حـمّـودي والـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

عـنـدمـا نـقـرأ عـن الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة لا نـجـد غـالـبـاً إلّا أسـمـاء عـلـمـاء الآثـار الّـذيـن أشـرفـوا عـلـيـهـا وأحـيـانـاً أسـمـاء بـعـض مـن سـاعـدوهـم فـيـهـا.

ولا نـجـد إلّا نـادراً أسـمـاء الـعـمّـال الّـذيـن حـفـروا وأزاحـوا الـتّـراب عـن الـمـواقـع الأثـريـة ووجـدوا الـقـطـع الـقـيّـمـة الّـتي كـانـت تـرقـد فـيـهـا. ومـن أشـهـر هـؤلاء ولا شـكّ الـشّـيـخ حـمّـودي.

وقـد رأيـت مـراراً الـصّـورة الـمـشـهـورة الّـتي الـتـقـطـت لأعـضـاء بـعـثـة الـتّـنـقـيـبـات في أور عـام 1929 والّـتي نـرى فـيـهـا حـمّـودي Hammoudi بـيـن مـاكـس مـالـوان Max Mallowan ولـيـونـارد وولي  Leonard Wooley (الّـذي قـاد الـحـمـلـة واكـتـشـف مـقـبـرة أور الـمـلـكـيـة) وزوجـتـه كـاثـريـن  Katharine  والأب إريـك بُـروز  Eric Burrows.

expedition-house-staff

ثـمّ رأيـت عـدداً مـن الـصّـور الـتـقـطـت في مـوقـع أور تـعـرفـت فـيـهـا عـلى حـمّـودي.

وبـحـثـت عـن مـعـلـومـات عـنـه فـلـم أجـد شـيـئـاً إلى أن قـرأت كـتـاب أجـاثـا كـريـسـتي (1) : تـعـال أخـبـرني كـيـف تـعـيـش Come, tell me how you live الّـذي تـتـكـلّـم فـيـه عـن مـشـاركـتـهـا في تـنـقـيـبـات زوجـهـا عـالـم الآثـار مـاكـس مـالـوان في شـمـال مـا بـيـن دجـلـة والـفـرات، والّـذي تـذكـر فـيـه حـمّـودي (كـتـبـت اسـمـه Hamoudi بـ  M  واحـدة).

ثـمّ وجـدت مـا ذكـره عـالم الآثـار مـاكـس مـالـوانMax Mallowan ، الّـذي كـان زوج أجـاثـا كـريـسـتي، في كـتـابـه : “مـذكّـرات عـن أور  Mesmoires of Ur” :

“في مـا يـخـصّ الـتّـعـامـل مـع الـعـمّـال، كـان الـسّـيـر لـيـونـارد وولي سـعـيـداً بـالإعـتـمـاد عـلى الـشّـيـخ حـمّـودي بـن إبـراهـيـم الّـذي جـعـلـه رئـيـسـاً عـلـيـهـم مـنـذ تـنـقـيـبـاتـه في مـوقـع كـرشـمـيـش Carchemish (قـرب جـرابـلـس في أعـالي الـفـرات) عـام 1912”.

حمودي 6

ويـذكـر مـالـوان أيـضـاً أنّ لـورنـس T.E.Lawrence (الّـذي لـقّـب بـلـورنـس الـعـرب) (2) والّـذي كـان يـنـقّـب مـع لـيـونـارد وولي في مـوقـع كـرشـمـيـش أصـيـب بـحـمى الـتّـيـفـوئـيـد، واعـتـنى بـه الـشّـيـخ مـحـمّـد بـن إبـراهـيـم (حـمّـودي) وعـالـجـه بـشـرب الـلـبـن الـحـامـض لا غـيـر عـدّة أيّـام حـتّى زالـت عـنـه الـحـمّى وعـادت إلـيـه صـحـتـه. كـمـا أنّ لـورنـس حـسّـن لـغـتـه الـعـربـيـة بـالـتـحـدّث بـهـا مـع حـمّـودي الّـذي شـرح لـه عـادات الـعـرب وطـريـقـة حـيـاتـهـم وكـيـفـيـة الـتّـصـرف مـعـهـم  :

حمودي ربيع 1913

(صـورة الـتـقـطـت في ربـيـع عـام 1913، ونـرى حـمّـودي جـالـسـاً في الـصّـف الأوّل، الـثّـاني مـن الـيـمـيـن، ولـورنـس الـثّـالـث مـن الـيـسـار)

وتـوقـفـت تـنـقـيـبـات كـرشـمـيـش بـانـدلاع الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى عـام 1914. وعـيّـن وولي ولـورنـس في الـمـخـابـرات الـبـريـطـانـيـة.

وبـعـد نـهـايـة الـحـرب، عــاد لـيـونـارد وولي عـام 1919 إلى كـرشـمـيـش لـيـسـتـمـرّ في تـنـقـيـبـاتـه، ووجـد حـمّـودي في انـتـظـاره في الـمـوقـع.

وعـنـدمـا وصـل وولي إلى أور في 2 تـشـريـن الـثّـاني 1922 لـيـشـرع بـتـنـقـيـبـاتـه فـيـهـا، فـرح بـرؤيـة حـمـودي مـن جـديـد، وأصـرّ عـلى تـعـيـيـنـه رئـيـسـاً لـعـمـال الـتّـنـقـيـبـات.

حمودي 31

ثـمّ اسـتـمـرّ بـاسـتـدعـائـه في كـلّ مـوسـم تـنـقـيـبـات لـيـشـرف عـلى الـعـمـل في أور. كـمـا شـغّـل مـعـه أبـنـاءه عـنـدمـا كـبـروا. بـدأ مـنـذ الـمـوسـم الـثّـاني بـتـشـغـيـل ابـنـه يـحـيى، ثـمّ إبـراهـيـم ابـتـداءً بـالـمـوسـم الـخـامـس، ثـمّ عـلاوي مـنـذ الـمـوسـم الـثّـامـن. واسـتـمـروا يـسـاعـدون الـسّـيـر لـيـونـارد وولي حـتّى الـمـوسـم الـثّـاني عـشـر، والّـذي كـان آخـر مـواسـم الـتّـنـقـيـبـات في أور، مـا عـدا إبـراهـيـم الّـذي تـوفي قـبـل بـدايـة الـمـوسـم الـحـادي عـشـر.

ويـقـول عـنـهـم مـاكـس مـالـوان : “تـعـلّـم كـلّ مـنـهـم صـنـعـة أبـيـهـم ومـهـارتـه، وشـكّـل أربـعـتـهـم فـريـقـاً مـكـتـمـل الـتّـنـاسـق”.

ولـديـنـا صـورة الـتّـقـطـت في مـوسـم الـتّـنـقـيـبـات الـرّابـع (1925/26) نـرى في وسـطـهـا يـحـيى يـمـسـك مـسـنـد آلـة الـتّـصـويـر الـثّـلاثي الـقـوائـم، ونـرى إبـراهـيـم عـلى يـسـار الـصّـورة :

يحيى إبن حمودي

حـمّـودي ولـيـونـارد وولي :

كـتـب الـسّـيـر لـيـونـارد وولي عـن حـمّـودي وأبـنـائـه في الـجـزء الـثّـاني الـمـخـصـص لـلـمـقـبـرة الـمـلـكـيـة مـن كـتـابـه عـن “تـنـقـيـبـات أور                  Ur Excavations” :

“كـان حـمّـودي، وهـو مـحـمّـد بـن الـشّـيـخ إبـراهـيـم، رئـيـس عـمّـالي عـنـدمـا عـدت إلى كـرشـمـيـش بـعـد الـحـرب [الـعـالـمـيـة الأولى]، ورئـيـس عـمّـالي في تـنـقـيـبـات الـمـقـبـرة الـمـلـكـيـة [في أور]، وكـانـت مـهـارتـه في الـحـفـر إلى جـانـب نـشـاطـه وحـيـويـتـه ودبـلـومـاسـيـتـه في الـتّـعـامـل مـع الآخـريـن تـجـعـل مـنـه رجـلاً لا يـمـكـن تـقـديـر قـيـمـتـه. وقـد سـاعـده في عـمـلـه أبـنـاؤه يـحـيى وإبـراهـيـم ثـمّ عـلاوي. وكـان أربـعـتـهـم رؤسـاء عـمّـال لا مـثـيـل لـهـم. وقـد عـهـدت لـيـحـيى بـمـهـمـة تـصـويـر [الـمـوقـع والـقـطـع الأثـريـة]، وقـد الـتـقـط أغـلـب الـصّـور خـلال الـعـمـل في الـمـوقـع”.

وكـان حـمّـودي وأبـنـاؤه يـعـدّون مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات في أور قـبـل وصـول الـبـعـثـة مـن إنـكـلـتـرة. وكـانـوا يـزيـحـون عـن بـيـت الـبـعـثـة الـتّـراب والـرّمـال الـمـتـراكـمـة عـلـيـهـا، ويـجـمـعـون الـعـمّـال (الّـذيـن كـانـوا مـن رجـال الـعـشـائـر الـمـجـاورة وغـالـبـاً مـا تـكـون أعـدادهـم حـوالي 200 رجـل، وقـد تـصـل إلى 300 رجـل) لـيـمـكـن لـلـيـونـارد وولي ومـسـاعـديـه الـشّـروع في الـعـمـل حـال وصـولـهـم.

ورغـم أنّ لـيـونـارد وولي لا يـتـكـلّـم في الـتّـقـاريـر الّـتي يـنـشـرهـا عـن نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات عـن الأحـداث الـشّـخـصـيـة، فـقـد ذكـر في تـقـريـره عـن الـمـوسـم الـحـادي عـشـر (عـام 1932) وفـاة إبـراهـيـم، إبـن الـشّـيـخ حـمّـودي. وكـان إبـراهـيـم قـد سـاعـد أبـاه وأخـاه الأكـبـر، يـحـيى، في عـمـلـهـمـا مـدّة سـتّ سـنـوات.

ويـروي وولي في مـقـدمـة الـتّـقـريـر كـيـف أنّـه فـوجئ بـلـقـاء الـشّـيـخ حـمّـودي في بـغـداد بـدلاً مـن أن يـكـون في أور لـيـعـدّ الـمـوقـع. وأعـلـمـه حـمّـودي أنّ ابـنـه إبـراهـيـم مـات فـجـأة. ويـذكـر وولي أنّ الـكـولـيـرا كـانـت قـد تـفـشّـت في الـمـوقـع في الـمـوسـم الـسّـابـق وأنّـه أجـبـر عـلى تـلـقـيـح كـلّ عـمّـالـه، وتـحـاشى بـذلـك أن يـمـوت مـنـهـم أحـد.

ولـديـنـا صـورة الـتـقـطـت عـام 1932 لـتـلـقـيـح الـعـمـال ضـدّ الـكـولـيـرا ونـرى في يـسـارهـا لـيـونـارد وولي وزوجـتـه كـاثـريـن:

Hammoudi 32

حـمّـودي ومـاكـس مـالـوان :

ومـن بـيـن أهـمّ مـا نـعـرفـه عـن الـشّـيـخ حـمّـودي مـا ذكـره مـاكـس مـالـوان  Max Mallowan ، في كـتـابـه : “مـذكّـرات عـن أور  Mesmoires of Ur” :

“يـعـرف الـنّـاس شـيـئـيـن عـنـه : إنّـه كـان مـن عـائـلـة مـعـروفـة، وإنّـه كـان شـريـفـاً لا يـقـبـل الـرّشـوة. وقـد عـلّـمـني هـو نـفـسـه أنّـه يـنـبـغي لـقـيـادة الـعـمّـال أن يـحـبّـوني ويـخـشـونـني في آن واحـد. وكـانـت حـيـويـتـه تـبـثّ الـنّـشـاط في مـن حـولـه، وكـان حـسّـاسـاً يـفـهـم الآخـريـن فـلـم يـكـن يـدفـع الـعـمـال لـيـجـهـدوا أنـفـسـهـم أكـثـر مـن طـاقـتـهـم. وكـان يـعـرف في كـلّ رجـل مـنـهـم مـواطـن ضـعـفـه، ويـسـتـطـيـع أن يـسـخـر مـن الـمـشـاكـس ويـخـفـض مـن قـدر الـمـتـعـالي ويـرفـع قـدر الـمـتـواضـع. وكـان حـاذقـاً في تـقـلـيـد الـحـركـات وتـعـابـيـر الـوجـه لـيـضـحـك عـمـالـه مـتى مـا شـاء أو لـيـشـيـر لـواحـد مـنـهـم أن يـخـجـل مـمـا يـفـعـل. وكـان قـادراً عـلى إعـادة الـهـدوء بـيـن الـرّجـال بـمـزيـج مـن الـسّـخـريـة مـنـهـم وشـتـمـهـم والـثّـنـاء عـلـيـهـم.

الشيخ حمودي 1926

وكـان يـدرك أهـمـيـة الـغـنّـاء ويـقـلّـد بـمـسـحـاة الـعـمـل صـاحـب الـمـشـحـوف وهـو يـدفـع مـشـحـوفـه بـالـمـردي وسـط الـمـيـاه فـتـرتـفـع الأنـغـام مـن أفـواه الـعـمّـال الـعـرب وهـم يـشـعـرون وكـأنّ مـشـاحـيـفـهـم تـنـزلـق عـلى صـفـحـات مـيـاه الأهـوار في هـدوء الـلـيـل.

وكـانـت شـخـصـيـتـه الـقـويـة تـدفـع رجـالـه لـلـعـمـل طـيـلـة الـنّـهـار، مـن شـروق الـشّـمـس إلى غـروبـهـا. وكـان يـربـطـه بـلـيـونـارد وولي تـفـاهـم لـيـس مـثـلـه تـفـاهـم، وارتـبـاط بـيـنـهـمـا يـفـسـره حـمّـودي بـقـولـه : “كـثـيـراً مـا تـقـاسـمـنـا خـبـزنـا مـعـاً”.

Hammoudi 28 29

(صـورة لـفـريـق الـتّـنـقـيـبـات الـتـقـطـت في أور في مـوسـم 1928/ 1929 نـرى في الـصّـف الأوّل مـنـهـا حـمّـودي، الـثّـالـث مـن الـيـسـار، جـالـسـاً بـجـانـب الأب إريـك بُـروز)

حـمّـودي وأجـاثـا كـريـسـتي

ذكـرت في بـدايـة الـمـقـال كـيـف أنـني قـرأت لأوّل مـرّة عـن حـمّـودي في كـتـاب أجـاثـا كـريـسـتي : تـعـال أخـبـرني كـيـف تـعـيـش Come, tell me how you live الّـذي نـشـرتـه عـام 1946، والّـذي تـتـكـلّـم فـيـه عـن مـشـاركـتـهـا في تـنـقـيـبـات زوجـهـا عـالـم الآثـار مـاكـس مـالـوان في أعـالي الـفـرات، والّـذي تـذكـر فـيـه حـمّـودي (كـتـبـت اسـمـه Hamoudi بـ  M واحـدة) أكـثـر مـن أربـعـيـن مـرّة.

أجاثا كريستي تعال

وهي تـروي مـنـذ الـصّـفـحـة 21 مـن الـكـتـاب، عـنـدمـا وصـلـت إلى بـيـروت ووجـدت زوجـهـا مـاكـس مـالـوان في انـتـظـارهـا، كـيـف أنّـهـم سـيـسـلـكـون طـريـقـهـم بـعـد أيّـام إلى مـوقـع جـقـجـقـة عـلى ضـفـة الـخـابـور لـيـنـقّـبـوا فـيـه ثـلاثـة أشـهـر، وكـيـف سـيـكـون مـعـهـم : “دلـيـل وفـيـلـسـوف وصـديـق، أي حـمّـودي الّـذي كـان رئـيـس عـمّـال تـنـقـيـبـات أور، وصـديـق قـديـم لـزوجي، والّـذي سـيـأتي لـيـسـاعـدنـا بـيـن مـوسمي تـنـقـيـبـات، في أشـهـر الـخـريـف هـذه”.

وكـيـف كـان مـاكـس قـلـقـاً لأنّـه لـم يـجـد حـمّـودي في بـيـروت كـمـا كـان يـتـوقـعـه.

ثـمّ فـجـأة : “إسـتـيـقـاظ مـبـكـر. في الـخـامـسـة صـبـاحـاً، إنـفـتـح بـاب غـرفـتـنـا، وأعـلـن صـوت بـالـعـربـيـة : “وصـل رئـيـس عـمـالـكـم !”.

ودخـل حـمّـودي وولـداه في الـغـرفـة بـالـسّـحـر الـمـتـحـمّـس الّـذي يـمـتـازون بـه، يـمـسـكـون بـأيـديـنـا ويـضـغـطـون بـهـا عـلى جـبـاهـهـم. “شـلـون كـيـفـك ؟  Shlon kefek”،”كـلـش زيـن Kullish zen”،”الـحـمـد لله ! الـحـمـد لله El hamdu lillah ! وبـعـد أن نـفـضـنـا الـنّـعـاس عـن أعـيـنـنـا، تـربّـع حـمّـودي وولـداه عـلى راحـتـهـم عـلى الأرض وشـرعـوا بـتـبـادل الأخـبـار مـع مـاكـس. وأبـعـدني حـاجـز الـلـغـة عـن مـشـاركـتـهـم في الـثّـرثـرة، فـقـد اسـتـعـمـلـت كـلّ مـا كـنـت أعـرفـه مـن الـلـغـة الـعـربـيـة، ولـم يـعـد لـديّ مـنـه الـمـزيـد. وكـان الـنّـعـاس مـا زال يـداعـب أجـفـاني، وودت لـو أنـتـظـر حـمّـودي وولـداه قـلـيـلاً قـبـل أن يـأتـوا في الـفـجـر، ولـكـنّي أدركـت أنّـه كـان بـديـهـيـاً عـنـدهـم أن يـأتـونـا بـأسـرع مـا يـمـكـن.

وطـرد شـرب الـشّـاي الـنّـعـاس مـن عـيـنيّ، ووجـه لي حـمّـودي الـكـلام عـدّة مـرّات، وتـرجـم لي مـاكـس مـا قـال، كـمـا تـرجـم لـه أجـوبـتي. وكـان ثـلاثـتـهـم يـشـعّـون بـهـجـة وسـروراً، وعـنـدهـا أدركـت إلى أي حـدّ كـان هـؤلاء الـنّـاس شـديـدي الـتـشـويـق والإبـتـهـاج”.

وعـنـدمـا بـحـثـوا عـن سـائـق لـيـقـود سـيـارتـهـم إلى الـمـوقـع وجـده لـهـم حـمّـودي، وعـنـدمـا سـألـه مـاكـس كـيـف وجـده : “بـسـهـولـة. كـان واقـفـاً عـلى شـاطئ الـبـحـر، عـاطـلاً لـم يـجـد عـمـلاً وفـرغـت جـيـوبـه تـمـامـاً. وسـيـكـون رخـيـصـاً. وهـكـذا سـنـقـتـصـد في نـفـقـاتـنـا !”. وعـنـدمـا سـألـه مـاكـس إن كـان واثـقـاً أنّ الـرّجـل يـحـسـن الـسّـيـاقـة، وجـد حـمّـودي الـسـؤال غـريـبـاً وأجـابـه : “الـخـبّـاز رجـل يـضـع الـعـجـيـن في الـفـرن ويـخـبـزه. والـسّـائـق رجـل يـجـلـس أمـام الـمـقـود ويـسـوق الـسّـيّـارة !”.

وعـنـدمـا وصـلـوا قـريـة بُـصـيـرة الّـتي لـم يـجـدوا فـيـهـا إلّا آثـاراً رومـانـيـة هـزّ حـمّـودي رأسـه بـخـيـبـة أمـل وهـو يـردد : “مـن زمـان الـرّوم  Min Ziman er Rum”.

وهي تـكـتـب : “كـان حـمّـودي ومـاكـس سـعـيـديـن جـدّاً مـعـاً. وكـانـا يـضـحـكـان ويـغـنـيـان ويـروي الـواحـد مـنـهـمـا قـصـصـاً لـلآخـر. وكـنـت أطـلـب أحـيـانـاً [مـن مـاكـس] أن يـتـرجـم لي عـنـدمـا يـنـطـلـق مـرحـهـمـا قـهـقـهـات. وكـنـت أغـار أحـيـانـاً مـن ذلـك”.

وفي مـكـان آخـر : “كـان حـمّـودي يـعـتـبـر الـسّـيّـارة نـوعـاً مـن الـخـيـل، أقـلّ نـبـلاً ولـكـن أكـثـر خـضـوعـاً. وعـنـدمـا كـنّـا نـجـد مـجـرى مـيـاه يـنـبـغي اجـتـيـازه، كـان حـمّـودي يـصـرخ بـالـسّـائـق : “بـسـرعـة ــ بـسـرعـة، لا تـتـرك لـهـا الـوقـت لـتـنـكـص. أطـلـق عـنـانـهـا ! أطـلـق عـنـانـهـا !”.

وعـنـدمـا وصـلا إلى قـريـة ذهـبـا إلى غـرف وجـدوهـا لـيـقـضـوا فـيـهـا الـلـيـل : “وكـان الـمـسـيـر صـعـبـاً لأنّ الـطّـيـن كـان يـلـتـصـق بـالأقـدام كـفـطـائـر مـسـتـديـرة ثـقـيـلـة تـبـطئ حـركـاتـنـا … وضـحـكـت لـرؤيـة فـطـائـر الـطّـيـن هـذه الـمـلـتـصـقـة بـقـدميّ. كـنـت أحـس بـهـا تـمـامـاً كـمـا لـو كـنـت في حـلـم. وضـحـك حـمّـودي أيـضـاً، وقـال لـمـاكـس : “أحـسـنـت بـاصـطـحـاب الـخـاتـون مـعـنـا،  فـهي تـضـحـك لـكـلّ شئ !”.

ثـمّ تـذكـر أنّ حـمّـودي أكّـد لـهـم أنّ كـلّ شئ سـيـكـون عـلى مـا يـرام، و”كـان يـشـعّ كـالـعـادة بـابـتـسـامـتـه الّـتي لا تـقـاوم”.

و”بـعـد أن أنـهـيـا مـوسـم الـتّـنـقـيـبـات في أور، لـحـق ولـدا حـمّـودي بـنـا. وكـان أكـبـرهـمـا، يـحـيى، طـويـلاً تـعـلـو شـفـتـيـه ابـتـسـامـة واسـعـة مـرحـة، أمّـا عـلّاوي، الأصـغـر، فـقـد كـان وسـيـمـاً، يـبـدو أكـثـر الإثـنـيـن ذكـاءً. ولـكـنّـه كـان حـاد الـطّـبـع، يـتـشـاجـر أحـيـانـاً لأسـبـاب تـافـهـة… وبـعـد أن رتّـب حـمّـودي الأمـور [لـتـبـدأ الـتّـنـقـيـبـات] تـركـنـا وعـاد إلى داره”.

وهـكـذا انـتـهى ذكـر أجـاثـا كـريـسـتي لـحـمّـودي في الـصّـفـحـة 86 مـن كـتـابـهـا.

وقـد وضـعـت في كـتـابـهـا صـورة لـحـمّـودي، مـنـتـصـبـاً بـهـيـبـتـه الـمـعـتـادة :

حمودي 001

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) إسـتـعـمـلـت في كـتـابـة هـذا الـنّـص بـعـض الـمـعـلـومـات الّـتي احـتـوى عـلـيـهـا مـقـال بـراد هـافـورد عـن تـنـقـيـبـات وولي، ومـقـال كـيـرا كـيـرشـر عـن الـشّـيـخ حـمّـودي في مـدونـة مـتـحـف Penn  الـتّـابـع لـجـامـعـة بـنـسـلـفـانـيـا في الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة.

(1) أنـظـر مـقـالي : أجـاثـا كـريـسـتي في الـعـراق

(2)  بـعـد أن أنـهى تـومـاس إدوارد لـورنـس  Thomas Edward LAWRENCE دراسـتـه في جـامـعـة أكـسـفـورد، سـافـر في أوربـا ثـمّ في الـشّـرق الأدنى وشـارك في تـنـقـيـبـات كـرشـمـيـش الأثـريـة، ثـمّ اشـتـغـل خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى في الـمـخـابـرات الـبـريـطـانـيـة وأرسـل إلى الـحـسـيـن، شـريـف مـكّـة لـيـعـدّ “الـثّـورة الـعـربـيـة الـكـبـرى” ضـدّ الـدّولـة الـعـثـمـانـيـة. وبـعـد نـهـايـة الـحـرب صـاحـب لـورنـس الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن إلى مـؤتـمـر الـصّـلـح الّـذي عـقـد في فـرسـاي، قـرب بـاريـس عـام 1919. وقـد نـصـب فـيـصـل مـلـكـاً عـلى سـوريـا، ولـكـنّ الـفـرنـسـيـيـن طـردوه مـنـهـا بـعـد تـطـبـيـق مـعـاهـدات سـايـكـس ـ بـيـكـو. وأخـيـراً تـوّج فـيـصـل مـلـكـاً عـلى الـعـراق عـام 1921 بـاسـم فـيـصـل الأوّل.

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

Advertisements