خـطـيـبـة الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

وجـدت قـبـل عـدّة سـنـوات عـنـد بـائـع كـتـب قـديـمـة عـدداً مـن مـجـلّـة بـاريـس مـاتـش (تـلـفـظ بـاري مـاتـش) Paris Match صـدر يـوم الـسّـبـت 26 تـمّـوز 1958.

ورغـم أنـني لا أقـرأ اعـتـيـاديـاً هـذ الـنّـوع مـن الـمـجـلّات الـمـصـورة، خـاصـة وأنّـهـا مـن الـمـجـلّات الـمـعـروفـة بـمـعـاداتـهـا لـقـضـايـانـا، إلّا أنـني اشـتـريـت هـذا الـعـدد الـقـديـم فـقـد كـان فـيـه مـقـال عـن الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني وآخـر عـن خـطـيـبـتـه، وصـور كـثـيـرة تـصـاحـبـهـمـا.

وقـد تـرجـمـت الـمـقـالـيـن ولـكـنّي تـركـتـهـمـا مـع الـمـجـلّـة في أحـد مـلـفّـاتي لـصـعـوبـة نـشـرهـمـا ورقـيـاً مـع الـصـور في ذلـك الـحـيـن. وفـتـحـت الـمـلـف بـالـصّـدفـة في الأسـبـوع الـمـاضي ووجـدت الـمـجـلّـة وتـرجـمـتي لـلـمـقـالـيـن، فـقـررت أن أنـشـر عـنـهـا هـذا الـعـرض.

غـلاف الـمـجـلّـة :

Paris match 485 (238x317)

نـقـرأ عـلى غـلاف مـجـلّـة “بـاري مـاتـش” الـبـاريـسـيـة الّـذي صـدر بـعـد اثـني عـشـر يـومـاً عـلى ثـورة 14 تـمّـوز في الـعـراق :

“بـيـروت، عـمّـان، بـغـداد، مـراسـلـونـا عـلى جـبـهـة الـشّـرق الأوسـط”،

ثـمّ تـحـتـه بـحـروف بـيـضـاء عـلى خـلـفـيـة سـوداء : “كـان يـنـبـغي أن تـتـزوّج الأمـيـرة الـصّـغـيـرة فـاضـلـة Fazilet بـفـيـصـل، مـلـك الـعـراق في شـهـر تـشـريـن الأوّل، ولـكـنّـهـم أُخـبـروهـا بـمـوتـه في غـرفـتـهـا في الـمـعـهـد الإنـكـلـيـزي الّـذي تـدرس فـيـه. وعـلى جـدار الـغـرفـة صـورة خـطـيـبـهـا”.

تـلـمـيـذة في مـعـهـد أسـكـوت :

ونـقـرأ في الـصـفـحـتـيـن 12 و 13 مـقـالاً عـنـوانـه : “في الـقـسـم الـدّاخـلي لـمـعـهـد أسـكـوت Ascot، فـاضـلـة الـرّائـعـة الـجـمـال تـبـكي خـطـيـبـهـا الـمـقـتـول”.

ثـمّ طـبـع مـا تـحـت الـعـنـوان بـالـحـروف الـثّـخـيـنـة : “في مـدرسـة عـلـيـا         high school راقـيـة، كـانـت فـاضـلـة تـتـهـيـأ لـلـزّواج بـمـلـك في الـثّـالـثـة والـعـشـريـن مـن عـمـره : فـيـصـل، مـلـك الـعـراق. وكـانـت في قـاعـة الـدّرس عـنـدمـا أخـبـروهـا بـانـدلاع ثـورة في بـغـداد وبـمـوت مـلـكـهـا. وكـانـت سـتـصـبـح مـلـكـة في تـشـريـن الأوّل”.

ويـبـدأ الـمـقـال (الّـذي أتـرجـمـه كـمـا هـو، مـن غـيـر تـغـيـيـر أسـلـوبـه ولا الـتّـدخـل في مـحـتـواه) والّـذي كـان الـهـدف مـنـه إثـارة فـضـول الـقـارئـات لـشـراء الـمـجـلّـة:

“أسـكـوت. طـبـيـعـة مـغـطـاة بـالـعـشـب الأخـضـر، عـلى بـعـد ثـلاثـة كـيـلـومـتـرات مـن مـيـدان سـبـاق الـخـيـل الـمـشـهـور. وفي أعـمـاق أشـجـار الـصّـنـوبـر الّـتي تـخـفـيـهـا تـنـتـصـب بـنـايـة تـامّـة الـبـيـاض : “Heathfield School”. مـدرسـة بـقـسـم داخـلي لـلـفـتـيـات، فـيـهـا 107 تـلـمـيـذات، و15 مُـدرّسـة وأربـع سـاحـات لـمـمـارسـة الـتّـنـس، وتـكـالـيـفـهـا 150 جـنـيـه ذهـب لـلـفـصـل الـدّراسي الـواحـد.

Fazilet 002 (521x640)

يـوم الإثـنـيـن 14 تـمّـوز، وكـكـلّ صـبـاح يـقـرع الـنّـاقـوس لـيـوقـظ الـفـتـيـات ويـنـهي أحـلامـهـنّ في الـسّـاعـة الـسّـابـعـة والـنّـصـف. ولـكـن هـل هـنـاك نـاقـوس في الـدّنـيـا يـسـتـطـيـع أن يـقـتـل حـلـم فـاضـلـة إبـراهـيـم Fazilet Ibrahim   ؟

وكـانـت فـاضـلـة في صـف الـمـس كـاثـلـيـن دودس، الّـتي كـانـت مـديـرة الـمـعـهـد أيـضـاً. ولا يـحـتـوي هـذا الـصّـف إلّا عـلى ثـمـاني تـلـمـيـذات.

وفـاضـلـة ابـنـة الأمـيـر مـحـمّـد عـلي إبـراهـيـم، ابـن عـم فـاروق، مـلـك مـصـر، وابـنـة الأمـيـرة خـان زادة حـفـيـدة آخـر سـلاطـيـن الـعـثـمـانـيـيـن (يـذكـر الـمـقـال أنّـهـا ابـنـتـه !) لا تـكـتـفي بـجـمـالـهـا، وإنّـمـا كـانـت تـريـد أن تـحـقـق، بـسـنـواتـهـا الـسّـبـعـة عـشـرة وخـضـرة عـيـنـيـهـا مـا سـتـكـتـمـل بـه دراسـتـهـا في Heathfield School : أن تـتـزوّج بـمـلـك، وهـو فـيـصـل مـلـك الـعـراق والـنّـفـط.

وأمـام نـافـذتـهـا الـمـفـتـوحـة عـلى نـسـيـم الـرّيـف الإنـكـلـيـزي وعـلى عـطـور الـعـطـلـة الـمـقـبـلـة، كـانـت فـاضـلـة تـمـشـط شـعـرهـا الـبـنّي، الـذّهـبي الإنـعـكـاسـات في أشـعـة شـمـس الـصّـبـاح. وكـانـت تـجـهـل أنّ عـلى بـعـد خـمـسـة آلاف كـلـم. في بـغـداد الـشّـديـدة الـقـرب مـن قـلـبـهـا، والّـتي ارتـفـعـت الـشـمـس عـالـيـة في سـمـائـهـا الآن، كـانـت الـمـآذن الـمـغـطـاة بـالـقـاشـاني الأزرق تـهـتـزّ بـهـديـر جـمـوع الـرّعـاع الـمـتـدافـعـة.

الـسّـاعـة الـثّـامـنـة. في قـاعـة الأكـل في Heathfield School، حـول pudding ضـخـم الـحـجـم، كـانـت الـفـتـيـات يـتـكـلّـمـن عـن مـشـاريـعـهـنّ بـاقـتـراب الـعـطـلـة، وتـعـطي الـواحـدة مـنـهـنّ لـلأخـرى عـنـوانـهـا وصـورهـا. وكـان عـلى فـاضـلـة، أن تـريـهـنّ مـن جـديـد صـورة تـتـأمّـلـهـا كـلّ واحـدة مـنـهـنّ قـبـل أن تـعـطـيـهـا لـجـارتـهـا، إلـتـقـطـت في مـديـنـة كـان (في جـنـوب فـرنـسـا) في الـعـام الـسّـابـق : نـراهـا “مـعـه” يـمـارسـان الـتّـزلّـج عـلى الـمـاء. كـانـت تـلـك صـورتـهـا الـمـفـضّـلـة. كـان فـيـصـل بـجـانـبـهـا  كـأبـولـو ــ مـلـك (1)، عـلى ابـتـسـامـتـه مـسـحـة مـن الـمـرارة، وتـتـطـايـر خـصـلات شـعـره الأسـود في الـرّيـح.

ومـا أن أبـصـرت بـه يـنـزل مـن يـخـتـه الـنّـاصـع الـبـيـاض الـمـسـمى بـالـمـلـكـة عـالـيـة The Queen Alia، حـتّى أغـرمـت فـاضـلـة بـهـذا الـرّجـل الـقـصـيـر الـقـامـة الـمـفـتـول الـعـضـلات والـمـلئ بـالـحـيـويـة، والّـذي كـان يـحـبّ كـلّ مـا تـحـبّـه هي : الـشّـمـس والـبـحـر والـمـيـكـانـيـك والـجـمـال.

ولـم تـكـن فـاضـلـة تـهـتـمّ بـمـا حـدث قـبـل ذلـك مـن عـلاقـات الـمـلـك الـغـرامـيـة : فـقـد قـضى شـهـر نـيـسـان بـصـحـبـة شـاهـنـاز  Shahnaz، بـنـت مـلـك الـفـرس، وشـهـر تـمّـوز مـع حـزيـمـة  Hazaïma،إحـدى بـنـات عـمّـه الـهـاشـمـيـات، وشـهـر آب بـصـحـبـة فـريـال، بـنـت الـمـلـك فـاروق، وشـهـر تـشـريـن الـثّـاني مـع لالا عـائـشـة  Lalla Aïcha، بـنـت مـلـك الـمـغـرب (2). مـا كـانـت تـرغـب بـه فـاضـلـة هـو أن تـكـون الأخـيـرة (أي الّـتي سـيـبـقى مـعـهـا إلى آخـر حـيـاتـه).

وقـالـت الـفـتـيـات : “مـا أجـمـلـه !”. وتـضـاحـكـن حـول الـ  pudding. وفي نـفـس الـلـحـظـة، في عـاصـمـتـه الـمـشـتـعـلـة، عـمّـر فـيـصـل مـسـدسـه.

كـان ذلـك آخـر امـتـحـانـات الـسّـنـة الـدّراسـيـة : كـتـابـة مـقـالـة في مـوضـوع تـاريـخي. ووضـعـت فـاضـلـة حـول خـنـصـرهـا اسـتـثـنـائـيـاً خـاتـم الـخـطـوبـة، لـيـجـلـب لـهـا الـحـظ.

Fazilet 001 (712x800)

وعـادت إلى ذاكـرتـهـا أحـداث يـوم 16 أيـلـول 1957 في يـنـيـكـوي  Yenickoy، قـصـر عـائـلـتـهـا الـصّـيـفي قـرب إسـطـنـبـول، والـمـطـلّ عـلى شـواطئ الـبـوسـفـور. كـانـت تـرتـدي فـسـتـانـاً خـفـيـفـاً أصـفـر الـلـون لـيـمـوني، جـالـسـة بـيـن أمّـهـا وأبـيـهـا في ظـلّ شـجـرة بـلـوط، وتـجـيـب عـلى أسـئـلـة الـصّـحـفـيـيـن.

وكـان رئـيـس الـوزراء الـسّـيـد جـودت (3) بـنـفـسـه قـد جـاء لـيـطـلـب يـدهـا لـلـمـلـك حـامـلاً هـذا الـخـاتـم بـزمـردتـه الـهـائـلـة الـحـجـم.

وسـألـهـا الـصـحـفـيـون : مـتى سـيـعـقـد زواجـكـمـا ؟

ــ في الـخـريـف الـمـقـبـل، أجـابـت الأمّ، وحـتّى ذلـك الـحـيـن سـتـكـمـل فـاضـلـة دراسـتـهـا لـتـسـتـعـدّ لـمـهـنـتـهـا كـمـلـكـة.

أمّـا فـاضـلـة، فـلـم تـسـتـطـع أن تـلـفـظ إلّا أربـع كـلـمـات، مـازالـت تـهـمـس بـهـا لـنـفـسـهـا أمـام ورقـة الإمـتـحـان : “أنـا سـعـيـدة … أنـا سـعـيـدة”.

وفي بـغـداد، في وهـج الـشّـمـس الّـتي تـهـيـج حـتّى الـذّبـاب، سـقـط الـمـلـك الـصـغـيـر الـمـجـعّـد الـشّـعـر تـسـيـل مـنـه الـدّمـاء.

الـسّـاعـة الـعـاشـرة. دخـلـت الـمـس دودس في قـاعـة الـدّرس بـعـد أن اتـصـل بـهـا الـسّـفـيـر الـعـراقي، وهـمـسـت بـكـلـمـات في أذن فـاضـلـة الّـتي لـم تـسـتـطـع ضـبـط دمـوعـهـا.

وعـنـدمـا عـادت إلى غـرفـتـهـا، إرتـمـت فـاضـلـة عـلى سـريـرهـا وانـفـجـرت تـبـكي وفي يـدهـا آخـر رسـائـل فـيـصـل. كـان يـتـكـلّـم فـيـهـا عـن الـقـصـر الّـذي شـيّـده لـهـا عـلى ضـفـة دجـلـة، والّـذي كـلّـف عـشـرة مـلايـيـن بـاونـد : 120 غـرفـة و25 حـمـامـاً و20 نـافـورة تـنـفـث يـومـيـاً  1200 مـتـر مـكـعـب مـن الـمـيـاه في الـحـديـقـة. وعـرشـان جـنـبـاً لـجـنـب. (4)

وكـان يـنـوي أن يـأتي في نـهـايـة الـشّـهـر لـيـصـطـحـبـهـا مـع والـديـهـا في سـفـرة عـبـر بـلـدان أوربـا. وقـد اشـتـرى الـسّـفـيـر الـعـراقي لـذلـك داراً كـبـيـرة وسـط أراضٍ واسـعـة في سـتـانـويـل  Stanwell، قـرب Heathfield School. ووضـع فـيـهـا سـيـارة جـاغـوار تـنـتـظـر وصـولـه.

ونـهـضـت فـاضـلـة فـجـأة، ونـزلـت إلى قـاعـة الـدّرس واسـتـعـادت ورقـة الإمـتـحـان لـتـكـمـلـهـا : “يـنـبـغي أن أكـمـل كـمـا لـو أن شـيـئـاً لـم يـحـدث” قـالـت لـمـس دودس. قـررت أن تـسـتـمـر في تـعـلـيـمـهـا وتـكـمـلـه. ولـكـنّـهـا لـن تـذهـب هـذا الـمـسـاء إلى مـكـتـب الـبـريـد عـلى طـريـق  Maidenhead لـتـرسـل لـه رسـالـتـهـا كـكـلّ يـوم، ولـن يـراهـا زبـائـن الـفـورسـتـر هـوتـيـل تـتـذوّق بـلـذّة كـوب الآيـس كـريـم، ولا تـشـرب عـصـيـر بـرتـقـالـهـا بـعـد أن تـنـتـهي مـن مـمـارسـة لـعـبـة الـتّـنـس.

سـتـدخـل فـاضـلـة هـذا الـمـسـاء في قـاعـة الـمـبـارزات، وسـتـخـتـار سـيـفـاً لـتـتـبـارز بـه في الـحـديـقـة. فـهي تـضـرب بـسـرعـة وبـقـوة لا يـقـاومـهـا في ذلـك مـقـاوم. ولـن يـقـاومـهـا أحـد بـعـد الآن فـقـد كـبـرت فـاضـلـة الـصّـغـيـرة الـرّائـعـة الـجـمـال مـثـلـمـا لا تـكـبـر الـفـتـيـات إلى هـذا الـحـدّ إلّا في  Heathfield School”.

مـجـلّات وجـرائـد أخـرى :

ولـم تـكـن مـجـلّـة “بـاري مـاتـش” الـوحـيـدة الّـتي أسـرعـت بـنـشـر هـذا الـنّـوع مـن الـمـقـالات الـمـثـيـرة، فـقـد نـشـرت مـنـافـسـتـهـا، الـمـجـلّـة الـبـاريـسـيـة الـمـصـورة “أيّـام فـرنـسـا  Jours de France” مـقـالاً عـنـوانـه : “الأسـبـوع الـرّهـيـب الّـذي عـاشـتـه فـاضـلـة، الـخـطـيـبـة الـصّـغـيـرة لـمـلـك الـعـراق”، وصـوراً عـنـهـا هي الأخـرى في نـفـس الـيـوم، الـسّـبـت 26 تـمّـوز 1958، (فـعـطـلـة نـهـايـة الأسـبـوع تـبـدأ يـوم الـسّـبـت وتـسـتـمـر إلى الأحـد، ولـهـذا تـصـدر الـمـجـلّات الـمـصـورة في ذلـك الـيـوم).

Fazilet J. de France

كـمـا نـشـرت كـلّ الـصّـحـف مـقـالات عـنـهـا، لأنّ فـاضـلـة ولـدت في بـاريـس وكـانـت تـتـقـن الـفـرنـسـيـة بـيـن الـلـغـات الّـتي كـانـت تـتـقـنـهـا.

وقـد نـشـرت واحـدة مـن هـذه الـصـحـف : “Nouvelliste Valaisan”  يـوم الإثـنـيـن 21 تـمّـوز مـعـلـومـات أخـذتـهـا عـن مـراسـل وكـالـة الأنـبـاء الـفـرنـسـيـة  A.F.P.  في لـنـدن يـذكـر فـيـه مـا يـلي :

“بـكـت الأمـيـرة فـاضـلـة (عـمـرهـا 17 سـنـة) بـصـحـبـة دوقـة كـنـت          Duchess of Kent، مـقـتـل خـطـيـبـهـا فـيـصـل، مـلـك الـعـراق، وقـررت أن تـتـرك إنـكـلـتـرة حـيـث تـكـمـل دراسـتـهـا في مـعـهـد  Heathfield School الـرّاقي، قـرب أسـكـوت  Ascot، وتـعـود إلى تـركـيـا هـذا الأسـبـوع. وقـد أبـلـغـهـا سـفـيـر الـعـراق في لـنـدن في الـخـمـيـس الـمـاضي أنّ كـلّ أمـل قـد ضـاع وانـتـهى. وقـد طـلـبـت خـاتـم خـطـبـتـهـا بـزمـردتـه الـضّـخـمـة، والّـذي كـان مـحـفـوظـاً في صـنـدوق مـصـفـح في الـمـعـهـد، ووضـعـته حـول بـنـصـرهـا. ولـم يـرهـا أحـد بـعـد ذلـك، فـقـد أغـلـقـت عـلـيـهـا بـاب غـرفـتـهـا. […] وكـان يـنـبـغي أن تـلـتـقي فـاضـلـة بـخـطـيـبـهـا في عـطـلـة نـهـايـة هـذا الأسـبـوع، فـقـد كـان الـمـلـك فـيـصـل يـنـوي أن يـمـرّ بـإنـكـلـتـرة، بـعـد انـتـهـاء اجـتـمـاعـات حـلـف بـغـداد في إسـطـنـبـول. وكـان في الـنّـيـة أعـداد وجـبـة عـشـاء لـعـشـريـن مـدعـوّاً في الـقـصـر الّـذي تـمـتـلـكـه الـعـائـلـة الـمـلـكـيـة الـعـراقـيـة في مـقـاطـعـة Surrey جـنـوب لـنـدن، ولـكـنّ الـنّـوافـذ ظـلّـت مـغـلـقـة”.

ونـلاحـظ اخـتـلافـات بـيـن مـعـلـومـات مـجـلّـة بـاري مـاتـش وبـيـن مـراسـل وكـالـة الأنـبـاء الـفـرنـسـيـة حـول إعـلام الأمـيـرة فـاضـلـة بـمـقـتـل خـطـيـبـهـا. هـل أعـلـمـوهـا بـه بـعـد سـاعـة مـن وقـوعـه أي في الـعـاشـرة مـن صـبـاح يـوم الإثـنـيـن أم بـعـد ثـلاثـة أيّـام، أي في يـوم الـخـمـيـس ؟ وحـول بـقـاء الأمـيـرة فـاضـلـة في مـدرسـتـهـا بـعـد ذلـك أو عـودتـهـا إلى تـركـيـا، وحـول قـصـر الـعـائـلـة الـمـلـكـيـة. وصـحـيـح أنّ Stanwell  تـقـع في الـ  Surrey ، ولـكـنّ هـل الـمـقـصـود بـه هـو الـقـصـر الّـذي كـان الـوصي عـبـد الإلـه قـد اشـتـراه لـلـعـائـلـة الـمـلـكـيـة أم داراً كـبـيـرة وسـط “بـارك” واسـع اشـتـراه الـسّـفـيـر الـعـراقي لـيـلـتـقي الـمـلـك فـيـصـل بـخـطـيـبـتـه ؟ ويـبـدو أنّ مـعـلـومـات مـجـلّـة بـاري مـاتـش الـبـاريـسـيـة هي الـخـاطـئـة.

كـمـا نـشـرت مـجـلّـة لايـف Life الأمـريـكـيـة مـقـالاً في 28 تـمّـوز 1958 وضـعـت فـيـه صـورة لـفـاضـلـة :

Fazilet

مـاذا نـعـرف عـن الأمـيـرة فـاضـلـة ؟

 

فـاضـلـة Fazilet (أو فـضـيـلـة كـمـا يـكـتـب اسـمـهـا في كـثـيـر مـن الـمـنـشـورات في أيّـامـنـا هـذه)، واسـمـهـا الـكـامـل صـبـيـحـة فـاضـلـة هـانـم سـلـطـان، الإبـنـة الـوحـيـدة لـلأمـيـر مـحـمّـد عـلي بـن مـحّـمـد بـن وحـيـد الّـديـن بـن إبـراهـيـم بـن أحـمـد بـن رفـعـت بـن إبـراهـيـم بـن مـحـمّـد عـلي بـاشـا مـصـر الـكـبـيـر.  وقـد كـان والـدهـا إذن ابـن عـمّ الـمـلـك فـاروق. أمّـا والـدتـهـا فـقـد كـانـت زهـراء خـان زادة Hanzadé سـلـطـان، ابـنـة الأمـيـر عـمـر فـاروق بـن عـبـد الـمـجـيـد الـثّـاني، آخـر خـلـفـاء الـعـثـمـانـيـيـن.

وقـد ولـدت فـاضـلـة في بـاريـس سـنـة 1941.

Fazilet 7

ويـبـدو أنّـهـا تـزوّجـت بـعـد وفـاة الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني بـمـهـنـدس، وأنـجـبـت مـنـه ولـديـن، وأنّـهـا عـمـلـت في ثـمـانـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي في مـنـظـمـة الـيـونـسـكـو.

 

مـقـال مـجـلّـة بـاري مـاتـش  Paris Match الـبـاريـسـيـة عـن الـمـلـك فـيـصـل :

والـمـقـال الّـذي نـشـر في نـفـس عـدد يـوم الـسّـبـت 26 تـمّـوز 1958  ابـتـداءً مـن صـفـحـة 32 عـن “الـمـلـك الـشّـاب يـسـبـح في دمـائـه” يـبـدأ بـمـقـطـع طـبـع بـحـروف ثـخـيـنـة :

“في الـسّـاعـة الـتّـاسـعـة مـن صـبـاح 14 تـمّـوز كـان مـسـؤولـون يـرتـدون الـمـلابـس الأوربـيـة يـنـتـظـرون في مـطـار إسـطـنـبـول وصـول طـائـرة الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني الّـذي سـيـحـضـر مـؤتـمـراً لـلـدّول الـمـشـاركـة في حـلـف بـغـداد. ولـكـنّ الـطـائـرة لـم تـصـل أبـداً. وفي الـسّـاعـة الـتّـاسـعـة وعـشـريـن دقـيـقـة سـمـع الـعـالـم بـأنّ ثـورة انـفـجـرت في الـعـراق، ولـم يـسـتـطـع الـمـلـك الّـذي كـان في الـثّـالـثـة والـعـشـريـن مـن عـمـره أن يـغـادر بـلـده”.

وفـوق الـتّـعـلـيـق صـورة كـتـب تـحـتـهـا : “رمي جـنـود الـحـرس أسـلـحـتـهـم أمـام الـقـصـر الـمـلـكي وهـربـوا”، والـصّـورة تـظـهـر في الـحـقـيـقـة الـمـقـبـرة الـمـلـكـيـة!

Fazilet 005 (605x640)

ونـرى عـلى الـصّـفـحـة الـمـقـابـلـة صـورة بـالألـوان في أسـفـل يـسـارهـا تـعـلـيـق بـحـروف بـيـضـاء عـلى الـخـلـفـيـة الـغـامـقـة :

20 05 2017 009 (617x640)

“الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني في مـكـتـبـه في الـقـصـر، أمـام تـمـثـال نـصـفي لـجـده فـيـصـل الأوّل، الّـذي نـصـبـه عـلى عـرشـه الـكـولـونـيـل لـورنـس الـشّـديـد الـشّـهـرة. وعـلى حـافـة الـمـدفـأة الـجـداريـة صـور : تـشـانـغ كـاي شـك  Tchang Kaï-chek، ومـلـك الـبـاكـسـتـان مـرزا Mirza، وفـيـلـيـب وإلـيـزابـيـث”.

وعـلـيـنـا أن نـضـيـف عـلى مـعـلـومـات الـمـقـطـع تـصـحـيـحـيـن : الأوّل هـو أنّ الـكـولـونـيـل لـورنـس كـان لـه دور في دفـع الـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة وأولاده، ومـن بـيـنـهـم فـيـصـل لإطـلاق “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى” عـام 1916 ، ولـكـن لـم يـكـن لـه عـلاقـة بـارتـقـاء فـيـصـل عـلى عـرش الـعـراق عـام 1921، والـثّـاني أنّ الـصّـورة لا تـظـهـر إلّا جـانـبـاً مـن مـكـتـب الـمـلـك الّـذي كـان فـيـه أيـضـاً أعـداد مـن صـور رؤسـاء الـدّول الآخـريـن، أهـدوهـا لـه ضـمـن عـلاقـاتـهـم الـدّبـلـومـاسـيـة مـعـه.

ونـجـد في صـفـحـتي 34 و 35 صـوراً عـن الـعـراق وعـنـوانـاً بـحـروف ضـخـمـة : “سـقـوط فـيـصـل واشـتـعـال الـعـراق سـيـخـلّان بـتـوازن سـوق الـنّـفـط الـعـالـمي”، ونـصّـاً بـحـروف ثـخـيـنـة :

“يـحـتـلّ الـعـراق مـكـانـة مـهـمّـة في نـفـط الـشّـرق الأوسـط الّـذي يـمـثـل 60 بـالـمـائـة مـن مـخـزون الـنّـفـط في الـعـالـم. وإذا سـقـط هـذا الـمـخـزون، الّـذي يـمـدّ فـرنـسـا بـثـلـث احـتـيـاجـاتـهـا، بـيـدي جـمـال عـبـد الـنّـاصـر فـسـيـخـتـلّ تـوازن سـوق الـنّـفـط الـعـالـمي، وبـهـذا سـيـخـتـلّ الـتّـوازن الّـذي يـجـهـد الـجـمـيـع بـالـمـحـافـظـة عـلـيـه بـيـن الـشّـرق والـغـرب. ولـهـذا يـعـمـل الـغـرب عـلى إيـقـاف الإضـطـرابـات الـسّـيـاسـيـة في الـشّـرق الأوسـط. وفي قـلـب مـصـادر نـفـطـنـا نـجـد الـعـراق بـآبـار كـركـوك والـمـوصـل والـبـصـرة وأنـابـيـبـه الّـتي تـوصـل الـنّـفـط إلى مـوانئ سـوريـا مـن جـهـة وإلى الـخـلـيـج مـن الـجـهـة الأخـرى”.

ونـلاحـظ أنّ خـوف الـغـرب مـن جـمـال عـبـد الـنّـاصـر في تـلـك الـسّـنـوات دفـعـتـه إلى الإعـتـقـاد بـأنّ عـبـد الـنّـاصـر كـان وراء ثـورة 14 تـمّـوز في الـعـراق.

ووضـعـت الـمـجـلّـة في صـفـحـتي 36 و37 خـارطـة واسـعـة لـمـصـادر الـنّـفـط في الـشّـرقـيـن الأدنى والأوسـط ونـسـب اسـتـهـلاك الـبـلـدان الـغـربـيـة لـه.

ونـرى في الـصّـفـحـة 38 أربـع صـور تـحـيـط عـنـوانـاً ضـخـمـاً : “كـان سـيّـد الـنّـفـط مـخـلـصـاً لإنـكـلـتـرة الّـتي قـضى فـيـهـا سـنـوات مـراهـقـتـه”.

الـصّـورة الأولى لـفـيـصـل وابـن عـمّـه حـسـيـن : “في كـلـيـة هـارو Harrow، أصـبـح أحـدهـمـا مـلـكـاً عـلى الـعـراق والآخـر مـلـكـاً عـلى الأردن” :

Fazilet 006 (442x640)

والـثّـانـيـة لـفـيـصـل وإلـيـزابـيـث الـثّـانـيـة : “الـمـلـكـة تـسـتـقـبـل فـيـصـل في لـنـدن عـام 1956” (5)

Fazilet 007 (379x640)

والـثّـالـثـة مـع مـدرّبـه في الـمـلاكـمـة : “كـان الـمـلـك الـشّـاب، الّـذي تـربّى عـلى الـطّـريـقـة الإنـكـلـيـزيـة، ريـاضـيـاً مـتـحـمّـسـاً” :

Fazilet 008 (640x475)

والـصّـورة الـرّابـعـة لـفـيـصـل مـع حـسـن بـن مـحـمّـد الـخـامـس والّـذي أصـبـح بـعـد ذلـك مـلـك الـمـغـرب بـاسـم الـحـسـن الـثّـاني :

“في عـام 1955، يـسـبـح في Eden Roc عـلى الـرّيـفـيـرا  La côte d’Azur (جـنـوب فـرنـسـا) بـصـحـبـة الأمـيـر مـولاي حـسـن” :

Fazilet 009 (640x581)

ونـرى في الـصّـفـحـة الـمـقـابـلـة صـورة واسـعـة كـتـب في أسـفـلـهـا بـحـروف بـيـضـاء عـلى الـخـلـفـيـة الـغـامـقـة :

“تـحـت خـيـمـتـه في وسـط الـصّـحـراء، كـان الـشّـاب الـغـربي (أي الّـذي تـلـقى تـربـيـة غـربـيـة) والّـذي أصـبـح مـلـكـاً و عـسـكـريـاً يـرغـب في تـوثـيـق عـلاقـاتـه بـشـيـوخ الـنّـفـط الـعـرب الإقـطـاعـيـيـن. ونـراه هـنـا يـسـتـقـبـل الـمـلـك ابـن سـعـود” :

Fazilet 010 (465x640)

وأكـرر في نـهـايـة مـقـالي أنـني لـم أتـرجـم نـصـوص هـذه الـمـجـلّات لـقـيـمـتـهـا الـعـلـمـيـة ولا لـحـقـيـقـتـهـا الـتّـاريـخـيـة، ولـكـن لـنـعـرف كـيـف تـلـقى الـغـربـيـون مـا حـدث في بـلـدنـا.

ــــــــــــــــــ

(1)  كـان أبـولـون  Απολλων  في الـمـيـثـولـوجـيـا الإغـريـقـيـة  إلـه الـنّـور والـجـمـال والـفـنّـون.

(2)  يـلاحـظ الـقـارئ أن كـاتـب الـمـقـال حـوّل الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني إلى سـلـطـان مـن سـلاطـيـن “ألـف لـيـلـة ولـيـلـة” يـغـيّـر امـرأة كـلّ لـيـلـة تـقـريـبـاً !

(3) كـان عـلي جـودت الأيـوبي رئـيـس وزراء الـعـراق في 1957.

(4) لـفـت الأسـتـاذ أحـمـد رؤوف انـتـبـاهي إلى أنّ هـذا الـقـصـر أصـبـح بـعـد ذلـك “الـقـصـر الـجـمـهـوري” في مـنـطـقـة كـرّادة مـريـم، والّـذي لـم يـسـتـعـمـلـه عـبـد الـكـريـم قـاسـم وإنّـمـا اتـخـذ مـن وزارة الـدّفـاع الـقـديـمـة مـقـرّاً لـلـحـكـم.

(5) قـام الـمـلـك فـيـصـل الـثّـاني بـأول زيـارة رسـمـيـة إلى إنـكـلـتـرة بـيـن 16 و19 تـمّـوز 1956.

 

 

 

 

 

 

 

 

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s