مـكـتـبـة مـكـنـزي في بـغـداد

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

كـتـبـت جـرتـرود بـيـل Gertrude Bell الّـتي كـانـت تـعـمـل في سـكـرتـاريـة الـمـنـدوب الـسّـامي في بـغـداد، في 7 تـشـريـن الـثّـاني مـن عـام 1923 إلى زوجـة أبـيـهـا :

“لـديـنـا هـنـا رجـل شـديـد الـهـمّـة اسـمـه مـكـنـزي Mackenzie أنـشـأ مـكـتـبـة مـمـتـازة ومـزدهـرة. وقـد كـان كـتـبـيـاً قـبـل الـحـرب ويـعـرف كـلّ شئ عـن الـكـتـب. ومـكـتـبـتـه مـن بـيـن أكـثـر مـا يـثـيـر الإعـجـاب في بـغـداد، ويـشـتـري الـكـلّ كـتـبـهـم فـيـهـا”.(1)

وذكـرت الأمـريـكـيـة إيـدا سـتـاوت Ida Staudt الّـتي وصـلـت إلى بـغـداد مـع زوجـهـا في عـام 1924 :

“ومـا يـثـبـت الإهـتـمـام الّـذي يـولـيـه أهـل بـغـداد لـطـرق الـتّـفـكـيـر الـحـديـثـة ارتـيـادهـم لـمـكـتـبـة لا تـبـيـع إلّا كـتـبـاً إنـكـلـيـزيـة. وكـانـت هـذه الـمـكـتـبـة الـمـهـمّـة قـد فـتـحـت قـبـل وصـولـنـا إلى بـغـداد. ويـقـال إنّ مـكـتـبـة مـكـنـزي هـذه أضـخـم دار بـيـع كـتـب إنـكـلـيـزيـة في كـلّ أرجـاء الـعـالـم الّـتي تـقـع شـرق بـرلـيـن. ونـجـد عـلى رفـوفـهـا أفـضـل الـكـتـب في الـتّـاريـخ والآداب والـعـلـوم والإقـتـصـاد والـفـلـسـفـة والأديـان. ولـم تـكـن تـحـتـوي لـمـدة طـويـلـة عـلى أي كـتـاب سـردي حـديـث”.

(أنـظـر مـقـالي :إيـدا سـتـاوت ومـدرسـة الـبـنـيـن الأمـريـكـيـة في بـغـداد بـيـن 1924 و1947 ).

 

ولـكـن مـن كـان مـكـنـزي هـذا ؟ ومـتى وصـل إلى بـغـداد وفـتـح مـكـتـبـتـه فـيـهـا ؟

ولـد كـيـنـيـث مـكـنـزي Kenneth MacKenzie في إسـكـوتـلـنـدة سـنـة 1880. وفي عـام 1901، فـتـح مـكـتـبـة صـغـيـرة في لـنـدن، ثـمّ قـاتـل في صـفـوف الـقـوات الـبـريـطـانـيـة عـلى الـجـبـهـة الـفـرنـسـيـة خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى وجـرح فـيـهـا.

وقـد وصـل كـيـنـيـث مـكـنـزي إلى بـغـداد بـعـد نـهـايـة الـحـرب عـام 1918. ويـبـدو أنّ هـمـفـري بـومـان  Humphrey Bowman  الّـذي كـان مـديـراً لـلـمـعـارف في بـغـداد مـن 1918 إلى 1920 هـو الّـذي اقـتـرح عـلـيـه أن يـأتي إلى بـغـداد لـفـتـح مـكـتـبـة فـيـهـا عـنـدمـا الـتـقى بـه في لـنـدن.

وقـد فـتـح مـكـنـزي أوّلاً، مـكـتـبـة “حـكـومـيـة” في بـنـايـة الـسّـراي، أسـمـيـت   Government bookshop.

وبـعـد انـتـهـاء الـحـكـم الـعـسـكـري الـبـريـطـاني وتـأسـيـس الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة عـام 1921، حـصـل كـيـنـيـث مـكـنـزي عـلى احـتـكـار مـن وزارة الـمـعـارف لاسـتـيـراد الـكـتـب الإنـكـلـيـزيـة لـلـمـدارس الـعـراقـيـة.

ولـم تـكـن مـكـتـبـة مـكـنـزي الـوحـيـدة في بـغـداد الّـتي تـبـيـع الـكـتـب الإنـكـلـيـزيـة في تـلـك الـفـتـرة، فـقـد بـدأت عـدّة مـكـتـبـات يـمـتـلـكـهـا يـهـود بـجـلـب كـتـب إنـكـلـيـزيـة، ولـكـن مـكـتـبـة مـكـنـزي كـانـت الـوحـيـدة الـمـتـخـصـصـة بـهـا، والّـتي كـانـت تـتـوجـه في بـدايـتـهـا لـلـبـريـطـانـيـيـن الّـذيـن ازدادت أعـدادهـم فـيـهـا بـعـد احـتـلال قـوّاتـهـم لـهـا في 11 آذار 1917.

وتـزوّج كـيـنـيـث مـكـنـزي بـعـد ذلـك بـقـلـيـل بـاسـكـتـلـنـديـة أتى بـهـا إلى بـغـداد. ولا نـعـرف في أيّ عـام بـالـضـبـط وصـل دونـالـد مـكـنـزي شـقـيـق زوجـة كـيـنـيـث إلى بـغـداد. ولـكـن يـبـدو أنّ ذلـك كـان بـدعـوة مـن كـيـنـيـث. وقـد قـرأت أنّـه تـرك إسـكـوتـلـنـدة عـام 1924 إلى كـنـدا، وأنّـه وصـل إلى بـغـداد عـام 1925.

وأنـهـت حـكـومـة الـمـمـلـكـة الـعـراقـيـة عـقـدهـا مـع مـكـنـزي لإدارة الـمـكـتـبـة الـحـكـومـيـة عـام 1925. وقـد اشـتـرى مـكـنـزي الـمـكـتـبـة مـنـهـا وحـوّلـهـا إلى :  “MacKenzie & MacKenzie bookshop”، وأدارهـا مـع دونـالـد. وانـتـقـلـت الـمـكـتـبـة إلى الـنّـادي الـبـريـطـاني في  The New Street الّـذي أصـبـح بـعـد ذلـك شـارع الـرّشـيـد.

وتـوفي كـيـنـيـث مـكـنـزي سـنـة 1928 بـجـلـطـة قـلـبـيـة، (2) وأدار دونـالـد مـكـنـزي الـمـكـتـبـة بـعـد ذلـك.

وتـحـوّلـت الـمـكـتـبـة إلى مـكـان آخـر في شـارع الـرشـيـد (مـحـلّـة راس الـقـريـة) في أسـفـل الـبـنـايـة الّـتي كـانـت فـيـهـا مـكـاتـب شـركـة الإخـوان لِـنـتـش (بـيـت لـنـج).

وقـد نـشـرت مـكـتـبـة مـكـنـزي كـتـبـاً بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة

مـثـل كـتـاب دوروثي مـاكي  Dorothy MacKay عـن مـدن الـعـراق الـقـديـمـة       The Ancient Cities of Irak الّـذي نـشـرتـه عـام 1926، أو كـتـاب  C.A. HOOPER عـن الـقـانـون الـدّسـتـوري في الـعـراق The Constitutional Law of Iraq  الّـذي نـشـرتـه عـام 1928.

وقـد تـرك كـيـنـيـث مـكـنـزي في بـدايـة أربـعـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي إدارة الـمـكـتـبـة لإسـكـنـدر، رئـيـس مـسـاعـديـه. (3)

وتـوفي في بـغـداد سـنـة 1946.

الـمـكـتـبـة بـعـد وفـاة صـاحـبـهـا :

بـعـد أن وصـل جـبـرا إبـراهـيـم جـبـرا إلى بـغـداد عـام 1948 لـيـدرّس الأدب الإنـكـلـيـزي، ذهـب أوّل مـا ذهـب إلى مـكـتـبـة مـكـنـزي. وهـو يـقـصّ ذلـك في كـتـابـه “شـارع الأمـيـرات” :

“لأسـتـطـلـع آخـر مـا وصـل إلى بـغـداد مـن كـتـب إنـكـلـيـزيـة، وأتـحـدّث إلى صـاحـبـهـا كـريـم. وهـو عـراقي شـديـد الـلـطـف ورث تـلـك الـمـكـتـبـة عـن أصـحـابـهـا الإنـكـلـيـز لأنّـه كـان يـعـمـل مـعـهـم في إدارتـهـا مـنـذ أيـام تـأسـيـسـهـا قـبـل الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة، وغـدت لـه خـبـرة بـمـا يـسـتـجـدّ في عـالـم الـكـتـب الأجـنـبـيـة مـضـيـفـاً إلى ذلـك تـعـامـلـه مـع الـكـتـب الـعـربـيـة، الـتّـراثـيـة مـنـهـا والـحـديـثـة.

وقـد أضـحـت مـكـتـبـتـه هـذه في شـارع الـرّشـيـد (الـشّـارع الأهـمّ في بـغـداد يـومـئـذ) مـلـتـقى لـلـمـثـقـفـيـن مـن عـراقـيـيـن وأجـانـب، وكـلّـهـم عـلى صـلـة شـخـصـيـة بـصـاحـبـهـا الّـذي يـتـابـع اهـتـمـامـاتـهـم الـفـكـريـة، ويـحـاول تـلـبـيـة مـا يـطـلـبـون مـن كـتـب. وقـد أبـقى عـلى تـسـمـيـة الـمـكـتـبـة بـ “مـكـنـزي” لـشـهـرة الـتّـسـمـيـة وتـمـيـزهـا حـتّى بـات هـو نـفـسـه تـجـوزاً يـعـرف بـكـريـم مـكـنـزي. وبـقـيـت الـمـكـتـبـة مـعـلـمـاً مـن مـعـالـم الـمـديـنـة”.

ويـذكـر أحـد تـقـاريـر الأمـم الـمـتـحـدة الـصّـادر عـام 1949 مـكـتـبـة مـكـنـزي كـالـتّـالي :

Irak : MacKenzie’s Bookshop, Booksellers and Stationers, Baghdad.

ونـفـهـم مـن هـذا الـسّـطـر الـمـخـصـص لـلـمـكـتـبـة في هـذا الـجـرد أنّـه كـان لـهـا أكـثـر مـن صـاحـب، وأنّـهـا كـانـت تـمـارس بـيـع الـقـرطـاسـيـات إلى جـانـب بـيـع الـكـتـب.

مـكـتـبـة مـكـنـزي في إحـدى روايـات أجـاثـا كـريـسـتي :

ألّـفـت الإنـكـلـيـزيـة أجـاثـا كـريـسـتي، كـاتـبـة الـرّوايـات الـبـولـيـسـيـة الـشّـهـيـرة روايـتـهـا الـثّـانـيـة الّـتي تـدور أحـداثـهـا في الـعـراق : “مـوعـد في بـغـداد           « They Came to Baghdad في عـام 1951.

ونـتـابـع في الـفـصـل الـسّـادس مـنـهـا فـيـكـتـوريـا، بـطـلـة الـرّوايـة، وهي تـبـحـث في بـغـداد عـن مـكـتـب “غـصـن الـزّيـتـون” :

“ووصـلـت إلى شـارع الـرّشـيـد واسـتـدارت يـمـيـنـاً. وكـانـت بـغـداد عـلى عـكـس مـا كـانـت تـتـصـوره عـنـهـا تـمـامـاً. شـارع رئـيـسي مـزدحـم مـكـتـظ بـالـنّـاس، وسـيـارات تـقـرع مـنـبـهـاتـهـا بـعـنـف، ونـاس يـتـصـايـحـون، وبـضـائـع أوربـيـة في واجـهـات الـمـحـلّات. وكـان الـنّـاس حـولـهـا يـبـصـقـون في كـلّ مـكـان بـعـد أن يـحـكّـوا حـنـاجـرهـم بـنـحـنـحـات مـلـحّـة وعـالـيـة. ولـم تـجـد شـخـصـيـات شـرقـيـة غـريـبـة وغـامـضـة، فـأغـلـبـيـة الـنّـاس يـرتـدون مـلابـس غـربـيـة رخـيـصـة ومـهـتـرئـة، سـتـرات جـيـش وقـوّات جـوّيـة قـديـمـة. وتـبـدو الأشـكـال الـمـتـفـوّطـة والـمـرتـديـة عـبـاءات سـوداء الّـتي نـلـمـحـهـا هـنـا وهـنـاك ضـائـعـة في وسـط هـذا الـخـلـيـط مـن الـمـلابـس الأوربـيـة”.

“ولـم تـجـد أحـداً يـسـتـطـيـع أن يـدلّـهـا عـلى طـريـقـهـا، لا أصـحـاب الـمـحـلّات ولا الـشّـرطـة الّـذيـن رأتـهـم يـحـركـون أذرعـهـم بـعـنـفـوان ويـطـلـقـون صـفـاراتـهـم، ولا صـاحـب الـمـكـتـبـة الّـتي عـرضـت في واجـهـتـهـا بـعـض الـكـتـب الإنـكـلـيـزيـة. ثـمّ أكـمـلـت طـريـقـهـا، وعـنـدهـا هـاجـمـت أذنـيـهـا أصـوات رهـيـبـة لـضـربـات مـطـارق عـنـيـفـة جـاءت مـن زقـاق مـعـتـم،  وتـذكـرت مـا أخـبـروهـا بـه مـن إنّ مـكـتـب “غـصـن الـزّيـتـون” كـان قـرب سـوق الـصّـفـافـيـر”.

و”صـاحـب الـمـكـتـبـة الّـتي عـرضـت في واجـهـتـهـا بـعـض الـكـتـب الإنـكـلـيـزيـة” عـام 1951 كـان ولا شـكّ كـريـم الّـذي تـكـلّـم عـنـه جـبـرا إبـراهـيـم جـبـرا في عـام 1948. ولأنّـه لـم يـكـن إنـكـلـيـزيـاً فـقـد اكـتـفـت الـكـاتـبـة بـذكـره ذكـراً عـابـراً ولـم تـتـكـلّـم عـن مـكـتـبـتـه.

(أنـظـر مـقـالي : روايـة : « مـوعـد في بـغـداد They Came to Baghdad » لأجـاثـا كـريـسـتي. ).

ولـم تـشـر أجـاثـا كـريـسـتي إلى مـكـتـبـة مـكـنـزي في الـقـسـم الّـذي خـصـصـتـه لـبـغـداد مـن سـيـرتـهـا الـذّاتـيـة : An Autobiography الّـتي صـدرت في تـشـريـن الـثّـاني 1977 ، بـعـد مـا يـقـارب عـامـيـن مـن وفـاتـهـا في كـانـون الـثّـاني 1976.

وقـد ذكـر في إحـدى مـنـشـورات الـ F.A.O  (Food and Agriculture Organization) الـتّـابـعـة لـهـيـئـة الأمـم الـمـتـحـدة عـام 1965 أن مـكـتـبـة مـكـنـزي كـانـت تـوزع هـذه الـمـنـشـورات في بـغـداد.

وقـد ظـلّـت الـمـكـتـبـة مـزدهـرة حـتّى الـسّـبـعـيـنـيـات، ثـمّ أغـلـقـت في تـسـعـيـنـات الـقـرن الـمـاضي.

 

الـخـلـط بـيـن كـيـنـيـث ودونـالـد مـكـنـزي :

  يـذكـر طـارق ي. إسـمـاعـيـل في الـصّـفـحـة 5 مـن كـتـابـه عـن تـاريـخ الـحـزب الـشّـيـوعي في الـعـراق The Rise and Fall of the Communiste Party of Iraq  (4) أنّ “نـمـو الـفـكـر الإشـتـراكي بـيـن الـعـراقـيـيـن تـأثّـر بـالأجـانـب الـتّـقـدمـيـيـن الإشـتـراكـيـيـن الّـذيـن اشـتـغـلـوا مـع الـبـريـطـانـيـيـن في الـعـراق، ومـن بـيـنـهـم الإسـكـتـلـنـدي دونـالـد م. مـكـنـزي الّـذي فـتـح مـكـتـبـة مـكـنـزي في بـغـداد عـام 1925 وأدارهـا حـتّى وفـاتـه عـام 1946”.

ونـلاحـظ أنّ الـمـؤلـف يـخـلـط بـيـن كـيـنـيـث مـكـنـزي الّـذي وصـل إلى بـغـداد بـعـد الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى وفـتـح مـكـتـبـة زارتـهـا جـرتـرود بـيـل عـام 1923، وبـيـن شـقـيـق زوجـتـه دونـالـد الّـذي وصـل إلى بـغـداد عـام 1925 وشـارك في إدارة الـمـكـتـبـة، والّـذي كـان اشـتـراكيّ الأفـكـار.

ويـكـمـل طـارق إسـمـاعـيـل الـكـلام عـن دونـالـد مـكـنـزي : “وقـد خـفـض مـكـنـزي أسـعـار عـدد مـن الـكـتـب الأجـنـبـيـة، وخـاصـة تـلـك الّـتي تـعـرض الأفـكـار الإشـتـراكـيـة لـيـبـيـعـهـا لـشـبـاب الإشـتـراكـيـيـن الـعـراقـيـيـن بـسـعـر الـكـلـفـة بـيـنـمـا كـان يـبـيـعـهـا بـأسـعـار أغـلى لـلـبـريـطـانـيـيـن ولـلـعـراقـيـيـن الـمـيـسـوري الـحـال”.

ويـتـكـلّـم عـن زوجـة دونـالـد مـكـنـزي “الّـتي لـعـبـت دوراً مـهـمّـاً في نـشـر الأفـكـار الإشـتـراكـيـة في أوسـاط الـجـمـعـيـات الـنّـسـائـيـة. ويـبـدو أنّـهـا اتّـصـلـت بـهـذه الـجـمـعـيـات خـلال انـعـقـاد مـؤتـمـر الـنّـسـائي الـشّـرقي الأوّل في دمـشـق في تـمّـوز 1930.

وقـد ألـقـت زوجـة مـكـنـزي مـحـاضـرات مـع أمـريـكـيـة تـدعى Miss Kerr في الـنّـوادي الـنّـسـائـيـة وفي مـدارس الـبـنـات الّـتي كـانـت قـد ازدهـرت فـيـهـا الـمـبـادئ الإشـتـراكـيـة”.

 

حـول صورة الـمـكـتـبـة

وضـعـت في بـدايـة الـمـقـال الـصّـورة الّـتي نـجـدهـا في كـلّ مـكـان عـن “مـكـتـبـة مـكـنـزي في بـغـداد”، ومـع ذلـك نـقـرأ عـلـيـهـا : J.W. MacKenzie، وهـو مـا يـبـدو لي غـريـبـاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  Nov 7 Secretariat of the High Commissioner, Baghdad. Darling Mother. We have here a very enterprising man called Mackenzie who has established a flourishing and quite excellent bookshop. He was a bookseller before the war and he knows about books. His shop is one of the most remarkable things in Baghdad – everybody buys there.

(2)إسـتـعـمـلـت كـثـيـراً مـن الـمـعـلـومـات الّـتي وجـدتـهـا في مـقـال وقّـعـه عـلي أبـو طـحـيـن ونـشـرتـه الـكـارديـنـيـا عـام 2013.  وقـد وجـدت نـفـس الـمـقـال ولـكـنّ بـتـوقـيـع الـدّكـتـور إبـراهـيـم خـلـيـل الـعـلاف الّـذي نـشـره في مـدونـتـه عـام 2014.  ولا أدري لأيّ مـنـهـمـا أوجـه الـشّـكـر !

وأضـيـف أنـني قـرأت في عـدّة مـواضـع أن كـيـنـيـث مـكـنـزي تـوفي في بـغـداد بـسـكـتـة قـلـبـيـة سـنـة 1946، وهـذ يـعـود أيـضـاً إلى الـخـلـط بـيـن كـيـنـيـث ودونـالـد.

(3) حـسـب مـا ذكـره نسـيـم رجـوان Nissim Rejwan الّـذي كـان يـديـر مـكـتـبـة “الـرّابـطـة” (لـصـاحـبـهـا عـبـد الـفـتّـاح إبـراهـيـم) في بـغـداد في تـلـك الـفـتـرة وسـجّـلـه في كـتـابـه عـن “آخـر يـهـود بغـداد  The Last Jews in Baghdad”.

(4) Cambridge University Press 2009

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

Advertisements

عـنـدمـا كـانـت حـدود الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة تـصـل إلى دجـلـة

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

يـتـذكـر الـقـلـيـل مـنّـا أنّ سـيـاسـة الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة الـتّـوسـعـيـة في الـقـرن الـثّـاني بـعـد الـمـيـلاد، وضـرورة حـمـايـة حـدودهـا الـشّـرقـيـة ضـدّ الـفـرس دفـعـتـهـا إلى إرسـال جـيـوشـهـا حـتّى نـهـر دجـلـة، قـاد بـعـضـهـا أبـاطـرة رومـان هـزمـوا أوقـتـلـوا أو أسـروا بـيـن دجـلـة والـفـرات … واكـتـسـب بـعـضـهـم بـعـض أراضـيـهـا الّـتي سـرعـان مـا فـقـدوهـا.

الـفـرس والـرّومـان

أذكّـر قـرائي أوّلاً بـبـعـض الـمـعـلـومـات الّـتي لا يـنـبـغي أن نـنـسـاهـا لـنـسـتـطـيـع مـتـابـعـة مـا حـدث في تـلـك الـحـقـبـة الـزّمـنـيـة :

الـفـرس يـسـقـطـون الـدّولـة الـبـابـلـيـة الأخـيـرة :

عـلـيـنـا أن نـعـود إلى الـقـرن الـسّـادس قـبـل الـمـيـلاد عـنـدمـا دخـل الـفـارسي كـورش (قـيـروش) الأكـبـر مـديـنـة بـابـل في 539 قـبـل الـمـيـلاد، وأسـقـط الإمـبـراطـوريـة الـبـابـلـيـة الـمـتـأخـرة. وهـكـذا أنـهى آخـر حـضـارات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الّـتي كـانـت قـد دامـت أكـثـر مـن ثـلاثـة آلاف سـنـة قـبـلـه.

وأسـس كـورش عـلى أنـقـاض الـدّولـة الـبـابـلـيـة إمـبـراطـوريـة فـارسـيـة أخـمـيـنـيـة حـاول مـدّهـا إلى كـلّ الـجـهـات.

إسـتـيـلاء الإسـكـنـدر الـمـقـدوني عـلى بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن :

الإسكندر المقدوني

وعـنـدمـا اتّـجـه الإسـكـنـدر الـمـقـدوني (الأكـبـر) نـحـو الـشّـرق بـعـد حـوالي قـرنـيـن مـن ذلـك، هـزم آخـر مـلـوك هـذه الـسّـلالـة الـفـارسـيـة الأخـمـيـنـيـة في مـعـركـة دارت في مـوقـع بـيـن الـمـوصـل وأربـيـل في الأوّل مـن تـشـريـن الأوّل عـام 331 قـبـل الـمـيـلاد. وبـهـذا أسـقـط دولـتـهـم.

ثـمّ نـزل الإسـكـنـدر نـحـو بـابـل الّـتي أقـام فـيـهـا شـهـراً أظـهـر خـلالـه تـقـديـسـه لآلـهـة الـبـابـلـيـيـن، وأمـر بـإعـادة تـشـيـيـد الـ “أي سَـجـيـل”، مـعـبـد الإلـه مـردوخ الّـذي كـانـت قـد تـهـدّمـت أجـزاء كـثـيـرة مـنـه، واتّـخـذ مـديـنـة بـابـل عـاصـمـة لامـبـراطـوريـتـه الـشّـرقـيـة، واخـتـار أن يـقـيـم في الـقـصـر الـصّـيـفي لـلـمـلـك نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني.

وتـرك الإسـكـنـدر الـمـقـدوني بـابـل مـتّـجـهـا نـحـو الـشّـرق الّـذي غـزا أراضـيـه إلى مـا بـعـد أفـغـانـسـتـان الـحـالـيـة والـهـنـد، وضـمّـهـا إلى امـبـراطـوريـتـه. وبـعـد أن رفـض جـنـوده الـمـتـعـبـون الإسـتـمـرار في الـتّـقـدم نـحـو أقـصى الـشّـرق، رجـع الإسـكـنـدر نـحـو بـابـل الّـتي مـات فـيـهـا سـنـة 323 قـبـل الـمـيـلاد.

(أنـظـر مـقـالي : الإسـكـنـدر الـمـقـدوني يـمـوت في بـابـل)

الـدّولـة الـسّـلـوقـيـة :

وبـعـد مـوت الإسـكـنـدر الـمـقـدوني في بـابـل، إشـتـدّت الـصّـراعـات بـيـن قـوّاده. وتـقـاسـم الـمـنـتـصـرون مـنـهـم الأراضي الّـتي كـان قـد اسـتـولى عـلـيـهـا، فـاسـتـقـلّ سـلـوقـوس (ويـكـتـب اسـمـه أيـضـاً : سـلـوقـس) الّـذي أسـمى نـفـسـه بـ “نـيـكـاتـور Σέλευκος Νικάτωρ”، أي الـمـنـتـصـر، بـالـجـزء الـشّـرقي مـن الإمـبـراطـوريـة، والّـذي كـان يـمـتـدّ مـن سـوريـا وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن وبـلاد فـارس إلى الـهـنـد.

seleucos 1er

وقـد دخـل سـلـوقـوس نـيـكـاتـور بـابـل عـام 312 قـبـل الـمـيـلاد، واتـخـذهـا عـاصـمـة لـه في بـدايـة حـكـمـه قـبـل أن يـبـدأ في عـام 311  قـبـل الـمـيـلاد بـتـأسـيـس عـاصـمـة جـديـدة لـه عـلى نـهـر دجـلـة، حـوالي 60 كـيـلـومـتـراً شـمـال مـديـنـة بـابـل. في مـوقـع كـانـت عـلى ضـفـتـه الـمـقـابـلـة مـديـنـة يـذكـر الـمـؤلـفـون الإغـريـق أن اسـمـهـا كـان أوبـيـس  Opis.

وتـطـلّ الـمـديـنـة الـجـديـدة الّـتي أسـمـاهـا سـلـوقـيـة عـلى نـهـر دجـلـة مـن جـانـب وعـلى الـقـنـاة الـمـلـكـيـة الّـتي كـانـت قـد شـيّـدت قـبـل ذلـك بـقـرون لـتـربـط دجـلـة بـالـفـرات. وهي في الـمـكـان الّـذي أسـمـاه الـعـرب بـعـد ذلـك بـالـمـدائـن، ومـا يـسـمى الآن بـسـلـمـان بـاك في جـنـوب بـغـداد.

وبـعـد أن اسـتـولى سـلـوقـوس عـلى شـمـال سـوريـا، وعـلى الـجـزء الـشّـرقي مـن آسـيـا الـصـغـرى عـام 301 قـبـل الـمـيـلاد، أسـس مـديـنـة أنـطـاكـيـة الّـتي أسـمـاهـا بـاسـم أبـيـه : “أنـطـيـوخــوس  Ἀντίoχoς”، في غـرب سـوريـا، واتّـخـذهـا عـاصـمـة لـه لـيـفـتـح مـمـلـكـتـه عـلى الـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط، ولـكي لا يـقـطـعـهـا عـن بـلاد الإغـريـق.

وأصـبـحـت سـلـوقـيـة دجـلـة الـمـديـنـة الـثّـانـيـة في الـدّولـة، ومـكـان إقـامـة ولي الـعـهـد.

(أنـظـر مـقـالي :عـنـدمـا كـانـت سـلـوقـيـة دجـلـة إحـدى عـواصـم الـثّـقـافـة الـهـلـنـسـتـيـة )

سـيـطـرة الـفـرس الـفـارثـيـيـن :

تـعـززت سـلـطـة أرسـاك (أو أرشـك)، شـيـخ إحـدى الـقـبـائـل الـفـارسـيـة في حـوالي عـام 250 قـبـل الـمـيـلاد، وامـتـدت هـيـمـنـتـه عـلى مـا حـول أراضـيـه في فـارثـيـا، في شـمـال شـرق بـلاد الـفـرس. وأنـشـأ بـهـذا سـلالـة أسـمـيـت بـالـسّـلالـة الـفـارثـيـة الأرشـكـيـة.

وقـد اسـتـطـاع أحـد مـلـوكـهـم، مـيـثـريـدات الأوّل، بـعـد ذلـك الإسـتـيـلاء عـلى بـلاد الـمـيـديـيـن وبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن. ودخـل سـلـوقـيـة دجـلـة عـام 141 قـبـل الـمـيـلاد واحـتـلّـهـا. ولـكـنّ الـمـلـك الـسّـلـوقي ديـمـتـريـوس الـثّـاني اسـتـعـاد مـنـه بـعـد ذلـك مـنـطـقـة بـابـل وبـلاد الـمـيـديـيـن.

ولـم يـدم انـتـصـار الـمـلـك الـسّـلـوقي طـويـلاً، فـقـد هـاجـمـه الـفـارثـيـون مـن جـديـد واسـتـعـادوا مـا كـان قـد اسـتـولى عـلـيـه.

وقـد شـيّـد الـفـارثـيـون مـديـنـة طـيـسـفـون مـقـابـل مـديـنـة سـلـوقـيـة دجـلـة واتّـخـذهـا مـلـوكـهـم عـاصـمـة ثـانـيـة يـقـضـون فـيـهـا الـشّـتـاء.

عـبـور الـرّومـان لـلـفـرات :

وقـام الـقـائـد الـرّومـاني كـراسـوس Crassus في 92 قـبـل الـمـيـلاد، أي تـحـت حـكـم الإمـبـراطـور أوغـسـطـس، بـأوّل مـحـاولـة لـعـبـور الـفـرات نـحـو الـشّـرق ولـكـنّ قـواتـه هـزمـت أمـام الـفـارثـيـيـن.

وفي عـام 106 م. أرسـل الإمـبـراطـور تـرايـانـوس Traianus (تـراجـان) أمـراً إلى حـاكـم سـوريـا الـرّومـاني بـالإسـتـيـلاء عـلى مـمـلـكـة الأنـبـاط في سـلـع (الـبـتـراء)(1) وضـمّ أراضـيـهـا إلى مـمـتـلـكـات الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة.

Trajan

وكـان ذلـك بـعـد وفـاة مـلـكـهـا ربّ بـعـل الـثّـاني.

وقـد أنـشـأ الإمـبـراطـور تـرايـانـوس في 22 آذار مـن عـام 106 “ولايـة (2) بـلاد الـعـرب” الـرّومـانـيـة Provincia Arabia وجـعـل بُـصـرى عـاصـمـة لـهـا.

وكـان هـدفـه مـن ذلـك تـعـزيـز حـدوده الـشّـرقـيـة وإعـداد حـمـلـة عـسـكـريـة ضـدّ الـفـارثـيـيـن.

وفي خـريـف عـام 113م.، تـرك الإمـبـراطـور تـرايـانـوس رومـا، ووصـل أنـطـاكـيـة في سـوريـا في ربـيـع عـام 114.

ويـذكّـر الـمـؤرخـون الـرّومـان أنّـه اسـتـقـبـل عـدّة وفـود مـن حـكـام الـمـنـطـقـة، ومـن بـيـنـهـم شـيـوخ عـرب مـن شـمـال مـا بـيـن الـنّـهـريـن مـثـل مـا نـوس Mannos مـن عـشـائـر الـسّـيـنـيـيـن في Singara (أي سـنـجـار).

وبـدأ بـضـمّ كـلّ مـنـطـقـة أرمـيـنـيـا إلى دولـتـه وجـعـلـهـا ولايـة عـيّـن لـهـا حـاكـمـاً رومـانـيـاً، ثـمّ اتـجـه إلـيـهـا وأخـضـعـهـا لـسـيـطـرتـه، كـمـا أخـضـع الـقـوقـازيـيـن.

وتـرك أرمـيـنـيـا في ربـيـع عـام 115م. مـتّـجـهـاً نـحـو الـجـنـوب وفـتـح نـصـيـبـيـن ومـدن أخـرى مـن مـا بـيـن الـنّـهـريـن، وأنـشـأ في أواخـر 115 “ولايـة مـا بـيـن الـنّـهـريـن Provincia Mesopotamia”، وقـضى الـشّـتـاء في أنـطـاكـيـة.

وفي بـدايـة عـام 116، دخـلـت الـقـوّات الـرّومـانـيـة في سـلـوقـيـة دجـلـة ثـمّ احـتـلّـت طـيـسـفـون، عـاصـمـة الـفـارثـيـيـن الّـتي هـرب مـنـهـا الـمـلـك الـفـارثي.

وقـد اسـتـمـرّ الإمـبـراطـور تـرايـانـوس في مـسـيـرتـه نـحـو الـجـنـوب حـتّى الـخـلـيـج لـيـسـتـولي عـلى مـمـتـلـكـات أعـدائـه. وتـوقّـف في بـابـل لـيـزور الـقـصـر الّـذي مـات فـيـه الإسـكـنـدر الـمـقـدوني.

Empire 001

وبـعـد مـوت تـرايـانـوس سـنـة 117 تـرك الإمـبـراطـور هـادريـانـوس  Hadrianus الّـذي خـلـفـه كـلّ مـا كـان الـرّومـان قـد كـسـبـوه مـن أراضي في الـشّـرق.

وبـعـد وفـاة الإمـبـراطـور الـرّومـاني أنـتـونـيـنـوس الـتّـقي Antoninus Pius عـام 161 م. عـبـر الـمـلـك الـفـارثي فـولـوجـيـس الـثّـالـث نـهـو الـفـرات بـاتـجـاه الـغـرب وغـزا مـواقـع الـرّومـان.

VologasesIII.2

(فـولـوجـيـس الـثّـالـث)

وأرسـل الإمـبـراطـور الـرّومـاني الـجـديـد، مـاركـوس أنـتـونـيـنـوس Marcus Antoninus حـمـلـة ضـدّ الـفـارثـيـيـن، ولـكـنّ جـيـشـه لـم يـسـتـطـع الـتّـغـلـب عـلـيـهـم إلّا في عـام 165. وعـبـر الـرّومـان الـفـرات بـاتـجـاه الـشّـرق لـيـسـيـطـروا عـلى مـنـطـقـة الـرّهـا (أورفـة في أيّـامـنـا هـذه).

فـتـرة أبـاطـرة الـعـسـكـر :

إخـتـار عـسـكـر الـرّومـان عـام 193 م. أحـد قـادتـهـم، سـبـتـمـيـوس سـيـفـروس Septimius Severus ونـصـبـوه إمـبـراطـوراً. وكـان سـبـتـمـيـوس مـن أصـل بـنـيـقي (3)، ولـد في لـبـدة Leptis Magna في لـيـبـيـا الـحـالـيـة. (4)

وقـد قـاد الإمـبـراطـور سـبـتـمـيـوس سـيـفـروس حـمـلـتـيـن في الـشّـرق، الأولى في عـامي 194 و195 والّـتي هـزم فـيـهـا جـيـش مـلـك حـذيـاب (الّـتي كـانـت تـمـتـد بـيـن الـزّاب الـكـبـيـر والـزّاب الـصّـغـيـر)، والـثّـانـيـة عـام 197 والّـتي لـم يـسـتـطـع خـلالـهـا فـتـح الـحـضـر (حـضـرة شـمـس) رغـم حـصـاره الـطّـويـل لـهـا.

وفي عـام 198 وصـل أمـام طـيـسـفـون وحـاصـرهـا، وهـرب مـنـهـا الـمـلـك الـفـارثي فـولـوجـيـس الـرّابـع قـبـل أن تـفـتـح أبـوابـهـا لـلإمـبـراطـور الـرّومـاني.

Vologès IV

(فـولـوجـيـس الـرّابـع)

وأنـشـأ الإمـبـراطـور سـبـتـمـيـوس سـيـفـروس عـام 198/199  م. ولايـة عـلى الـحـدود الـشّـرقـيـة لـدولـتـه أسـمـاهـا ” ولايـة مـا بـيـن الـنّـهـريـن Provincia Mesopotamia”. ثـمّ عـاد إلى رومـا في 199 م.

وقـد شُـيّـد في رومـا عـام 203 م. قـوس نـصـر مـن الـحـجـر عـلـيـه نـصّ بـالـلـغـة الـلاتـيـنـيـة يـفـتـخـر بـانـتـصـارات الإمـبـراطـور سـبـتـمـيـوس سـيـفـروس عـلى الـفـارثـيـيـن والـعـرب  Parthico Arabico.

قوس نصر

septime sevser 2

وفي عـامي 231 و 232 م. قـاد الإمـبـراطـور سـيـفـيـروس الإسـكـنـدر Severus Alexander  حـمـلـة ضـدّ الـفـرس عـلى ضـفـاف الـفـرات.

الـسّـاسـانـيـون يـخـلـفـون الـفـارثـيـيـن :

وبـعـد أن أسـقـط الـفـارسي أردشـيـر آخـر مـلـوك الـفـارثـيـيـن، أرطـبـان الـخـامـس، تـوّج مـلـكـاً عـام 224 في طـيـسـفـون وأنـشـأ سـلالـة الـسّـاسـانـيـيـن الـفـارسـيـة. وأتـخـذ طـيـسـفـون عـاصـمـة لـه.

وعـنـدمـا وصـل شـابـور الأوّل إلى الـحـكـم في 240 شـرع في تـوسـيـع دولـتـه الـسّـاسـانـيـة وعـبـر الـفـرات لـيـهـاجـم الـمـواقـع الـرّومـانـيـة. وجـمـع الإمـبـراطـور الـرّومـاني غـورديـانـوس  Gordianus الـثّـالـث قـوّاتـه وسـار لـلـقـاء الـمـلـك الـسّـاسـاني.

وقـد اسـتـطـاع الـرّومـاني في الـبـدايـة دفـع الـفـرس واسـتـعـادة حـرّان ونـصـيـبـيـن والـحـضـر، وعـيّـن قـائـديـن، كـان أحـدهـمـا فـيـلـيـب الـعـربي Phillipus Arabs.(5)

ودارت مـعـركـة عـنـيـفـة بـيـن الـفـرس والـرّومـان في شـبـاط 244 م. في الأنـبـار، قـرب الـفـلـوجـة، جـرح فـيـهـا الإمـبـراطـور الـرّومـاني جـراحـاً قـاتـلـة، مـات مـنـهـا. وتـشـتـت جـيـشـه بـيـن قـتـلى وأسـرى بـأيـدي الـفـرس.

وبـعـد وفـاة غـورديـانـوس الـثّـالـث عـام 244 م. إرتـقى فـيـلـيـب الـعـربي عـرش الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة.

Philippe A 001 (423x640)

وقـد تـفـاوض مـع الـفـرس الـسّـاسـانـيـيـن لإحـلال الـصّـلـح ودفـع مـبـالـغ طـائـلـة لـشـراء الأسـرى الـرّومـان وتـحـريـرهـم.

وفي عـام 259، تـوجّـه الإمـبـراطـور الـرّومـاني فـالـيـريـانـوس Valerianus لـيـقـاتـل الـسّـاسـاني شـابـور الأوّل بـيـن حـرّان والـرّهـا، ولـكـنّـه خـسـر الـمـعـركـة وسـقـط أسـيـراً بـأيـدي الـفـرس الّـذيـن أخـذوه مـثـقـلاً بـالأغـلال إلى طـيـسـفـون. وقـد رفـض خـلـفـه الـتّـفـاوض مـع الـفـرس ودفـع فـديـتـه. ومـات الإمـبـراطـور فـالـيـريـانـوس في أسـره.

وقـد جـمـع شـابـور في مـنـحـوتـة قـلـيـلـة  الـبـروز انـتـصـاراتـه الـمـتـفـرّقـة عـلى أبـاطـرة الـرّومـان الـثـلاثـة في مـشـهـد واحـد، نـرى فـيـه حـوافـر فـرسـه تـطـأ جـسـد الإمـبـراطـور غـورديـانـوس، ونـراه يـجـرّ خـلـفـة الإمـبـراطـور فـالـيـريـانـوس أسـيـراً مـكـبّـلاً بـالأغـلال، بـيـنـمـا ارتـمى أمـامـه الإمـبـراطـور فـيـلـيـب الـعـربي يـرجـوه الـعـفـو :

shapur et Romains 2

وفي عـام 260 م. غـزا شـابـور الأوّل مـن جـديـد مـا بـقي لـلـرّومـان مـن مـمـتـلـكـات في مـا بـيـن الـنّـهـريـن، وحـاصـر حـرّان والـرّهـا.

وأرسـل الـرّومـان أُذيـنـة الـثّـاني، مـلـك تـدمـر، عـلى رأس جـيـش هـاجـم الـسّـاسـانـيـيـن وطـاردهـم حـتّى طـيـسـفـون مـرتـيـن : في عـامي 261 و 267. وضـمّ أُذيـنـة مـنـاطـق مـا بـيـن الـنّـهـريـن إلى مـمـلـكـتـه.

أذينة 2

وفي عـام 272 حـاصـر الإمـبـراطـور الـرّومـاني أورلـيـانـوس  Aurelianus تـدمـر الّـتي كـانـت تـحـكـمـهـا زنـوبـيـا، أرمـلـة أُذيـنـة، الّـتي يـسـمـيـهـا الـعـرب بـالـزّبّـاء.

Zénobie 2

وبـعـد أن فـتـحـهـا أرسـل زنـوبـيـا أسـيـرة إلى رومـا، وضـمّ مـمـلـكـتـهـا إلى أراضي أمـبـراطـوريـتـه.

وقـد قـاد الإمـبـراطـور أورلـيـانـوس كـاريـنـوس  Aurelianus Carinus حـمـلـة ضـد الـسّـاسـانـيـيـن عـام 282، ولـكـنّـه لـم يـفـلـح في عـبـور الـفـرات نـحـو الـشّـرق.

وقـاد الإمـبـراطـور ديـوكـلـتـيـانـوس (ديـوقـلـيـان)   Diocletianusهـو الآخـر جـيـشـه حـتّى نـصـيـبـيـن عـام 298، وأجـبـر  الـسّـاسـانـيـيـن عـلى الإعـتـراف بـحـدود الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة شـرق دجـلـة.

وظـلّـت الأمـور عـلى هـذه الـحـال حـتّى سـقـوط الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة الـغـربـيـة نـهـائـيـاً عـام 476 بـعـد الـمـيـلاد.

ويـنـبـغي أن نـفـرّق بـيـن رومـان الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة وبـيـن الـبـيـزنـطـيـنـيـن الّـذيـن يـسـمـيـهـم الـقـرآن بـالـرّوم، والّـذيـن كـانـت لـهـم حـروبـهـم مـع الـفـرس. وقـد فـتـح الـبـيـزنـطـيـون طـيـسـفـون، عـاصـمـة الـفـرس الـسّـاسـانـيـيـن عـام 627 م. ونـهـبـوهـا، عـشـرة أعـوام قـبـل أن يـفـتـحـهـا الـمـسـلـمـون عـام 637. ولـكـنّ هـذا سـيـكـون مـوضـوعـاً لـمـقـال قـادم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يـعـني اسـم سـلـع الـصّـخـر، وقـد تـرجـمـه الـيـونـانـيـون إلى πέτρα (يـلـفـظ بـالـحـروف الـلاتـيـنـيـة petra)، وقـد عـربـنـاه (أو حـورنـاه) إلى الـبـتـراء. وكـان سـقـوط سـلـع في 106 مـيـلاديـة حـدثـاً مـهـمـاً عـنـد الـعـرب حـتّى أنّـهـم كـانـوا يـؤرخـون الأحـداث : “مـن سـقـوط سـلـع”.

(2) وهي جـزء مـن الـتّـقـسـيـم الإداري لـلإمـبـراطـوريـة، وهي بـالأحـرى تـعـادل “ولايـة” في الـتّـقـسـيـم الإداري لـلـدّولـة الـعـثـمـانـيـة أكـثـر مـنـهـا “مـقـاطـعـة” الّـتي شـاع اسـتـعـمـالـهـا رغـم أنّ الـكـلـمـة لـيـس لـهـا هـذا الـمـعـنى الإداري.

(3) الـبـنـيـقـيـون هـم فـنـيـقـيـون تـركـوا مـمـلـكـة صـور عـلى الـسّـاحـل الـشّـرقي لـلـبـحـر الأبـيـض الـمـتـوسّـط  (في لـبـنـان في أيّـامـنـا هـذه) وأسـسـوا مـسـتـعـمـرة تـجـاريـة أسـمـوهـا قـرت حـدشـت (الـمـديـنـة الـحـديـثـة) الّـتي حـوّر الإغـريـق اسـمـهـا إلى (قـرطـاج) عـلى الـسّـاحـل الـجـنـوبي لـلـبـحـر الـمـتـوسّـط (في تـونـس في أيّـامـنـا هـذه).

(4) تـزوّج سـبـتـمـيـوس بـيـولـيـا دومـنـة Iulia Domna، إبـنـة كـبـيـر كـهّـان حـمـص.

(5)   يـبـدو أنّ فـيـلـيـب الـعـربي كـان ابـن شـيـخ مـن سـلـع (الـبـتـراء) ولـد حـوالي 204 م. عـنـدمـا كـانـت الـمـنـطـقـة تـشـكّـل “ولايـة بـلاد الـعـرب” كـجـزء مـن الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة. وبـعـد وفـاة غـورديـانـوس الـثّـالـث إرتـقى عـرش الإمـبـراطـوريـة الـرّومـانـيـة. تـوفي سـنـة 249 م.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.