الـعـراق في صـور وكـالـة رول Rol

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

 

وكـالـة مـارسـيـل رول لـتـصـويـر الأنـبـاء :

شـارك الـمـصـور الـفـوتـوغـرافي الـفـرنـسي مـارسـيـل رول Marcel ROL  عـام 1903 مـع تـريـسـكـا في إنـشـاء شـركـة تـصـويـر أسـمـيـاهـا : “رول وتـريـسـكـا  Rol & Tresca”. ثـمّ أنـشـأ في بـاريـس في 5 كـانـون الأوّل 1904 “وكـالـة تـصـويـر فـوتـوغـرافي لـلأنـبـاء”  أسـمـاهـا : “مـارسـيـل رول وشـركـاؤه   Marcel Rol & Cie”.

وكـانـت شـركـتـه تـبـعـث مـصـوريـهـا في أنـحـاء الـعـالـم لالـتـقـاط صـور لأهـمّ الأحـداث الّـتي تـجـري فـيـه، وتـبـيـعـهـا بـعـد ذلـك إلى الـجـرائـد والـمـجـلّات الّـتي تـحـتـاجـهـا مـثـل مـجـلـتَي “الـسّـيّـارة   L’Auto” و “الـحـيـاة في الـهـواء الـطّـلـق  La Vie au Grand Air” ومـجـلّات وجـرائـد رائـجـة أخـرى.

وفي نـفـس الـعـام، أنـشـأ الـمـصـور الـفـوتـوغـرافي الـفـرنـسي لـويـس مُـريـس    Louis Meurisse وكـالـة أسـمـاهـا : “وكـالـة سـريـعـة  Agence Rapide”، تـحـوّل اسـمـهـا عـام 1909 إلى “وكـالـة مُـريـس  Agence Meurisse”.

وقـد تـوفي مـارسـيـل رول عـام 1905 في حـادثـة اصـطـدام بـعـد أن الـتـقـط صـوراً لـسـبـاق سـيّـارات.

وفي عـام 1938، إتّـحـدت  وكـالـة رول مـع وكـالـتَـيـن لـلـتـصـويـر: وكـالـة “مُـريـس Meurisse” ووكـالـة « Mondial Photo Presse ». وصـار اسـم الـوكـالـة الـجـديـدة : SAFARA  أي “خـدمـات وكـالات الأنـبـاء الـفـرنـسـيـة والـتّـحـقـيـقـات الـصّـحـفـيـة الـمـوحّـدة  Service des Agences Françaises d’Actualités et de Reportages Associées”.

ومـا زالـت في أرشـيـفـاتـهـا آلاف مـن هـذه الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة الّـتي الـتـقـطـهـا مـصـورو رول ومُـريـس والـوكـالات الأخـرى.

وقـد وجـدت في الـقـسـم الـمـخـصـص لـلـعـراق مـن هـذه الأرشـيـفـات صـوراً كـثـيـرة  بـالأسـود والأبـيـض حـاولـت تـصـنـيـفـهـا حـسـب الأمـاكـن الّـتي الـتـقـطـت فـيـهـا أو حـسـب مـواضـيـعـهـا أو حـسـب الـسّـنـوات الّـتي الـتـقـطـت بـهـا، وهي ولا شـكّ إضـافـة مـهـمّـة إلى مـجـامـيـع الـصّـور الّـتي لـديـنـا عـن تـاريـخ الـعـراق.

وقـد تـركـت جـانـبـاً أعـداداً كـبـيـرة مـن الـصّـور الّـتي الـتـقـطـت خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى لـقـطـعـات الـجـيـش الـبـريـطـاني وأعـوانـه الـهـنـود وصـور أسـلـحـتـه ومـعـداتـه مـمـا نـجـد مـثـلـه في كـلّ مـكـان، واخـتـرت لـكـم ثـلاث مـجـمـوعـات :

صـور بـغـداد :

نـبـدأ هـذا الـقـسـم بـصـورتـيـن لـبـغـداد الـتـقـطـتـا مـن أعـلى بـرج سـاعـة الـقـشـلـة. ونـرى في مـقـدمـتـهـمـا جـزءاً مـن الـسّـراي. إلـتـقـطـت الأولى عـام 1915 :

Bagdad_[vue_générale]_-_[photographie_[...]Agence_Rol_1915

 

والـثّـانـيـة عـام 1923 :

Bagdad_vue_générale_-_[photographie_[...]Agence_Rol 1923

وصـورة أخـرى لـبـغـداد عـام 1916 :

Bagdad_-_[photographie_de_presse]_[...]Agence_Rol_1916

وصـورة لـجـسـر الـقـوارب الـقـديـم عـام 1917 :

Bagdad_[pont_artificiel_britannique_traversant_[...]Agence_Rol_1917

وصـورة سـفـيـنـة بـخـاريـة تـنـقـل أربـع قـاطـرات بـخـاريـة عـلى نـهـر دجـلـة نـحـو بـغـداد، وتـصـاحـبـهـا سـفـيـنـة نـقـل ركـاب 1917 :

En_Mésopotanie_[navire]_-_[photographie_[...]Agence_Rol 1917

وصـورة “دار الـجـنـرال مـود” الّـذي دخـل بـغـداد عـلى رأس الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في 11 آذار 1917، ومـات فـيـهـا يـوم 18 تـشـريـن الـثّـاني 1917 (1) :

Bagdad_(maison_du_général_Maude)_[...]Agence_Rol_1917 (595x800)

 

وصـورة الـتـقـطـت عـام 1917 لـمـطـعـم في بـغـداد يـرتـاده الـضّـبـاط الـبـريـطـانـيـون وجـده مـصـوّر الـوكـالـة مـسـلّـيـاً : “روضـة هـايـد بـارك رسـتـوران  Hyde Park Restaurant” :

A_Bagdad_nom_d'un_restaurant_[...]Agence_Rol_

كـمـا أنّ لـديـنـا صـورة لـرجـال ونـسـاء في قـفّـة قـرب شـاطئ دجـلـة 1918 :

En_Mésopotamie_[la_population]_-_[...]Agence_Rol 1918

صـور جـوّيـة لـبـعـض مـدن الـعـراق :

وجـدت تـسـع صـور الـتـقـطـهـا مـصـورو الـوكـالـة الـفـوتـوغـرافيـون مـن طـائـرة حـلّـقـت فـوق عـدد مـن مـدن الـعـراق في عـام 1922،

نـبـدأهـا بـصـورتـيـن لـلـحـلّـة :

وصـورة لـمـوقـع مـديـنـة بـابـل الـقـديـمـة. ونـلاحـظ مـواضـع الـتّـنـقـيـبـات الّـتي قـامـت بـهـا الـبـعـثـة الألـمـانـيـة الّـتي قـادهـا كـولـدفي Koldewey  عـامَي 1897 و1898، ومـواضـع الـتّـنـقـيـبـات الّـتي قـام بـهـا الألـمـاني أنـدريـه   Andrae وزمـلاؤه فـيـتـسـل  Wetzel  ورويـتـر  Reuther  وبـودنـسـيـغ  Buddensieg  مـن 1899 إلى 1914 :

L'ancienne_Babylone_près_de_Hillah_[...]Agence_Rol_1922

وصـورة لـلـديـوانـيـة :

Divanyah_[Ad-Diwaniyah]_sur_l'Euphrate_(CNews)_[...]Agence_Rol_1922

والـسـمـاوة :

Samawah_sur_l'Euphrate_(CNews)_-_[...]Agence_Rol 1922

والـكـفـل :

Kifl_sur_l'Euphrate_(cliché_CNews)_[...]Agence_Rol_1922

والـرّمـيـثـة :

Rumeitha_[Ar_Rumaythah]_sur_l'Euphrate_[...]Agence_Rol_1922

والـكـوفـة :

Kufah_au_sud_de_Bagdad_[...]Agence_Rol_1922

والـرّمـادي :

Ramadi_sur_l'Euphrate_ouest_de_[...]Agence_Rol_

كـمـا أنّ لـديـنـا صـور الـتـقـطـت في الـرّمـادي عـام 1918 :

Mésopotamie_Ramadie_[Ramadi_Irak_ruines]_[...]Agence_Rol_1918

وصـورة لـجـسـر الـقـوارب في الـمـوصـل عـام 1923 :

Mossoul_pont_de_bateaux_sur_[...]Agence_Rol_1923

 

صـور الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن الّـذي أصـبـح فـيـصـل الأوّل، مـلـك الـعـراق :

نـجـد خـمـس صـور جـاءت مـن أرشـيـفـات وكـالـة رول، وصـورة سـادسـة مـن أرشـيـفـات وكـالـة مُـريـس.

لـديـنـا أوّلاً صـورة لـلأمـيـر فـيـصـل بـالـمـلابـس الـعـربـيـة الـتـقـطـت عـام 1919  في بـاريـس عـنـدمـا أرسـلـه والـده الـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة لـيـمـثّـلـه في مـؤتـمـر فـرسـاي الّـذي عـقـد بـعـد نـهـايـة الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى :

L'émir_Faisal_-_[photographie_de_[...]Agence_Rol 1919 (601x800)

ثـمّ صـورتـان الـتـقـطـتـا في نـفـس الـوقـت في عـام 1919 وفي نـفـس الـمـكـان نـرى فـيـهـمـا الأمـيـر فـيـصـل بـصـحـبـة لـويـد جـورج  LIoyd George  رئـيـس وزراء بـريـطـانـيـا الّـذي أرسـل إلى فـرسـاي (قـرب بـاريـس) لـيـمـثـل بـلـده في مـؤتـمـر الـصّـلـح، ومـع الـجـنـرال ألـنـبي  Allenby الّـذي أخـذ الـقـدس مـن الـعـثـمـانـيـيـن في 1917 وقـاد الـقـوّات الـبـريـطـانـيـة في الـشّـرق الأدنى والّـذي نـرى زوجـتـه أيـضـاً في يـمـيـن الـصّـورتـيـن.

نـرى الأمـيـر فـيـصـل في أولاهـمـا واجـمـاً مـنـتـصـبـاً بـهـيـبـة :                                                                                                 Mme_Allenby_Lloyd_George_émir_[...]Agence_Rol_1919

وفي ثـانـيـتـهـمـا ضـاحـكـاً وهـو يـتـكـلّـم مـع لـويـد جـورج، وهي الـصّـورة الّـتي وضـعـتـهـا في بـدايـة الـمـقـال .

ولـديـنـا صـورتـان الـتـقـطـتـا عـام 1920  لـفـيـصـل  بـمـلابـس عـسـكـريـة، وقـد وضـع الـعـقـال حـول خـوذة حـديـديـة أمـام كـنـيـسـة وسـتـمـنـسـتـر                     Westminster Abbey في لـنـدن. نـراه في أولاهـمـا  يـسـيـر بـجـانـب عـسـكـري بـريـطـاني وخـلـفـه تـحـسـيـن قـدري الّـذي كـان قـد رافـقـه إلى مـؤتـمـر فـرسـاي في الـعـام الـسّـابـق وأصـبـح مـرافـقـه الـخـاص. ويـرتـدي تـحـسـيـن قـدري الـزّي الـعـسـكـري أيـضـاً (2) :

L'Emir_Fayçal_à_Londres_-_[...]Agence_Rol 1920 (600x800)

ونـرى فـيـصـل في الـثّـانـيـة مـبـتـسـمـاً وهـو يـضـع أكـلـيـل زهـور عـلى زهـور أخـرى :

L'Emir_Fayçal_dépose_des_fleurs_[...]Agence_Rol_1920 (616x800)

ويـبـدو أنّ الـصـورتـيـن الـتـقـطـتـا في الـشّـتـاء، أي عـنـدمـا كـان فـيـصـل مـلـكـاً عـلى سـوريـا، فـالـفـرنـسـيـون لـم يـخـلـعـوه عـن عـرش سـوريـا إلّا في صـيـف 1920.

والـصـورة الـسّـادسـة الـتـقـطـت في مـحـطـة الـشّـمـال  Gare du Nord  في بـاريـس عـام 1930.  وكـان فـيـصـل عـنـدهـا قـد تـوّج مـلـكـاً عـلى الـعـراق مـنـذ تـسـع سـنـوات بـاسـم فـيـصـل الأوّل. ونـراه شـديـد الأنـاقـة بـمـلابـس مـدنـيـة أوربـيـة، وعـلى يـمـيـنـه تـحـسـيـن قـدري الّـذي كـان رئـيـس تـشـريـفـاتـه في ذلـك الـحـيـن، يـرتـدي مـعـطـفـاً فـاتـح الـلـون، وحـولـهـمـا كـبـار مـسـؤولي الـدّولـة الـفـرنـسـيـة. ولا نـعـرف هـل وصـل الـمـلـك فـيـصـل إلى فـرنـسـا في زيـارة رسـمـيـة أم أنّـه غـيّـر قـطّـاره فـيـهـا صـاعـداً إلى لـنـدن أو راجـعـاً مـنـهـا :

Gare_du_Nord_arrivée_du_[...]Agence_de_1930

ـــــــــــــــــــــــ

(1)  أنـظـر مـقـالي : دار الـجـنـرال مـود في بـغـداد

(2)  أنـظـر مـقـالي :حـفـلـة في حـديـقـة قـصـر الـمـلـك

 

 

 

 

 

رسـوم الـفـنّـان أوجـيـن فـلانـدان لـلآثـار الآشـوريـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

وقّـع الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني سـلـيـمـان الـقـانـوني مـع مـلـك فـرنـسـا فـرنـسـوا الأوّل مـعـاهـدة عـام 1535 تـخـوّل لـفـرنـسـا، ضـمـن “الإمـتـيـازات” الّـتي مـنـحـتـهـا الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة لـلـدّول الأوربـيـة، إرسـال قـنـاصـل إلى الـولايـات الـعـثـمـانـيـة: حـلـب ودمـشـق والإسـكـنـدريـة  وبـغـداد، والـسّـمـاح لـلإرسـالـيـات الـدّيـنـيـة بـدخـول أراضي الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة ومـمـارسـة نـشـاطـاتـهـا فـيـهـا، أي فـتـح مـراكـز تـبـشـيـريـة كـاثـولـيـكـيـة فـيـهـا.

إنـشـاء نـيـابـة قـنـصـلـيـة فـرنـسـيـة في الـمـوصـل :

وهـكـذا أنـشـأت الـحـكـومـة الـفـرنـسـيـة عـام 1842 نـيـابـة قـنـصـلـيـة في الـمـوصـل، وكـان الـهـدف مـنـهـا “تـأسـيـس مـركـز آثـار في الـشّـرق”. ونـقـل بـول إمـيـل بـوتـا Paul Emile Botta مـن الإسـكـنـدريـة إلى الـمـوصـل لـيـشـغـل مـنـصـب “نـائـب قـنـصـل فـرنـسـا” فـيـهـا.(2)

WP_Paul-Émile_Botta

وكـان الـمـسـتـشـرق وعـالـم الآثـار جـول مـوهـل  Jules Mohl ، سـكـرتـيـر الـجـمـعـيـة الآسـيـويـة في بـاريـس قـد نـصـحـه، قـبـل الـتـحـاقـه بـمـنـصـبـه في الـمـوصـل، بـأن يـهـتـمّ بالـجـانـب الأثـري مـن مـهـمـتـه. وتـابـع جـول مـوهـل بـعـد ذلـك تـنـقـيـبـات بـوتـا مـن مـكـتـبـه  الـبـاريـسي.

وأذكّـر الـقـارئ هـنـا إلى أنّ مـديـنـة الـمـوصـل تـقـع عـلى ضـفـة دجـلـة الـغـربـيـة :

فلاندان الموصل 4

وعـنـدمـا عـبـر بـول إمـيـل بـوتـا الـنّـهـر في ذلـك الـزّمـن وصـل إلى سهـل عـلـيـه تـلّان تـغـطـيـهـمـا الـمـسـاكـن. ومـن شـكـل الأرض حـزر أسـواراً خـمـاسـيـة الأضـلاع تـمـتـدّ عـلى حـوالي ثـلاثـة كـيـلـومـتـرات مـحـيـطـة بـالـتّـلّـيـن :

Felix Jones 2

قـويـنـجـق في الـشّـمـال والـنّـبي يـونـس في الـجـنـوب :

فلاندان نبي يونس

وكـان بـول إمـيـل بـوتـا قـد قـرأ كـلّ مـا اسـتـطـاع الـعـثـور عـلـيـه عـن مـديـنـة نـيـنـوى الـقـديـمـة، عـاصـمـة الآشـوريـيـن، الّـتي ضـاعـت ذكـريـاتـهـا في غـيـاهـب الـنّـسـيـان مـنـذ سـقـوطـهـا في 612 قـبـل الـمـيـلاد، واخـتـفـت آثـارهـا في أعـمـاق الأرض تـحـت أكـوام الـتّـراب.

ولـم تـكـن الـمـراجـع الّـتي وجـدهـا تـتـجـاوز الـنّـصـوص الـتّـوراتـيـة ونـصـوص الـكـتّـاب الـيـونـانـيـيـن والـرّومـان والّـتي غـالـبـاً مـا تـخـتـلـط الـخـرافـات فـيـهـا بـالأسـاطـيـر.

وقـد ضـاعـت الـمـعـرفـة بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة الّـتي كـان الآشـوريـون قـد سـجّـلـوا بـهـا تـاريـخـهـم، ولـم يـعـد يـقـرأهـا أحـد مـنـذ قـرون طـويـلـة، وتـحـولـت إلى طـلاسـم يـحـيـطـهـا الإبـهـام والـغـمـوض.

بـول إمـيـل بـوتـا يـكـتـشـف آثـار الآشـوريـيـن :

حـاول أغـلـب الأوربـيـيـن الّـذيـن مـرّوا بـالـمـوصـل مـنـذ الـقـرن الـثّـاني عـشـر أن يـتـعـرّفـوا عـلى مـوقـع نـيـنـوى وعـلى بـقـايـا أسـوارهـا، فـعـبـروا دجـلـة وزاروا تـلّ قـويـنـجـق وتـلّ الـنّـبي يـونـس، وسـجـلّـوا مـلاحـظـاتـهـم الّـتي نـشـرهـا كـثـيـر مـنـهـم، ولـكـنّ بـول إمـيـل بـوتـا قـرر أن يـفـعـل أكـثـر مـن سـابـقـيـه، وأن يـقـوم بـحـفـريـات لـلـبـحـث عـن آثـارهـا.  وجـمـع عـدداً مـن الـعـمـال لـلـشّـروع في ذلـك.

وبـدأ عـمّـال بـوتـا يـحـفـرون في تـلّ قـويـنـجـق في ضـفـة نـهـر دجـلـة الـمـقـابـلـة لـلـمـوصـل، ولـكـنّ الـحـظ لـم يـحـالـفـه بـالـعـثـور عـلى شئ، فـتـرك هـذا الـتّـلّ ونـقـل حـفـريـاتـه في حـوالي مـنـتـصـف آذار 1843 إلى قـريـة خـورسـبـاد الّـتي تـقـع حـوالي 16 كـلـم. شـمـال شـرق الـمـوصـل. (3)

وفي خـورسـبـاد وجـد بـول إمـيـل بـوتـا مـنـحـوتـات جـداريـة، وأزاح الـتّـراب عـن جـزء كـبـيـر مـن قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (الّـذي حـكـم مـن 722 إلى 705 قـبـل الـمـيـلاد)، والـمـسـمى بـ “دور شـروكـيـن” أي حـصـن سـرجـون.

وأرسـل بـوتـا في الـخـامـس مـن شـهـر نـيـسـان رسـالـة إلى جـول مـوهـل في بـاريـس يـخـبـره فـيـهـا بـذلـك. وقـرأهـا مـوهـل أمـام أعـضـاء الـجـمـعـيـة الآسـيـويـة وأكـاديـمـيـة الـنّـقـوش والآداب.

ويـمـكـنـنـا أن نـتـصـوّر ذهـول الأوسـاط الـعـلـمـيـة في ذلـك الـزّمـن أمـام هـذا الإكـتـشـاف، فـقـد غـابـت نـيـنـوى والـدّولـة الآشـوريـة في غـيـاهـب الـنّـسـيـان مـنـذ سـقـوطـهـا عـام 612 قـبـل الـمـيـلاد  …  ووجـد بـوتـا آثـارهـا بـعـد أكـثـر مـن 2500 سـنـة !

وقـد كـتـب بـول إمـيـل بـوتـا إلى بـاريـس طـالـبـاً أن يـبـعـث لـه بـرسّـام لـيـرسـم الـمـنـحـوتـات الـقـلـيـلـة الـبـروز والـمـدوّرة والـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا.

وكـان طـبـيـعـيـاً أن تـخـتـار الـحـكـومـة الـفـرنـسـيـة رسـامـاً لـه مـعـرفـة بـالـمـنـطـقـة. واخـتـارت أوجـيـن فـلانـدان الّـذي عـاد في 1842 مـن بـعـثـتـه مـع بـسـكـال كـوسـت في بـلاد فـارس، والّـتي زار فـيـهـا الـعـراق كـمـا سـبـق أن رأيـنـا في مـقـال سـابـق. (4) وكـان أوجـيـن فـلانـدان الـرّسّـام الـمـنـاسـب لـيـشـغـل هـذه الـمـهـمّـة، فـكـلّـف بـهـا.

كـمـا بـعـثـت الـحـكـومـة لـبـول إمـيـل بـوتـا بـثـلاثـة آلاف فـرنـك ذهـب لـيـمـوّل الـتّـنـقـيـبـات، وطـلـبـت مـن سـفـيـر فـرنـسـا في الاسـتـانـة (إسـطـنـبـول) أن يـحـصـل لـه عـلى فـرمـان سـمـاح مـن الـسّـلـطـان بـمـتـابـعـة الـتّـنـقـيـبـات وتـوسـيـعـهـا، فـقـد كـانـت الـمـوصـل ولايـة يـحـكـمـهـا والي عـثـمـاني.

وفي بـدايـة شـهـر تـشـريـن الأوّل مـن عـام 1843، أصـدر بـاشـا الـمـوصـل أمـراً بـإيـقـاف الـتّـنـقـيـبـات، وانـتـظـر بـول إمـيـل بـوتـا وصـول أوجـيـن فـلانـدان لـيـأتي لـه مـن الاسـتـانـة بـالـفـرمـان الـجـديـد الّـذي كـان قـد طـلـبـه لـيـجـبـر الـبـاشـا عـلى الـسّـمـاح لـه بـإكـمـال حـفـريـاتـه.

رحـلـة أوجـيـن فـلانـدان الـثّـانـيـة إلى الـمـوصـل :

Flandin 7

وصـل أوجـيـن فـلانـدان  Eugène FLANDIN لـلـمـرّة الـثّـانـيـة إلى الـمـوصـل في 4 أيّـار 1844، وهـو مـا يـقـصّـه في الـقـسـم الـثّـاني مـن مـقـالـه : “رحـلـة إلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن  Voyage en Mésopotamie”، الّـذي نـشـره عـام 1861 (أي بـعـد 18 سـنـة مـن وصـولـه إلى الـمـوصـل) في مـجـلـة “حـول الـعـالـم  Le tour du monde” الـفـرنـسـيـة (الـقـسـم الـرّابـع، مـن ص. 49 إلى ص. 65). (5)

وقـد تـرجـم الأب بـطـرس حـدّاد هـذا الـمـقـال تـحـت عـنـوان : “رحـلـة في مـا بـيـن الـنّـهـريـن” ونـشـره عـام 2005، ولـكـنّي كـعـادتي في كـلّ مـقـالاتي، أتـرجـم لـكـم كـلّ الـمـقـاطـع الّـتي أسـتـشـهـد بـهـا مـبـاشـرة مـن الـنّـصـوص الأصـلـيـة.

كـتـب أوجـيـن فـلانـدان :  “كـنـت قـد عـدت مـن بـلاد فـارس وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن مـنـذ أشـهـر فـقـط. ولـم أجـد إلّا بـالـكـاد الـوقـت الـكـافي لأرتـاح مـن أتـعـاب سـفـرة دامـت أكـثـر مـن ثـلاثـيـن شـهـراً، عـنـدمـا هـاجـت أوسـاط عـلـمـاء الآثـار ومـاجـت بـخـبـر لـم يـكـن يـتـوقـعـه أحـد : إكـتـشـف مـوقـع مـديـنـة نـيـنـوى الـعـريـقـة في الـقـدم !

ولـم يـعـد عـالـم يـهـتـم بـتـاريـخ الـفـنّ أو بـالـتّـاريـخ الـقـديـم يـسـتـقـر في مـكـانـه انـفـعـالاً : فـسـيـمـلأ هـذا الإكـتـشـاف الّـذي كـاد الـعـلـمـاء يـفـقـدون الأمـل في مـجـيـئـه ثـغـرة في الـمـعـارف الـبـشـريـة، وربّـمـا سـيـقـلـب ظـهـراً عـلى عـقـب أنـظـمـة مـعـرفـيـة سُـلّـم بـصـحـتـهـا ! وقـد قـوبـل الإكـتـشـاف بـفـرح مـا بـعـده فـرح، فـهـو سـيـثـبـت أو سـيـنـفي نـصـوصـاً ومـعـلـومـات عـن الـمـاضي نـقـلـت جـيـلاً بـعـد جـيـل مـن غـيـر أن يـمـحّـص حـقـيـقـتـهـا أحـد.

إكـتـشـفـت نـيـنـوى إذن ! وكـان قـنـصـل فـرنـسـا في الـمـوصـل، بـول إمـيـل بـوتـا، هـو الـمـنـقـب الّـذي أسـعـده الـحـظ  بـالـعـثـور عـلى آثـار الـمـوقـع. وقـد كـان يـعـرف أهـمـيـة مـا عـثـر عـلـيـه وإن لـم يـكـن قـد أدرك بـعـد مـدى قـيـمـتـه الـحـقـيـقـيـة.

ولـكي تـنـجـلي هـذه الـحـضـارة الآشـوريـة الّـتي خـربـت وانـدثـرت مـنـذ كـلّ هـذه الـقـرون الـطّـويـلـة، والّـتي لـم يـسـبـر إلـحـاح الـرّحالـة في تـفـحـص بـقـايـا آثـارهـا واسـتـطـلاعـهـا شـيـئـاً مـن أسـرارهـا، فـقـد كـان يـنـبـغي الإسـتـمـرار في الـتّـنـقـيـب، ثـمّ الإهـتـمام بـدراسـة ما يـخـرج مـن بـاطـن الأرض دراسـة مـتـأنـيـة مـتـعـمّـقـة.

وكـانـت الـمـوصـل بـعـيـدة، في قـلـب الـشّـرق، فـبـلاد آشـور تـجـاور بـلاد الـفـرس، وكـان الإعـتـقـاد سـائـداً بـأنّ الـفـنّ الـنّـيـنـوي لابـد أن يـشـبـه الـفـنّ الـفـارسـي. وكـان طـبـيـعـيـاً أن يـقـع اخـتـيـار مـن سـيـدرس آثـار خـرائـب نـيـنـوى عـلى مـن تـعـوّد عـلى الأسـفـار الـطّـويـلـة واكـتـسـب خـبـرة وسـط خـرائـب آسـيـا الـقـديـمـة.

وهـكـذا اخـتـارني هـؤلاء الّـذيـن أخـذوا مـسـؤولـيـة الإشـراف عـلى الإكـتـشـاف الـجـديـد. وشـرّفـني اخـتـيـاري لـهـذه الـمـهـمـة فـغـادرت بـاريـس مـن جـديـد نـحـو ضـفـاف دجـلـة في أوّل كـانـون الأوّل مـن عـام 1843. ووصـلـت الـسّـفـيـنـة الّـتي أقـلّـتـني إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول) في الـخـامـس عـشـر مـن ذلـك الـشّـهـر.

ولـم يـكـن سـهـلاً الـقـيـام في تـركـيـا بـتـنـقـيـبـات مـثـل تـلـك الّـتي جـئـت لـهـا. وكـان لـهـذه الـصّـعـوبـة ســبـبـان : الأوّل إنّ الـشّـرقـيـيـن كـانـوا يـعـتـقـدون أنّ الأوربـيـيـن يـأتـون لـلـبـحـث عـن خـزائـن ذهـب دفـنـت في بـاطـن الأرض. والـثّـاني إنّ الأتـراك والـعـرب كـانـوا يـعـتـقـدون أنّ الآثـار الـمـطـمـورة في بـاطـن الأرض، وخـاصـة الـمـنـحـوتـة مـنـهـا، كـانـت ولاشـك مـن عـمـل الـشّـيـطـان وتـخـرج مـن جـهـنـم : “Allah ! Djehennâm … Div … Djinn … Allah !،  كـانـوا يـرددون بـرعـب. وكـان تـعـصـبـهـم يـجـعـل مـن الأبـحـاث الأثـريـة كـفـراً، ثـمّ أنّـهـم لـبـخـلهـم لـم يـكـونـوا يـصـدقـون أن يـكـون لـهـذه الأبـحاث دافـع آخـر غـيـر الـجـشـع”.

“ولـتـحـاشـي الـمـصـاعـب الّـتي تـعـرقـل الـتّـنـقـيـبـات، كـان يـنـبـغي الـحـصـول عـلى فـرمـان يـصـدره الـبـاب الـعـالي لـيـجـبـر بـاشـا الـمـوصـل عـلى تـسـهـيـل أعـمـالـنـا. ولـكـن كـان هـنـاك مـا يـعـقّـد أيـضـاً الـحـصـول عـلى الـفـرمـان، فـقـد أيـقـظـت الإكـتـشـافـات الـجـديـدة قـرب الـمـوصـل الـتّـنـافـس بـيـن مـمـثـلي الـحـكـومـات الأوربـيـة في الـقـسـطـنـطـيـنـيـة (إسـطـنـبـول). وكـان حـسـن حـظ الـفـرنـسـيـيـن الّـذيـن سـيـأخـذون ثـروات أثـريـة شـديـدة الأهـمـيـة قـد أثـار حـسـد سـفـراء الـدّول الأخـرى فـتـدخّـلـوا لـدى الـبـاب الـعـالي لـعـرقـلـة الـمـهـمـة الّـتي أنـيـط لي بـهـا. ومـع ذلـك فـقـد فـلـحـنـا في إزالـة هـذه الـمـصـاعـب وصـدر الـفـرمـان الـمـوجـه لـقـنـصـل [فـرنـسـا] في الـمـوصـل، فـشـرعـت في الـسّـفـر لأصـل إلى هـذه الـمـديـنـة بـأسـرع مـا يـمـكـنـني عـن طـريـق سـوريـا”.

وهـكـذا تـرك فـلانـدان إسـطـنـبـول عـن طـريـق الـبـحـر إلى بـيـروت :

“وفـيـهـا أعـددت قـافـلـتي الـصّـغـيـرة : خـادم [إيـطـالي] مـن جـنـوة يـتـكـلّـم الإيـطـالـيـة والـتّـركـيـة والـيـونـانـيـة، وطـبّـاخ مـاروني، وسـائـس كـلـداني كـاثـولـيـكي وثـلاثـة بـغّـالـيـن عـرب كـنـت قـد اكـتـريـت مـنـهـم عـشـرة مـن الـبـغـال وهـم في نـفـس الـوقـت أدلّـتي عـلى الـطّـريـق”.

وقـد سـار فـلانـدان ومـصـاحـبـوه بـمـحـاذاة سـاحـل الـبـحـر مـن بـيـروت إلى طـرابـلـس، ثـمّ تـوجـهـوا نـحـو شـمـال الـشّـرق إلى حـمـاة فـحـلـب. ووصـلـوا إلى الـمـوصـل في أوائـل أيّـار.

وبـعـد أن فـصّـل أوجـيـن فـلانـدان في الـكـلام عـن الـمـوصـل وسـكـانـهـا وأديـانـهـا، خـصـص مـقـاطـع طـويـلـة مـن سـرده لـلـيـزيـديـة. ثـمّ وصـف الـجـانـب الـشّـرقي لـدجـلـة، الـمـقـابـل لـلـمـوصـل بـتـلّـيـه : قـويـنـجـق في الـشّـمـال والـنّـبي يـونـس في الـجـنـوب :

“لـم يـكـن هـنـاك أمـل في أن نـجـد نـيـنـوى [الـقـديـمـة] لا في قـويـنـجـق ولا في نـبي يـونـس، فـقـد أنـهى سـكـان الأزمـان الـحـالـيـة تـخـريـب مـا كـان قـد بـدأه الـغـزاة في الأزمـان الـمـاضـيـة … ولـكـنّ الأقـدار شـاءت أن تـكـشـف أسـرار الـمـاضي في قـريـة صـغـيـرة، بـعـيـدة عـن طـرق الـقـوافـل، يـجـهـلـهـا الـمـسـافـرون ولـم يـسـمـع بـهـا عـلـمـاء الآثـار : حـوالي خـمـسـيـن مـنـزلاً تـكـالـبـت في أعـلى تـلّ يـرتـفـع حـوالي اثـني عـشـر أو ثـلاثـة عـشـر مـتـراً فـوق مـسـتـوى الـسّـهـول الـمـحـيـطـة بـه، وتـدعى هـذه الـقـريـة خـورسـبـاد.(6) سـكـانـهـا أكـراد اخـتـلـطـت دمـاؤهـم بـدمـاء عـربـيـة، وتـبـعـد حـوالي سـتّـة عـشـر كـيـلـومـتـراً عـن الـمـوصـل”.

index

“وأوّل مـا يـدلّ عـلى أنّ الـتّـل لـيـس طـبـيـعـيـاً وأنّـه نـتـج عـن تـخـريـب أبـنـيـة تـراكـمـت بـقـايـاهـا هـو أنّـه مـنـعـزل لـيـس بـجـنـبـه تـلّ آخـر […] وكـان أوّل مـا دلّ عـلى مـا يـحـويـه مـن كـنـوز أحـجـار مـقـطـوعـة واسـعـة عـريـضـة اسـتـعـمـلـهـا أحـد سـكـان الـقـريـة أرضـيـة لـداره.

وكـان يـنـبـغي الـتّـاكّـد مـن ذلـك، فـضـربـت مـعـاول [عـمـال بـوتـا] الأرض الـصـلـبـة … ويـا لـلـمـفـاجـأة ! يـا لـحـسـن الـحـظ هـذا الّـذي لـم يـحـلـم بـه أحـد ! فـقـد ظـهـر رأسٌ مـنـحـوتٌ رائـع الـجـمـال … وكـان يـنـبـغي الإسـتـمـرار في الـحـفـر، واتـسـعـت الـقـطـعـة الـحـجـريـة الّـتي أزيـح عـنـهـا الـتّـراب وبـدا الـرأس مـلـتـصـقـاً بـجـسـد، وأزيـح الـتّـراب عـن مـنـحـوتـات أخـرى … ولـم يـعـد هـنـاك شـكّ، فـهي مـجـمـوعـة مـن مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز كـانـت تـغـطي جـداراً حـفـرت الـمـعـاول جـانـبـاً مـنـه. ويـكـفي أن يـمـتـد الـنّـظـر عـلى سـعـة الـتّـلّ لـيـدرك الـمـنـقّـب كـمـيـات الـمـنـحـوتـات الـمـدفـونـة في أرجـائـه. فـكـيـف سـيـخـرجـهـا والـتّـلّ تـغـطـيـه مـسـاكـن الـقـريـة ؟”

“وأمـكـن لـلـمـنـقّـب الـحـصـول عـلى فـرمـان يـعـوّض الـسّـكـان عـن فـقـد دورهـم بـالـمـال ويـبـعـدهـم عـن الـقـريـة.

ولـم يـكـن ذلـك مـمـكـنـاً لـولا أنّ أهـل الـقـريـة أنـفـسـهـم كـانـوا يـودّون إبـدال مـسـاكـنـهـم الـمـنـعـزلـة بـمـسـاكـن في أسـفـل الـوادي قـرب نـهـر صـغـيـر يـجـري فـيـه. فـقـبـلـوا مـبـالـغ الـمـال الّـتي دفـعـت لـهـم وهـدّمـوا بـيـوتـهـم الـطيـنـيـة وأخـذوا مـا فـيـهـا مـن أخـشـاب ومـواد يـمـكـن اسـتـعـمـالـهـا، ثـمّ ذهـبـوا يـشـيـدون بـيـوتـاً طـيـنـيـة قـرب الـنّـهـر.

وكـان يـنـبـغي إيـجـاد أعـداد كـبـيـرة مـن الـعـمـال الآخـريـن لإنـجـاز هـذه الـحـفـريـات الـواسـعـة”.

وهـنـا يـذكـر فـلانـدان أن الـمـسـلـمـيـن لـم يـقـبـلـوا بـالـمـشـاركـة في الـتّـنـقـيـبـات خـوفـاً مـن الـجـنّ، ويـقـصّ كـيـف أنّ مـجـمـوعـات مـن الـمـقـاتـلـيـن الأكـراد يـتـرأسـهـا بـدر خـان بـك كـانـت قـد هـاجـمـت عـام 1842عـشـائـر مـسـيـحـيـة تـسـكـن الـجـبـال ودفـعـتـهـا لـلـهـرب والـلـجـوء إلى الـمـوصـل.

وهـكـذا اتّـصـل بـهـم بـول إمـيـل بـوتـا وشـغّـل أشـدّهـم قـوّة وعـزمـاً في تـنـقـيـبـات تـلّ خـورسـبـاد. وهـو يـسـمـيـهـم بـالـكـلـدان.

Flandin Méso Khosobad 3

قـصـر الـمـلـك سـرجـون الـثّـاني :

فلاندان مخطط

بـدأت الـتّـنـقـيـبـات في شـهـر أيّـار ودامـت سـتّـة أشـهـر : “إرتـفـعـت درجـات الـحـرارة في أكـثـر مـن ثـلاثـة أشـهـر مـنـهـا إلى سـتّ وأربـعـيـن درجـة في الـظّـلّ، وهـبـت طـيـلـتـهـا ريـاح الـسّـمـوم الآتـيـة مـن الـصّـحـراء”.

واسـتـطـاع الـعـمـال خـلال هـذه الأشـهـر الـسّـت أن يـكـشـفـوا عـن جـزء مـن قـصـر كـبـيـر. وحـاول بـوتـا عـنـدمـا طـلـب مـنـهـم أن يـحـفـروا في أمـاكـن مـتـفـرّقـة مـن الـمـوقـع أن يـجـد الـمـقـايـيـس الـخـارجـيـة لـلـقـصـر.

botta 2

ورغـم أن بـول إمـيـل بـوتـا وأوجـيـن فـلانـدان شـاركـا في اكـتـشـاف الآثـار الّـتي حـقـقـت طـفـرة هـائـلـة في مـعـرفـتـنـا بـالـحـضـارة الآشـوريـة، فـقـد كـانـا في ذلـك الـحـيـن، مـثـل كـلّ مـعـاصـريـهـم يـجـهـلـون الـتّـاريـخ الـحـقـيـقي لـبـلاد آشـور … ونـسـتـغـرب أن يـتـكـلّـم فـلانـدان عـن الـمـلـك الأسـطـوري نـيـنـوس، الّـذي اخـتـلـقـه الـكـتّـاب الإغـريـق، كـمـا لـو كـان الـمـؤسـس الـحـقـيـقي لـمـديـنـة نـيـنـوى !

وكـانـت نـتـيـجـة هـذه الـتّـنـقـيـبـات اكـتـشـاف : “تـسـع قـاعـات وجـدت كـامـلـة لـم يـصـبـهـا ضـرر بـجـدرانـهـا الـمـنـتـصـبـة، وسـتّ قـاعـات تـهـدّم بـعـض جـدرانـهـا، وعـدد كـبـيـر مـن الـواجـهـات والأبـواب تـغـطـيـهـا كـلّـهـا مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز وكـتـاب مـنـقـوشـة بـالـمـسـمـاريـة”. “وكـلّ الـجـدران الـخـارجـيـة والـدّاخـلـيـة تـغـطّـيـهـا الـمـنـحـوتـات : مـشـاهـد صـوّرتـهـا أزامـيـل نـحـاتـيـن يـسـتـحـقـون إعـجـابـنـا”.

botta 3

“وشـيّـدت الـجـدران بـالـلِـبـن الـمـجـفـف تـحـت أشـعـة الـشّـمـس، وطـلـيـت بـالـقـار قـبـل أن تـغـطى بـألـواح واسـعـة مـن حـجـر الـجـبـس : إرتـفـاعـهـا ثـلاثـة أمـتـار وعـرضـهـا مـتـران أو ثـلاثـة. وفي عـدد مـن الـقـاعـات، قـسّـمـت الألـواح إلى شـريـطـيـن أفـقـيـيـن عـلـو كـلّ مـنـهـمـا حـوالي مـتـر و 20 سـم. صـوّرت فـيـهـا أعـداد كـبـيـرة مـن الأشـخـاص ارتـفـاعـهـا حـوالي الـمـتـر. ويـفـصـل بـيـن الـشّـريـطـيـيـن نـصـوص مـنـقـوشـة بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة تـمـتـدّ  بـيـن طـرفي الألـواح. وفي قـاعـات أخـرى كـمـا في الـواجـهـات تـحـتـلّ الـمـنـحـوتـات الـجـدار بـكـامـلـه، وهي أكـثـر بـروزاً لـتـنـاسـب ضـخـامـة تـكـويـنـاتـهـا. وتـقـطـع بـعـض هـذه الـجـدران بـيـن الـحـيـن والـحـيـن أبـواب.

ونـجـد عـلى جـوانـب الأبـواب الـرئـيـسـيـة ثـيـرانـاً مـجـنـحـة ضـخـمـة بـرؤوس بـشـريـة، يـصـل ارتـفـاعـهـا إلى سـتّـة أمـتـار […] وقـد وجـدنـا مـنـهـا حـوالي عـشـريـن ثـوراً”.

Botta 28

“وفي الـدّاخـل عـلى جـدران الـقـاعـات نـوعـان مـن الـمـنـحـوتـات : الـضّـخـمـة الّـتي تـشـبـه مـنـحـوتـات الـجـدران الـخـارجـيـة،

والأقـلّ ضـخـامـة في شـريـطـيـن أفـقـيـيـن تـفـصـل بـيـنـهـمـا نـقـوش الـكـتـابـات”.

indexR7J4UZE9

“ومـا عـثـرنـا عـلـيـه لـيـس إلّا أسـافـل الـجـدران، وفـوق الألـواح الـمـنـحـوتـة كـانـت طـبـقـة أعـلى لـم نـعـثـر مـنـهـا عـلى شئ في أمـاكـنـهـا، ولـكـن قـطـعـاً مـحـطّـمـة الـتـقـطـت عـلى أرضـيـة الـقـاعـات تـدلّ عـلى أنّـهـا كـانـت مـن الـطّـابـوق الـمـزجـج الّـذي يـمـثّـل أجـزاءً مـجـمّـعـة لـرسـوم زاهـيـة الألـوان تـشـبـه الـمـشـاهـد الـمـنـحـوتـة أو لـشـرائـط زخـرفـيـة تـتـتـابـع فـيـهـا أشـكـال زهـور وأغـصـان مـورقـة”.  “وبـالـرّغـم مـن أنـني لـسـت مـتـأكّـداً مـن أنّ كـلّ جـدران قـصـر خـورسـبـاد كـانـت مـلـوّنـة، فـيـحـتـمـل أنّ تـكـون أجـزاء مـن مـنـحـوتـاتـهـا قـد لـوّنـت. وقـد وجـدنـا بـقـايـا أصـبـاغ، خـاصّـة عـلى صـور أسـلـحـة الـمـقـاتـلـيـن وألـجـمـة الـخـيـول وسـروجـهـا”.

ثـمّ يـسـتـمـر في عـرض آرائـه عـن أسـبـاب بـقـاء أجـزاء مـن الأصـبـاغ وزوال أجـزاء أخـرى، ويـعـزي ذلـك إلى تـنـوّع الـمـواد الّـتي اسـتـخـرجـت مـنـهـا الأصـبـاغ الـطّـبـيـعـيـة، وإلى اخـتـلاف قـدراتـهـا عـلى مـقـاومـة مـرور الـزّمـن.

وقـضى فـلانـدان سـتّـة أشـهـر يـرسـم بـدون تـوقّـف رغـم قـسـاوة الـطّـقـس كـلّ مـنـحـوتـات جـدران قـصـر الـمـلـك الآشـوري سـرجـون الـثّـاني (دور شـروكـيـن) في خـورسـبـاد الـقـلـيـلـة الـبـروز والـقـطـع الأثـريـة الّـتي كـان بـوتـا قـد عـثـر عـلـيـهـا.

إنـتـهـاء حـمـلـة الـتّـنـقـيـبـات :

وفي أواخـر شـهـر تـشـريـن الأوّل مـن عـام 1844، إعـتـبـر بـول إمـيـل بـوتـا أنّـه أكـمـل عـمـلـه، وأنّـه وجـد مـا كـان قـد أراد أن يـكـشـف عـنـه في قـصـر خـورسـبـاد، فـقـرر أن يـوقـف تـنـقـيـبـاتـه. وتـرك أوجـيـن فـلانـدان الـمـوصـل في 9  تـشـريـن الـثّـاني عـائـداً إلى بـاريـس.

وقـد وصـل فـلانـدان إلى بـاريـس يـحـمـل مـائـتـيـن وعـشـريـن رسـمـاً أظـهـرت لـلـعـلـمـاء ولـلـمـسـؤولـيـن أهـمـيـة اكـتـشـافـات بـول إمـيـل بـوتـا.

وطـلـب الـمـلـك لـويـس فـيـلـيـب نـفـسـه رؤيـة الـرّسـوم، وقـدّمـهـا لـه فـلانـدان. وأمـر الـمـلـك بـأن تـرسـل مـن مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات في خـورسـبـاد أهـم الـقـطـع الأثـريـة لـتـعـرض في الـمـتـحـف الـمـلـكي، أي مـتـحـف الـلـوفـر في بـاريـس.

وقـد اسـتـمـر فـلانـدان يـرسـم في فـرنـسـا بـيـن الـحـيـن والآخـر لـوحـات يـسـتـوحـيـهـا مـن ذكـريـاتـه عـن رحـلـتـيـه إلى الـعـراق، كـمـا رأيـنـا في مـقـالـنـا الـسّـابـق، إلى أن تـوفي في مـديـنـة تـور سـنـة  1889.

نـقـل الـقـطـع الأثـريـة مـن خـورسـبـاد إلى بـاريـس :

قـضى بـول إمـيـل بـوتـا شـتـاء 1844/ 1845 في اخـتـيـار أكـثـر مـا يـمـكـن مـن أجـمـل الـقـطـع الأثـريـة لـتـبـعـث إلى الـمـتـحـف في بـاريـس. وقـدّر أن مـا وجـده يـمـكـن أن يـمـلأ ثـلاث أو أربـع قـاعـات كـامـلـة مـن الـمـتـحـف. ولـكـن صـعـوبـات الـنّـقـل وتـكـالـيـفـه الـبـاهـظـة أجـبـرتـه عـلى تـرك أعـداد كـبـيـرة مـنـهـا. ويـبـدو أنّـه تـرك ثـوريـن مـجـنـحـيـن لـم يـسـتـطـع أخـذهـمـا.

وقـد صـنـعـت عـربـات كـبـيـرة تـحـت إشـراف بـوتـا حـمّـلـت عـلـيـهـا الـقـطـع الأثـريـة، ومـن بـيـنـهـا ألـواح حـجـريـة واسـعـة الـمـقـايـيـس تـغـطـيـهـا مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز، وثـيـران مـجـنّـحـة، وأوصـلـتـهـا إلى ضـفـة دجـلـة. ثـمّ حـمّـلـت عـلى أكـلاك واسـعـة مـن الـخـشـب تـطـفـو عـلى مـئـات مـن الـقِـرب الـمـصـنـوعـة مـن جـلـود الـمـاعـز، نـزلـت بـهـا عـلى دجـلـة إلى الـبـصـرة.

وفي الـبـصـرة، حـمّـلـت الـقـطـع الأثـريـة عـلى سـفـيـنـة بـخـاريـة فـرنـسـيـة اسـمـهـا الـ “كـورمـوران  Le Cormoran”  يـوم 1 حـزيـران 1946. ووصـلـت إلى مـيـنـاء الـهـافـر في شـمـال فـرنـسـا في الـسّـابـع مـن كـانـون الأوّل. ومـنـهـا حـمّـلـت تـحـت إشـراف بـوتـا عـلى سـفـيـنـة نـهـريـة نـزلـت بـهـا عـلى نـهـر الـسّـيـن إلى بـاريـس. وفي بـاريـس نـقـلـت إلى مـتـحـف الـلـوفـر الّـذي وصـلـتـه في الـسّـاعـة الـثّـانـيـة مـن بـعـد ظـهـر الـثّـاني والـعـشـريـن مـن كـانـون الـثّـاني 1847.

إفـتـتـاح أوّل مـتـحـف آشـوري :

وفي 1 أيّـار 1847، إفـتـتـح مـلـك فـرنـسـا، لـويـس فـيـلـيـب “الـمـتـحـف الآشـوري Le musée assyrien، الّـذي خـصـصـت لـه قـاعـتـان في داخـل مـتـحـف الـلـوفـر.

Les antiquitÈs assyriennes dans la moitiÈ nord de l'aile de la Colonnade

وكـان بـول إمـيـل بـوتـا في بـاريـس في شـهـر شـبـاط عـام 1848 عـنـدمـا انـدلـعـت الـثّـورة الّـتي  أطـاحـت بـالـمـلـك لـويـس فـيـلـيـب وأعـلـنـت الـجـمـهـوريـة الـثّـانـيـة. ولـمـواقـفـه الـمـحـافـظـة خـلال هـذه الـثّـورة، سـحـبـت مـنـه قـنـصـلـيـة الـمـوصـل الّـتي كـان يـنـوي الـعـودة إلـيـهـا لإكـمـال تـنـقـيـبـاتـه، ونـقـل إلى الـقـدس، ثـمّ إلى طـرابـلـس الـغـرب.

وأهـمـلـت حـكـومـة الـجـمـهـوريـة الـثّـانـيـة الـشّـرق وآثـاره. ولـم يـعـيّـن خـلـف لـه في قـنـصـلـيـة الـمـوصـل إلّا في 1855، أي في زمـن الإمـبـراطـوريـة الـثّـانـيـة، عـنـدمـا أرسـل عـالـم الآثـار فـكـتـور بـلاس Victor PLACE  لـيـكـمـل الـتّـنـقـيـبـات في خـورسـبـاد. وسـنـتـكـلّـم عـنـه في مـقـال قـادم.

بـوتـا يـنـشـر كـتـاب : “مـعـالـم نـيـنـوى” :

monument de N.

وفي عـام 1849، صـدر عـن الـمـطـبـعـة الـوطـنـيـة في بـاريـس الـجـزء الأوّل مـن نـتـائـج تـنـقـيـبـات بـول إمـيـل بـوتـا  في قـصـر الـمـلـك سـرجـون الـثّـاني : “دور شـروكـيـن”  في خـورسـبـاد بـعـنـوان : “مـعـالـم نـيـنـوى، إكـتـشـفـهـا ووصـفـهـا ب. إ. بـوتـا، وأخـذ مـقـايـيـسـهـا ورسـمـهـا أ. فـلانـدان                           Monument de Ninive découvert et décrit par M.P.E.Botta, mesuré et dessiné par M.E.Flandin” (7)

وكـان بـوتـا قـد اشـتـغـل عـلى إعـداد أجـزائـه الـخـمـسـة مـنـذ سـنـوات طـويـلـة.

ويـأتي عـنـوان الـكـتـاب مـن أنّ بـوتـا كـان يـعـتـقـد أنّـه اكـتـشـف قـصـر الـمـلـك في نـيـنـوى، في حـيـن أنـنـا نـعـرف الآن أن خـورسـبـاد كـانـت خـارج نـيـنـوى، وأنّ سـرجـون الـثّـاني شـيّـد قـصـره فـيـهـا لـيـبـتـعـد قـلـيـلاً عـن الـعـاصـمـة.

وقـد احـتـوى الـكـتـاب الـواسـع الـمـقـايـيـس (58×40 سـم.) عـلى الـرّسـوم الـرّائـعـة الـجـمـال لـلـمـوقـع ولـلـمـنـحـوتـات الـجـداريـة الـقـلـيـلـة الـنّـتـوء الّـتي كـان أوجـيـن فـلانـدان قـد نـفّـذهـا في أمـاكـنهـا. وحـفـرت هـذه الـرّسـوم عـلى الـخـشـب وطـبـعـت كـأعـمـال غـرافـيـكـيـة شـديـدة الـدّقـة في داخـل الـكـتـاب.

كـتـب بـول إمـيـل بـوتـا في مـقـدمـة الـكـتـاب : “أرسـلـت لي الـحـكـومـة بـرسّـام شـديـد الـمـهـارة لـكي يـنـفّـذ رسـومـاً بـالـغـة الـدّقّـة لـلآثـار، وحـتّى تـلـك الّـتي لا يـمـكـن إنـقـاذهـا والّـتي سـيـصـيـبـهـا الـخـراب، وبـهـذه الـرّسـوم سـيـسـتـطـيـع عـلـمـاء الآثـار دراسـتـهـا”.

واحـتـوى الـجـزء الـثّـاني عـلى تـكـمـلـة رسـوم أوجـيـن فـلانـدان لـلـمـنـحـوتـات الـجـداريـة والـتّـمـاثـيـل الـصّـغـيـرة :

ومـا تـحـدّى الـزّمـن مـن الـقـطـع الأثـريـة الّـتي احـتـفـظـت بـألـوانـهـا :

وقـد ضـاع كـثـيـر مـن هـذه الـمـنـحـوتـات والـقـطـع الـفـنّـيـة لـمـا مـرّت بـه مـن أهـوال مـنـذ تـلـك الـفـتـرة، ولـم يـبـقَ لـنـا مـنـهـا إلّا رسـوم أوجـيـن فـلانـدان الـمـذهـلـة بـدقّـتـهـا وجـمـالـهـا.

أمّـا الـجـزءان الـثّـالـث والـرّابـع فـقـد نـشـر فـيـهـمـا بـول إمـيـل بـوتـا الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة الّـتي كـان قـد عـثـر عـلـيـهـا في الـمـوقـع، رغـم أنّ الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة لـم تـكـن قـد حـلّـت طـلاسـمـهـا بـعـد.

Botta cunéiforme

كـتـب بـول إمـيـل بـوتـا في مـقـدمـة الـكـتـاب : “نـسـخـتُ كـلّ الـنـقـوش الـمـسـمـاريـة الّـتي أشـرفـت عـلى حـفـرهـا وطـبـعـهـا، وهي 190 نـقـشـاً طـبـعـت غـرافـيـكـيـاً عـلى 220 صـفـحـة. وقـد عـنـيـت بـأخـذ بـصـمـات ورقـيـة لـهـا كـلّـمـا أمـكـنـني ذلـك، أي 135 مـرّة. وهي بـنـفـس وضـوح ودقّـة الـنّـقـوش الأصـلـيـة، وأعـانـتـني بـعـد رجـوعي إلى بـاريـس عـلى تـصـحـيـح مـا كـنـت قـد نـسـخـتـه مـنـهـا في أمـاكـنـهـا”.

والـبـصـمـات الـورقـيـة الّـتي يـتـكـلّـم عـنـهـا بـوتـا طـريـقـة بـسـيـطـة لـلـحـصـول عـلى نـسـخ طـبـق الأصـل : تـلـصـق عـلى الـنّـقـش الـحـجـري أوراق مـبـتـلّـة طـبـقـة بـعـد طـبـقـة لـتـصـل إلى سـمـك مـعـيّـن. وبـعـد أن تـجـفّ تـتـحـوّل إلى مـا يـشـبـه الـورق الـمـقـوّى فـتـخـلـع مـن عـلى الـنـقـش. ويـظـهـر عـلـيـهـا بـارزاً كـلّ مـا هـو غـائـر عـلى الـنّـصّ وغـائـراً كـلّ مـا هـو بـارز عـلـيـه، وتـسـتـعـمـل كـقـالـب يـمـلأ بـمـادة سـائـلـة تـصـبـح بـعـد أن تـصـلـب نـسـخـة طـبـق الأصـل.

Botta 001

ومـا زالـت قـوالـب الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة هـذه في قـسـم الآثـار الـقـديـمـة مـن الـمـكـتـبـة الـوطـنـيـة في بـاريـس.

وقـد كـرّس بـول إمـيـل بـوتـا الـجـزء الـخـامـس مـن الـكـتـاب لـلـكـلام عـن مـوقـع الـقـصـر ومـخـطــطـه الـهـنـدسي وعـن الـمـنـحـوتـات والـنّـقـوش الـمـسـمـاريـة الّـتي كـان قـد عـثـر عـلـيـهـا ونـشـرهـا في الأجـزاء الأربـعـة الأولى مـن الـكـتـاب.

وأتـذكّـر الـمـرّة الأولى الّـتي فـتـحـتُ فـيـهـا الـجـزء الأوّل مـن هـذا الـكـتـاب الـواسـع الـمـقـايـيـس بـعـد أن وضـعـتـه لي مـوظـفـة الـمـكـتـبـة عـلى طـاولـة خـصـصـتـهـا لي ومـسـحـت الـغـبـار الـمـتـراكـم عـلـيـه بـخـرقـة نـظـيـفـة… كـان ذلـك في بـدايـة ثـمـانـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي، وكـنـت واقـفـاً لأسـتـطـيـع فـتـح غـلافـه الـمـغـطّى بـقـمـاش سـمـيـك غـامـق الـخـضـرة ولألـقي نـظـراتي مـن فـوق وأرى الـصّـفـحـات بـأكـمـلـهـا … وفـتـحـت الـكـتـاب مـن وسـطـه تـقـريـبـاً وبـقـيـت مـتـسـمّـراً في مـكـاني مـنـبـهـراً بـرسـم فـلانـدان لـمـنـحـوتـة قـلـيـلـة الـبـروز … ورأيـت امـرأة تـقـف بـجـانـبي وتـتـأمّـل مـثـلي بـصـمـت الـرّسـم الـرّائـع. وسـألـتـني بـصـوت خـافـت عـن هـذا الـكـتـاب “الـمـذهـل”. فـتـحـتُ لـهـا الـصّـفـحـة الأولى لـتـقـرأ الـعـنـوان. ثـمّ عـرفـت أنّـهـا كـانـت الـمـسـؤولـة عـن قـسـم الـكـتـب الـقـديـمـة في الـمـكـتـبـة، مـكـتـبـة مـديـنـة صـغـيـرة في وسـط فـرنـسـا اسـمـهـا لـيـمـوج. ولـم تـكـن الـمـكـتـبـة الـجـامـعـيـة تـمـتـلـك نـسـخـة مـنـه. قـالـت لي الـمـسـؤولـة إنّـهـا لـم تـكـن تـتـصـور أنّ مـكـتـبـتـهـا تـمـتـلـك مـثـل هـذا “الـكـنـز”.  وأخـبـرتـهـا أنّ مـا أمـامـنـا لـم يـكـن إلّا الـجـزء الأوّل مـن أجـزاء “الـكـنـز” الـخـمـسـة، وأنّ الـمـوظـفـة الّـتي جـلـبـتـه لي كـانـت قـد أخـبـرتـني أنّـه لـم يـنـزل مـن رفـوفـه مـنـذ سـنـوات طـويـلـة ولـم يـفـتـحـه أحـد.

وجـعـلـني هـذا أفـكّـر في حـال الـثّـقـافـة في كـلّ مـكـان وفي كـلّ الأزمـان، وكـيـف قـضى بـوتـا سـنـوات مـن الـجـهـد الـمـتـواصـل لإخـراج الـقـصـر مـن تـحـت أكـوام الـتّـراب ثـمّ نـسـخ الـنّـقـوش، وكـيـف قـضى فـلانـدان أشـهـراً عـانى بـهـا مـن أتـعـاب الـسّـفـر ومـن أتـعـاب الـعـمـل ومـن شـدّة الـحـرّ وضـربـات الـشّـمـس وعـواصـف الـتّـراب الـخـانـقـة، وكـيـف قـضى حـرفـيـو الـطّـبـاعـة مـا لا يـحـصى مـن الاشـهـر في حـفـر الـرّسـوم عـلى الـخـشـب وتـحـبـيـرهـا ثـمّ طـبـعـهـا عـلى الـورق لـلـوصـول إلى نـشـر كـتـاب صـدر بـدقّـة وجـمـال لـيـس بـعـدهـمـا دقّـة وجـمـال … وكـانـت نـتـيـجـة كـلّ هـذا أن تـبـقى أغـلـب نـسـخـه تـرقـد عـلى رفـوف الـمـكـتـبـات لا يـفـتـحـهـا أحـد ولا تـقـطـع أنـفـاس أحـد انـبـهـاراً …

ولا أدري كـم مـن قـرائي سـيـصـل إلى هـذ الـمـقـطـع ويـشـاركـني  رثـائي لـحـال الـمـعـرفـة في كـلّ زمـان ومـكـان …

مـلـحـق

حـوش خـورسـبـاد في مـتـحـف الـلـوفـر الآن :

بـعـد سـنـوات مـن الـعـمـل لـتـحـديـث مـتـحـف الـلـوفـر في بـاريـس وتـوسـيـعـه، فـتـح  “مـتـحـف الـلـوفـر الـكـبـيـر  Le grand Louvre” أبـوابـه في صـيـغـتـه الـجـديـدة عـام 1993.

وقـد خـصـصـت فـيـه قـاعـة فـسـيـحـة كـانـت حـوشـاً سُـقّـف بـزجـاجـيـات واسـعـة أسـمي : “حـوش خـورسـبـاد  La cour Khorsabad”. وكـان الـهـدف مـنـه أن تـوضـع الـمـنـحـوتـات الـضّـخـمـة، وخـاصّـة الـثّـيـران الـمـجـنّـحـة في مـكـان يـوحي بـهـيـبـة قـاعـات الـقـصـور الآشـوريـة الـشّـديـدة الـضّـخـامـة، وأن يـضـيـئـهـا نـور الـنّـهـار الـنّـافـذ مـن زجـاجـيـات الـسّـقـف.

حوش خرسباد

ومـا زالـت أتـوقـف في كـلّ مـرّة أذهـب فـيـهـا لـزيـارتـهـا لأتـأمّـلـهـا في غـربـتـهـا، يـمـرّ أمـامـهـا الـسّـوّاح وزوّار الـمـتـحـف الّـذيـن يـجـهـل أغـلـبـهـم عـنـهـا كـلّ شئ، يـلـتـقـطـون أمـامـهـا صـوراً ويـمـضـون مـسـرعـيـن، وأتـصـوّرهـا وهي تـتـذكّـر بـأسى الـزّمـن الّـذي كـانـت تـنـتـصـب فـيـه شـامـخـة عـلى أبـواب قـصـر الـمـلـك سـرجـون الـثّـاني “سـيّـد جـهـات الـدّنـيـا الأربـع” ويـقـطـع جـمـالـهـا وهـيـبـتـهـا أنـفـاس الـمـارّيـن بـهـا انـبـهـاراً وخـشـيـة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  واسـمـه الـكـامـل جـان ــ بـاتـيـسـت أوجـيـن نـابـلـيـون فـلانـدان Jean-Baptiste Eugène Napoléon FLANDIN . ولـد في نـابـولي، في جـنـوب إيـطـالـيـا سـنـة 1809.  ودرس الـرّسـم عـلى يـدي الـفـنّـان الـفـرنـسي الـشّـهـيـر هـوراس فـيـرنـيـه Horace Vernet  في بـاريـس، ثـمّ صـاحـب الـجـيـش الـفـرنـسـي كـرسّـام إلى الـجـزائـر عـام 1837.

(2) نـشـر أوجـيـن فـلانـدان وبـسـكـال كـوسـت نـتـائـج بـعـثـتـهـمـا في كـتـاب بـخـمـسـة أجـزاء صـدرت في بـاريـس بـيـن عـامي 1843 و 1854 . إحـتـوى الـجـزء الأوّل عـلى الـنّـصّ والأجـزاء الأربـعـة الـتّـالـيـة عـلى الـرّسّـوم :

Voyage en Perse, entrepris par ordre de M. le Ministre des Affaires étrangères, d’après les instructions dressées par l’Institut pendant les années 1840 et 1841, 1 vol. de texte et 4 vol. planches. Paris 1843-1854.

(2) كـان بـوتـا في الأربـعـيـن مـن عـمـره عـنـدمـا وصـل إلى الـمـوصـل، فـقـد ولـد سـنـة 1802، ودرس الـطّـبّ والـعـلـوم الـطّـبـيـعـيـة وشـغـف بـدراسـة الـلـغـات. وقـد شـارك عـنـدمـا كـان في الـرّابـعـة والـعـشريـن مـن عـمـره، في رحـلـة عـلـمـيـة حـول الـعـالـم مـع الـقـبـطـان دوهـو سـيـلي Duhaut -Cilly  دامـت ثـلاث سـنـوات، ثـمّ عـيّـن قـنـصـلاً في الإسـكـنـدريـة عـام 1833، وحـسّـن فـيـهـا مـعـرفـتـه بـالـلـغـة الـعـربـيـة، وبـدأ يـهـتـمّ بـالآثـار الـقـديـمـة. وسـافـر بـوتـا في مـصـر والـيـمـن ولـبـنـان بـحـثـاً عـن أنـواع نـبـاتـيـة وحـيـوانـيـة يـبـعـثـهـا لـمـتـحـف الـتّـاريـخ الـطّـبـيـعي في بـاريـس.

(3) ذكـر بـوتـا أنّ قـرويـاً مـن خـورسـبـاد جـاء إلى حـفـريـات قـويـنـجـق لـلـتّـفـرّج، وعـنـدمـا عـرف أنّـهـم يـبـحـثـون عـن آثـار قـديـمـة أخـبـره أنّ في قـريـتـه مـنـحـوتـات عـلى الـحـجـر. وأرسـل بـوتـا بـعـض عـمـالـه مـع الـرّجـل لـيـتـأكّـد مـن ذلـك. وكـان مـا قـالـه الـرّجـل صـحـيـحـاّ، فـنـقـل بـوتـا حـفـريـاتـه في حـوالي مـنـتـصـف شـهـر آذار 1843 إلى خـورسـبـاد.

(4)  أنـظـر مـقـالي : لـوحـات أوجـيـن فـلانـدان ورسـومـه في رحـلـتـه الأولى إلى الـعـراق

(5) Voyage en Mésopotamie par Eugène Flndin, chrgé de mission archéologique à Mossoul 1843-1845, dans: Le tour du monde, nouveau journal des voyages,deuxième semestre, Paris 1861, Pages 66- 80

(6) كـتـب الـيـعـقـوبي في “مـعـجـم الـبـلـدان” اسـم هـذه الـقـريـة : “خُـرُسـتـابـاذ”، ووصـفـهـا بـأنّـهـا : “قـريـة مـن شـرقي دجـلـة وأعـمـال نـيـنـوى ذات مـيـاه وكـروم كـثـيـرة، شـربـهـا مـن فـضـلـة مـيـاه رأس الـنّـاعـور الـمـسـمـاة بـالـزّرّاعـة، إلى جـانـبـهـا مـديـنـة قـديـمـة يـقـال لـهـا صـرعـون خـراب”.

وذكـر الـيـعـقـوبي عـن صـرعـون : “مـديـنـة كـانـت قـديـمـة في أعـمـال نـيـنـوى خـيـر أعـمـال الـمـوصـل، خـربـت ويـزعـمـون أنّ فـيـهـا كـنـوزاً قـديـمـة. يـحـكى أنّ جـمـاعـة وجـدوا فـيـهـا مـا اسـتـغـنـوا بـه، ولـهـا حـكـايـة وذكـر في الـسّـيـر الـقـديـمـة”.

(7) Paul- Emile BOTTA, Monument de Ninive découvet et décrit par M. P.- E. Botta, mesuré et dessine par M. E. Flandin. ( 5 volumes), Paris, Imprimerie nationale, 1849- 1850