثـر”.

وعـلـيـنـا أن لا نـنـسى هـنـا أنّ فـلانـدان وكـوسـت مـرّا بـبـابـل عـام 1841، قـبـل أن تـبـدأ الـتّـنـقـيـبـات الـعـلـمـيـة في الـمـوقـع بـأكـثـر مـن نـصـف قـرن، وأنّ مـعـرفـتـهـمـا بـهـا لـم تـكـن تـتجـاوز مـا كـانـا قـد وجـداه في أسـفـار الـتّـوراة وعـنـد الـمـؤلـفـيـن الـيـونـان والـرّومـان مـن نـصـوص تـمـتـزج الـخـرافـات فـيـهـا بـالأسـاطـيـر.

وبـعـد أن قـضـيـا ثـلاثـة أيّـام في الـحـلّـة، أرادا الـعـودة إلى بـغـداد مـع مـصـاحـبـيـهـم. ولـكـن الـعـشـائـر كـانـت قـد ثـارت ضـدّ الـوالي وامـتـدت الإضـطـرابـات إلى بـغـداد. ولـم يـسـمـح لـهـمـا حـاكـم الـحـلّـة بـتـرك الـمـديـنـة إلّا تـحـت حـراسـة أربـعـيـن فـارس ألـبـاني وأرنـؤوطي. ووصـلا بـغـداد في بـدايـة أيـلـول.

وعـنـدمـا أرادا تـرك بـغـداد، عـلـمـا بـأنّ الـعـشـائـر ثـارت أيـضـاً بـيـن بـغـداد والـمـوصـل مـنـذ شـهـر. وقـد اسـتـطـاع قـنـصـل فـرنـسـا في بـغـداد أقـنـاع بـاشـا كـركـوك الّـذي كـان يـنـوي الـعـودة إلى مـديـنـتـه بـأن يـصـاحـبـه فـلانـدان وكـوسـت.  وهـكـذا تـركـا بـغـداد في الـخـامـس مـن شـهـر أيـلـول.

ووصـلا إلى كـركـوك مـع الـبـاشـا الّـذي أمـر عـدداً مـن فـرسـانـه بـمـصـاحـبـتـهـمـا إلى الـمـوصـل. ومـن الـمـوصـل ذهـبـا إلى حـلـب عـن طـريـق ديـار بـكـر، ثـمّ إلى بـيـروت وفـرنـسـا الّـتي وصـلاهـا في الأوّل مـن كـانـون الأوّل 1841.

مـقـال نـشـره فـلانـدان عـام 1861 عـن رحـلـتـه الأولى إلى الـعـراق :

نـشـر أوجـيـن فـلانـدان عـام 1861 (أي بـعـد عـشـريـن سـنـة مـن زيـارتـه الأولى لـلـعـراق) في مـجـلـة “حـول الـعـالـم  Le tour du monde” الـفـرنـسـيـة (الـقـسـم الـرّابـع، مـن ص. 49 إلى ص. 65)، مـقـالاً عـنـوانـه : “رحـلـة إلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن  Voyage en Mésopotamie”. والـمـقـال بـ 32  صـفـحـة. وفـيـه عـدد مـن الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة (الـغـرافـيـكـيـة) الـمـأخـوذة مـن رسـومـه.

وقـد تـرجـم هـذا الـمـقـال الأب بـطـرس حـدّاد تـحـت عـنـوان : “رحـلـة في مـا بـيـن الـنّـهـريـن” ونـشـره عـام 2005، ولـكـنّي كـعـادتي في كـلّ مـقـالاتي، أتـرجـم لـكـم كـلّ الـمـقـاطـع الّـتي أسـتـشـهـد بـهـا مـبـاشـرة مـن الـنّـصـوص الأصـلـيـة.

ويـأخـذ الـمـقـال مـا كـان فـلانـدان قـد نـشـره في الـقـسـم الـمـخـصـص لـلـعـراق مـن كـتـاب “رحـلـة إلى بـلاد فـارس”، مـع إضـافـات بـسـيـطـة هـنـا وهـنـاك.

ويـعـيـد سـرده في هـذا الـمـقـال لـمـسـيـرتـه مـع بـاسـكـال كـوست ومـصـاحـبـيـهـمـا مـن تـبـريـز إلى الـسّـلـيـمـانـيـة، ووصـولـهـمـا عـن طـريـق كـفـري إلى بـغـداد.

وخـلال وصـفـه لـبـغـداد يـتـكـلّـم عـن مـسـاجـد بـغـداد : “ومـن أجـمـلـهـا جـامـع الـمـيـدان أو مـا يـسـمى بـجـامـع  Ahmet Khiaïa   الّـذي يـغـطـيـه بـكـامـلـه آجـر مـزجـج تـتـشـابـك زخـارفـه بـأشـكـال رائـعـة وبـألـوان زاهـيـة. وهـو يـهـيـمـن عـلى سـاحـة الـمـيـدان الـواسـعـة الّـتي تـنـفـتـح عـلـيـهـا مـقـاهٍ ودكـاكـيـن وخـانـات مـسـافـريـن، والّـتي تـمـتـلئ مـنـذ الـصّـبـاح الـبـاكـر بأعـراب يـحـتـلّـونـهـا لـبـيـع بـطـيـخـهـم الأصـفـر وبـطـيـخـهـم الـسّـنـدي ودجـاجـهـم وأنـواع أخـرى مـمـا يـربّـون ويـجـنـون. وهي أيـضـاً مـحـطّـة وصـول قـوافـل الـشّـمـال أو مـغـادرتـهـا. وفـيـهـا تـنـزّل حـمـولات الـجـمـال في انـتـظـار الـقـوافـل الّـتي تـوصـلـهـا إلى آسـيـا الـصّـغـرى” :

Tour du monde

وكـتـب أوجـيـن فـلانـدان وهـو في جـانـب الـكـرخ :”ويـربـط بـيـن جـزئي الـمـديـنـة جـسـر قـوارب طـويـل جـدّاً فـدجـلـة نـهـر واسـع الـعـرض. ونـشـاهـد بـلا انـقـطـاع قـوافـل تـمـرّ عـلـيـه وخـيّـالـة وجـمـال مـحـمّـلـة وقـطـعـان غـنـم جـلـبـت مـن الأريـاف لإطـعـام سـكـان الـمـديـنـة” :

Tour du monde 3

“ونـجـد مـن جـهـتي الـنّـهـر مـقـاهي تـنـفـتـح طـارمـاتـهـا عـلـيـه يـجـلـس فـيـهـا بـغـداديـون يـدخـنـون في نـارجـيـلات أنـيـقـة أفـضـل أنـواع تـبـغ الـشّـرق وهـم يـحـتـسـون أحـسـن أنـواع قـهـوة مـخـا. وتـمـتـد أنـظـار الـجـالـس في الـمـقـهى عـبـر الـنّـهـر نـحـو الـصّـوب “الـمـقـابـل :

Flandin 2

“ويـمـكـنـنـا مـن هـذه الـجـهـة مـن الـنـهـر أن نـبـصـر قـرب الـمـديـنـة بـأربـع مـآذن مـمـشـوقـة مـغـطـاة بـالآجـر الـمـزجـج تـنـبـثـق مـن بـيـن غـابـات الـنّـخـيـل، وتـعـلـو بـيـنـهـا قـبـتـان يـغـطـيـهـمـا الآجـر الـمـزجـج أيـضـاً تـتـلامـعـان بـزخـارفـهـمـا الـمـتـشـابـكـة. وهـو جـامـع واسـع تـجـمـعـت حـولـه بـيـوت قـريـة يـسـكـن في كـلّ واحـد مـنـهـا تـقـريـبـاً “مُـلّا  molla” أي رجـل ديـن أو زوّار جـاءوا لـلـتّـعـبـد. ويـدعى هـذا الـبـنـاء “مـسـجـد الإمـام مـوسى  Matchid-Imam-Moussa” :

Flandin Imam Moussa 2

ورغـم أنّ فـلانـدان خـصـص مـقـطـعـاً مـن مـقـالـه لـ “قـبـر زبـيـدة”، فـلـم يـضـع رسـمـاً لـه، وإنّـمـا وضـع رسـمـاً لـضـريـح الـشّـيـخ عـمـر :

Tour du monde 2

كـمـا وضـع رسـمـاً يـظـهـر داخـل بـيـت بـغـدادي :

Flandin Méso 4

وفي كـلامـه عـن سـفـرتـه إلى الـحـلّـة وبـابـل وضـع أوجـيـن فـلانـدان رسـمـاً لـلـحـلّـة كـان قـد نـفّـذه عـام 1841 ولـم يـضـع في كـتـابـه عـام 1843، وكـتـب تـحـتـه “صـورة الـحـلّـة عـلى الـفـرات” :

Flandin Hilla 2

وأنـهى مـقـالـه بـمـغـادرة بـغـداد نـحـو الـمـوصـل ووضـع صـورة كـان قـد رسـمـهـا لـلـمـوصـل عـام 1841 ولـم يـضـعـهـا في كـتـابـه :

Flandin Mossoul

وسـنـخـصـص مـقـالـنـا الـمـقـبـل عـن عـودة أوجـيـن فـلانـدان إلى إلى الـمـوصـل في 4 أيّـار 1844، وعـن رسـومـه لـلآثـار الآشـوريـة.

 

مـلـحـق

نـفّـذ الـفـنّـان الـفـرنـسي أوجـيـن فـلانـدان عـدداً مـن الـرّسـوم والـلـوحـات عـن الـعـراق لـم يـنـشـرهـا في كـتـابـه : “رحـلـة إلى بـلاد فـارس” ولا في مـقـالـه “رحـلـة إلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن” ولـكـن مـا زالـت في مـجـمـوعـات الـمـتـاحـف أو في مـقـتـنـيـات بـعـض جـامـعي الأعـمـال الـفـنّـيـة ، مـثـل الـلـوحـة الـزّيـتـيـة (22×38 سـم.) الّـتي رسـمـهـا عـام 1843، بـعـنـوان : “مـشـهـد مـن بـغـداد        Vue de Bagdad” والّـتي يـحـتـفـظ بـهـا مـتـحـف الـفـنـون الـجـمـيـلـة في مـديـنـة مـرسـيـلـيـا (جـنـوب فـرنـسـا) تـحـت رقـم الـجـرد: 156. ولـم أسـتـطـع الـحـصـول عـلى صـورة لـلـوحـة رغـم مـحـاولاتي الـمـتـكـررة.

ولـديـنـا رسـم لـجـانـب الـرّصـافـة كـمـا رآه فـلانـدان مـن الـجـانـب الـمـقـابـل :

138522

و رسـمـان لأوجـيـن فـلانـدان بـالألـوان الـمـائـيـة نـفّـذهـمـا عـام 1841 عـنـوان الأوّل “بـغـداد  Bagdad” (16×5،28 سـم.):

Flandin Bagdad 3

والـثّـاني : “ذكـريـات مـن بـغـداد  Souvenir de Bagdad” (34×24 سـم.) :

Flandin souvenire de Bagdad

ولـوحـة زيـتـيـة رسـمـهـا عـام 1941 أيـضـاً عـنـوانـهـا : “رجـل مـن بـغـداد              Un homme de Bagdad”  (38×27 سـم.) :

Flandin un homme de Bagdad

ووجـدت لـيـثـوغـرافـيـا بـالأبـيـض والأسـود عـنـوانـهـا “الـنّـاعـورة، بـغـداد         Noria ou puits d’arrosage, Bagdad” :

Flandin Noria

وقـد رسـم في نـفـس هـذه الـفـتـرة بـالألـوان الـمـائـيـة والـغـواش (32×23 سـم.) : “نـسـور تـلـتـهـم جـمـلاً   Vautours dévorant un chameau” :

Flandin tableau

وتـحـتـفـظ مـكـتـبـة مـديـنـة مـرسـيـلـيـا في مـجـمـوعـاتـهـا الـتّـراثـيـة بـرسـم نـفّـذه بـاسـكـال كـوسـت يـوم 20 تـمّـوز 1841 : “مـشـهـد لـدجـلـة في بـغـداد” :

Pascal Cost

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  واسـمـه الـكـامـل جـان ــ بـاتـيـسـت أوجـيـن نـابـلـيـون فـلانـدان Jean-Baptiste Eugène Napoléon FLANDIN . ولـد في نـابـولي، في جـنـوب إيـطـالـيـا سـنـة 1809. ودرس الـرّسـم عـلى يـدي الـفـنّـان الـفـرنـسي الـشّـهـيـر هـوراس فـيـرنـيـه Horace Vernet  في بـاريـس، ثـمّ صـاحـب الـجـيـش الـفـرنـسـي كـرسّـام إلى الـجـزائـر عـام 1837.

(2) نـشـر أوجـيـن فـلانـدان وبـسـكـال كـوسـت نـتـائـج بـعـثـتـهـمـا في كـتـاب بـخـمـسـة أجـزاء صـدرت في بـاريـس بـيـن عـامي 1843 و 1854 . إحـتـوى الـجـزءان الأوّل والـثّـاني عـلى الـنّـصّ والأجـزاء الـثّـلاثـة الـتّـالـيـة عـلى الأعـمـال الـطّـبـاعـيـة (الـغـرافـيـكـيـة) الـمـأخـوذة مـن الـرّسّـوم :

Voyage en Perse, entrepris par ordre de M. le Ministre des Affaires étrangères, d’après les instructions dressées par l’Institut pendant les années 1840 et 1841, 2 vol. de texte et 3 vol. planches. Paris 1843-1854.

 

خـطـيـبـة الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

وجـدت قـبـل عـدّة سـنـوات عـنـد بـائـع كـتـب قـديـمـة عـدداً مـن مـجـلّـة بـاريـس مـاتـش (تـلـفـظ بـاري مـاتـش) Paris Match صـدر يـوم الـسّـبـت 26 تـمّـوز 1958.

ورغـم أنـني لا أقـرأ اعـتـيـاديـاً هـذ الـنّـوع مـن الـمـجـلّات الـمـصـورة، خـاصـة وأنّـهـا مـن الـمـجـلّات الـمـعـروفـة بـمـعـاداتـهـا لـقـضـايـانـا، إلّا أنـني اشـتـريـت هـذا الـعـدد الـقـديـم فـقـد كـان فـيـه مـقـال عـن الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني وآخـر عـن خـطـيـبـتـه، وصـور كـثـيـرة تـصـاحـبـهـمـا.

وقـد تـرجـمـت الـمـقـالـيـن ولـكـنّي تـركـتـهـمـا مـع الـمـجـلّـة في أحـد مـلـفّـاتي لـصـعـوبـة نـشـرهـمـا ورقـيـاً مـع الـصـور في ذلـك الـحـيـن. وفـتـحـت الـمـلـف بـالـصّـدفـة في الأسـبـوع الـمـاضي ووجـدت الـمـجـلّـة وتـرجـمـتي لـلـمـقـالـيـن، فـقـررت أن أنـشـر عـنـهـا هـذا الـعـرض.

غـلاف الـمـجـلّـة :

Paris match 485 (238x317)

نـقـرأ عـلى غـلاف مـجـلّـة “بـاري مـاتـش” الـبـاريـسـيـة الّـذي صـدر بـعـد اثـني عـشـر يـومـاً عـلى ثـورة 14 تـمّـوز في الـعـراق :

“بـيـروت، عـمّـان، بـغـداد، مـراسـلـونـا عـلى جـبـهـة الـشّـرق الأوسـط”،

ثـمّ تـحـتـه بـحـروف بـيـضـاء عـلى خـلـفـيـة سـوداء : “كـان يـنـبـغي أن تـتـزوّج الأمـيـرة الـصّـغـيـرة فـاضـلـة Fazilet بـفـيـصـل، مـلـك الـعـراق في شـهـر تـشـريـن الأوّل، ولـكـنّـهـم أُخـبـروهـا بـمـوتـه في غـرفـتـهـا في الـمـعـهـد الإنـكـلـيـزي الّـذي تـدرس فـيـه. وعـلى جـدار الـغـرفـة صـورة خـطـيـبـهـا”.

تـلـمـيـذة في مـعـهـد أسـكـوت :

ونـقـرأ في الـصـفـحـتـيـن 12 و 13 مـقـالاً عـنـوانـه : “في الـقـسـم الـدّاخـلي لـمـعـهـد أسـكـوت Ascot، فـاضـلـة الـرّائـعـة الـجـمـال تـبـكي خـطـيـبـهـا الـمـقـتـول”.

ثـمّ طـبـع مـا تـحـت الـعـنـوان بـالـحـروف الـثّـخـيـنـة : “في مـدرسـة عـلـيـا         high school راقـيـة، كـانـت فـاضـلـة تـتـهـيـأ لـلـزّواج بـمـلـك في الـثّـالـثـة والـعـشـريـن مـن عـمـره : فـيـصـل، مـلـك الـعـراق. وكـانـت في قـاعـة الـدّرس عـنـدمـا أخـبـروهـا بـانـدلاع ثـورة في بـغـداد وبـمـوت مـلـكـهـا. وكـانـت سـتـصـبـح مـلـكـة في تـشـريـن الأوّل”.

ويـبـدأ الـمـقـال (الّـذي أتـرجـمـه كـمـا هـو، مـن غـيـر تـغـيـيـر أسـلـوبـه ولا الـتّـدخـل في مـحـتـواه) والّـذي كـان الـهـدف مـنـه إثـارة فـضـول الـقـارئـات لـشـراء الـمـجـلّـة:

“أسـكـوت. طـبـيـعـة مـغـطـاة بـالـعـشـب الأخـضـر، عـلى بـعـد ثـلاثـة كـيـلـومـتـرات مـن مـيـدان سـبـاق الـخـيـل الـمـشـهـور. وفي أعـمـاق أشـجـار الـصّـنـوبـر الّـتي تـخـفـيـهـا تـنـتـصـب بـنـايـة تـامّـة الـبـيـاض : “Heathfield School”. مـدرسـة بـقـسـم داخـلي لـلـفـتـيـات، فـيـهـا 107 تـلـمـيـذات، و15 مُـدرّسـة وأربـع سـاحـات لـمـمـارسـة الـتّـنـس، وتـكـالـيـفـهـا 150 جـنـيـه ذهـب لـلـفـصـل الـدّراسي الـواحـد.

Fazilet 002 (521x640)

يـوم الإثـنـيـن 14 تـمّـوز، وكـكـلّ صـبـاح يـقـرع الـنّـاقـوس لـيـوقـظ الـفـتـيـات ويـنـهي أحـلامـهـنّ في الـسّـاعـة الـسّـابـعـة والـنّـصـف. ولـكـن هـل هـنـاك نـاقـوس في الـدّنـيـا يـسـتـطـيـع أن يـقـتـل حـلـم فـاضـلـة إبـراهـيـم Fazilet Ibrahim   ؟

وكـانـت فـاضـلـة في صـف الـمـس كـاثـلـيـن دودس، الّـتي كـانـت مـديـرة الـمـعـهـد أيـضـاً. ولا يـحـتـوي هـذا الـصّـف إلّا عـلى ثـمـاني تـلـمـيـذات.

وفـاضـلـة ابـنـة الأمـيـر مـحـمّـد عـلي إبـراهـيـم، ابـن عـم فـاروق، مـلـك مـصـر، وابـنـة الأمـيـرة خـان زادة حـفـيـدة آخـر سـلاطـيـن الـعـثـمـانـيـيـن (يـذكـر الـمـقـال أنّـهـا ابـنـتـه !) لا تـكـتـفي بـجـمـالـهـا، وإنّـمـا كـانـت تـريـد أن تـحـقـق، بـسـنـواتـهـا الـسّـبـعـة عـشـرة وخـضـرة عـيـنـيـهـا مـا سـتـكـتـمـل بـه دراسـتـهـا في Heathfield School : أن تـتـزوّج بـمـلـك، وهـو فـيـصـل مـلـك الـعـراق والـنّـفـط.

وأمـام نـافـذتـهـا الـمـفـتـوحـة عـلى نـسـيـم الـرّيـف الإنـكـلـيـزي وعـلى عـطـور الـعـطـلـة الـمـقـبـلـة، كـانـت فـاضـلـة تـمـشـط شـعـرهـا الـبـنّي، الـذّهـبي الإنـعـكـاسـات في أشـعـة شـمـس الـصّـبـاح. وكـانـت تـجـهـل أنّ عـلى بـعـد خـمـسـة آلاف كـلـم. في بـغـداد الـشّـديـدة الـقـرب مـن قـلـبـهـا، والّـتي ارتـفـعـت الـشـمـس عـالـيـة في سـمـائـهـا الآن، كـانـت الـمـآذن الـمـغـطـاة بـالـقـاشـاني الأزرق تـهـتـزّ بـهـديـر جـمـوع الـرّعـاع الـمـتـدافـعـة.

الـسّـاعـة الـثّـامـنـة. في قـاعـة الأكـل في Heathfield School، حـول pudding ضـخـم الـحـجـم، كـانـت الـفـتـيـات يـتـكـلّـمـن عـن مـشـاريـعـهـنّ بـاقـتـراب الـعـطـلـة، وتـعـطي الـواحـدة مـنـهـنّ لـلأخـرى عـنـوانـهـا وصـورهـا. وكـان عـلى فـاضـلـة، أن تـريـهـنّ مـن جـديـد صـورة تـتـأمّـلـهـا كـلّ واحـدة مـنـهـنّ قـبـل أن تـعـطـيـهـا لـجـارتـهـا، إلـتـقـطـت في مـديـنـة كـان (في جـنـوب فـرنـسـا) في الـعـام الـسّـابـق : نـراهـا “مـعـه” يـمـارسـان الـتّـزلّـج عـلى الـمـاء. كـانـت تـلـك صـورتـهـا الـمـفـضّـلـة. كـان فـيـصـل بـجـانـبـهـا  كـأبـولـو ــ مـلـك (1)، عـلى ابـتـسـامـتـه مـسـحـة مـن الـمـرارة، وتـتـطـايـر خـصـلات شـعـره الأسـود في الـرّيـح.

ومـا أن أبـصـرت بـه يـنـزل مـن يـخـتـه الـنّـاصـع الـبـيـاض الـمـسـمى بـالـمـلـكـة عـالـيـة The Queen Alia، حـتّى أغـرمـت فـاضـلـة بـهـذا الـرّجـل الـقـصـيـر الـقـامـة الـمـفـتـول الـعـضـلات والـمـلئ بـالـحـيـويـة، والّـذي كـان يـحـبّ كـلّ مـا تـحـبّـه هي : الـشّـمـس والـبـحـر والـمـيـكـانـيـك والـجـمـال.

ولـم تـكـن فـاضـلـة تـهـتـمّ بـمـا حـدث قـبـل ذلـك مـن عـلاقـات الـمـلـك الـغـرامـيـة : فـقـد قـضى شـهـر نـيـسـان بـصـحـبـة شـاهـنـاز  Shahnaz، بـنـت مـلـك الـفـرس، وشـهـر تـمّـوز مـع حـزيـمـة  Hazaïma،إحـدى بـنـات عـمّـه الـهـاشـمـيـات، وشـهـر آب بـصـحـبـة فـريـال، بـنـت الـمـلـك فـاروق، وشـهـر تـشـريـن الـثّـاني مـع لالا عـائـشـة  Lalla Aïcha، بـنـت مـلـك الـمـغـرب (2). مـا كـانـت تـرغـب بـه فـاضـلـة هـو أن تـكـون الأخـيـرة (أي الّـتي سـيـبـقى مـعـهـا إلى آخـر حـيـاتـه).

وقـالـت الـفـتـيـات : “مـا أجـمـلـه !”. وتـضـاحـكـن حـول الـ  pudding. وفي نـفـس الـلـحـظـة، في عـاصـمـتـه الـمـشـتـعـلـة، عـمّـر فـيـصـل مـسـدسـه.

كـان ذلـك آخـر امـتـحـانـات الـسّـنـة الـدّراسـيـة : كـتـابـة مـقـالـة في مـوضـوع تـاريـخي. ووضـعـت فـاضـلـة حـول خـنـصـرهـا اسـتـثـنـائـيـاً خـاتـم الـخـطـوبـة، لـيـجـلـب لـهـا الـحـظ.

Fazilet 001 (712x800)

وعـادت إلى ذاكـرتـهـا أحـداث يـوم 16 أيـلـول 1957 في يـنـيـكـوي  Yenickoy، قـصـر عـائـلـتـهـا الـصّـيـفي قـرب إسـطـنـبـول، والـمـطـلّ عـلى شـواطئ الـبـوسـفـور. كـانـت تـرتـدي فـسـتـانـاً خـفـيـفـاً أصـفـر الـلـون لـيـمـوني، جـالـسـة بـيـن أمّـهـا وأبـيـهـا في ظـلّ شـجـرة بـلـوط، وتـجـيـب عـلى أسـئـلـة الـصّـحـفـيـيـن.

وكـان رئـيـس الـوزراء الـسّـيـد جـودت (3) بـنـفـسـه قـد جـاء لـيـطـلـب يـدهـا لـلـمـلـك حـامـلاً هـذا الـخـاتـم بـزمـردتـه الـهـائـلـة الـحـجـم.

وسـألـهـا الـصـحـفـيـون : مـتى سـيـعـقـد زواجـكـمـا ؟

ــ في الـخـريـف الـمـقـبـل، أجـابـت الأمّ، وحـتّى ذلـك الـحـيـن سـتـكـمـل فـاضـلـة دراسـتـهـا لـتـسـتـعـدّ لـمـهـنـتـهـا كـمـلـكـة.

أمّـا فـاضـلـة، فـلـم تـسـتـطـع أن تـلـفـظ إلّا أربـع كـلـمـات، مـازالـت تـهـمـس بـهـا لـنـفـسـهـا أمـام ورقـة الإمـتـحـان : “أنـا سـعـيـدة … أنـا سـعـيـدة”.

وفي بـغـداد، في وهـج الـشّـمـس الّـتي تـهـيـج حـتّى الـذّبـاب، سـقـط الـمـلـك الـصـغـيـر الـمـجـعّـد الـشّـعـر تـسـيـل مـنـه الـدّمـاء.

الـسّـاعـة الـعـاشـرة. دخـلـت الـمـس دودس في قـاعـة الـدّرس بـعـد أن اتـصـل بـهـا الـسّـفـيـر الـعـراقي، وهـمـسـت بـكـلـمـات في أذن فـاضـلـة الّـتي لـم تـسـتـطـع ضـبـط دمـوعـهـا.

وعـنـدمـا عـادت إلى غـرفـتـهـا، إرتـمـت فـاضـلـة عـلى سـريـرهـا وانـفـجـرت تـبـكي وفي يـدهـا آخـر رسـائـل فـيـصـل. كـان يـتـكـلّـم فـيـهـا عـن الـقـصـر الّـذي شـيّـده لـهـا عـلى ضـفـة دجـلـة، والّـذي كـلّـف عـشـرة مـلايـيـن بـاونـد : 120 غـرفـة و25 حـمـامـاً و20 نـافـورة تـنـفـث يـومـيـاً  1200 مـتـر مـكـعـب مـن الـمـيـاه في الـحـديـقـة. وعـرشـان جـنـبـاً لـجـنـب. (4)

وكـان يـنـوي أن يـأتي في نـهـايـة الـشّـهـر لـيـصـطـحـبـهـا مـع والـديـهـا في سـفـرة عـبـر بـلـدان أوربـا. وقـد اشـتـرى الـسّـفـيـر الـعـراقي لـذلـك داراً كـبـيـرة وسـط أراضٍ واسـعـة في سـتـانـويـل  Stanwell، قـرب Heathfield School. ووضـع فـيـهـا سـيـارة جـاغـوار تـنـتـظـر وصـولـه.

ونـهـضـت فـاضـلـة فـجـأة، ونـزلـت إلى قـاعـة الـدّرس واسـتـعـادت ورقـة الإمـتـحـان لـتـكـمـلـهـا : “يـنـبـغي أن أكـمـل كـمـا لـو أن شـيـئـاً لـم يـحـدث” قـالـت لـمـس دودس. قـررت أن تـسـتـمـر في تـعـلـيـمـهـا وتـكـمـلـه. ولـكـنّـهـا لـن تـذهـب هـذا الـمـسـاء إلى مـكـتـب الـبـريـد عـلى طـريـق  Maidenhead لـتـرسـل لـه رسـالـتـهـا كـكـلّ يـوم، ولـن يـراهـا زبـائـن الـفـورسـتـر هـوتـيـل تـتـذوّق بـلـذّة كـوب الآيـس كـريـم، ولا تـشـرب عـصـيـر بـرتـقـالـهـا بـعـد أن تـنـتـهي مـن مـمـارسـة لـعـبـة الـتّـنـس.

سـتـدخـل فـاضـلـة هـذا الـمـسـاء في قـاعـة الـمـبـارزات، وسـتـخـتـار سـيـفـاً لـتـتـبـارز بـه في الـحـديـقـة. فـهي تـضـرب بـسـرعـة وبـقـوة لا يـقـاومـهـا في ذلـك مـقـاوم. ولـن يـقـاومـهـا أحـد بـعـد الآن فـقـد كـبـرت فـاضـلـة الـصّـغـيـرة الـرّائـعـة الـجـمـال مـثـلـمـا لا تـكـبـر الـفـتـيـات إلى هـذا الـحـدّ إلّا في  Heathfield School”.

مـجـلّات وجـرائـد أخـرى :

ولـم تـكـن مـجـلّـة “بـاري مـاتـش” الـوحـيـدة الّـتي أسـرعـت بـنـشـر هـذا الـنّـوع مـن الـمـقـالات الـمـثـيـرة، فـقـد نـشـرت مـنـافـسـتـهـا، الـمـجـلّـة الـبـاريـسـيـة الـمـصـورة “أيّـام فـرنـسـا  Jours de France” مـقـالاً عـنـوانـه : “الأسـبـوع الـرّهـيـب الّـذي عـاشـتـه فـاضـلـة، الـخـطـيـبـة الـصّـغـيـرة لـمـلـك الـعـراق”، وصـوراً عـنـهـا هي الأخـرى في نـفـس الـيـوم، الـسّـبـت 26 تـمّـوز 1958، (فـعـطـلـة نـهـايـة الأسـبـوع تـبـدأ يـوم الـسّـبـت وتـسـتـمـر إلى الأحـد، ولـهـذا تـصـدر الـمـجـلّات الـمـصـورة في ذلـك الـيـوم).

Fazilet J. de France

كـمـا نـشـرت كـلّ الـصّـحـف مـقـالات عـنـهـا، لأنّ فـاضـلـة ولـدت في بـاريـس وكـانـت تـتـقـن الـفـرنـسـيـة بـيـن الـلـغـات الّـتي كـانـت تـتـقـنـهـا.

وقـد نـشـرت واحـدة مـن هـذه الـصـحـف : “Nouvelliste Valaisan”  يـوم الإثـنـيـن 21 تـمّـوز مـعـلـومـات أخـذتـهـا عـن مـراسـل وكـالـة الأنـبـاء الـفـرنـسـيـة  A.F.P.  في لـنـدن يـذكـر فـيـه مـا يـلي :

“بـكـت الأمـيـرة فـاضـلـة (عـمـرهـا 17 سـنـة) بـصـحـبـة دوقـة كـنـت          Duchess of Kent، مـقـتـل خـطـيـبـهـا فـيـصـل، مـلـك الـعـراق، وقـررت أن تـتـرك إنـكـلـتـرة حـيـث تـكـمـل دراسـتـهـا في مـعـهـد  Heathfield School الـرّاقي، قـرب أسـكـوت  Ascot، وتـعـود إلى تـركـيـا هـذا الأسـبـوع. وقـد أبـلـغـهـا سـفـيـر الـعـراق في لـنـدن في الـخـمـيـس الـمـاضي أنّ كـلّ أمـل قـد ضـاع وانـتـهى. وقـد طـلـبـت خـاتـم خـطـبـتـهـا بـزمـردتـه الـضّـخـمـة، والّـذي كـان مـحـفـوظـاً في صـنـدوق مـصـفـح في الـمـعـهـد، ووضـعـته حـول بـنـصـرهـا. ولـم يـرهـا أحـد بـعـد ذلـك، فـقـد أغـلـقـت عـلـيـهـا بـاب غـرفـتـهـا. […] وكـان يـنـبـغي أن تـلـتـقي فـاضـلـة بـخـطـيـبـهـا في عـطـلـة نـهـايـة هـذا الأسـبـوع، فـقـد كـان الـمـلـك فـيـصـل يـنـوي أن يـمـرّ بـإنـكـلـتـرة، بـعـد انـتـهـاء اجـتـمـاعـات حـلـف بـغـداد في إسـطـنـبـول. وكـان في الـنّـيـة أعـداد وجـبـة عـشـاء لـعـشـريـن مـدعـوّاً في الـقـصـر الّـذي تـمـتـلـكـه الـعـائـلـة الـمـلـكـيـة الـعـراقـيـة في مـقـاطـعـة Surrey جـنـوب لـنـدن، ولـكـنّ الـنّـوافـذ ظـلّـت مـغـلـقـة”.

ونـلاحـظ اخـتـلافـات بـيـن مـعـلـومـات مـجـلّـة بـاري مـاتـش وبـيـن مـراسـل وكـالـة الأنـبـاء الـفـرنـسـيـة حـول إعـلام الأمـيـرة فـاضـلـة بـمـقـتـل خـطـيـبـهـا. هـل أعـلـمـوهـا بـه بـعـد سـاعـة مـن وقـوعـه أي في الـعـاشـرة مـن صـبـاح يـوم الإثـنـيـن أم بـعـد ثـلاثـة أيّـام، أي في يـوم الـخـمـيـس ؟ وحـول بـقـاء الأمـيـرة فـاضـلـة في مـدرسـتـهـا بـعـد ذلـك أو عـودتـهـا إلى تـركـيـا، وحـول قـصـر الـعـائـلـة الـمـلـكـيـة. وصـحـيـح أنّ Stanwell  تـقـع في الـ  Surrey ، ولـكـنّ هـل الـمـقـصـود بـه هـو الـقـصـر الّـذي كـان الـوصي عـبـد الإلـه قـد اشـتـراه لـلـعـائـلـة الـمـلـكـيـة أم داراً كـبـيـرة وسـط “بـارك” واسـع اشـتـراه الـسّـفـيـر الـعـراقي لـيـلـتـقي الـمـلـك فـيـصـل بـخـطـيـبـتـه ؟ ويـبـدو أنّ مـعـلـومـات مـجـلّـة بـاري مـاتـش الـبـاريـسـيـة هي الـخـاطـئـة.

كـمـا نـشـرت مـجـلّـة لايـف Life الأمـريـكـيـة مـقـالاً في 28 تـمّـوز 1958 وضـعـت فـيـه صـورة لـفـاضـلـة :

Fazilet

مـاذا نـعـرف عـن الأمـيـرة فـاضـلـة ؟

 

فـاضـلـة Fazilet (أو فـضـيـلـة كـمـا يـكـتـب اسـمـهـا في كـثـيـر مـن الـمـنـشـورات في أيّـامـنـا هـذه)، واسـمـهـا الـكـامـل صـبـيـحـة فـاضـلـة هـانـم سـلـطـان، الإبـنـة الـوحـيـدة لـلأمـيـر مـحـمّـد عـلي بـن مـحّـمـد بـن وحـيـد الّـديـن بـن إبـراهـيـم بـن أحـمـد بـن رفـعـت بـن إبـراهـيـم بـن مـحـمّـد عـلي بـاشـا مـصـر الـكـبـيـر.  وقـد كـان والـدهـا إذن ابـن عـمّ الـمـلـك فـاروق. أمّـا والـدتـهـا فـقـد كـانـت زهـراء خـان زادة Hanzadé سـلـطـان، ابـنـة الأمـيـر عـمـر فـاروق بـن عـبـد الـمـجـيـد الـثّـاني، آخـر خـلـفـاء الـعـثـمـانـيـيـن.

وقـد ولـدت فـاضـلـة في بـاريـس سـنـة 1941.

Fazilet 7

ويـبـدو أنّـهـا تـزوّجـت بـعـد وفـاة الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني بـمـهـنـدس، وأنـجـبـت مـنـه ولـديـن، وأنّـهـا عـمـلـت في ثـمـانـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي في مـنـظـمـة الـيـونـسـكـو.

 

مـقـال مـجـلّـة بـاري مـاتـش  Paris Match الـبـاريـسـيـة عـن الـمـلـك فـيـصـل :

والـمـقـال الّـذي نـشـر في نـفـس عـدد يـوم الـسّـبـت 26 تـمّـوز 1958  ابـتـداءً مـن صـفـحـة 32 عـن “الـمـلـك الـشّـاب يـسـبـح في دمـائـه” يـبـدأ بـمـقـطـع طـبـع بـحـروف ثـخـيـنـة :

“في الـسّـاعـة الـتّـاسـعـة مـن صـبـاح 14 تـمّـوز كـان مـسـؤولـون يـرتـدون الـمـلابـس الأوربـيـة يـنـتـظـرون في مـطـار إسـطـنـبـول وصـول طـائـرة الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني الّـذي سـيـحـضـر مـؤتـمـراً لـلـدّول الـمـشـاركـة في حـلـف بـغـداد. ولـكـنّ الـطـائـرة لـم تـصـل أبـداً. وفي الـسّـاعـة الـتّـاسـعـة وعـشـريـن دقـيـقـة سـمـع الـعـالـم بـأنّ ثـورة انـفـجـرت في الـعـراق، ولـم يـسـتـطـع الـمـلـك الّـذي كـان في الـثّـالـثـة والـعـشـريـن مـن عـمـره أن يـغـادر بـلـده”.

وفـوق الـتّـعـلـيـق صـورة كـتـب تـحـتـهـا : “رمي جـنـود الـحـرس أسـلـحـتـهـم أمـام الـقـصـر الـمـلـكي وهـربـوا”، والـصّـورة تـظـهـر في الـحـقـيـقـة الـمـقـبـرة الـمـلـكـيـة!

Fazilet 005 (605x640)

ونـرى عـلى الـصّـفـحـة الـمـقـابـلـة صـورة بـالألـوان في أسـفـل يـسـارهـا تـعـلـيـق بـحـروف بـيـضـاء عـلى الـخـلـفـيـة الـغـامـقـة :

20 05 2017 009 (617x640)

“الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني في مـكـتـبـه في الـقـصـر، أمـام تـمـثـال نـصـفي لـجـده فـيـصـل الأوّل، الّـذي نـصـبـه عـلى عـرشـه الـكـولـونـيـل لـورنـس الـشّـديـد الـشّـهـرة. وعـلى حـافـة الـمـدفـأة الـجـداريـة صـور : تـشـانـغ كـاي شـك  Tchang Kaï-chek، ومـلـك الـبـاكـسـتـان مـرزا Mirza، وفـيـلـيـب وإلـيـزابـيـث”.

وعـلـيـنـا أن نـضـيـف عـلى مـعـلـومـات الـمـقـطـع تـصـحـيـحـيـن : الأوّل هـو أنّ الـكـولـونـيـل لـورنـس كـان لـه دور في دفـع الـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة وأولاده، ومـن بـيـنـهـم فـيـصـل لإطـلاق “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى” عـام 1916 ، ولـكـن لـم يـكـن لـه عـلاقـة بـارتـقـاء فـيـصـل عـلى عـرش الـعـراق عـام 1921، والـثّـاني أنّ الـصّـورة لا تـظـهـر إلّا جـانـبـاً مـن مـكـتـب الـمـلـك الّـذي كـان فـيـه أيـضـاً أعـداد مـن صـور رؤسـاء الـدّول الآخـريـن، أهـدوهـا لـه ضـمـن عـلاقـاتـهـم الـدّبـلـومـاسـيـة مـعـه.

ونـجـد في صـفـحـتي 34 و 35 صـوراً عـن الـعـراق وعـنـوانـاً بـحـروف ضـخـمـة : “سـقـوط فـيـصـل واشـتـعـال الـعـراق سـيـخـلّان بـتـوازن سـوق الـنّـفـط الـعـالـمي”، ونـصّـاً بـحـروف ثـخـيـنـة :

“يـحـتـلّ الـعـراق مـكـانـة مـهـمّـة في نـفـط الـشّـرق الأوسـط الّـذي يـمـثـل 60 بـالـمـائـة مـن مـخـزون الـنّـفـط في الـعـالـم. وإذا سـقـط هـذا الـمـخـزون، الّـذي يـمـدّ فـرنـسـا بـثـلـث احـتـيـاجـاتـهـا، بـيـدي جـمـال عـبـد الـنّـاصـر فـسـيـخـتـلّ تـوازن سـوق الـنّـفـط الـعـالـمي، وبـهـذا سـيـخـتـلّ الـتّـوازن الّـذي يـجـهـد الـجـمـيـع بـالـمـحـافـظـة عـلـيـه بـيـن الـشّـرق والـغـرب. ولـهـذا يـعـمـل الـغـرب عـلى إيـقـاف الإضـطـرابـات الـسّـيـاسـيـة في الـشّـرق الأوسـط. وفي قـلـب مـصـادر نـفـطـنـا نـجـد الـعـراق بـآبـار كـركـوك والـمـوصـل والـبـصـرة وأنـابـيـبـه الّـتي تـوصـل الـنّـفـط إلى مـوانئ سـوريـا مـن جـهـة وإلى الـخـلـيـج مـن الـجـهـة الأخـرى”.

ونـلاحـظ أنّ خـوف الـغـرب مـن جـمـال عـبـد الـنّـاصـر في تـلـك الـسّـنـوات دفـعـتـه إلى الإعـتـقـاد بـأنّ عـبـد الـنّـاصـر كـان وراء ثـورة 14 تـمّـوز في الـعـراق.

ووضـعـت الـمـجـلّـة في صـفـحـتي 36 و37 خـارطـة واسـعـة لـمـصـادر الـنّـفـط في الـشّـرقـيـن الأدنى والأوسـط ونـسـب اسـتـهـلاك الـبـلـدان الـغـربـيـة لـه.

ونـرى في الـصّـفـحـة 38 أربـع صـور تـحـيـط عـنـوانـاً ضـخـمـاً : “كـان سـيّـد الـنّـفـط مـخـلـصـاً لإنـكـلـتـرة الّـتي قـضى فـيـهـا سـنـوات مـراهـقـتـه”.

الـصّـورة الأولى لـفـيـصـل وابـن عـمّـه حـسـيـن : “في كـلـيـة هـارو Harrow، أصـبـح أحـدهـمـا مـلـكـاً عـلى الـعـراق والآخـر مـلـكـاً عـلى الأردن” :

Fazilet 006 (442x640)

والـثّـانـيـة لـفـيـصـل وإلـيـزابـيـث الـثّـانـيـة : “الـمـلـكـة تـسـتـقـبـل فـيـصـل في لـنـدن عـام 1956” (5)

Fazilet 007 (379x640)

والـثّـالـثـة مـع مـدرّبـه في الـمـلاكـمـة : “كـان الـمـلـك الـشّـاب، الّـذي تـربّى عـلى الـطّـريـقـة الإنـكـلـيـزيـة، ريـاضـيـاً مـتـحـمّـسـاً” :

Fazilet 008 (640x475)

والـصّـورة الـرّابـعـة لـفـيـصـل مـع حـسـن بـن مـحـمّـد الـخـامـس والّـذي أصـبـح بـعـد ذلـك مـلـك الـمـغـرب بـاسـم الـحـسـن الـثّـاني :

“في عـام 1955، يـسـبـح في Eden Roc عـلى الـرّيـفـيـرا  La côte d’Azur (جـنـوب فـرنـسـا) بـصـحـبـة الأمـيـر مـولاي حـسـن” :

Fazilet 009 (640x581)

ونـرى في الـصّـفـحـة الـمـقـابـلـة صـورة واسـعـة كـتـب في أسـفـلـهـا بـحـروف بـيـضـاء عـلى الـخـلـفـيـة الـغـامـقـة :

“تـحـت خـيـمـتـه في وسـط الـصّـحـراء، كـان الـشّـاب الـغـربي (أي الّـذي تـلـقى تـربـيـة غـربـيـة) والّـذي أصـبـح مـلـكـاً و عـسـكـريـاً يـرغـب في تـوثـيـق عـلاقـاتـه بـشـيـوخ الـنّـفـط الـعـرب الإقـطـاعـيـيـن. ونـراه هـنـا يـسـتـقـبـل الـمـلـك ابـن سـعـود” :

Fazilet 010 (465x640)

وأكـرر في نـهـايـة مـقـالي أنـني لـم أتـرجـم نـصـوص هـذه الـمـجـلّات لـقـيـمـتـهـا الـعـلـمـيـة ولا لـحـقـيـقـتـهـا الـتّـاريـخـيـة، ولـكـن لـنـعـرف كـيـف تـلـقى الـغـربـيـون مـا حـدث في بـلـدنـا.

ــــــــــــــــــ

(1)  كـان أبـولـون  Απολλων  في الـمـيـثـولـوجـيـا الإغـريـقـيـة  إلـه الـنّـور والـجـمـال والـفـنّـون.

(2)  يـلاحـظ الـقـارئ أن كـاتـب الـمـقـال حـوّل الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني إلى سـلـطـان مـن سـلاطـيـن “ألـف لـيـلـة ولـيـلـة” يـغـيّـر امـرأة كـلّ لـيـلـة تـقـريـبـاً !

(3) كـان عـلي جـودت الأيـوبي رئـيـس وزراء الـعـراق في 1957.

(4) لـفـت الأسـتـاذ أحـمـد رؤوف انـتـبـاهي إلى أنّ هـذا الـقـصـر أصـبـح بـعـد ذلـك “الـقـصـر الـجـمـهـوري” في مـنـطـقـة كـرّادة مـريـم، والّـذي لـم يـسـتـعـمـلـه عـبـد الـكـريـم قـاسـم وإنّـمـا اتـخـذ مـن وزارة الـدّفـاع الـقـديـمـة مـقـرّاً لـلـحـكـم.

(5) قـام الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني بـأول زيـارة رسـمـيـة إلى إنـكـلـتـرة بـيـن 16 و19 تـمّـوز 1956.