الـبـيـت الـتّـراثي كـمـا وصـفـتـه أربـع أجـنـبـيـات

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

ولـدتُ في دار كـبـيـرة عـاشـت فـيـهـا عـدّة أجـيـال قـبـلي، وسـكـن فـيـهـا والـدي وأعـمـامي وعـمّـاتي، لـكـلّ واحـد مـنـهـم جـزء مـنـهـا.

وكـان حـائـطـهـا الـمـطـلّ عـلى الـطّـريـق شـديـد الإرتـفـاع لا نـوافـذ فـيـه، نـدخـل مـنـه إلـيـهـا مـن بـاب خـشـبي كـبـيـر بـضـلـفـيـن (أو درفـتـيـن) يـفـضي إلى مـمـر واسـع وطـويـل يـوصـل إلى الـمـضـيـف مـن جـهـة وإلى بـيـوت الـسّـكـن مـن جـهـة أخـرى. وكـان الـمـضـيـف حـوشـاً واسـعـاً عـلى جـانـب مـنـه غـرف وعـلى الـجـانـب الآخـر قـاعـة نـصـعـد إلـيـهـا بـعـدّة درجـات يـتـقـدّمـهـا إيـوان يـنـفـتـح عـلى الـحـوش، وتـحـتـهـا سـرداب عـمـيـق نـنـزل إلـيـه بـسـلـم تـتـابـع درجـاتـه هـابـطـة، كـان يـخـيـل إلـيـنـا، نـحـن الـصـغـار، أنـهـا لـن تـتـوقـف عـن الـسّـقـوط !

أمّـا جـزء الـدّار الّـذي كـان يـحـوي بـيـوت الـسّـكـن فـكـنّـا نـدخـل إلـيـه مـن يـسـار الـمـمـر مـن بـاب خـشـبي أخـضـر الـلـون بـسـعـة الـبـاب الـخـارجي، يـفـضي هـو الآخـر إلى مـمـر عـلى جـانـبـه بـيـت إحـدى عـمّـاتي ثـمّ بـيـت أحـد أعـمـامي يـوصـلـنـا إلى حـوش شـديـد الـسّـعـة في وسـطـه شـجـرة كـالـبـتـوس (أو أكـالـبـتـوس)، وحـولـه بـيـوت الآخـريـن ومـن ضـمـنـهـم بـيـتـنـا بـغـرف نـومـه ومـطـبـخـه وحـجـرة مـؤونـتـه وسـرداب صـغـيـر تـحـتـهـمـا.

كـمـا كـان عـلى جـانـب مـن الـحـوش الـواسـع مـطـبـخ كـبـيـر يـسـتـعـمـلـه الـجـمـيـع خـاصـة لإعـداد وجـبـات ضـخـمـة لـلـضـيـوف الّـذيـن لـم تـكـن تـخـلـو مـنـهـم الـدّار إلّا نـادراً. كـمـا كـان فـيـه حـمـام يـسـخـن الـمـاء فـيـه مـوقـد يـلـتـهـم كـمـيـات مـذهـلـة مـن الـحـطـب. وكـان في الـدّار دورات مـيـاه في أمـاكـن عـديـدة.

وكـان في جـانـب مـن الـدّار سـلّـم نـصـعـد عـلـيـه إلى الـسّـطـح الـشّـديـد الإمـتـداد، لـكـلّ بـيـت جـزء مـن هـذا الـسّـطـح الّـذي يـطـلّ عـلى سـوق تـكـريـت وعـلى الـسّـراي والـمـدرسـة وتـنـحـدر الـعـيـن مـنـه لـتـصـل إلى دجـلـة.

وعـنـدمـا انـتـقـلـنـا إلى بـغـداد في الـسّـنـة الّـتي دخـلـت فـيـهـا الـمـدرسـة الإبـتـدائـيـة سـكـنّـا في دار واسـعـة هي الأخـرى يـنـفـتـح جـانـبـاهـا الـمـخـصـصـان لـلـسّـكـن عـلى حـوش تـحـيـطـه حـيـطـان شـديـدة الإرتـفـاع في وسـطـه حـديـقـة تـنـبـثـق مـنـهـا نـخـلـة شـاهـقـة الـعـلـو حـولـهـا أعـداد مـن أشـجـار الـنّـارنـج. وكـانـت الـدّار عـلى ضـفـة دجـلـة يـتـقـدم سـطـحـهـا نـحـو الـنّـهـر لـيـصـيـر شـرفـة تـغـطى الـدّرب الّـذي يـفـصـل الـدّار عـنـه.

ثـمّ تـركـنـا هـذه الـدّار أيـضـاً لـنـسـكـن في دور “حـديـثـة” لـم تـعـد تـدور حـولـهـا حـيـطـان عـالـيـة تـفـصـلـهـا عـن الـعـالـم الـخـارجي، ولـم يـعـد في وسـطـهـا حـوش تـحـيـطـه غـرف الـسّـكـن والـمـرفـقـات، وإنّـمـا صـارت تـحـيـطـهـا حـديـقـة لا تـفـصـلـهـا عـن الـشّـارع إلّا حـيـطـان واطـئـة وتـنـفـتـح غـرفـهـا بـنـوافـذ واسـعـة عـلى الـحـديـقـة أو حـتّى تـطـلّ عـلى الـشّـارع !

وكـان تـغـيـيـراً جـذريـاً كـمـا لـو قـلـبـنـا بـطـانـة مـعـطـف ووضـعـنـاهـا إلى الـخـارج وأدخـلـنـا قـمـاش الـمـعـطـف ووضـعـنـاه في الـبـاطـن !

وقـد هـدمـت دارنـا في تـكـريـت عـنـدمـا شـيّـد الـجـسـر الـكـبـيـر الّـذي مـرّ عـلـيـهـا، كـمـا هـدمـت الـدّار الـقـديـمـة الّـتي سـكـنـاهـا في “سـبـع قـصـور” عـنـدمـا حـوّل الـدّرب الـضّـيّـق أمـامـهـا إلى شـارع واسـع يـوصـل إلى الـجـسـر الـمـعـلّـق. وهـكـذا فـقـدتُ بـضـيـاعـهـمـا جـزءاً مـن طـفـولـتي ومـطـلـع صـبـاي لا يـمـكـن أن يـدرك أهـمـيـتـه إلّا مـن كـان قـد عـاش مـثـلي في دور تـراثـيـة قـديـمـة.

وقـد اهـتـمـمـت بـعـد ذلـك بـالـنّـصـوص الّـتي تـتـكـلّـم عـن هـذه الـدّور الّـتي مـا زالـت تـسـكـن ذاكـرتي، والّـتي أتـأسّـف لأنـنـا أبـدلـنـاهـا بـدور عـاديـة نـرى مـثـلـهـا في كـلّ مـكـان، كـمـا لـو كـنّـا أبـدلـنـا مـصـبـاح عـلاء الـدّيـن الـقـديـم بـمـصـبـاح جـديـد بـرّاق ولـكـن لا سـحـر فـيـه !

ووجـدت أعـداداً كـبـيـرة مـن الـقـصـص والـرّوايـات تـدور أجـزاء مـن أحـداثـهـا في مـثـل هـذه الـبـيـوت الـقـديـمـة، وكـتـب مـذكـرات يـحـاول مـؤلـفـوهـا أن يـسـتـرجـعـوا بـعـض مـا تـبـقى لـهـم مـن الـذّكـريـات عـنـهـا. ولـكـنّي اسـتـغـربـت لـقـلّـة الـصّـور الـقـديـمـة الّـتي الـتـقـطـت أو الـلـوحـات الّـتي رسـمـت في داخـلـهـا، كـمـا لـو أنّ حـيـاء أنـاس تـلـك الأزمـان مـنـعـهـم مـن فـضـح تـلـك الأمـاكـن الـمـسـتـورة ونـشـرهـا أمـام أعـيـن كـلّ مـن هـبّ ودب.

وقـد اخـتـرت لـكـم أربـع نـظـرات ألـقـتـهـا أجـنـبـيـات عـلى بـيـوتـنـا الـقـديـمـة : فـرنـسـيـة زارت الـعـراق بـصـحـبـة زوجـهـا في نـهـايـة 1881 وبـدايـة 1882، وأمـريـكـيـة جـاءت إلى بـغـداد مـع زوجـهـا عـام 1924 لـفـتـح مـدرسـة لـلـبـنـيـن، وسـكـنـت في عـدّة بـيـوت بـغـداديـة حـتّى عـام 1947، وإنـكـلـيـزيـة وصـلـت الـعـراق أوّل مـرّة عـام 1928، ثـمّ عـادت إلـيـه مـراراً وسـكـنـت في بـيـوت بـغـداديـة أسـهـبـت في وصـفـهـا، وانـكـلـيـزيـة أخـرى تـكـلّـمـت عـن بـيـوت عـراقـيـة في روايـتـيـن مـن روايـاتـهـا الـشّـديـدة الـشّـهـرة وفي كـتـب ذكـريـات …

الـفـرنـسـيـة جَـيـن ديـولافـوا  Jane Dieulafoy :

صـاحـبـت جَـيـن (أو جـان حـسـب الـلـفـظ الـفـرنـسي) في عـام 1879 (وكـانـت في الـثّـامـنـة والـعـشـريـن مـن عـمـرهـا) زوجـهـا إلى بـلاد الـفـرس (إيـران الـحـالـيـة) في رحـلـة كـان الـهـدف مـنـهـا دراسـة الـعـلاقـات بـيـن الـفـنـون الـشّـرقـيـة والـفـنـون الـغـربـيـة.

وفي عـامي 1881 و1882 جـابـا أرجـاء بـلاد فـارس، ثـمّ تـجـولا في ولايـتَي الـبـصـرة وبـغـداد (الـلـتـيـن كـانـتـا تـحـت الـحـكـم الـعـثـمـاني)، وقـطـعـا في أربـعـة عـشـر شـهـراً مـا يـقـارب الـسّـتّـة آلاف كـيـلـومـتـر. وخـصـصـا لـزيـارة الـولايـتـيـن الـعـراقـيـتـيـن حـوالي شـهـريـن : مـن 21 تـشـريـن الـثّـاني 1881 إلى 11 كـانـون الـثّـاني 1882.

وقـد نـشـرت جَـيـن سـرد رحـلـتهـا مـع زوجـهـا في مـجـلّـة أوّلاً، ثـمّ أصـدرت عـام 1887،كـتـابـاً عـنـوانـه : “بـلاد فـارس وبـلاد الـكـلـدان وبـلاد شـوش (سـوسـة) La Perse, La Chaldée, La Susiane”.

ديولافوا 2 (420x640)

وصـلـت جَـيـن ديـولافـوا وزوجـهـا مـارسـيـل إلى الـبـصـرة أولا، ثـمّ صـعـدا إلى بـغـداد الّـتي وصـلاهـا في 12 كـانـون الأوّل. ووصـفـت دار الـقـنـصـلـيـة الـفـرنـسـيـة في بـغـداد :

“شـيّـد دار الـقـنـصـلـيـة بـغـداديـون لـيـسـكـنـهـا بـغـداديـون. وفي وسـط درب ضـيّـق [= دربـونـة] يـنـتـصـب جـدار عـالٍ لا فـتـحـة فـيـه إلّا بـاب يـسـمـح بـالـكـاد لـفـارس أن يـمـرّ فـيـه عـلى فـرسـه. وبـعـد أن يـمـرّ الـمـرء بـالـمـدخـل يـصـل إلى رواق يـقـيـم فـيـه الـحـرس (الـخـواص  cawas)  الّـذيـن عـهـد إلـيـهـم بـحـمـايـة الـقـنـصـل ومـصـاحـبـتـه في تـنـقّـلاتـه. ويـقـومـون أيـضـاً بـالـتّـسـوق وجـلـب الـضّـروريـات. ونـصـل بـعـدهـا إلى حـوش واسـع تـنـفـتـح عـلـيـه أبـواب الـمـطـابـخ والإسـطـبـلات ومـحـلاّت الـسّـروج وبـاقي غـرف خـدمـة الـدّار. ومـن بـاب فـتـح في جـانـب مـن الـحـوش نـصـل إلى حـوش ثـاني شـيّـدت حـولـه غـرف الـسّـكـن بـشـنـاشـيـلـهـا وبـنـوافـذهـا الـمـغـطـاة بـقـطـع الأخـشـاب والـزّجـاج الـمـتـشـابـكـة الـمـغـطـاة بـنـسـيـج مـحـبّـك أبـيـض وأحـمـر لـيـحـمي الـدّاخـل مـن حـرارة الـشّـمـس الـشّـديـدة في وسـط الـنّـهـار”.

بيلفيل بغداد

(حـوش بـيـت بـغـدادي. لـوحـة بـالألـوان الـمـائـيـة لأرثـر مـيـلـفـيـل، 1882 ) (2)

“مـا قـلـتـه يـخـصّ مـخـطـط الـدّار، أمّـا عـن طـريـقـة تـشـيـيـده فـإنّ قـيـظ الـصّـيـف وقـرّ بـرد الـشّـتـاء يـجـبـران الـسّـاكـنـيـن عـلى تـغـيـيـر أمـاكـنـهـم في كـثـيـر مـن الأحـيـان. وهـم يـشـيـدون دوراً يـجـدون فـيـهـا حـلـولاً لـمـشـاكـل الـطّـقـس أربـع مـرّات في الـسّـنـة : فـفي كـلّ الـمـسـاكـن غـرف مـعـقـودة الـسّـقـوف حـفـرت عـلى عـمـق ثـلاثـة أمـتـار أو أربـعـة. وفي هـذه الـغـرفـة الّـتي تـسـمـى (سـرداب  sedab)، والّـتي تـشـبـه الـزّيـر زمـيـن  zir zamin عـنـد الـفـرس، تـنـزل كـلّ عـائـلـة بـغـداديـة مـنـذ أن يـحـلّ الـرّبـيـع مـع أثـاث الـدّار وكـلّ مـا يـحـتـاجـونـه في حـيـاتـهـم الـيـومـيـة، فـلـو تـركـوا الأثـاث الـخـشـبي في خـارج الـسّـرداب لأكـلـه الـعـث وتـسـاقـط مـن شـدّة الـحـرّ. وعـنـدمـا تـرتـفـع درجـات الـحـرارة يـنـزل الـنّـاس بـسـرعـة في الـسّـراديـب الّـتي يـتـغـيـر الـهـواء فـيـهـا مـارّاً بـالـبـادكـيـر  badguird (وهي الـمـلـقـفـات)، ولا يـخـرجـون مـنـهـا إلّا في الأصـيـل لـيـتـنـفـسـوا هـواءً خـانـق الـحـرارة، فـدرجـات الـحـرارة لا تـهـبـط إلّا قـلـيـلاً بـغـد غـروب الـشّـمـس”.

ج. ديولافوا 3

ورغـم قـصـر الـفـتـرة الّـتي أقـامـت فـيـهـا ديـولافـوا في بـغـداد، فـهي تـتـكـلّـم عـن الـطّـقـس في هـذه الـمـديـنـة وعـن تـعـاقـب فـصـول الـسّـنـة فـيـهـا كـمـا لـو كـانـت قـد عـاشـت فـيـهـا سـنـوات طـويـلـة. وهي ولا شـكّ قـد سـجّـلـت مـا سـمـعـتـه مـن الأوربـيـيـن الّـذيـن الـتـقـت بـهـم ونـقـلـتـه عـنـهـم بـكـلّ نـواقـصـه ومـبـالـغـاتـه :

“والـمـديـنـة مـيّـتـة لا حـركـة فـيـهـا في الـنّـهـار ولـكـنّـهـا تـعـود إلى الـحـيـاة في الـمـغـرب، فـتـجـتـمـع الـنّـسـاء ويـتـزاورن مـتـنـقـلات مـن سـطـح إلى سـطـح، ويـقـضـيـن الـلـيـل في الـثّـرثـرة وهـنّ يـدخـنّ ويـشـربـن الـشـربـت  cherbet. وهـنّ مـجـبـرات، لـيـتـحـاشـيـن الـبـعـوض، عـلى إطـفـاء الأضـواء والـبـقـاء في الـظـلام. ويـجـبـرهـنّ فـصـل الـقـيـظ عـلى فـراغ مـمـل. ويـنـزل الـجـمـيـع في الـفـجـر إلى الـسّـرداب لـيـقـضـوا الـنّـهـار في خـمـود وركـود يـصـيـبـان حـتّى أنـشـط الـنّـاس مـنـهـم”.

“وعـنـدمـا يـحـلّ الـبـرد يـصـعـد الـنّـاس إلى غـرف الـطّـابـق الأوّل، ورغـم أنّـهـم يـوقـدون الـنّـار في الـمـواقـد فـهـم يـظـلـون يـرتـجـفـون مـن شـدّة الـبـرد وخـاصـة بـعـد أن أضـعـفـتـهـم شـدّة الـحـرّ واسـتـنـزفـت حـيـويـتـهـم”.

(أنـظـر مـقـالي : رحـلـة ديـولافـوا إلى الـعـراق ).

 

الأمـريـكـيـة إيـدا سـتـاوت  Ida Donges Staudt :

قـبـلـت إيـدا دونـغـيـس سـتـاوت مـع زوجـهـا Calvin في عـام 1924مـهـمـة فـتـح مـدرسـة أمـريـكـيـة لـلـبـنـيـن في بـغـداد The Americain School for Boys . وكـانـت في الـتّـاسـعـة والأربـعـيـن مـن عـمـرهـا، فـقـد ولـدت في 1875.

ودامـت “مـغـامـرة” إيـدا وزوجـهـا ثـلاث وعـشـريـن سـنـة (إلى عـام 1947)، سـكـنـا خـلالـهـا عـدّة بـيـوت بـغـداديـة. كـمـا زارا أمـاكـن كـثـيـرة مـن الـعـراق، فـقـد نـزلا عـن طـريـق دجـلـة إلى الـبـصـرة، وزارا كـربـلاء والـنّـجـف وصـعـدا إلى كـردسـتـان وتـجـولا في الـبـاديـة لـلـقـاء الـبـدو.

وقـد بـدأت إيـدا بـكـتـابـة ذكـريـاتـهـا عـن الـعـراق بـعـد رجـوعـهـا إلى الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة، وأكـمـلـتـهـا في 1951، أي قـبـل سـنـة مـن وفـاتـهـا (في 1952)، ولـكـنّ نـصّـهـا لـم يـنـشـر إلّا في 2012 تـحـت عـنـوان : الـعـيـش في بـغـداد الـرّومـانـسـيـة : مـذكّـرات أمـريـكـيـة عـن الـتـدريـس والـسّـفـر في الـعـراق مـن 1924 إلى 1947

Living in Romantic Baghdad: An American Memoir of Teaching and Travel in Iraq, 1924-1947.Edited by John Joseph, New York, Syracuse University Press 2012.

living-240

أقـامـت إيـدا وزوجـهـا عـنـد وصـولـهـمـا إلى بـغـداد في فـنـدق، ثـمّ وجـدا داراً أجـراهـا :

“كـانـت الـدّار وسـط حيّ الـنّـصـارى الـشّـديـد الإزدحـام، وكـانـت قـد شـيّـدت، كـكـلّ دور ذلـك لـزّمـان، حـول حـوش مـفـتـوح، ولـكـنّـهـا كـانـت تـفـتـقـر إلى مـرافـق كـثـيـرة ، وكـانـت تـكـتـفي بـالـقـلـيـل لـتـسـتـطـيـع أن تـتـقـوقـع عـلى نـفـسـهـا احـتـمـاءً مـن شـدّة الـحـرّ الّـذي بـدأ يـتـقـدّم بـخـطى واسـعـة.

كـلّ دار في بـغـداد تـقـريـبـاً تـمـتـلـك سـردابـاً serdab، وهي غـرفـة تـحـت مـسـتـوى الـحـوش تـنـخـفـض فـيـهـا درجـات الـحـرارة. وقـبـل أن تـصـل الـمـراوح الـكـهـربـائـيـة كـان الـسّـرداب الـمـلـجـأ الـوحـيـد مـن الـقـيـظ.

ولـكـنّ دارنـا لـلأسـف لـم يـكـن فـيـهـا سـرداب، ولـم يـكـن فـيـهـا تـحـت الأرض إلّا الـمـطـبـخ الّـذي كـان بـلا نـافـذة، ولـم يـكـن فـيـه إلّا مـوقـد فـحـمي حـقـيـر وثـقـب في أرضـيـتـه لـيـسـيـل فـيـه الـمـاء. وقـد بـذلـت كـلّ مـا كـان بـوسـعي لـنـسـتـطـيـع الـعـيـش في هـذه الـدّار عـنـدمـا بـدأت درجـات الـحـرارة تـتـقـافـز صـاعـدة، ولـكـنّي فـشـلـت، وكـاد هـذا أن يـحـطّـمـني”.

وتـحـوّلا إلى دار أخـرى في حـزيـران :

“وضـعـت دار كـبـيـرة تـطـلّ عـلى الـنّـهـر تـحـت تـصـرّفـنـا مـؤقّـتـاً، وكـانـت داراً قـد شـيّـدت لـراحـة سـاكـنـيـهـا. وتـمـتّـعـنـا بـهـا تـمـام الـتّـمـتـع، وفـيـهـا بـدأنـا حـيـاتـنـا الـبـغـداديـة بـدايـة حـقـيـقـيـة.

كـنّـا نـنـزل وسـط الـنّـهـار إلى سـرداب مـنـعـش الـبـرودة، وكـنّـا نـجـد في الـمـسـاء راحـة وسـحـراً في الـجـلـوس في الـشّـرفـة أمـام الـنّـهـر نـتـأمّـل الأضـواء تـنـبـض فـوق جـسـر الـقـوارب وعـلى ضـفـتي دجـلـة الـمـظـلـلـة، وكـنّـا نـنـام الـلـيـل عـلى الـسّـطـح تـحـت سـمـاء عـمـيـقـة الـزّرقـة مـطـعـمـة بـالـنّـجـوم. وكـانـت أوّل هـديـة نـتـلـقـاهـا في الـصّـبـاح رؤيـة الـنّـهـر عـنـدمـا تـلـمـس أولى أشـعـة الـشّـمـس أبـنـيـة الـصّـوب الـمـقـابـل”.

ثـمّ سـمـعـت إيـدا بـأنّ : “داراً كـبـيـرة فـرغـت قـرب نـادي الـضّـبّـاط الـبـريـطـانـيـيـن، في حيّ حـديـث مـن الـمـديـنـة، تـحـيـطـهـا غـابـات الـنّـخـيـل، وعـنـدمـا زرتـهـا حـلـت لـعـيـنيّ فـأجـرتـهـا حـالاً وبـلا تـردد.

وبـانـتـقـالـنـا إلـيـهـا في الـخـريـف بـدأت حـيـاتـنـا الـعـمـلـيـة حـقّـاً. وكـانـت الـدّار تـنـاسـب تـمـامـاً مـا نـريـد، وإن اعـتـبـر الـبـعـض أنّـهـا بـعـيـدة عـن مـركـز الـمـديـنـة، وقـد أصـبـحـت الآن في وسـط الـمـديـنـة لـشـدّة مـا تـوسـعـت بـغـداد وامـتـدّت”.

“وكـانـت داراً كـبـيـرة فـيـهـا 20 غـرفـة واسـعـة حـول حـوش مـفـتـوح، أمـامـهـا شـرفـات عـريـضـة. وعـلى واحـدة مـن هـذه الـشّـرفـات يـمـكـن لـ 300 ولـد أن يـجـلـسـوا، وكـنّـا نـعـقـد فـيـهـا اجـتـمـاعـاتـنـا في الـصّـبـاح، وفـيـهـا كـانـت تـجـري بـعـض الـنّـشـاطـات الـمـدرسـيـة. وكـان في الـدّار أيـضـاً سـراديـب مـعـقـودة الـسّـقـوف، وكـانـت غـرفـهـا عـالـيـة الـسّـقـوف ولـهـذا قـررنـا أنّ سـعـتـهـا تـكـفي لاتـخـاذهـا سـكـنّـاً لـنـا ومـدرسـة لـتـلامـيـذنـا. وقـد أحـسـسـت بـنـفـسي سـيّـدة مـن الـطّـبـقـة الـعـلـيـا وأنـا أتـمـخـتـر في  أنـحـاء هـذا الـقـصـر qasr . وأنـا أعـتـقـد حـقّـاً أنّـهـا غـيّـرتـني وأجـبـرتـني عـلى أن أتـصـرف حـسـب مـا يـتـطـلـبـه مـنّي الـسّـكـن في قـصـر. فـفي هـذه الـدّار الـكـبـيـرة يـمـتـلئ الـمـرء هـيـبـةً فـيـتـصـرّف بـهـيـبـة. وقـد أضـفى عـليّ ذلـك، وأنـا الـبـسـيـطـة الأصـل، مـظـهـر سـيـادة كـنـت أحـتـاج إلـيـه لإدارة الـمـدرسـة”.

“وقـد قـال لي صـديـق في يـوم مـن الأيّـام : “أنـتِ لـن تـغـيّـري الـشّـرق، ولـكـنّ الـشّـرق سـيـغـيـرك!”. ولـم يـكـن هـذا صـحـيـحـاً تـمـامـاً، فـقـد جـاء الـتّـغـيـيـر مـن الـجـانـبـيـن.

وكـان في وسـط الـحـوش الـمـفـتـوح حـديـقـة مـثـمـنـة الأضـلاع تـنـتـصـب فـيـه أشـجـار وتـتـفـتـح فـيـهـا زهـور. وكـان زوجي يـسـمـيـهـا بـالـغـابـة لأنّ شـجـرة زيـتـون مـدّت أغـصـانـهـا في كـلّ الإتـجـاهـات بـجـانـب شـجـرتي نـارنـج وشـجـرتي دفـلى تـزهـر واحـدة أزهـاراً حـمـراء، والأخـرى أزهـاراً بـيـضـاء. وكـان فـيـهـا أيـضـاً نـخـلـة، ولـفـتـرة مـن الـزّمـن كـان فـيـهـا شـجـرة مـوز تـتـفـتـح أوراقـهـا الـواسـعـة سـاحـرة الـمـلـمـس.

وخـلال تـلـك الـسّـنـوات كـان الـجـلـوس فـيـهـا في الأمـسـيـات مـريـحـاً ومـنـعـشـاً، وكـان زوجي يـسـمـيـهـا : “غـابـة الـبـيـت “.

“وكـان لـهـذا “الـقـصـر” الـمـهـيـب قـصّـة مـدهـشـة، فـقـد اسـتـعـمـلـه الـبـريـطـانـيـون نـاديـاً لـضـبّـاطـهـم. وكـان الإيـطـالـيـون قـد اتـخـذوه قـنـصـلـيـة لـهـم، ووجـدنـا بـقـايـا عـلـمـهـم عـلى الـسّـطـح حـيـنـمـا أجّـرنـا الـقـصـر، وخـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى إخـتـارتـه الـقـيـادة الألـمـانـيـة مـقـرّاً لـهـا. وغـالـبـاً مـا حـذرونـا مـن أنّ شـبـح الـجـنـرال فـون ديـر غـولـتـز كـان يـتـجـوّل في أنـحـائـه”(3).

(أنـظـر مـقـالي : إيـدا سـتـاوت ومـدرسـة الـبـنـيـن الأمـريـكـيـة في بـغـداد بـيـن 1924 و1947 ).

 

الإنـكـلـيـزيـة فـريـا م. سـتـارك  Freya Madeline STARK :

 ولـدت فـريـا مـادلـيـن ســتـارك في بـاريـس، فـرنـسـا سـنـة 1893 مـن أبـويـن بـريـطـانـيـيـن. وكـان أبـوهـا روبـرت قـد درس الـرّسـم  في رومـا، والـتـقى بـأمّـهـا فـلـورا الّـتي كـانـت قـد نـشـأت وتـرعـرعـت في فـلـورنـسـا، والّـتي كـانـت هي أيـضـاً رسّـامـة وعـازفـة بـيـانـو.

وكـانـت فـريـا مـنـذ طـفـولـتـهـا سـيـئـة الـصّـحـة تـقـضي سـاعـات طـويـلـة مـن أيـامـهـا في الـقـراءة. وتـكـلّـمـت الإنـكـلـيـزيـة والـفـرنـسـيـة والإيـطـالـيـة في فـتـرة مـبـكـرة مـن حـيـاتـهـا. ودخـل الـشّـرق في مـخـيـلـتـهـا مـنـذ سـنّ الـتّـاسـعـة عـنـدمـا أهـدتـهـا إحـدى عـمـاتـهـا تـرجـمـة “ألـف لـيـلـة ولـيـلـة Arabian Nights  “.

وفي سـنـوات طـفـولـة فـريـا تـوتـرت الـعـلاقـات بـيـن أمّـهـا وأبـيـهـا، وتـركـت أمّـهـا الـدّار مـصـطـحـبـة أطـفـالـهـا وذهـبـت لـتـعـيـش في شـمـال إيـطالـيـا.

وعـمـلـت فـريـا كـمـمـرضـة في إيـطالـيـا خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى، ثـمّ عـادت في نـهـايـتـهـا إلى بـيـت أمّـهـا. واستـمـرت تـقـرأ رحـلات الأوربـيـيـن إلى الـشّـرق مـمـا دفـعـهـا إلى دراسـة الـلـغـة الـعـربـيـة.

فـريـا تـتـعـلّـم الـلـغـة الـعـربـيـة :

وجـدت فـريـا راهـبـاً كـبـوشـيـاً كان قـد عـاش ثـلاثـيـن سـنـة في بـيـروت قـبـل أن يـعـود إلى إيـطـالـيـا ويـدخـل ديـراً في San Remo. ولـمـدة سـنـوات سـارت فـريـا مـن الـحـقـل الّـذي كـانـت تـعـمـل فـيـه سـاعـة كـامـلـة لـتـصـل إلى أقـرب مـحـطة قـطـار ثـمّ تـركـب الـقـطـار الـمـغـادر إلى سـان ريـمـو، عـدّة مـرّات في الأسـبـوع. وقـضـت سـنـوات طـويـلـة تـتـابـع دروس الـرّاهـب وتـحـفـظ الأفـعـال الـعـربـيـة وتـصـرفـهـا.

ثـمّ سـافـرت إلى لـنـدن عـام 1926، وكـانـت في الـثّـالـثـة والـثّـلاثـيـن مـن عـمـرهـا ووجـدت أسـتـاذاً مـصـريـاً لـيـسـاعـدهـا في دراسـتـهـا لـلـعـربـيـة.

فـريـا تـسـافـر إلى الـشّـرق وتـصـل إلى الـعـراق :

وفي 1927 تـركـت فـريـا أمّـهـا والـحـقـل نـهـائـيـاً لـتـعـود إلى لـنـدن وتـدخـل في مـعـهـد الـدّراسـات الـشّـرقـيـة London school of Oriental Studies . وعـنـدمـا جـمـعـت مـا يـكـفي مـن الـنّـقـود لـشـراء بـطـاقـة سـفـر عـلى بـاخـرة، إسـتـقـلـتـهـا في خـريـف ذلـك الـعـام نـحـو بـيـروت، ثـمّ ذهـبـت إلى دمـشـق وزارت جـبـل الـدّروز.

وفي 25 تـشـريـن الـثّـاني 1929 وصـلـت فـريـا إلى بـغـداد الّـتي كـانـت مـديـنـة مـتـعـددة الـلـغـات والـثّـقـافـات والأعـراق.

وقـد اسـتـفـزت الأوربـيـيـن، وخـاصـة الـبـريـطـانـيـيـن، عـنـدمـا اخـتـارت لـهـا سـكـنـاً في حي شـعـبي لـتـسـتـطـيـع أن تـخـتـلـط بـالـنّـاس وتـحـسّـن لـغـتـهـا، كـمـا تـابـعـت دروسـاً في الـقـراءة والـكـتـابـة في مـدرسـة مـع بـنـات صـغـيـرات.

وعـمـلـت فـريـا مـحـررة في جـريـدة  Baghdad Times  في 1932، وفـيـهـا نـشـرت مـقـالات جـمـعـتـهـا بـعـد ذلك في كـتـاب نـشـرتـه في The Times Press Ltd. في بـغـداد تـحـت عـنـوان إسـكـيـتـشـات بـغـداديـة Baghdad sketches، (وقـد اسـتـعـمـلـت كـلـمـة  sketches  هـنـا بـمـعـنـاهـا الـفـنّي أي الـتـخـطـيـطـات الـسّـريـعـة الّـتي يـنـفّـذهـا الـرّسـام).

وفي 1938 نـشـرت طـبـعـة ثـانـيـة مـن كـتـابـهـا “إسـكـتـشـات بـغـداديـة” بـعـد أن أضـافـت ثـمـانـيـة فـصـول كـتـبـتـهـا خـلال سـفـرة كـانـت قـد قـامـت بـهـا قـبـل ذلـك بـقـلـيـل.

F S 9

كـمـا أنّـهـا أعـدّت في أواخـر سـنـوات حـيـاتـهـا مـخـتـارات مـن رسـائـلـهـا الّـتي كـانـت قـد كـتـبـتـهـا إلى أهـلـهـا ومـعـارفـهـا طـيـلـة حـيـاتـهـا والّـتي كـانـت قـد احـتـفـظـت بـنـسـخ مـنـهـا ونـشـرتـهـا في ثـمـانـيـة أجـزاء، مـن 1974 إلى 1982.

تـتـكـلّـم فـريـا م. سـتـارك في رسـائـلـهـا عـن “أحـيـاء الـمـسـلـمـيـن” في بـغـداد، وتـعـني بـهـا الأحـيـاء الـبـغـداديـة الـشّـعـبـيـة. وهي تـفـرّق بـيـنـهـا وبـيـن الأحـيـاء الـحـديـثـة الّـتي كـان الأجـانـب وخـاصـة الإنـكـلـيـز يـسـكـنـون فـيـهـا. وقـد ذكـرنـا كـيـف أنّـهـا اخـتـارت أن تـسـكـن في دار في حي بـغـدادي أصـيـل لـتـخـتـلـط بـالـنّـاس ولـتـحـسـن لـغـتـهـا الـعـربـيـة، وهـو مـا اسـتـفـزّ الإنـكـلـيـز.

رسـالـة فـريـا إلى أبـيـهـا روبـرت في 2 تـشـريـن الـثّـاني  1929 :

“أعـتـقـد أنـني وجـدت داراً هـذا الـيـوم : ثـلاث غـرف وسـطـح وسـرداب. وقـد أعـيـد صـبـغـهـا بـالأبـيـض وقـضـبـان الـنّـوافـذ ومـا حـول الـنّـوافـذ بـالأزرق. وخـشـب بـابـهـا مـلـتـمـع يـعـلـوه قـوس، ولـه قـبـضـة نـحـاسـيـة. والـسّـطـح مـحـاط بـصـفـائـح حـديـد    مـتـمـوّجـة corrugated Iron  فـيـه فـتـحـات نـسـتـطـيـع أن نـنـظـر مـن خـلالـهـا مـن غـيـر أن يـرانـا أحـد مـن الـخـارج. ولـيـس عـلى الـنّـوافـذ زجـاج، ولـكـنـني أسـتـطـيـع أن أرى [مـن الـنّـافـذة ] شـجـرة تـعـجـبـني كـثـيـراً تـخـرج رأسـهـا مـن حـديـقـة الـجـامـع”.

وتـقـصّ فـريـا في الـفـصـل الـثّـالـث مـن كـتـابـهـا “إسـكـيـتـشـات بـغـداديـة” الّـذي ألّـفـتـه بـعـد ثـلاث سـنـوات مـن كـتـابـة رسـالـتـهـا لأبـيـهـا، كـيـف أنّـهـا تـجـوّلـت في الـمـديـنـة ودخـلـت لابـيـرنـث الـدّروب الـضّـيـقـة الـمـتـلـوّيـة. وأبـصـرت بـدار فـارغـة، جـدرانـهـا مـن الـطّـابـوق وعـلـيـهـا لافـتـة بـالـعـربـيـة تـذكـر أنّـهـا لـلـبـيـع.

ولـكـنّ الّـذي جـذب نـظـرهـا كـانـت الـدّار الـمـجـاورة الّـتي رأت فـيـهـا “مـلّا” عـجـوزاً جـلـس مـتـربّـعـاً يـعـلّـم عـشـريـن أو ثـلاثـيـن طـفـلاً الـقـراءة. ولـم يـكـن لـهـم إلّا مـا يـقـارب الـعـشـرة مـصاحـف، فـتـجـمّـعـوا حـولـهـا : ثـلاثـة أو أربـعـة حـول كـلّ مـصـحـف، يـرددون بـأصـواتـهـم الـطـفـولـيـة آيـاتٍ قـرآنـيـة. وبـيـن الـحـيـن والـحـيـن، يـصـل طـفـل ويـخـلـع نـعـلـيـه لـيـدخـل في الـحـلـقـة، بـيـنـمـا يـنـهـض مـن أصـابـه الـمـلـل مـنـهـم لـيـتـجـوّل بـيـن الـنّـبـاتـات والـزّهـور، ثـمّ يـعـود إلى مـكـانـه بـعـد ذلـك. وكـان الـمـلّا أبـيـض الـعـمـامـة طـلى لـحـيـتـه بـالـحـنّـاء، وعـلى وجـهـه الـعـجـوز مـلامـح الـطّـيـبـة، ولـم يـكـن يـبـدو عـلى تـلامـيـذه أنّـهـم يـخـشـونـه.

وقـد أعـجـب فـريـا الـنّـظـر إلـيـهـم  فـقـررت الـسّـكـن في الـدّار الـمـجـاورة الـمـعـروضـة لـلـبـيـع. ثـمّ جـاءهـا صـديـق الـدّبـاغ (الّـذي كـانـت قـد الـتـقـت بـه في دمـشـق) إلى فـنـدقـهـا، واسـمـه نـوري فـلان Nuri Fulan (لا شـكّ في أنّـهـا غـيّـرت اسـم مـنـيـر الـوكـيـل إلى نـوري فـلان تـحـاشـيـاً لـلـمـشـاكـل)، وسـاعـدهـا في تـأجـيـر هـذه الـدّار.

عـنـدمـا دخـلـت مـن الـبـاب الـخـشـبي الـمـصـبـوغ بـالأزرق الـفـاتـح والّـذي تـزيـنـه قـبـضـة ومـطـرقـة نـحـاسـيـتـان، وجـدت في وسـط الـدّار حـوشـاً صـغـيـراً مـعـتـمـاً، ومـن الـجـهـة الـمـقـابـلـة غـرفـة صـغـيـرة أُريـد لـهـا أن تـكـون مـطـبـخـاً، فـيـهـا طـاولـة وبـريـمـز Primus stove وحـبّ لـلـمـاء. وكـان هـذا كـلّ مـافي الـدّار مـن أثـاث. ووجـدت سـلّـمـاً صـعـدت عـلـيـه إلى غـرفـة.

ولـتـأثـيـث الـدّار ذهـبـت فـريـا إلى مـا كـان يـعـرف بـسـوق الـحـرامـيّـة            thieves’ bazar لـتـشـتـري كـلّ مـا تـحـتـاجـه، ووجـدت حـمـالاً كـرديـا أدهـشـهـا عـنـدمـا وضـع كـلّ مـا اشـتـرتـه عـلى ظـهـره وتـبـعـهـا إلى الـدّار. وتـروي كـيـف رحّـب بـهـا جـيـرانـهـا واسـتـقـبـلـوهـا بـحـفـاوة وسـاعـدوهـا.

رسـالـة فـريـا إلى Herbert Young  في 8  تـشـريـن الـثّـاني :

“أجّـرت الـدّار. وقـد اقـتـرحـت عـليّ امـرأة طـيـبـة لا أعـرفـهـا أن تـعـيـرني حـصـانـاً لأتـنـقّـل عـلـيـه. أذهـب كـلّ صـبـاح إلى مـدرسـة أتـعـلّـم فـيـهـا الـلـغـة الـعـربـيـة في صـفّ فـيـه سـتّ وعـشـرون بـنـتـاً يـتـقـافـزن جـمـيـعـاً لإعـارتي كـتـبـهـنّ وأقـلامـهـنّ وأوراقـهـنّ، ويـغـدقـن عـليّ الـنّـصـائـح ويـنـصـتـن إليّ وأنـا أقـرأ بـبـطء شـديـد جـمـلاً مـن كـتـاب الـقـراءة ـ الـمـسـتـوى الـثّـالـث، ثـمّ يـصـحـحـن أخـطـائي”.

رسـالـة فـريـا إلى Venitia في 24 تـشـريـن الـثّـاني :

“بـائـع الـخـضـروات الّـذي يـعـيـش في دكـانـه الـصّـغـيـر الـمـفـتـوح (لـيـس لـه واجـهـة) مـقـابـل داري، بـاع لي يـشـمـاغـه الأبـيـض والأسـود لأغـطّي بـه طـاولـة الـشّـاي عـنـدمـا أسـتـقـبـل الـنّـاس في داري”.

“لـن أبـقى مـدّة طـويـلـة في هـذه الـدّار. كـلّ أشـبـاح سـاكـنـيـهـا نـهـضـوا مـن قـبـورهـم : إنـبـعـثـت روائـحـهـم طـلّ الـلـيـل حـتّى أكـاد أخـتـنـق ولا أسـتـطـيـع الـتّـنـفـس، وبـدأت أبـحـث عـن مـسـكـن أقـلّ تـسـمـمـاً”.

رسـالـة فـريـا إلى أبـيـهـا روبـرت في 27 تـشـريـن الـثّـاني :

“في غـرفـتي الـجـديـدة شـرفـة وأربـع نـوافـذ كـبـيـرة تـطـلّ عـلى الـنّـهـر، ولـكـنّـهـا فـارغـة بـاردة بـعـيـدة. وأقـصـر الـطّـرق إلى [مـركـز الـمـديـنـة ]أن أعـبـر الـنّـهـر بـقـارب مـن هـذا الـجـانـب، وبـعـد ذلـك أمـرّ بـهـذا الـشّـارع الـقـبـيـح الّـذي بـلّـطـوه، والّـذي يـخـتـرق بـغـداد مـسـتـقـيـمـاً لا يـتـعـرّج، تـقـلـيـداً مـزيّـفـاً لـشـوارع أوربـا(4). ثـم ّ أتـركـه مـتـجـهـة إلى مـدرسـتي في آخـر دروب ضـيّـقـة. وكـلّ يـوم أدور إلى الـيـسـار عـنـدمـا أصـل إلى جـامـع الـحـيـدرخـانـة بـطـابـوقـه الـمـزجـج الأصـفـر والأزرق، وأمـرّ أمـام عـدد مـن الـبـدويـات الـجـالـسـات الـقـرفـصـاء أمـام سـلال فـيـهـا أرغـفـة خـبـز مـسـطّـحـة، وأمـام مـجـمـوعـة مـن الـحـمـالـيـن الأكـراد بـعـمـامـات مـن قـمـاش الـقـطـن الـمـخـطـط بـالأحـمـر، ويـرتـدون سـتـرات مـن لـبـد ثـخـيـن”.

(أنـظـر مـقـالي : فـريـا مـادلـيـن ســتـارك والـعـراق ).

 

الإنـكـلـيـزيـة أجـاثـا كـريـسـتي Agatha Christie :

ولـدت أجـاثـا في 1890، في عـائـلـة بـريـطـانـيـة مـيـسـورة الـحـال مـن الـطّـبـقـة الـوسـطى. قـد رفـضـت أمّـهـا أن تـدخـلـهـا في مـدرسـة، وفـضّـلـت أن تـتـولى تـعـلـيـمـهـا في الـدّار، مـمـا تـرك لـلـطّـفـلـة الـصّـغـيـرة وقـتـاً لـتـنـمـيـة حـبّـهـا لـلـقـراءة وحـبّـهـا لـلـحـيـوانـات بـدلاً مـن الـلـعـب مـع الأطـفـال الآخـريـن. وعـنـدمـا بـلـغـت سـن الـحـاديـة عـشـرة تـوفي والـدهـا. وقـد ذكـرت بـعـد ذلـك أنّ طـفـولـتـهـا انـتـهـت بـوفـاة والـدهـا. وسـاءت حـالـة الـعـائـلـة الـمـاديـة. ودخـلـت أجـاثـا في الـعـام الـتّـالي مـدرسـة لأوّل مـرّة في حـيـاتـهـا، ولـكـنّـهـا وجـدت الـنّـظـام الّـذي لـم تـكـن قـد تـعـودت عـلـيـه صـعـبـاً. وقـد أرسـلـت في سـن الـخـامـسـة عـشـرة إلى بـاريـس، فـرنـسـا، وغـيّـرت الـمـدرسـة الـدّاخـلـيـة ثـلاث مـرّات قـبـل أن تـنـهي دراسـتـهـا وتـعـود إلى إنـكـلـتـرة في 1910، وكـانـت في الـعـشـريـن مـن عـمـرهـا.

وقـد اكـتـشـفـت عـنـد عـودتـهـا إلى إنـكـلـتـرة أنّ أمّـهـا كـانـت مـريـضـة وأنّ الأطـبّـاء نـصـحـوهـا بـتـغـيـيـر الـجـو والـذّهـاب إلى بـلـد طـقـسـه جـاف وسـاخـن، فـصـاحـبـت أجـاثـا أمّـهـا إلى الـقـاهـرة.

وفي1912، إلـتـقـت أجـاثـا بـأرشـيـبـولـد كـريـسـتي  Archibald Christie  الّـذي أرسـل لـلـقـتـال في فـرنـسـا عـنـدمـا انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى في 1914، فـتـطـوعـت أجـاثـا لـلـخـدمـة في مـسـتـشـفى. وتـزوّجـا في نـهـايـة عـام 1914، وأخـذت اسـم زوجـهـا وأصـبـحـت : أجـاثـا كـريـسـتي Agatha Christie .

وقـد نـشـرت أجـاثـا كـريـسـتي حـتّى عـام وفـاتـهـا في 1976 : 79 روايـة بـولـيـسـيـة ومـجـمـوعـة قـصـصـيـة، و 19 مـسـرحـيـة أشـهـرهـا : مـصـيـدة الـفـئـران. كـمـا نـشـرت سـتّ روايـات تـحـت اسـم مـسـتـعـار: Mary Westmacott .

وبـيـع مـن كـتـبـهـا أكـثـر مـن بـلـيـون نـسـخـة بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة وأكـثـر مـن بـلـيـون نـسـخـة مـن تـرجـمـاتـهـا إلى 44 لـغـة أجـنـبـيـة (مـن بـيـنـهـا الـلـغـة الـعـربـيـة).

ومـاعـدا أعـمـالـهـا الـرّوائـيـة والـقـصـصـيـة والـمـسـرحـيـة، نـشـرت أجـاثـا كـريـسـتـي أربـعـة كـتـب مـن بـيـنـهـا سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة  An Autobiography الّـتي صـدرت في 1977 ، أي بـعـد عـام مـن وفـاتـهـا ، وكـتـاب                          Come, Tell Me How You Live  الّـذي تـتـكـلّـم فـيـه عـن عـدّة بـعـثـات تـنـقـيـب شـاركـت فـيـهـا مـع زوجـهـا الـثّـاني عـالـم الآثـار مـاكـس مـالـوان Max MALLOWAN.

أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق :

بـعـد أن طـلّـقـت Archibald  في 1928، سـافـرت أجـاثـا كـريـسـتي إلى الـعـراق في 1929، وزارت الـتّـنـقـيـبـات الأثـريّـة في أور والّـتي كـان يـشـرف عـلـيـهـا  لـيـونارد  وولي Leonard WOOLLEY . ورغـم أنّ وولي كـان يـرفـض دخـول الـسّـواح إلى الـمـوقـع، فـقـد قـبـل أن يـسـتـقـبـل أجـاثـا كـريـسـتي لأنّ زوجـتـه كـاثـريـن كـانـت مـن الـمـعـجـبـات بـروايـاتهـا.

وفي الـعـام الـتّـالي 1930، بـعـثـت لـهـا كـاثـريـن بـدعـوة ثـانـيـة لـتـزور الـمـوقـع . وطـلـبـت  مـن عـالـم الآثـار، الّـذي كـان في وقـتـهـا مـبـتـدءاً، مـاكـس مـالـوان   Max MALLOWANأن يـكـون دلـيـلاً لـلـكـاتـبـة في زيـارتـهـا لـلـمـوقـع. وعـنـدمـا قـطـعـت أجـاثـا   كـريـسـتي زيـارتـهـا لـتـعـود إلى إنـكـلـتـرة بـعـد أن جـاءهـا خـبـر مـرض ابـنـتـهـا، صـاحـبـهـا مـالـوان ، ثـم عـاد إلى أور. وذهـب مـالـوان مـن جـديـد بـعـد عـدّة أشـهـر إلى إنـكـلـتـرة لـيـطـلـب مـن أجـاثـا أن تـتـزوّجـه، وقـبـلـت . وكـانـت أجـاثـا في الأربـعـيـن مـن عـمـرهـا.

وقـرر مـالـوان أن يـتـرك الـتّـنـقـيـبـات في أور لـيـبـحـث عـن مـوقـع يـمـكـن لأجـاثـا أن تـصـاحـبـه فـيـه. وبـدءا في 1931/ 1932 مـوسـم تـنـقـيـبـاتـهـمـا الأوّل في نـيـنـوى، وقـد شـاركـت فـيـهـا أجـاثـا كـمـسـاعـدة تـنـظّـف الـقـطـع الأثـريـة وتـرمـمـهـا وتـصـنّـفـهـا، كـمـا الـتـقـطـت صـوراً فـوتـوغـرافـيـة لـلـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـرعـلـيـهـا في الـمـوقـع. ثـمّ مـوّل الـمـتـحـف الـبـريـطـاني تـنـقـيـبـات في مـوقـع تـلّ عـربـجـيـة Tell Arpachiyah ، بـدأ مـالـوان بـالإشـراف عـلـيـهـا في ربـيـع 1933، وبـقـيـت أجـاثـا مـع زوجـهـا في نـيـنـوى إلى عـام 1934.

وفي 1947 عـيّـن مـالـوان مـديـراً لـلـمـدرسـة الـبـريـطـانـيـة لآثـارالـعـراق               British School of Archaeology in Iraq وأشـرف عـلى الـتّـنـقـيـبـات الّـتي نـظّـمـتـهـا الـمـدرسـة بـالإشـتـراك مـع الـمـتـحـف الـبـريـطـاني في مـوقـع نـمـرود والّـتي اسـتـمـرت عـدّة مـواسـم مـن 1948/ 1949 وإلى 1958. وقـد وجـدت في هـذه الـحـمـلات مـنـحـوتـات عـاجـيـة، ويـذكـر مـالـوان أنّ أجـاثـا هي الّـتي نـصـحـتـه أن يـخـرج هـذه الـقـطـع مـن مـخـابـئـهـا تـدريـجـيـاً حـتّى لا تـجـفّ في الـهـواء الـسّـاخـن وتـتـكـسـر.

(أنـظـر مـقـالي : أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق ).

وتـتـكـلّـم أجـاثـا كـريـسـتـي عـن الـعـراق خـاصـة في ثـلاثـة كـتـب : روايـتـيـن بـولـيـسـيـتـيـن : “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia”،الّـتي تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان: “جـريـمـة في الـعـراق”، و« They Came to Baghdad » الّـتي تـرجـمـت إلى الـعـربـيـة تـحـت عـنـوان : “مـوعـد في بـغـداد” و “لـقـاء في بـغـداد”.

وفي سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة الّـتي تـسـرد فـيـه ذكـريـاتـهـا : « An Autobiography » الّـتي صـدرت في تـشـريـن الـثّـاني 1977، أي بـعـد مـا يـقـارب عـامـيـن مـن وفـاتـهـا في كـانـون الـثّـاني 1976.

الـسّـيـرة الـذّاتـيـة :

تـتـكـلّـم أجـاثـا كـريـسـتـي عـن دارهـا الـبـغـداديـة في نـهـايـة الـكـتـاب تـقـريـبـاً، في سـردهـا لأحـداث سـنـة 1948:

” ولـم أتـكـلّـم بـعـد عـن دارنـا في بـغـداد، فـقـد كـانـت لـنـا دار تـركـيـة قـديـمـة في الـصّـوب الـغـربي لـدجـلـة.

Aga 001

وكـان الـنّـاس يـتـعـجـبـون مـن غـرابـة ذوقـنـا ومـن مـحـبـتـنـا لـهـا، ومـن رفـضـنـا لـلـسّـكـن في واحـدة مـن هـذه “الـصّـنـاديـق” الـحـديـثـة. ولـكـنّ دارنـا الـتّـركـيـة كـانـت مـبـهـجـة، مـنـعـشـة الـبـرودة بـحـوشـهـا ونـخـلاتـهـا الّـتي تـرتـفـع ويـمـس سـعـفـهـا أطـراف الـشّـرفـة.

Aga 003

وكـان خـلـف دارنـا غـابـات نـخـيـل تـرويـهـا الـسّـواقي، وصـرائـف بـالـغـة الـصّـغـر صـنـعـت مـن صـفـائـح قـصـديـر (تـنـكـات بـنـزيـن) ركّـب بـعـضـهـا عـلى بـعـض، يـلـعـب حـولـهـا أطـفـال بـمـرح وسـعـادة. وكـانـت الـنّـسـاء يـدخـلـنـهـا ويـخـرجـن مـنـهـا ويـنـزلـن إلى الـنّـهـر لـغـسـل صـحـونـهـنّ وقـدورهـنّ. يـعـيـش الأغـنـيـاء والـفـقـراء في بـغـداد خـدّاً عـلى خـدّ.

ومـا أشـدّ مـا تـوسـعـت [الـمـديـنـة] مـنـذ أن رأيـتـهـا لأوّل مـرّة. وأغـلـب الـبـنـايـات الـحـديـثـة شـديـدة الـقـبـح، ولا تـنـاسـب الـطّـقـس هـنـا. نـسـخـت مـن مـجـلّات حـديـثـة، فـرنـسـيـة أو ألـمـانـيـة أو إيـطـالـيـة. ولـم يـعـد الـنّـاس يـسـتـطـيـعـون فـيـهـا الـنّـزول إلى سـرداب sirdab مـنـعـش الـبـرودة في أيّـام الـقـيـظ، ولـم تـعـد الـنّـوافـذ طـاقـات صـغـيـرة في أعـالي الـجـدران لـتـحـمـيـهـم مـن أشـعـة الـشّـمـس الـمـلـتـهـبـة.

وربّـمـا تـحـسّـنـت أنـابـيـب الـمـيـاه فـيـهـا (وهي لا يـمـكـن أن تـكـون أسـوء مـمـا كـانـت عـلـيـه)، مـع أنـني لـسـت مـتـأكّـدة مـن ذلـك. فـأنـابـيـب الـمـيـاه الـحـديـثـة تـبـدو جـيّـدة الـنّـوعـيـة، وفي الـحـمّـامـات أحـواض أرجـوانـيـة أو سـحـلـبـيـة الألـوان، ولـكـنّ مـجـاري الـصّـرف تـحـتـاج إلى تـحـسـيـنـات ضـروريـة. وقـد كـانـت تـرتـمي في دجـلـة في مـاضي الـزّمـان، ولـكـنّـهـا لـم تـعـد تـكـفي كـمـيـات الـمـيـاه الّـتي تـنـدفـع نـحـوهـا وتـتـجـمـع في أيّـامـنـا هـذه”. (4)

جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

وتـجـري أحـداث روايـة “جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia”، الّـتي نـشـرت عـام 1936، في مـوقـع تـنـقـيـبـات أثـريـة لـلـبـحـث عـن مـديـنـة آشـوريـة كـبـيـرة “مـثـل نـيـنـوى شـيـئـاً مـا”، إسـمـه تـلّ يـاريـمـجـه Tell Yarimjah، قـرب مـديـنـة اسـمـهـا الـحـسـنـيـة Hassanieh، تـبـعـد مـسـافـة مـسـيـرة يـوم ونـصـف مـن بـغـداد.

ويـسـكـن الـمـنـقّـبـون في دار شـيّـدت وسـط الـمـوقـع في وسـطـهـا حـوش حـولـه غـرف الـسّـكـن وخـزن الـقـطـع الأثـريـة يـعـلـوه سـطـح يـنـامـون عـلـيـه.

(أنـظـر مـقـالي : روايـة « جـريـمـة في بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن Murder in Mesopotamia  » لأجـاثـا كـريـسـتي. ).

أمّـا في روايـة “مـوعـد في بـغـداد  They Came to Baghdad” الّـتي نـشـرت عـام 1951، فـنـجـد إشـارات إلى بـيـوت تـراثـيـة بـغـداديـة. وذهـبـت فـيـكـتـوريـا، بـطـلـة الـرّوايـة، تـبـحـث عـن بـيـت الـمـلـك عـلي Beit Melik Ali” الّـذي ضـرب لـهـا إدوارد مـوعـداً أمـامـه. وبـعـد أن سـألـت عـن الـعـنـوان وجـدت داراً كـبـيـرة تـطـلّ عـلى ضـفـة الـنّـهـر الـغـربـيـة. ودهـشـت عـنـدمـا أوصـلـهـا درب ضـيّـق إلى الـنّـهـر :

“إسـتـدارت إلى الـيـمـيـن وسـارت بـتـمـهـل بـمـحـاذاة الـسّـدّة الـعـالـيـة. كـانـت الـسّـدّة في بـعـض أجـزائـهـا قـد هـدّمـهـا الـمـاء، ولـم تـكـن في بـعـض الأحـيـان قـد رمـمـت أو أعـيـد بـنـاؤهـا. وكـان أمـام إحـدى الـدّور درجـات لـو سـلـكـهـا الـمـرء في لـيـل مـظـلـم لأودت بـه في الـمـاء. نـظـرت فـيـكـتـوريـا إلى الـمـاء تـحـتـهـا واسـتـمـرّت في سـيـرهـا، ثـمّ تـوسّـع الـدّرب وصـار مـبـلـطـاً بـالـحـجـارة. وكـان يـبـدو أنّ الـدّور الـمـمـتـدّة عـلى يـمـيـنـهـا تـخـفي أسـرارهـا بـغـيـرة، لا يـمـكـن ألـقـاء نـظـرات داخـلـهـا ولا عـلى سـاكـنـيـهـا. ولـكـنّـهـا وجـدت أحـيـانـاً بـابـاً مـفـتـوحـاً نـظـرت مـن خـلالـه فـسـحـرهـا الـتّـنـاقـض بـيـن الـخـارج والـدّاخـل. وتـسـلـلـت نـظـراتـهـا في حـوش دار تـتـوسـطـه نـافـورة تـنـفـث مـاءهـا وحـولـهـا مـقـاعـد وثـيـرة وكـراسي، ونـخـلات بـاسـقـة في حـديـقـة وراء الـحـوش تـبـدو مـثـل ديـكـورات مـن الـقـمـاش عـلى خـشـبـة مـسـرح. وعـنـدمـا تـسـلـلـت نـظـراتـهـا في داخـل دار أخـرى كـان لـهـا نـفـس مـظـهـر الأولى الـخـارجي لـمـحـت مـمـرات مـظـلـمـة وأكـوام نـفـايـات في وسـطـهـا خـمـسـة أطـفـال أو سـتّـة وسـخـيـن بـمـلابـس رثّـة يـلـعـبـون بـهـا. ثـمّ وصـلـت إلى غـابـة نـخـيـل كـثـيـفـة، ومـرّت بـدرجـات سـلّـم عـلى يـسـارهـا تـفـضي إلى الـنّـهـر، ورأت رجـلاً عـربـيـاً جـالـسـاً في بـلـم بـدائي لـه مـجـذافـان يـصـيـح نـحـوهـا ويـحـرك ذراعـيـه في الـهـواء. لا بـدّ أنّـه كـان يـسـألـهـا إن كـانـت تـريـد الـعـبـور إلى الـصّـوب الـمـقـابـل. وخـيّـل إلـيـهـا أنّـهـا كـانـت في مـقـابـل فـنـدقـهـا، وإن كـان صـعـبـاً الـتّـعـرف عـلى الأشـكـال الـمـعـمـاريـة لـلـبـنـايـات عـبـر الـنّـهـر، وبـنـايـات الـفـنـادق تـتـشـابـه فـيـمـا بـيـنـهـا. ثـمّ بـلـغـت طـريـقـاً تـؤدّي خـلال غـابـات الـنّـخـيـل إلى داريـن عـالـيـتـيـن عـلى واجـهـتـيـهـمـا شـرفـات. وكـان خـلـفـهـمـا دار ضـخـمـة شـيّـدت مـبـاشـرة عـلى ضـفـة الـنّـهـر حـولـهـا حـديـقـة وحـيـطـان. وكـان الـدّرب الـمـحـاذي لـلـنّـهـر يـمـرّ وسـط مـا لا بـدّ أنّـهـا دار الـمـلـك عـلي”.

“وبـعـد أن مـرّت أمـام مـدخـلـهـا وصـلـت بـعـد دقـائـق إلى مـكـان بـالـغ الـوسـاخـة، وحـجـبـت الـنّـهـر نـخـيـل. وكـان الـمـكـان مـسـوّراً بـأسـلاك شـائـكـة صـدئـة. وكـان عـلى يـمـيـنـهـا دور خـربـة وسـط حـيـطـان مـن الـطّـيـن وصـرائـف حـولـهـا أطـفـال يـلـعـبـون في الـقـذارة وأسـراب ذبـاب تـتـطـايـر فـوق أكـوام الـزّبـالـة”.

وفي مـقـطـع آخـر مـن الـرّوايـة، غـابـت فـيـكـتـوريـا عـن وعـيـهـا بـعـد أن خـدرهـا أعـداؤهـا. وعـنـدمـا اسـتـيـقـظـت :  “كـانـت في غـرفـة صـغـيـرة ولـكـن عـالـيـة جـدّاً، صـبـغـت بـلـون رصـاصي فـاتـح مـزرقّ يـثـيـر الـكـآبـة. وكـانـت أرضـيـتـهـا مـن الـطّـيـن. ويـبـدو أنّ الأثـاث الـوحـيـد فـيـهـا كـان الـفـراش الّـذي اسـتـلـقـت عـلـيـه، وقـد رمـيـت فـوقـه سـجـادة وسـخـة وطـاولـة آيـلـة لـلـسـقـوط فـوقـهـا صـحـن واسـع تـسـاقـطـت مـنـه الـمـيـنـا الّـتي طـلي بـهـا ودلـو مـن الـزّنـك تـحـتـهـا. وكـان فـيـهـا نـافـذة ثـبّـت عـلـيـهـا مـن الـخـارج نـوع مـن الـمـشـبّـك الـخـشـبي. ونـهـضـت فـيـكـتـوريـا بـحـذر شـديـد مـن الـفـراش وشـعـرت بـالأرض تـدور حـولـهـا وبـصـداع في رأسـهـا واقـتـربـت مـن الـنّـافـذة. واخـتـرقـت نـظـراتـهـا الـمـشـبّـك الـخـشـبي بـلا عـائـق ورأت حـديـقـة خـلـفـهـا نـخـيـل. وكـانـت الـحـديـقـة مـلـيـحـة حـسـب الـمـعـايـيـر الـشّـرقـيـة، وإن كـانـت سـتـبـدو حـقـيـرة في نـظـر سـكـان ضـواحي الـمـدن الإنـكـلـيـزيـة. وكـان فـيـهـا كـثـيـر مـن الأزهـار الـبـرتـقـالـيـة الـلـمـعـان وأشـجـار أوكـالـبـتـوس يـغـطي أوراقـهـا الـغـبـار وبـعـض أشـجـار الـطّـرفـاء الـهـزيـلـة الأغـصـان”. ثـمّ عـرفـت بـعـد ذلـك أنّـهـا كـانـت في مـنـدلي.

وبـعـد مـغـامـرات طـويـلـة تـعـود فـيـكـتـوريـا إلى بـغـداد :

“اخـتـرقـوا بـالـسّـيّـارة ضـواحي بـغـداد. واسـتـدارت بـهـم الـسّـيّـارة لـتـدخـل في شـارع جـانـبي تـحـفّـه دور حـديـثـة شـيّـدت بـأسـلـوب أوربي مـزيّـف فـيـهـا شـرفـات وتـحـيـطـهـا حـدائـق”.

(أنـظـر مـقـالي : روايـة : « مـوعـد في بـغـداد They Came to Baghdad » لأجـاثـا كـريـسـتي. ).

مـلـحـق

وجـدت في سـرد ولـتـر هـاريـس   Walter B. HARRIS لـرحـلـتـه مـن “بـاتـوم إلى بـغـداد From Batum to Baghdad”، الّـذي نـشـره عـام 1896، وصـفـاً لـلـبـيـت الـبـغـدادي (6):

 

W. Harris

“الـشّـكـل الـمـعـتـاد لـلـبـيـت في بـغـداد يـتـوسـطـه حـوش تـنـفـتـح عـلـيـه غـرف الـسّـكـن والـمـرفـقـات، وتـغـرس فـيـه أشـجـار أحـيـانـاً. وغـالـبـاً مـا تـطـلّ عـلى الـحـوش طـارمـات تـتـقـدم غـرف الـطّـابـق الـعـلـوي، تـرتـكـز عـلى أعـمـدة (دلـكـات) خـشـبـيـة في أعـلاهـا تـيـجـان مـنـحـوتـة. وتـنـفـتـح غـرف هـذا الـطّـابـق عـلى الـطّـارمـات، وعـمـومـاً، لـيـس إلّا لـواحـدة مـنـهـا شـنـاشـيـل تـطـلّ عـلى الـدّرب.

و نـجـد أحـيـانـاً في الـدّور الـكـبـيـرة عـدّة أحـواش يـنـفـتـح الـواحـد مـنـهـا عـلى الآخـر، وغـالـبـاً مـا نـجـد حـديـقـة صـغـيـرة أو عـدّة حـدائـق. والـغـرف فـيـهـا أكـثـر إضـاءة وأنـقى هـواءً فـقـد فـتـحـت فـيـهـا نـوافـذ واسـعـة تـغـطـيـهـا شـنـاشـيـل مـعـقّـدة الـتّـشـكـيـلات أو مـشـبـكـات خـشـبـيـة بـسـيـطـة.

وأجـمـل هـذه الـدّور الّـتي رأيـتـهـا في بـغـداد كـانـت مـسـكـن الـقـنـصـل الـعـام [الـبـريـطـاني] الّـتي كـانـت الأصـل قـصـراً لـعـربي مـن الأغـنـيـاء، والّـتي أصـبـحـت الآن، كـمـا أظـنّ، مـلـكـاً لأحـد الـهـنـود.

فوغ 12

(حـوش دار الـمـقـيـم الـبـريـطـاني في بـغـداد. رسـم غـرافـيـكي مـأخـوذ مـن صـورة الـتـقـطـهـا ولـيـام بـيـري فـوغ عـام 1874) (7)

وهي بـنـاء مـدهـش ابـتـلـع عـدّة دور مـخـتـلـفـة الـسّـعـة فـتـح بـعـضـهـا عـلى أخـرى، بـيـنـمـا انـعـزل بـعـضـهـا وسـط حـدائـق، وتـطـلّ سـطـوحـهـا عـلى نـهـر دجـلـة.

وحـول أحـد أحـواشـهـا، الّـذي كـان في زمـن مـمـتـلـكـيـهـا مـن الـمـسـلـمـيـن مـخـصـصـاً لـلـحـريـم، غـرف جـمـيـلـة احـتـفـظـت لـحـسـن الـحـظ بـنـقـوشـهـا ورسـومـهـا. وهـنـا يـمـكـن لـلـمـرء تـأمّـل بـداعـة وحـسـن صـنـعـة الـمـنـجـزات الـعـربـيـة والـعـربـيـة ــ الـفـارسـيـة.

وقـد جـوّفـت في جـدران أغـلـب هـذه الـغـرف طـاقـات بـأشـكـال مـتـنـوّعـة تـسـتـعـمـل مـثّـلـمـا تـسـتـعـمـل الـدّوالـيـب عـنـدنـا لـحـفـظ الـمـمـتـلـكـات، تـسـتـرهـا عـن الأعـيـن سـتـائـر مـن الـحـريـر ومـن أقـمـشـة مـطـرّزة.  وفـوق هـذه الـخـبـايـا الـصـغـيـرة الأحـجـام تـمـتـدّ إفـريـزات مـن أسـالـيـب مـخـتـلـفـة مـن الـتّـصـويـر، رسـمـت فـيـهـا أحـيـانـاً وبـخـطـوط جـريـئـة أزهـار زاهـيـة الألـوان، وطـعّـمـت أحـيـانـاً بـقـطـع بـالـغـة الـصّـغـر مـن الـمـرايـا. وغـالـبـاً مـا تـنـقـش سـقـوفـهـا الـجـصّـيـة بـتـشـكـيـلات مـقـولـبـة بـارزة تـطـعّـم بـقـطـع زجـاجـيـة صـغـيـرة تـبـدو لـلـعـيـن كـجـواهـر بـرّاقـة. ويـنـتـج عـن كـلّ هـذا شـبـه بـجـلـود الـثّـعـابـيـن.

ولا يـمـكـن لأيّ وصـف أن يـعـطي فـكـرة ولـو تـقـريـبـيـة عـن رقّـة هـذا الأسـلـوب مـن الـتّـزيـيـن ودقـتـه وجـمـالـه. ويـكـفي صـنّـاعـهـا ثـنـاءً أنّ أعـمـالـهـم الـبـديـعـة الـدّقـيـقـة الـتّـنـفـيـذ مـا زالـت بـاقـيـة كـمـا هي، يـمـرّ عـلـيـهـا الـزّمـن ولا يـصـيـبـهـا بـضـرر.

ولا شـكّ في أنّ الـدّار الـعـربـيـة الـقـديـمـة الّـتي أجـرّتـهـا الـقـنـصـلـيـة الـبـريـطـانـيـة جـوهـرة مـن الـجـواهـر. وقـد عـززت ذكـريـاتي الـجـمـيـلـة عـنـهـا أريـحـيـة سـاكـنـيـهـا : الـكـولـونـيـل مـوكـلـر  Mockler  وزوجـتـه، وضـيـافـتـهـمـا لي. وكـانـت مـتـعـة عـظـيـمـة حـقـاً لي، بـعـد أن أقـضي نـهـاري مـشـغـولاً بـزيـارة أحـيـاء الـمـديـنـة الـشّـرقـيـة ومـعـالـمـهـا، أن أقـضي الأمـسـيـة بـصـحـبـتـهـمـا الـمـشـوقـة.

وكـنّـا نـجـلـس بـعـد الـعـشـاء في شـرفـة تـطـلّ عـلى الـنّـهـر، نـسـتـنـشـق هـواء الـلـيـل الـمـنـعـش. ونـرى بـعـيـداً، عـبـر دجـلـة، أضـواءً مـنـعـزلـة مـتـفـرّقـة تـأتـيـنـا مـن أحـيـاء بـغـداد الـقـديـمـة”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  لـوحـة بـدايـة الـمـقـال لـلـورنـا سـلـيـم.

(2) لـوحـة بـالألـوان الـمـائـيـة رسـمـهـا أرثـر مـيـلـفـيـل لـحـوش بـيـت بـغـدادي عـام 1882. (أنـظـر مـقـالي :رسـوم أرثـر مـيـلـفـيـل لـبـغـداد في الـقـرن الـتّـاسـع عـشر ).

(3)  الـحـقـيـقـة أنّ مـا ذكـرتـه إيـدا هـنـا تـنـقـصـه الـدّقـة. فـفـون ديـر غـولـتـز Von der Goltz (ويـنـبـغي أن نـلـفـظـه غـولـتـس) الّـذي تـكـلّـمـت عـنـه لـم يـكـن جـنـرالاً عـنـدمـا وصـل إلى بـغـداد بـل مـارشـالاً (أي مـشـيـراً)، وهـو لـم يـكـن تـحـت أوامـر الـقـيـادة الـعـلـيـا لـلـقـوات الألـمـانـيـة وإنّـمـا كـان يـعـمـل في الـقـوات الـعـثـمـانـيـة. وهـذه قـصـتـه مـخـتـصـرة :

وصـل غـولـتـز إلى الاسـتـانـة في 1883 لـيـعـمـل مـسـتـشـاراً عـسـكـريـاً عـنـد الـسّـلـطـان عـبـد الـحـمـيـد الـثّـاني، ثـمّ عـيّـن مـديـراً عـامـاً لـلـمـدارس الـعـسـكـريـة الـعـثـمـانـيـة، وحـصـل عـلى رتـبـة بـاشـا، ولـهـذا يـدعى بـغـولـتـز بـاشـا. وفي 1898، عـاد إلى ألـمـانـيـا ورقّي إلى رتـبـة مـارشـال في الـجـيـش الألـمـاني، وأحـيـل عـلى الـتّـقـاعـد في 1911. وبـعـد أن انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى عـاد إلى الاسـتـانـة في 1915 وعـيّـن مـسـتـشـاراً عـسـكـريـاً مـن جـديـد. وقـد عـهـد إلـيـه أنـور بـاشـا بـالـجـيـش الـخـامـس الـعـثـمـاني. وسـار غـولـتـز بـاشـا بـالـجـيـش الـخـامـس إلى جـنـوب بـغـداد وأوقـف تـقـدّم الـقـوات الـبـريـطـانـيـة الّـتي كـان يـقـودهـا طـاونـزنـد Charles Townshend نـحـو بـغـداد، وحـاصـرهـم في كـوت الإمـارة. وفي 1916، أصـيـب فـون ديـر غـولـتـز بـالـتّـيـفـوئـيـد ومـات مـنـه في بـغـداد.

وقـد كـتـب لي الأسـتـاذ أحـمـد إبـراهـيـم أنّـه دفـن في بـغـداد : “حيث اني رأيت قبره في مقبرة الجنود الالمان الواقعة في الباب الشرقي (مقابل تانكي الماء بالضبط) بظهر كنيسة الارمن .. وهو قبر غاية في الفخامة منقوش عليه اسم الجنرال باللغة العثمانية والالمانية .. اضافة الى ان المقبرة تحتوي على 67 قبر لجنود المان اغلبهم قضوا في الحرب العالمية الاولى ..” وأرسـل لي صـورة جـنـازة الـجـنـرال :

جنازة

(4) تـقـصـد بـه شـارع الـرّشـيـد.

(5) ص. 546 ــ 547.

ويـذكـر جـبـرا إبـراهـيـم جـبـرا في كـتـابـه : “شـارع الأمـيـرات” أنّـه تـعـرّف عـلى مـاكـس مـالـوان عـن طـريـق روبـرت هـامـلـتـون الّـذي كـان قـد شـارك في تـنـقـيـبـات مـالـوان، وأنّـه اسـتـلـم دعـوة لـزيـارة مـاكـس مـالـوان وزوجـتـه أجـاثـا كـريـسـتـي في دارهـمـا في بـغـداد : “سـألـت [هـامـلـتـون] : “أيـن الـدّار؟”. قـال : “إنّـهـا دار الـمـلـك عـلي. أتـعـرفـهـا؟ في كـرادة مـريـم، عـلى شـاطئ الـنّـهـر مـبـاشـرة. إنّـهـا دار تـركـيـة تـعـود إلى الـعـهـد الـعـثـمـاني. ومـن أجـمـل بـيـوت بـغـداد الـقـديـمـة”، “وقـد كـانـت لـمـدّة مـا في الـعـشـريـنـات مـسـكـنـاً لـلـمـلـك عـلي، أخي الـمـلـك فـيـصـل الأوّل، فـأطـلـق اسـمـه عـلى الـدّار”.

والـغـريـب أنّ أجـاثـا كـريـسـتـي، الّـتي كـانـت تـعـرف بـيـت الـمـلـك عـلي وتـكـلّـمـت عـنـهـا في روايـتـهـا “مـوعـد في بـغـداد” لـم تـذكـر في مـذكـراتـهـا أنّ دارهـا كـانـت “بـيـت الـمـلـك عـلي”.

ويـصـف جـبـرا إبـراهـيـم جـبـرا دار أجـاثـا كـريـسـتي الـبـغـداديـة : “دخـلـت بـوابـة الـدّار إلى بـاحـتـهـا الـمـتـمـيـزة بـطـرازهـا الـبـغـدادي الـعـثـمـاني. والـبـاحـة مـحـفـوفـة بـالأشـجـار والأوراد في وسـط بـنـاء مـن طـابـقـيـن يـصـعـد إلى الأعـلى مـنـهـمـا بـدرج خـشـبي خـارجي يـؤدي إلى شـرفـة ضـيّـقـة طـويـلـة تـمـتـد مـع امـتـداد الـواجـهـة الـدّاخـلـيـة، وتـطـلّ عـلـيـهـا أبـواب الـغـرف الـعـلـيـا. صـعـدت الـدّرج الـخـشـبي وعلى كـلّ درجـة أصـيـص مـزروع”.

(6) مـن صـفـحـة 311 إلى صـفـحـة 313.

(7) رسـم غـرافـيـكي مـأخـوذ مـن صـورة فـوتـوغـرافـيـة الـتـقـطـهـا ولـيـام فـوغ في 1874 ونـشـرهـا في 1875. أنـظـر مـقـالي : رسـوم وأعـمـال طـبـاعـيـة عـن الـعـراق في سـرد رحـلـة ولـيـام بـيـري فـوغ .

 

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

 

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s