مـقـتـل آخـر خـلـفـاء بـغـداد كـمـا رواه أوربـيـان

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

لـطـالـمـا قـرأنـا وأعـدنـا قـراءة مـا ذكـره ابـن كـثـيـر في مـوسـوعـتـه “الـبـدايـة والـنّـهـايـة” عـن “سـنـة سـتّ وخـمـسـيـن وسـتـمـائـة” أي 1258 م. الّـتي “فـيـهـا أخـذت الـتّـتـار بـغـداد، وقـتـلـوا أكـثـر أهـلـهـا حـتّى الـخـلـيـفـة، وانـقـضـت دولـة بـني الـعـبـاس مـنـهـا”.

سقوط بغداد

وكـانـت “عـسـاكـر سـلـطـان الـتّـتـار هـولاكـوقـان”(1) قـد “جـاءت إلـيـهـم أمـداد صـاحـب الـمـوصـل [بـدر الـدّيـن لـؤلـؤ] يـسـاعـدونـهـم عـلى الـبـغـاددة”.

Badr_al-Din_Lu'lu'   (بـدر الـديـن لـؤلـؤ)

و “أحـاطـت الـتّـتـار بـدار الـخـلافـة يـرشـقـونـهـا بـالـنّـشّـاب مـن كـلّ جـانـب، حـتّى أصـيـبـت جـاريـة كـانـت تـلـعـب بـيـن يـدي الـخـلـيـفـة وتـضـحـكـه”، “فـأمـر الـخـلـيـفـة بـزيـادة الاحـتـراز وكـثـرة الـسّـتـائـر عـلى دار الـخـلافـة”.

ويـبـدو أنّ الـخـلـيـفـة لـم يـكـن قـد اسـتـمـع إلى نـصـيـحـه وزيـره بـإرسـال “هـدايـا سـنـيّـة” إلى هـولاكـو خـان (الّـذي يـسـمـيـه ابـن كـثـيـر هـولاكـوقـان) و”أرسـل شـيـئـاً مـن الـهـدايـا احـتـقـرهـا سـلـطـان الـتّـتـار […] ووصـل إلى بـغـداد بـجـنـوده الـكـثـيـرة”. و”أحـاطـوا بـبـغـداد مـن نـاحـيـتـهـا الـغـربـيـة والـشّـرقـيـة، وجـنـود بـغـداد في غـايـة الـقـلّـة”.  “وقـتـلـوا الـخـلـيـفـة رفـسـاً وهـو في جُـوالِـق (2) لـئـلا يـقـع إلى الأرض شئ مـن دمـه، خـافـوا أن يـؤخـذ بـثـأره فـيـمـا قـيـل لـهـم. وقـيـل بـل خـنـق. ويـقـال : غُـرِّق، فـالله أعـلـم” (3).

ولـكـنّ مـرجـعـنـا هـذا عـن سـقـوط بـغـداد لـم يـكـتـبـه ابـن كـثـيـر إلّا بـعـد أكـثـر مـن قـرن كـامـل عـلى وقـوع الأحـداث، فـقـد تـوفي سـنـة 1372 م. وكـان ابـن كـثـيـر الـدّمـشـقي فـقـيـهـا جـمـع مـا سـمـعـه ومـا وصـل إلـيـه مـن الأخـبـار في كـتـاب بـعـدّة أجـزاء تـعـوّدنـا عـلى تـصـنـيـفـه بـيـن “كـتـب الـتّـاريـخ”. وكـان يـأخـذ هـذه الأخـبـار مـن غـيـر تـمـحـيـص ولا تـدقـيـق ويـذكـرهـا كـمـا وصـلـتـه : ربّـمـا قـتـل الـخـلـيـفـة رفـسـاً أو خُـنـق أو غُـرِّق … فـهـو إذن لا يـعـرف بـالـضّـبـط كـيـف قُـتـل آخـر خـلـفـاء بـني الـعـبّـاس، خـاصـة وأنّ الـنّـاس حـولـه كـانـوا قـد نـسـوا هـذه الأحـداث الـبـعـيـدة عـنـهـم زمـنـيـاً والّـتي جـرت في مـكـان بـعـيـد عـنـهـم : في بـغـداد، وهـم في دمـشـق.

Baghdad_1258

ونـجـد نـفـس الإخـتـلافـات في مـوت الـمـسـتـعـصـم عـنـد أبي الـفـداء (الـمـتـوفى سـنـة 1331 م.) في كـتـابـه “الـمـخـتـصـر في أخـبـار الـبـشـر” (4) إذ كـتـب : “ولـم يـقـع الإطـلاع عـلى كـيـفـيـة قـتـلـه، فـقـيـل خُـنـق، وقـيـل وضـع في عـدل ورفـسـوه حـتّى مـات، وقـيـل غـرق في دجـلـة”.

ويـذكـر رشـيـد الـدّيـن فـضـل الله الـهـمـذاني في كـتـاب “جـامـع الـتّـواريـخ” مـوت الـمـسـتـعـصـم رفـسـاً (5) وهـو مـا يـذكـره أيـضـاً إبـن الـفـوطي (تـوفي سـنـة 1323) في كـتـاب “الـحـوادث الـجـامـعـة”، وأبـو إسـحـق الـجـوزجـاني (تـوفي سـنـة 1299 م.) في كـتـابـه “طـبـقـات نـاصـري” (6).

ونـجـد في مـصـادر أخـرى أنّ هـولاكـو بـعـد أن سـلّـم لـه الـخـلـيـفـة نـفـسـه، وقـبـل أن يـقـتـلـه، حـرمـه مـن الـطّـعـام، فـلـمـا جـاع الـخـلـيـفـة وطـلـب طـعـامـاً قـدّم لـه طـبـقـاً مـلـيـئـاً ذهـبـاً، وأمـره أن يـأكـل، فـقـال الـخـلـيـفـة : “كـيـف يـأكـل الـذّهـب ؟” فـرد عـلـيـه هـولاكـو : إن كـنـت تـعـرف أنّ الـذّهـب لا يـؤكـل فـلـم اخـتـزنـتـه، ولـم تـوزعـه عـلى جـنـدك لـيـصـونـوا لـك مـلـكـك الـمـوروث مـن هـجـمـاتـنـا ؟ ولـم لـم تـصـنـع مـن أبـواب الـحـديـد سـهـامـاً وتـسـرع إلى ضـفـة نـهـر جـيـحـون لـتـحـول دون عـبـوري ؟ فـأجـاب الـخـلـيـفـة : “هـكـذا قـدّر الله”. فـقـال هـولاكـو : “وسـيـجـري عـلـيـك تـقـديـر الله”.(7)

نـصّ مـاركـو بـولـو عـن مـوت الـخـلـيـفـة :

وقـد ذكـر الـتّـاجـر الـبـنـدقي مـاركـو بـولـو في سـرده لـرحـلـتـه إلى الـصّـيـن والـمـعـروف بـ “كـتـاب الـعـجـائـب” قـصـة إجـاعـة هـولاكـو لـلـخـلـيـفـة الـمـسـتـعـصـم بـالله بـعـد أن طـلـب مـنـه أن يـأكـل ذهـبـه، ولـكـنّـه جـعـل الـخـلـيـفـة يـمـوت جـوعـاً بـدلاً مـن أن يـقـتـل.

وهـو يـذكـر هـذه الـرّوايـة في حـديـثـه عـن مـديـنـتي الـمـوصـل وبـغـداد في رحـلـتـه مـع أبـيـه وعـمّـه نـحـو الـشّـرق الأقـصى. ويـحـتـمـل أنّـه قـد زارهـمـا في حـوالي عـام 1972، أي بـعـد حـوالي 14 سـنـة عـلى سـقـوط بـغـداد تـحـت ضـربـات الـتّـتـار. ولا شـكّ في أنّ الـرّوايـة الّـتي يـذكـرهـا عـن مـوت الـخـلـيـفـة كـانـت ذائـعـة في زمـنـه، وسـمـعـهـا في الـمـوصـل أو في بـغـداد، أو ربّـمـا في بـلاد الـفـرس، كـمـا سـمـعـهـا فـرا ريـكـولـدو الّـذي سـنـتـكـلّـم عـنـه بـعـد ذلـك.

ولـنـبـدأ بـالـكـلام عـن مـاركـو بـولـو وعـن مـا رواه في “كـتـاب الـعـجـائـب”.

مـاركـو بـولـو يـتـكـلّـم عـن الـمـوصـل وبـغـداد :

ولـد مـاركـو بـولـو Marco Polo  في الـبـنـدقـيـة Venezia (إيـطـالـيـا) سـنـة 1245م. وفي عـام 1260 تـرك أبـوه وعـمّـه مـديـنـة الـبـنـدقـيـة إلى الـقـسـطـنـطـيـنـيـة، عـاصـمـة الـدّولـة الـبـيـزنـطـيـة، فـقـد كـان لـهـمـا في حيّ الـبـنـادقـة فـيـهـا عـدّة مـحـلّات تـجـاريـة. وانـتـقـلا عـام 1261 إلى مـديـنـة سـولـدايـا عـلى ضـفـاف الـبـحـر الأسـود. ثـمّ أكـمـلا سـفـرهـمـا نـحـو الـشّـرق ووصـلا في آسـيـا الـوسـطى إلى بـلاط حـفـيـد جـنـكـيـز خـان. وحـصـلا مـنـه عـلى سـمـاح لـهـمـا بـالـمـتـاجـرة مـع الـشّـرق. وكـان مـاركـو بـولـو في الـخـامـسـة عـشـرة مـن عـمـره عـنـدمـا عـاد أبـوه وعـمّـه إلى الـبـنـدقـيـة.

وقـد صـاحـبـهـمـا عـنـدمـا غـادرا الـبـنـدقـيـة مـن جـديـد نـحـو الـشّـرق عـام 1271م. وكـان في صـحـبـتـهـمـا أيـضـاً راهـبـان دومـنـيـكـيـان أرسـلـهـمـا بـابـا رومـا. ووصـلـوا بـعـد سـفـر دام ثـلاث سـنـوات إلى بـلاط  قـبـلاي خـان، سـلـطـان الـمـنـغـول في الـصّـيـن.

ويـبـدو أنّـه مـرّ بـالـمـوصـل وبـغـداد مـع أنّـه لا يـذكـر في سـرده إن كـان قـد مـرّ بـهـمـا أمّ سـمـع مـا يـرويـه عـنـهـمـا عـنـدمـا مـرّ قـربـهـمـا في طـريـقـه إلى الـصّـيـن أي في حـوالي عـام 1272م.

وبـعـد عـودة مـاركـو بـولـو عـام 1295 مـن رحـلـتـه الّـتي دامـت 26 سـنـة، شـارك في مـعـركـة بـيـن الـبـنـادقـة والـجـنـويـيـن. وقـبـض عـلـيـه الـجـنـويـون عـام 1296 وسـجـنـوه.

وفي سـجـنـه في مـديـنـة جـنـوة، أمـلى سـرد رحـلـتـه عـلى رسـتـيـكـلّـو الـبـيـزانـوي Rustichello da Pisa. وقـد نـشـر هـذا الـسّـرد عـام 1298. وعـرف بـعـد ذلـك بـاسـم “كـتـاب الـعـجـائـب”.

وبـعـد إطـلاق سـراحـه عـام 1299، عـاد مـاركـو بـولـو إلى الـبـنـدقـيـة، وتـزوّج وأنـجـب ثـلاث بـنـات. وتـوفي في الـبـنـدقـيـة سـنـة 1324.

 كـتـب مـاركـو بـولـو عـن مـمـلـكـة الـمـوصـل الّـتي مـرّ بـهـا في طـريـق رحـلـتـه إلى الـشّـرق، في الـفـصـل الـخـامـس عـشـر مـن “كـتـاب الـعـجـائـب” :

تـقـع مـمـلـكـة الـمـوصـل  Mosul ،في الـشّـرق، ويـحـاذي جـزء مـنـهـا أرمـيـنـيـا الـكـبـرى. والـعـرب الّـذيـن يـسـكـنـونـهـا مـحـمّـديـونMaomettani   (8)، وفـيـهـا كـثـيـر مـن الـمـسـيـحـيـيـن انـقـسـمـوا إلى نـسـاطـرة ويـعـاقـبـة، لـهـم بـطـريـرك عـظـيـم يـسـمـونـه كـاثـولـيـك cattolico  يـعـيّـن أسـاقـفـة وآبـاء ورجـال ديـن يـبـعـثـهـم في كـلّ أرجـاء الـشّـرق كـمـا يـفـعـل بـابـا رومـا في الـبـلاد الـلاتـيـنـيـة.

وتـصـنـع في الـمـوصـل أقـمـشـة عـالـيـة الـقـيـمـة مـن خـيـوط الـذّهـب ومـن الـحـريـر. وفي جـبـال هـذه الـمـمـلـكـة أقـوام يـدعـون بـالأكـراد Cardis، بـعـضـهـم نـسـاطـرة وبـعـضـهـم يـعـاقـبـة وبـعـضـهـم مـحـمّـديـون Maomettani ، وهـم لـصـوص لـيـس مـثـلـهـم لـصـوص”.

وكـتـب عـن بـغـداد في الـفـصـل الـسّـادس عـشـر مـن كـتـابـه :

“وفي ذلـك الـجـزء مـن الـعـالـم مـديـنـة عـظـيـمـة تـدعى  بـغـداد Baldachi، اخـتـارهـا مـقـرّاً لـحـكـمـه كـبـيـر الـسّـرزانـيـيـن  Saraceni،(9) الّـذي يـسـمـونـه خـلـيـفـة Califfo.  ولا نـجـد مـديـنـة أجـمـل مـنـهـا في تـلـك الـمـنـاطـق. وتـصـنـع فـيـهـا أقـمـشـة مـن الـحـريـر وخـيـوط الـذّهـب بـطـرق مـتـنـوّعـة.

ماركو بولو كتاب العجائب 2

وفي عـام 1250 (10)، ضـرب هـولاكـو Houlagou، كـبـيـر الـتّـرتـار Tartari، الـحـصـار أمـام هـذه الـمـديـنـة، واشـتـدّ في حـصـارهـا حـتّى سـقـطـت تـحـت ضـربـاتـه. وكـان في الـمـديـنـة أكـثـر مـن مـائـة ألـف مـقـاتـل هـزمـهـم هـولاكـو.

وكـان لـلـخـلـيـفـة Califfo ، سـلـطـان الـمـديـنـة، بـرج مـلئ بـالـذّهـب والـفـضّـة والـجـواهـر وثـروات أخـرى لا تـقـدّر قـيـمـتـهـا. ولـكـنّـه بـدلاً مـن أن يـنـفـق مـنـهـا عـلى جـنـوده، كـان يـكـتـنـزهـا لـنـفـسـه، وسـبـب بـخـلـه ضـيـاع مـديـنـتـه مـنـه.

وبـعـد أن دخـل هـولاكـو الـمـديـنـة، أمـر بـحـبـس الـخـلـيـفـة في بـرجـه الّـذي يـحـفـظ فـيـه كـنـوزه، وأمـر أن لا يـعـطى لـه طـعـام ولا مـاء، وقـال لـه : “لـو لـم يـدفـعـك بـخـلـك إلى الإحـتـفـاظ  بـكـنـزك لـك وحـدك لاسـتـطـعـت أن تـسـلـم وتـحـتـفـظ بـمـديـنـتـك. لـتـنـعـم الآن بـه عـلى هـواك : كُـلْ مـنـه واشـربْ إن اسـتـطـعـت ! مـا دام هـذا أكـثـر مـا تـحـبّ. وهـكـذا مـات هـذا الـبـائـس بـيـن كـنـوزه.

ماركو بولو كتاب العجائب 3

ويـمـرّ بـالـمـديـنـة نـهـر عـظـيـم، يـصـبّ في بـحـر الـهـنـد. وبـيـن الـمـديـنـة ومـصـبّ الـنّـهـر 18 مـيـلاً (11)، ولـهـذا يـسـهـل جـلـب الـسّـلـع والـبـضـائـع مـن الـهـنـد بـكـثـرة”.

نـصّ الـمـبـشـر الـدّومـنـيـكي فـرا ريـكـولـدو عـن مـوت الـخـلـيـفـة :

ونـجـد نـفـس هـذه الـحـكـايـة عـن مـوت آخـر خـلـفـاء الـعـبـاسـيـيـن في نـصّ كـتـبـه الـمـبـشـر الـدّومـنـيـكي فـرا ريـكـولـدو الّـذي زار الـمـوصـل وبـغـداد وأقـام فـيـهـمـا في أواخـر الـقـرن الـثّـالـث عـشـر الـمـيـلادي. ولـكـنّ فـرا ريـكـولـدو ذكـر في روايـتـه تـفـاصـيـل لـم يـذكـرهـا مـاركـو بـولـو.

الـمـبـشـر الـدّومـنـيـكي فـرا ريـكـولـدو :

وصـل الـمـبـشـر الـدّومـنـيـكي فـرا ريـكـولـدو بـيـنـيـني دا مـونـتي كـروتـشي     Fra Ricoldo Pennini da Montecroce  الّـذي كـان إيـطـالـيـاً مـن مـديـنـة فـلـورنـسـا، إلى الـمـوصـل قـادمـاً مـن شـيـراز في عـام 1290.

وقـد جـاء فـرا ريـكـولـدو هـذا إلى الـمـوصـل ضـمـن الـبـعـثـة الّـتي كـان الـبـابـا نـيـقـولا الـرّابـع قـد أرسـلـهـا لـلـتّـبـشـيـر في الـشّـرق. وأقـام في مـديـنـة شـيـراز الّـتي بـشّـر فـيـهـا وتـعـلّـم الـلـغـة الـعـربـيـة.

فرا ريكولدو(فـرا ريـكـولـدو أمـام الـبـابـا)

واتـصـل فـرا ريـكـولـدو في الـمـوصـل بـالـنّـسـاطـرة، الّـذيـن كـان يـعـتـبـرهـم مـنـشـقـيـن عـلى ديـن الـمـسـيـح، ووعـظـهـم ولـكـنّـهـم رفـضـوا اعـتـنـاق الـمـذهـب الـكـاثـولـيـكي. وذهـب إلى مـعـبـد الـيـهـود ووعـظـهـم وتـنـاقـش مـعـهـم حـول “الـدّيـن الـحـقّ”. ثـمّ أقـام في ديـر مـار مـتى شـمـال الـمـديـنـة لـيـتـنـاقـش مـع رهـبـانـه مـن الـيـعـاقـبـة الّـذيـن كـان يـعـتـبـرهـم هـم الآخـريـن :”عـلى مـذهـب مـنـشـقّ عـلى الـدّيـن يـخـطئ في كـثـيـر مـن الإعـتـقـادات. وهـم لا يـتـبـعـون كـنـيـسـة رومـا”. ولـم يـسـتـطـع إدخـالـهـم في الـمـذهـب الـكـاثـولـيـكي.

ثـمّ نـزل فـرا ريـكـولـدو إلى بـغـداد عـن طـريـق دجـلـة وتـوقّـف في تـكـريـت. ووصـل بـغـداد إذن في 1290 أو 1291، أي بـعـد 23 أو 33 سـنـة بـعـد انـتـهـاء الـخـلافـة الـعـبـاسـيـة فـيـهـا.

وفي بـغـداد اتّـصـل بـالـدّومـنـيـكـان الّـذيـن كـانـوا قـد اسـتـقـروا فـيـهـا. وقـد اسـتـطـاع الـدّخـول في الـمـدرسـتـيـن الـنّـظـامـيـة والـمـسـتـنـصـريـة والـدّراسـة فـيـهـمـا. وفي بـغـداد شـرع في تـرجـمـة الـقـرآن إلى الـلاتـيـنـيـة.

BNF_MS_ar_384

ويـبـدو أنّـه كـان مـن بـيـن أوائـل الأوربـيـيـن الّـذيـن الـتـقـوا بـالـصّـابـئـة الـمـنـدائـيـيـن، ومـن أوائـل مـن كـتـب عـنـهـم. وقـد أقـام في الـعـراق حـوالي عـشـر سـنـوات.

كـتـب فـرا ريـكـولـدو في سـرداً لـرحـلاتـه بـالـلـغـة الـلاتـيـنـيـة الـمـعـروف بـعـنـوان Itinerarium  أو Liber peregrinationis . وهـو نـصّ قـصـيـر لا يـتـجـاوز 79 صـفـحـة، يـبـدو أنّـه كـتـبـه خـلال إقـامـتـه في بـغـداد.

ونـجـد في سـرد فـرا ريـكـولـدو نـفـس هـذه الـحـكـايـة الـغـريـبـة الّـتي ذكـرهـا مـاركـو بـولـو عـن مـوت آخـر خـلـفـاء بـني الـعـبّـاس (في بـغـداد)، بـعـد أن أضـاف إلـيـهـا تـفـاصـيـل آخـرى.

كـتـب عـن بـغـداد:

“وعـنـدمـا خـرج الـتّـتـار لـغـزو الـبـلاد وصـلـوا إلى مـديـنـة قـريـبـة مـن بـغـداد Baldach  كـان فـيـهـا كـثـيـر مـن الـمـسـيـحـيـيـن والـمـسـلـمـيـن. وكـانـت أوامـر الـخـان (أي هـولاكـو) أن لا يـدخـل الـتّـتـار في دور الـمـسـيـحـيـيـن وأن لا يـؤذوهـم، وأن يـقـتـلـوا مـن أمـسـكـوا بـه مـن الـمـسـلـمـيـن. ودعـا الـمـسـيـحـيـون جـيـرانـهـم الـمـسـلـمـيـن أن يـلـتـجـئـوا عـنـدهـم، تـدفـعـهـم لـذلـك الـشّـفـقـة بـهـم. وعـنـدمـا سـمـع الـخـان بـالأمـر أمـر أن يـقـتـلـوا جـمـيـعـاً.

وبـعـد ذلـك ذهـبـوا إلى بـغـداد Baldach الـشّـديـدة الـنّـبـل، وفـتـحـوهـا بـالـقـوة. وكـان الـخـلـيـفـة، وهـو عـنـد الـمـسـلـمـيـن شـبـيـه بـالـبـابـا عـنـد الـمـسـيـحـيـيـن، قـد جـمـع في قـصـره الـشّـديـد الـفـخـامـة كـنـوزاً لا تـعـد ولا تـحـصى. وقـد أعـمـاه غـروره وغـطـرسـتـه، ولـم يـرد أن يـصـدّق مـن أخـبـره بـدخـول الـتّـتـار في مـمـلـكـتـه، وبـقي في قـصـره لا يـغـادره. وقـد قـبـض عـلـيـه الـتّـتـار وحـاكـمـوه مـحـاكـمـة قـاسـيـة أدانـوه فـيـهـا، وحـبـسـوه في غـرفـة مـحـكـمـة الـحـراسـة لا يـأكـل فـيـهـا ولا يـشـرب. وبـعـد أن بـقي ثـلاثـة أيّـام بـدون أكـل ولا شـرب، رجـاهـم أن يـطـعـمـوه، فـأخـذ الـتّـتـار مـن الـفـضّـة والـذّهـب أكـوامـاً رمـوهـا أمـامـه وطـلـبـوا مـنـه أن يـأكـل مـنـهـا. وعـنـدمـا أجـابـهـم الـخـلـيـفـة أنّـه لا يـسـتـطـيـع أن يـأكـل إلّا الـخـبـز وغـيـره مـن الـطـعـام، قـال لـه الـتّـتـار : “مـا دمـت لا تـأكـل لا الـفـضّـة ولا الـذّهـب ولا الأحـجـار الـكـريـمـة وإنّـمـا تـأكـل الـطّـعـام مـثـل كـلّ الـنّـاس، فـلـمـاذا أجـعـت الـنّـاس لـتـجـمـع هـذه الـكـنـوز الـعـظـيـمـة ؟ أجـابـهـم [الـخـلـيـفـة] : لـم أجـمـع هـذه الـكـنـوز وإنّـمـا جـاءتـني مـن آبـائي وأجـدادي فـاحـتـفـظـت بـهـا. قـال لـه الـتّـتـار : “فـلـمـاذا لـم تـخـرجـهـا وتـنـتـفـع بـهـا أنـتَ ورجـالـك. ولـكـنـت اسـتـطـعـت بـربـع ربـعـهـا أن تـصـدّنـا وتـدفـعـنـا عـنـك. وعـنـدهـا لـم يـسـتـطـع الـخـلـيـفـة أن يـجـيـبـهـم بـشئ. وأذاب الـتّـتـار الـذّهـب وصـبّـوه وهـو يـغـلي في حـلـقـومـه قـائـلـيـن لـه : “إن لـم يـكـن قـلـبـكَ قـد شـبـع مـن الـذّهـب فـهـا سـتـتـشـبّـع بـه”. وهـكـذا قـتـلـوا الـخـلـيـفـة، وعـادوا إلى وسـط الـمـديـنـة واسـتـمـرّوا أربـعـيـن يـومـاً يـقـتـلـون ويـمـيـتـون أهـل بـغـداد”.

(أنـظـر مـقـالي : صـور الـمـوصـل في ألـبـومـات الآبـاء الـدومـنـيـكـان ).

ولا نـدري مـمـن سـمـع مـاركـو بـولـو وفـرا ريـكـولـدو هـذه الـرّوايـة الّـتي يـبـدو أنّ الـواحـد مـنـهـمـا لـم يـنـقـلـهـا مـن الآخـر، فـقـد سـجّـلـهـا مـاركـو بـولـو في سـجـنـه في مـديـنـة جـنـوة عـام 1297، بـيـنـمـا كـان فـرا ريـكـولـدو في بـغـداد. وإذا مـا تـقـبـلـنـا مـا تـذكـره الـمـصـادر الّـتي لـديـنـا عـن فـرا ريـكـولـدو مـن أنّـه كـتـب سـرد رحـلـتـه خـلال إقـامـتـه في بـغـداد قـبـل أن يـعـود إلى مـديـنـتـه فـلـورنـسـا، فـلا يـمـكـن أن يـكـون قـد قـرأهـا عـنـد مـاركـو بـولـو. فـهـل كـانـت قـصّـة اخـتـلـقـهـا الـمـنـغـول ونـشـرهـا جـنـودهـم وسـمـعـهـا مـاركـو بـولـو وفـرا ريـكـولـدو مـنـهـم في الـشّـرق ؟ أم أنّـهـا كـانـت شـائـعـة بـيـن الـنّـاس في ذلـك الـزّمـن ؟

وتـذكّـرنـا الـقـصّـة في بـعـض تـفـاصـيـلـهـا بـأسـطـورة الـمـلـك مـيـداس الّـتي رواهـا كـتّـاب الإغـريـق والّـتي مـا زالـت شـديـدة الـشّـيـوع عـن الأوربـيـيـن.

أسـطـورة الـمـلـك مـيـداس  Μίδας ،

تـروي الأسـاطـيـر الإغـريـقـيـة أنّ الإلـه ديـونـسـوس Διώνυσος  اسـتـجـاب لـدعـاء الـمـلـك مـيـداس ووهـبـه الـقـدرة عـلى تـحـويـل كـلّ مـا تـمـسـه يـداه إلى ذهـب. ومـا أن تـحـقـقـت أمـنـيـة الـمـلـك مـيـداس حـتّى تـحـوّل كـلّ مـا يـمـدّ إلـيـه يـديـه وحـتّى طـعـامـه وشـرابـه إلى ذهـب. واسـتـجـاب الإلـه ديـونـسـوس لـدعـائـه مـن جـديـد، قـبـل أن يـمـوت مـن الـجـوع والـعـطـش، وأمـره لـيـنـقـذه مـن شـهـوتـه لـلـذّهـب أن يـسـبـح في نـهـر بـاكـتـول. ويـقـال إنّ مـيـاه نـهـر بـاكـتـول لا تـزال تـتـلامـع فـيـهـا صـفـائـح الـذّهـب الـرقـيـقـة مـنـذ ذلـك الـحـيـن !

وربّـمـا كـان بـعـض الـتّـشـابـه بـيـن الـحـكـايـتـيـن هـو الّـذي جـعـل هـذيـن الأوربـيـيَـن يـتـذكّـرانـهـا في سـرديـهـمـا ويـقـصـانـهـا عـلـيـنـا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  لـم يـكـن هـولاكـو سـلـطـان الـتّـتـار وإنّـمـا الأخ الأصـغـر لـمـنـكـوقـا آن سـلـطـان الـتّـتـار الّـذي بـعـثـه لـيـقـضي عـلى الإسـمـاعـيـلـيـة ولـيـخـضـع الـخـلـيـفـة الـعـبـاسي.

(2)  الـجـوالِـق : وعـاء مـن صـوف أو شـعـر أو غـيـرهـمـا، ويـقـال أيـضـاً : الـغِـرارة:

(3)  إبـن كـثـيـر، الـبـدايـة والـنّـهـايـة، تـحـقـيـق عـبـد الله الـتّـركي، الـجـزء الـثّـامـن عـشـر. ص. 359.

(4) أبـو الـفـدا، “الـمـخـتـصـر في تـاريـخ الـبـشـر”، الـجـزء الـثّـالـث، ص. 203.

(5) إبـن الـفـوطي، “الـحـوادث الـجـامـعـة” ص.327.

(6)  ص. 430.

(7)  “رسـالـة فـتـح بـغـداد” الـمـلـحـقـة بـكـتـاب “تـاريـخ جـهـانـكـشـاي”، الـجـزء الـثّـالـث، ص. 291، واسـتـشـهـد بـهـذا الـنّـص فـؤاد عـبـد الـمـعـطي الـصّـيـاد في كـتـابـه “الـمـغـول في الـتّـاريـخ” ص. 267.

(8) أسـمى الأوربـيـون الـمـسـلـمـيـن بـ “الـمـحـمّـديـيـن” قـرونـاً طـويـلـة، ولـم يـسـتـعـمـلـوا في الـقـرون الـوسـطى كـلـمـتي “إسـلام” و “مـسـلـم” إلّا بـاسـتـثـنـائـيـن (عـنـد غـلـيـوم الـطّـرابـلـسـي وعـنـد بـطـرس ألـفـونـسـي)، وغـالـبـيـة الـكـتّـاب الأوربـيـيـن لـم يـكـونـوا يـعـرفـونـهـمـا.

ولـم تـظـهـر الـكـلـمـتـان قـبـل الـقـرن الـسّـادس عـشـر: ظـهـرت كـلـمـة musulman (مـسـلـم) لأوّل مـرّة في الـلـغـة الـفـرنـســيـة عـام 1551، وكـلـمـة islam  في 1697. ولا نـجـد في الـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة كـلـمـة Islam  قـبـل عـام 1613 وكـلـمـة  moslim  قـبـل 1615.

(9) جـاءت الـكـلـمـة مـن الـلـغـة الإغـريـقـيـة الـمـتـأخـرة Sarakenoi  لـتـدلّ عـلى قـبـائـل الـرّحّـل في بـلاد الـعـرب، ونـجـدهـا عـنـد الـجـغـرافي بـطـلـيـمـوس في الـقـرن الـثّـاني م.، واسـتـعـمـلـهـا الـبـيـزنـطـيـون في الـقـرن الـسّـادس لـتـدلّ عـلى الـعـرب. وتـحـولـت في الـلـغـة الـلاتـيـنـيـة الـمـتـأخّـرة إلى : Sarracenus  وجـمـعـهـا  Sarraceni.

وقـد اسـتـعـمـلـهـا الأوربـيـون في الـقـرون الـوسـطى لـيـفـرقـوا بـيـن الـمـسـلـمـيـن “الـسـرزانـيـيـن” الّـذيـن جـاءوا مـن الـشّـرق مـع الـفـتـح الإسـلامي لإسـبـانـيـا (الأنـدلـس) وبـيـن “الـمـوريـيـن” (Maures  بـالـلـغـة الـفـرنـسـيـة، و Moors  بـالـلـغـة الإنـكـلـيـزيـة). وهي كـلـمـة مـن أصـل فـنـيـقي، اســتـعـمـلـهـا الـفـنـيـقـيـون بـعـد أن  أنـشـأوا قـرت حـدشـت (الّـتي أسـمـاهـا الإغـريـق قـرطـاج) كـمـسـتـعـمـرة لـهـم في تـونـس الـحـالـيـة في الـقـرن الـتّـاسـع قـبـل الـمـيـلاد. وكـانـت الـكـلـمـة تـعـني في لـغـتـهـم : الـغـربـيـيـن أو ســكّـان الـغـرب، ثـمّ أخـذهـا مـنـهـم الـرّومـان الّـذيـن ســيـطـروا عـلى شــمـال أفـريـقـيـا واســمـوا مـنـطـقـتي الـجـزائـر الـحـالـيـة والـمـغـرب الأقـصى بـمـوريـتـانـيـا، أي “بـلاد الـمـوريـيـن” واســمـوا ســكـانـهـا بـالـمـوريـيـن.

(10)  جـعـل مـاركـو بـولـو سـقـوط بـغـداد في 1250عـام  بـدلاً مـن 1258.

(11)  يـعـادل الـمـيـل الإيـطـالي حـوالي كـيـلـومـتـر وثـلـث. وهـذا يـعـني أنّـه كـان يـعـتـقـد أنّ نـهـر دجـلـة يـصـب في “بـحـر الـهـنـد” حـوالي 25 كـيـلـومـتـراً جـنـوب بـغـداد ! وربّـمـا جـاء الـخـطـأ مـن الـنّـاسـخ.

(12)  ص. 31  ــ 33.

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

 

 

 

 

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s