مـرور الـنّـمـسـاويـة إيـدا فـايـفِـر بـالـعـراق عـام 1848

Pfiefer

 

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

عـنـدمـا وصـلـت إيـدا لـورا فـايـفـر Ida Laura PFEIFFER  إلى تـبـريـز في عـام 1848 قـادمـة مـن الـعـراق، وقـدّمـت نـفـسـهـا لـلـقـنـصـل الـبـريـطـاني فـيـهـا، نـظـر إلـيـهـا الـقـنـصـل بـدهـشـة، ولـم يـصـدّق أنّ هـذه الـنّـمـسـاويـة الّـتي بـلـغـت الـحـاديـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـرهـا كـانـت تـقـوم بـدورة حـول الـعـالـم بـدأتـهـا وحـدهـا وبـإمـكـانـيـات مـاديـة مـحـدودة مـنـذ سـنـتـيـن كـمـا قـصّـتـه عـلـيـه بـلـغـة إنـكـلـيـزيـة تـشـوبـهـا لـكـنـة ألـمـانـيـة قـاطـعـة الـحـدّة. وازدادت دهـشـتـه عـنـدمـا أخـبـرتـه إيـدا فـايـفـر أنّـهـا لـم تـكـن الـرّحـلـة الأولى الّـتي قـامـت بـهـا !

وقـد كـان كـلّ مـا ذكـرتـه هـذه الـمـغـامـرة الـنّـمـسـاويـة صـحـيـحـاً. فـقـد قـامـت بـخـمـس رحـلات بـدأتـهـا في سـنّ الـخـامـسـة والأربـعـيـن، واسـتـغـرقـت سـتّـة عـشـر عـامـاً. وأكـمـلـت خـلالـهـا دورتـيـن حـول الـعـالـم.

وقـد كـانـت إيـدا فـايـفـر كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا تـسـافـر وحـدهـا وبـإمـكـانـيـات مـالـيـة مـحـدودة. وكـانـت تـعـود مـن كـلّ رحـلـة بـنـبـاتـات وحـشـرات وفـراشـات تـهـديـهـا لـمـتـحـف الـتّـاريـخ الـطّـبـيـعي في فـيـيـنـا، ومـازالـت في مـجـمـوعـاتـه.

كـمـا نـشـرت سـرد رحـلاتـهـا في كـتـب مـنـذ الـرّحـلـة الأولى عـام 1842 إلى الـرّحـلـة الـخـامـسـة عـام 1858.

وقـد اعـتـرفـت الـجـمـعـيـات الـجـغـرافـيـة بـالـقـيـمـة الـعـلـمـيـة لـمـا كـتـبـتـه ومـا جـمـعـتـه، وانـضـمّـت إلى جـمـعـيـتي بـرلـيـن وبـاريـس الـجـغـرافـيـتـيـن.

ولـكـن لـنـبـدأ حـديـثـنـا بـالـكـلام عـن إيـدا لـورا فـايـفـر وعـن رحـلاتـهـا :

ولـدت إيـدا في فـيـيـنـا، عـاصـمـة الـنّـمـسـا سـنـة 1797. وكـان والـدهـا تـاجـراً غـنـيـاً. ويـبـدو أنّ والـدهـا، الـسّـيّـد ريـيـر Reyer، هـو الّـذي شـجـعـهـا عـلى مـمـارسـة الـرّيـاضـة وعـلى اكـتـسـاب مـعـارف كـانـت مـخـصـصـة لـلأولاد.

وفي عـام 1820، تـزوّجـت بـالـدّكـتـور فـايـفـر الّـذي كـان أكـبـر مـنـهـا عـمـراً بـأربـع وعـشـريـن سـنـة. وأصـبـح اسـمـهـا بـزواجـهـا مـنـه : إيـدا فـايـفـر. وأنـجـبـت مـنـه ولـديـن، لـكـنّ زوجـهـا تـوفي عـام 1838.

 

فايفر

وقـامـت إيـدا فـايـفـر بـأولى رحـلاتـهـا إلى “الأرض الـمـقـدّسـة” أي فـلـسـطـيـن في آذار 1842. وقـد زارت خـلالـهـا تـركـيـا وفـلـسـطـيـن ومـصـر. والـتـقـت في الـقـدس بـنـاشـر كـتـب مـن فـيـيـنـا اقـتـرح عـلـيـهـا نـشـر رحـلـتـهـا. وهـكـذا صـدر كـتـابـهـا الأوّل بـالـلـغـة الألـمـانـيـة عـام 1843 : “رحـلـة فـيـيـنـاويـة إلى الأرض الـمـقـدّسـة  Reise einer Wienerin in das Heilige Land”.

وقـامـت عـام 1845 بـرحـلـة إلى إيـزلـنـدة مـرّت خـلالـهـا بـأوربـا الـشّـرقـيـة وألـمـانـيـا والـدنـمـارك. وزارت عـام 1846 الـبـلـدان الإسـكـنـدنـافـيّـة.

وغـادرت الـنّـمـسـا مـن جـديـد في ذلـك الـعـام مـتـوجّـهـة نـحـو الـبـرازيـل لـتـبـدأ أولى رحـلـتـيـهـا حـول الـعـالـم. وبـعـد أن عـبـرت الـمـحـيـط الأطـلـسي، زارت الـبـرازيـل وذهـبـت إلى الـشّـيـلي، ثـمّ عـبـرت الـمـحـيـط الـهـادي نـحـو الـصّـيـن. وتـوقـفـت في طـريـقـهـا بـجـزيـرة تـاهـيـتي. ووصـلـت سـفـيـنـهـا إلى الـصّـيـن عـام 1947. ثـمّ زارت الـهـنـد، ووصـلـت إلى الـعـراق عـام 1848. ثـمّ أكـمـلـت طـريـقـهـا إلى بـلاد فـارس وصـعـدت نـحـو تـركـيـا.

ومـن تـركـيـا عـادت عـن طـريـق الـيـونـان إلى الـنّـمـسـا. ونـشـرت عـام 1850 كـتـاب : “رحـلـة امـرأة حـول الـعـالـم (حـرفـيـاً : إمـرأة تـسـافـر حـول الـعـالـم)          Eine Frau fährt um die Welt”.

وفي عـام 1851، تـركـت إيـدا فـايـفـر الـنّـمـسـا مـن جـديـد لـلـشّـروع في دورتـهـا الـثّـانـيـة حـول الـعـالـم. وقـد بـدأتـهـا هـذه الـمـرّة مـن إنـكـلـتـرة نـحـو أفـريـقـيـا الـجـنـوبـيـة وعـبـرت رأس الـرّجـاء الـصّـالـح نـحـو سـنـغـافـورة الّـتي أقـامـت بـهـا بـعـض الـوقـت ثـمّ تـجـولـت في مـالـيـزيـا وأنـدونـسـيـا، وزارت جـاوة وسـومـطـرة. وعـبـرت الـمـحـيـط الـهـادي بـعـد ذلـك مـن جـكـارتـا إلى كـالـيـفـورنـيـا. وهـكـذا وصـلـت إلى سـان فـرنـسـيـسـكـو في أيـلـول 1853، ثـمّ نـزلـت إلى خـط الإسـتـواء. وصـعـدت بـعـد ذلـك نـحـو بـنـمـا ثـمّ الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيـة مـن جـديـد، نـيـويـورك ومـسـاقـط نـيـاغـارا. وعـادت بـعـد ذلـك عـن طـريـق لـنـدن إلى الـنّـمـسـا.

وفي عـام 1856 بـدأت إيـدا فـايـفـر رحـلـتـهـا الـخـامـسـة والأخـيـرة. وبـعـد أن زارت بـرلـيـن ولـنـدن وبـاريـس نـزلـت نـحـو رأس الـرّجـاء الـصّـالـح ثـمّ إلى جـزيـرة مـوريـس في الـمـحـيـط الـهـنـدي الّـتي أقـامـت فـيـهـا خـمـسـة أشـهـر قـبـل أن تـكـمـل طـريـقـهـا إلى مـدغـشـقـر. وعـادت بـعـدهـا إلى جـزيـرة مـوريـس، وسـقـطـت مـريـضـة. ولـم تـسـتـطـع الـعـودة إلى الـنّـمـسـا إلّا في الـعـام الـتّـالي : 1857. ووصـلـت إلى فـيـيـنـا في شـهـر أيـلـول ثـمّ تـوفـيـت في الـشّـهـر الـتّـالي : تـشـريـن الأوّل 1857.

مـرور إيـدا فـايـفـر بـالـعـراق عـام 1848 :

Pfeifer

تـركـت إيـدا فـايـفـر فـيـيـنـا في الـنّـمـسـا في أوّل أيّـار 1846، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، لـتـبـداً رحـلـتـهـا الـثّـانـيـة الّـتي دارت فـيـهـا حـول الـعـالـم. وبـعـد أن عـبـرت الـمـحـيـط الأطـلـسي، زارت الـبـرازيـل وذهـبـت إلى الـشّـيـلي، ثـمّ عـبـرت الـمـحـيـط الـهـادي نـحـو الـصّـيـن. وتـوقـفـت في طـريـقـهـا بـجـزيـرة تـاهـيـتي. ووصـلـت سـفـيـنـهـا إلى الـصّـيـن عـام 1947، ثـمّ زارت الـهـنـد. ووصـلـت مـن بـومـبـاي عـن طـريـق الـخـلـيـج إلى شـط الـعـرب في 11 أيّـار 1848 ، ووصـلـت إلى الـبـصـرة في الـيـوم الـتّـالي.

وقـد تـكـلّـمـت إيـدا فـايـفـر عـن الـعـراق في ثـلاثـة فـصـول مـن كـتـابـهـا “رحـلـة امـرأة حـول الـعـالـم Eine Frau fährt um die Welt” الّـذي نـشـرتـه عـام 1850:

في الـفـصـل الـسّـابـع عـشـر “مـن بـومـبـاي إلى بـغـداد”، وفي الـفـصـل الـثّـامـن عـشـر “بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، بـغـداد وبـابـل”، وفي الـفـصـل الـتّـاسـع عـشـر “الـمـوصـل ونـيـنـوى”.

وقـد تـرجـمـتُ إلى الـلـغـة الـعـربـيـة صــفـحـات هـذه الـفـصـول الـثّـلاثـة الّـتي تـتـجـاوز الـثّـلاثـيـن صـفـحـة، ولـكـني سـأكـتـفي مـنـهـا في هـذا الـمـقـال بـمـقـاطـع تـبـدو لي عـلى جـانـب مـن الأهـمـيـة لأقـدّم لـكـم عـرضـاً مـخـتـصـراً لـلـكـتـاب (1).

وصـلـت إيـدا فـايـفـر إلى الـبـصـرة في 12 أيّـار 1848، وكـانـت تـحـمـل رسـالـة إلى الـوكـيـل الـبـريـطـاني فـيـهـا : أرمـني اسـمـه بـرسـيـغ Barseige، طـالـبـة مـنـه الـضّـيـافـة “فـلـيـس في الـمـديـنـة فـنـدق واحـد”، ولـكـنّ الـوكـيـل لـم يـعـرهـا اهـتـمـامـاً، فـأقـامـت عـلى مـتـن سـفـيـنـة كـانـت في الـبـصـرة.

وبـعـد أن ذكـرت تـاريـخ تـأسـيـس الـبـصـرة وأهـمـيـة الـمـديـنـة في الـمـاضي، كـتـبـت :

“لـيـس في الـبـصـرة بـقـايـا أثـريـة، لا لـمـسـاجـد جـمـيـلـة الـتّـشـيـيـد ولا لـخـانـات. وأسـوار الـمـديـنـة نـصـف خـربـة، ودور الـمـديـنـة صـغـيـرة لا تـجـذب عـيـن الـنّـاظـر، وطـرقـهـا مـتـلـوّيـة ضـيـقـة وقـذرة. أمّـا الـسّـوق، وهي دروب مـسّـقـفـة فـيـهـا دكـاكـيـن رديـئـة، فـلـيـس فـيـهـا مـا يـسـتـحـق الـشّـراء مـع أنّـهـا أهـمّ مـيـنـاء تـجـارة مـن الـهـنـد إلى تـركـيـا”، “وفي الـبـصـرة كـثـيـر مـن الـخـرائـب الـحـديـثـة الّـتي نـتـجـت عـن مـوت نـصـف سـكـانـهـا تـقـريـبـاً في طـاعـون 1832. ولـيـس في عـدد مـن دروبـهـا وسـاحـاتـهـا إلّا مـسـاكـن تـهـدمـت”.

“ويـقـال إنّ مـوقـع الـبـصـرة مـضـرّ بـالـصّـحـة فـالـسّـهـول الّـتي تـحـيـط بـهـا تـتّـصـل في أحـد أطـرافـهـا بـالـمـسـتـنـقـعـات الـكـثـيـرة الـمـلـيـئـة بـالـوحـول والـقـاذورات والّـتي تـنـبـعـث مـنـهـا روائـح كـريـهـة، ومـن الـطّـرف الآخـر بـغـابـات الـنّـخـيـل الّـتي تـوقـف هـبـوب الـرّيـاح”.

“والـحـرّ هـنـا شـديـد حـتّى أنّ كـلّ بـيـت تـقـريـبـاً لـه غـرفـة أوطـأ بـعـدة أقـدام مـن مـسـتـوى الـشّـارع فـتـحـت كـوّات في أعـالـيـهـا. وفـيـهـا يـقـضي الـنّـاس سـاعـات الـنّـهـار”.

“وغـالـبـيـة الـسّـكـان مـن الـعـرب، والـبـاقـون فـرس وأتـراك وأرمـن. ولـيـس فـيـهـا أوربـيـون. وقـد نـصـحـوني أن أتـلـفـع بـثـوب واسـع وأن أتـحـجـب عـنـدمـا أخـرج، وقـد فـعـلـت أوّل الـشّـيـئـيـن ولـكـنّي لـم أتـحـمـل الـحـجـاب في هـذا الـحـرّ الـشّـديـد وخـرجـت سـافـرة الـوجـه”.

” وكـان الإزار Iser  الّـذي ارتـديـتـه واسـعـاً وهـفـهـافـاً تـبـدو تـحـتـه مـلابـسي الأوربـيـة، ومـع ذلـك لـم يـضـايـقـني أحـد”.

وقـد قـبـل قـبـطـان بـاخـرة حـربـيـة بـريـطـانـيـة أن تـسـافـر مـعـه إلى بـغـداد :

“غـادرنـا الـبـصـرة في الـسّـاعـة الـحـاديـة عـشـرة مـن صـبـاح 17 أيّـار، ووصـلـنـا إلى الـقـرنـة بـعـد الـظّـهـر”. “ودخـلـنـا في دجـلـة، وراقـت لأعـيـنـنـا بـعـد حـوالي خـمـسـة كـيـلـومـتـرات رؤيـة غـابـات الـنّـخـيـل الّـتي كـنّـا قـد تـمـتـعـنـا بـتـأمّـلـهـا عـلى ضـفـاف شـطّ الـعـرب. ثـمّ انـتـهـت هـنـا فـجـأة. ومـا زالـت ضـفـتـا الـنّـهـر تـغـطـيـهـمـا نـبـاتـات مـزدهـرة وحـدائـق حـسـنـة بـيـنـهـا مـروج واسـعـة خـضـراء تـغـطي بـعـض أجـزائـهـا أجـمـات شـجـيـرات واطـئـة. ويـقـال إنّـهـا لا تـمـتـد إلّا إلى بـعـض كـيـلـومـتـرات مـن الـنّـهـر، ومـا بـعـدهـا لـيـس إلّا يـبـابـاً قـاحـلاً”.

“ورأيـنـا في عـدّة أمـاكـن عـشـائـر مـن الأعـراب نـصـبـوا مـضـاربـهـم في صـفـوف طـويـلـة أقـرب مـا يـمـكـن مـن ضـفـة الـنّـهـر. ولـبـعـضـهـم خـيـام مـغـلـقـة بـيـنـمـا اكـتـفى آخـرون بـصـرائـف مـن الـقـصـب أو بـبـعـض الـخـرق أو جـلـود الـحـيـوانـات تـربـط بـيـن صـاريـتـيـن، لا تـلـقي إلّا بـالـكـاد بـالـظّـل عـلى رؤوس سـاكـنـيـهـا لـتـقـيـهـم مـن لـهـب أشـعـة الـشّـمـس”، “وهـم لا يـغـيّـرون مـسـاكـنـهـم في الـشّـتـاء، وهـو فـصـل غـالـبـاً مـا تـهـبـط فـيـه درجـات الـحـرارة تـحـت الـصّـفـر، ويـرتـدون نـفـس الـمـلابـس الّـتي يـرتـدونـهـا في الـصّـيـف”،

“ومـظـاهـر هـؤلاء الـنّـاس مـخـيـفـة ومـلابـسـهـم عـبـاءات بـنّـيـة غـامـقـة، يـمـررهـا الـرّجـال بـيـن سـيـقـانـهـم ويـربـطـونـهـا حـول أخـاصـرهـم، بـيـنـمـا تـتـلـفـع بـهـا الـنّـسـاء. ويـتـراكـض الأطـفـال عـراة حـتّى سـنّ الـثّـانـيـة عـشـرة. وبـشـراتـهـم غـامـقـة الألـوان، وعـلى وجـوهـهـم وشـوم خـفـيـفـة. ويـجـدل الـرّجـال والـنّـسـاء شـعـورهـم في أربـع قـصـائـب تـتـدلى عـلى أكـتـافـهـم”. “وأسـلـحـة الـرّجـال عـصيّ سـمـيـكـة مـلـيـئـة بـالـعـقـد. وتـحـبّ الـنّـسـاء الـتّـزيـن بـعـقـود مـن حـبّـات الـزّجـاج والـمـحّـار وبـخـرق مـلـوّنـة. ويـضـعـن في مـنـاخـيـر أنـوفـهـنّ حـلـقـات واسـعـة”.

وبـعـد أن شـرحـت إيـدا فـايـفـر تـنـظـيـمـات الـمـجـتـمـع الـعـشـائـري ذكـرت :

“وغـالـبـا مـا يـأتـون، عـنـدمـا تـتـوقـف سـفـيـنـتـنـا، بـالأغـنـام وبـالـزّبـدة، وهي غـايـة في الـرّخـص. ولا يـزيـد ثـمـن الـخـروف عـلى خـمـسـة قـرانـات. وهي خـرفـان كـبـيـرة الأحـجـام سـمـيـنـة طـويـلـة الـصـوف وإلـيـاتـهـا ضـخـمـة”.         “وفي الـمـنـاطـق الّـتي تـغـطـيـهـا أدغـال وأعـشـاب رأيـت جـمـاعـات مـن الـخـنـازيـر الـبـرّيـة، ويـقـال إنّ فـيـهـا أسـوداً تـأتي مـن الـجـبـال وخـاصـة في الـشّـتـاء وتـلـتـهـم الأغـنـام والأبـقـار، ونـادراً مـا تـهـاجـم الـبـشـر. وقـد أبـصـرت بـاثـنـيـن مـنـهـا ولـكـن مـن بـعـيـد”.

ووصـلـت الـبـاخـرة بـعـد أربـعـة أيّـام إلى الـمـدائـن :

“21 أيّـار،

شـاهـدنـا الـيـوم خـرائـب قـصـر كـسـرى أنـوشـروان في طـيـسـفـون الّـتي كـانـت عـاصـمـة الـفـارثـيـيـن ثـمّ عـاصـمـة الإمـبـراطـوريـة الـفـارسـيـة الـحـديـثـة. وقـد خـرّبـهـا الـعـرب في الـقـرن الـسّـابـع عـشـر. ومـقـابـلـهـا تـقـريـبـاً، في الـضّـفـة الـيـمـنى مـن دجـلـة، تـقـع سـلـوقـيـة، إحـدى أهـمّ مـدن بـلاد بـابـل، والّـتي كـان لـهـا في زمـن ازدهـارهـا حـكـومـة مـسـتـقـلـة. وكـان رؤسـاؤهـا مـن الإغـريـق. ويـرى الـمـسـافـر طـيـسـفـون مـرتـيـن فـالـنّـهـر يـدور دورة واسـعـة مـتـلـويـاً”.

ويـلاحـظ الـقـارئ مـن هـذا الـمـقـطـع مـعـرفـة إيـدا فـايـفـر الـسّـطـحـيـة بـالـتّـاريـخ.

وكـتـبـت عـنـدمـا وصـلـت إلى بـغـداد :

“وظـهـرت عـاصـمـة الـخـلافـة الـقـديـمـة في أبـهى حـلّـة وسـعـة مـن بـعـيـد، ولـكـنّـهـا فـقـدتـهـمـا عـنـدمـا اقـتـربـنـا مـنـهـا. وتـلامـعـت الـمـنـائـر والـقـبـاب في الـشّـمـس، فـهي يـغـطـيـهـا طـابـوق مـزجـج. وتـتـابـعـت الـقـصـور والـبـوابـات والأسـوار تـحـاذي مـيـاه دجـلـة الـبـنّـيـة الـطّـيـنـيـة، بـيـنـمـا تـغـطي الـبـسـاتـيـن الـمـلـيـئـة بـالـنّـخـيـل وأشـجـار فـواكـه أخـرى الـسّـهـول الـمـحـيـطـة بـالـمـديـنـة إلى مـدّ الـبـصـر”.

“ومـا كـادت بـاخـرتـنـا تـتـوقـف حـتّى أحـاطـ بـهـا رجـال مـن أهـل الـبـلـد. وكـان لـهـم مـراكـب غـريـبـة تـشـبـه الـسّـلال الـمـسـتـديـرة يـصـنـعـونـهـا مـن سـعـف الـنّـخـيـل ويـطـلـونـهـا بـالأسـفـلـت، ويـسـمـونـهـا قـفّـة  guffer. وقـطـر الـواحـدة سـتّـة أقـدام وعـلـوهـا ثـلاثـة أقـدام، وهي آمـنـة جـدّاً لا تـنـقـلـب أبـداً ويـمـكـنـهـا أن تـمـرّ بـأسـوء الـتّـيـارات. وقـد اخـتـرعـت في زمـن سـحـيـق الـقـدم”.

وكـان الـمـقـيـم الـبـريـطـاني في بـغـداد عـالـم الآشـوريـات راولـنـسـن  Rawlinson، وقـد رفـضـت إيـدا فـايـفـر ضـيـافـتـه لـهـا لأنّـه كـان أعـزبـاً !

وتـبـدأ إيـد فـايـفـر الـفـصـل الـثّـامـن عـشـر مـن كـتـابـهـا بـذكـر تـاريـخ تـأسـيـس بـغـداد الّـتي تـعـتـبـرهـا “عـاصـمـة بـلاد آشـور !” وهي تـكـتـب أنّ سـكـان بـغـداد كـانـوا “سـتـيـن ألـفـاً، ثـلاثـة أربـاعـهـم مـن الأتـراك والـبـاقـيـن مـن الـيـهـود والـفـرس والأرمـن والـعـرب. ويـقـيـم فـيـهـا حـوالي خـمـسـيـن أو سـتّـيـن أوربـيـاً فـقـط “. وهـذا لا يـوافـق مـا ذكـره الـرّحـالـة الآخـرون الّـذيـن زاروا بـغـداد في تـلـك الـفـتـرة.

“وكـان أوّل مـا انـبـغى لي الـحـصـول عـلـيـه هـنـا ثـوب واسـع أتـلـفـع بـه يـسـمى الإزار isar، وطـربـوش صـغـيـر ألـفّ حـولـه مـنـديـلاً لـيـصـيـر عـمـامـة صـغـيـرة. ولـكـنـني لـم أتـحـجـب بـالـقـنـاع الـسـمـيـك الـمـصـنـوع مـن شـعـور الـخـيـول الّـذي تـتـحـجـب بـه الـنّـسـاء هـنـا والّـذي يـكـاد يـمـنـعـهـنّ مـن الـتّـنـفـس. ومـن الـصّـعـب تـصـور عـذاب أشـدّ مـنـه لـلـنـسـاء خـارج الـدّار. ويـكـنـس الإزار تـراب الـطّـريـق عـنـدمـا نـسـيـر ويـحـتـاج إلى مـهـارة في الإمـسـاك بـأطـرافـه لـكي لا يـنـزلـق بـل يـغـطي الـجـسـد بـأكـمـلـه”، “وأنـا أشـفـق عـلى الـمـرأة الـمـسـكـيـنـة الـمـجـبـرة عـلى حـمـل طـفـلـهـا أو أشـيـاء ثـقـيـلـة أخـرى أو تـريـد غـسـل الـمـلابـس عـلى ضـفـة الـنّـهـر وهي تـعـدّل وضـع إزارهـا بـاسـتـمـرار. والـمـرأة لا تـعـود مـن غـسـيـلـهـا إلّا مـبـتـلّـة يـسـيـل مـنـهـا الـمـاء. وحـتّى أصـغـر الـبـنـات هـنـا يـلـبـسـن هـذا الإزار حـالـمـا يـخـرجـن مـن الـدّار”.

“وفي مـلابـسي الـشّـرقـيـة هـذه جـبـت الـمـديـنـة سـافـرة الـوجـه مـن غـيـر أن يـتـعـرض لي أحـد. وقـد تـفـحـصـت أحـيـاءهـا، وإن لـم يـكـن هـنـاك الـكـثـيـر مـمـا يـسـتـحـق أن يـزار، فـلـم يـبـق شئ مـن آثـار زمـن الـخـلـفـاء. وبـنـيـت الـدّور بـالـطّـابـوق الـمـحـروق، ولـهـا طـابـق واحـد [فـوق الـطّـابـق الأرضي]. ولا نـرى مـن الـدّروب إلّا خـلـفـيـاتـهـا، ونـادراً مـا نـرى جـزءاً مـن الـدّار بـنـوافـذ ضـيّـقـة عـلـيـهـا شـنـاشـيـل. ولا أسـتـثـني مـن ذلـك إلّا الـدّور الّـتي تـطـلّ واجـهـاتـهـا عـلى الـنّـهـر، فـفي واجـهـاتـهـا نـوافـذ، شـديـدة الـجـمـال في بـعـض الأحـيـان”، “وقـد بـدت لي الـدّروب ضـيّـقـة مـتـربـة مـلـيـئـة بـالـقـاذورات”، “وجـسـر الـقـوارب عـلى دجـلـة، وعـرضـه هـنـا 690 قـدمـاً، في حـالـة يـرثى لـهـا، ولـم أرَ أسـوء مـنـه في مـكـان آخـر”.

وكـتـبـت إيـدا فـايـفـر عـن أسـواق بـغـداد :

“والأسـواق شـديـدة الإمـتـداد. والـسّـوق الـعـتـيـقـة، وهي مـن بـقـايـا الأزمـان الـقـديـمـة، مـا زالـت فـيـهـا بـعـض الـعُـمـد الـحـسـنـة وبـعـض الـنّـقـوش، وبـوابـة خـان عـثـمـان (2) جـمـيـلـة وعـمـدهـا عـالـيـة. والـطّـرقـات الّـتي تـخـتـرقـهـا عـريـضـة يـمـكـن أن يـمـرّ فـيـهـا فـارس عـلى جـواده بـجـانـب اثـنـيـن مـن الـمـشـاة. والـبـاعـة والـصـنّـاع هـنـا، كـمـا في كـلّ أسـواق الـشّـرق، يـتـجـمـعـون حـسـب اخـتـصـاصـاتـهـم في دروب أو أزقّـة (3) مـنـفـصـلـة بـعـضـهـا عـن بـعـض. ونـجـد أفـضّـل الـمـحـلّات في مـنـازل خـاصـة أو في خـانـات الأسـواق (3). والـمـقـاهي الـرّثـة الـحـقـيـرة تـنـتـشـر في كـلّ مـكـان”.

“وقـصـر الـبـاشـا بـنـاء شـديـد الإتـسـاع، ولـكـنّـه رخـيـص الـتّـشـيـيـد يـفـتـقـر إلى الـذّوق الـسّـلـيـم، وهـو مـهـيـب عـنـدمـا نـنـظـر إلـيـه مـن بـعـيـد فـقـط.

ولـيـس هـنـاك إلّا قـلـيـل مـن الـجـوامـع الّـتي لـم يـنـفـق في تـشـيـيـدهـا الـكـثـيـر ولا حـسـن فـيـهـا إلّا طـابـوقـهـا الـمـزجـج الألـوان”.

“ولأسـتـطـيـع رؤيـة كـلّ أحـيـاء بـغـداد فـقـد صـعـدت بـعـد جـهـد جـهـيـد عـلى سـطـح خـان عـثـمـان (2)، وأعـجـبـت حـقّـاً بـامـتـداد الـمـديـنـة وبـمـوقـعـهـا الـمـخـتـار. ومـن الـمـسـتـحـيـل إدراك مـخـطـط مـديـنـة شـرقـيـة عـنـدمـا نـمـرّ بـدروبـهـا الـضّـيـقـة وطـرقـاتـهـا الّـتي تـتـشـابـه والّـتي يـصـعـب الـتّـفـريـق بـيـنـهـا ولـو سـلـكـنـاهـا مـرّات عـديـدة، ولـكـنّي مـن أعـلى الـخـان أبـصـرت بـالـمـديـنـة تـحـتي بـدورهـا الّـتي لا تـعـدّ ولا تـحـصى شـيـدّ بـعـضـهـا وسـط جـنـائـن حـسـنـة. ورأيـت آلافـاً وآلافـاً مـن الـسّـطـوح تـمـتـدّ تـحـت قـدميّ، والـنّـهـر الـرّائـع الـجـمـال يـجـري وسـط بـسـاتـيـن غـامـقـة الـخـضـرة وغـابـات نـخـيـل تـمـتـدّ عـلى ضـفـافـه عـدّة كـيـلـومـتـرات”، “وكـلّ الـمـبـاني، كـمـا سـبـق أن ذكـرت، شـيّـدت بـالـطّـابـوق الّـتي يـعـرف أنّ أغـلـبـه جـلـب مـن الـخـرائـب الـمـحـيـطـة بـبـابـل (4). وعـنـدمـا نـتـفـحّـصـهـا نـرى في أسـافـلـهـا آثـار أسـس قـديـمـة طـابـوقـهـا أكـبـر أحـجـامـاً، قـطـر الـواحـدة مـنـهـا حـوالي قـدمـيـن وكـأنّـهـا مـن الـحـجـر الـمـقـطـوع”.

الـبـيـوت الـبـغـداديـة :

“وداخـل كـلّ دار أجـمـل مـن خـارجـهـا، حـوشـهـا نـظـيـف الـتّـجـصـيـص ونـوافـذهـا مـتـعـددة، وغـرفـهـا واسـعـة عـالـيـة وإن لـم يـكـن أثـاثـهـا بـجـمـال أثـاث دور دمـشـق. ويـشـتـدّ الـحـرّ هـنـا في الـصـيـف إلى حـدّ أنّـه يـنـبـغي عـلى الـنّـاس أن يـتـحـولـوا ثـلاث مـرّات في الـيـوم، فـيـقـضـون أوّلى سـاعـات الـصّـبـاح في حـجـرهـم الـمـعـتـادة، ثـمّ يـنـزلـون في حـوالي الـسّـاعـة الـتّـاسـعـة إلى غـرف تـحـت الأرض يـسـمـونـهـا الـسّـراديـب، وهي تـشـبـه الأقـبـيـة عـلى عـمـق 15 أو 20 قـدمـاً، يـبـقـون فـيـهـا إلى الـمـغـرب. ثـمّ يـصـعـدون إلى الـسّـطـوح بـعـد أن تـغـيـب الـشّـمـس، وهـنـاك يـسـتـقـبـلـون الأهـل والأصـدقـاء يـثـرثـرون ويـرتـشـفـون الـشّـاي (5) إلى أن يـحـلّ الـلـيـل. وهي عـنـدهـم أشـدّ الـسّـاعـات مـتـعـة فـهـواء الـمـسـاء مـنـعـش يـعـيـد لـهـم حـيـويـتـهـم. ويـؤكـد الـكـثـيـر عـلى أنّ ضـوء الـقـمـر هـنـا أشـدّ لـمـعـانـا مـمـا هـو عـلـيـه في سـمـائـنـا [أي في أوربـا]، ولـكـنـني لـم أجـد هـذا صـحـيـحـاً. ويـنـام الـنّـاس عـلى الـسّـطـوح تـحـت نـامـوسـيـات تـركّـب فـوق أسـرتـهـم”، “وتـرتـفـع درجـات الـحـرارة في الـحـجـرات خـلال الـنّـهـار إلى أكـثـر مـن 37 درجـة، وفي الـشّـمـس إلى 50 أو 55 درجـة، ولـكـنّـهـا لا تـرتـفـع إلى أكـثـر من 31 درجـة في الـسّـراديـب. أمّـا في الـشّـتـاء فـالـبـرد يـشـتـدّ مـن مـغـيـب الـشّـمـس إلى ارتـفـاعـهـا في الـسّـمـاء في الـضّـحى فـيـشـعـل الـنّـاس الـنّـار في الـمـواقـد”.

وتـتـكـلّـم عـن حـبّـة بـغـداد :

“ويـعـتـبـر طـقـس الـمـنـطـقـة صـحّـيـاً كـثـيـراً، وحـتّى الأوربـيـون يـؤكّـدون ذلـك. ومـع ذلـك فـنـجـد هـنـا وبـاء يـرعـب الـفـتـيـات. وهـو لا يـصـيـب أهـل الـبـلـد فـقـط بـل الأجـانـب الّـذيـن يـقـيـمـون هـنـا عـدّة أشـهـر أيـضـاً. يــظـهـر كـدمّـلـة مـثـيـرة لـلإشـمـئـزاز، تـدعى بـحـبـة حـلـب Aleppo boil أو وشـم الـتّـمـرة (6) وتـبـدأ هـذه الـقـرحـة صـغـيـرة بـحـجـم رأس دبـوس ثـمّ تـتـوسـع لـتـصـل إلى حـجـم قـطـعـة نـقـود تـنـتـج عـنـهـا نـدبـة عـمـيـقـة. وهي غـالـبـاً مـا تـصـيـب الـوجـه. ونـادراً مـا نـجـد هـنـا وجـهـاً واحـداً مـن مـائـة وجـه لـم تـشـوهـه هـذه الـحـبّـة. ومـن لـيـس لـه إلّا نـدبـة واحـدة يـمـكـنـه أن يـعـتـبـر نـفـسـه مـحـظـوظـاً، فـقـد رأيـت أعـداداً مـن الـنّـاس شـوهـتـهـم حـبّـتـان أو ثـلاث. ولا تـسـلـم أجـزاء الـجـسـد الأخـرى مـنـهـا. وغـالـبـاً مـا تـظـهـر هـذه الـقـرحـة عـنـدمـا يـنـضـج الـتّـمـر، ولا تـنـتـهي إلّا في الـعـام الـتّـالي عـنـدمـا يـعـود هـذا الـفـصـل. وهـذا الـوبـاء لا يـصـيـب الـنّـاس إلّا مـرّة واحـدة في حـيـاتـهـم، وغـالـبـاً مـا يـصـيـبـهـم في طـفـولـتـهـم. ولـيـس لـهـذا الـوبـاء دواء، ولـيـس مـنـه وقـايـة. وقـد جـرب الأوربـيـون الـتّـطـعـيـم ضـدّه، وبـاءت جـهـودهـم بـالـفـشـل. ويـتـفـشى هـذا الـدّاء في مـنـاطـق عـدّة حـول نـهـر دجـلـة، ويـقـلّ كـلّـمـا ابـتـعـدنـا عـن الـنّـهـر. ويـمـكـن أن يـكـون لـه عـلاقـة بـتـبـخّـر مـاء الـنّـهـر أو بـالـطـيـن الـمـتـراكـم عـلى الـضّـفـاف، والإحـتـمـال الأوّل ضـعـيـف لأنّـه لا يـصـيـب الـعـامـلـيـن عـلى الـبـواخـر الإنـكـلـيـزيـة بـيـنـمـا يـصـيـب الأوربـيـيـن الّـذيـن يـقـيـمـون عـلى الـيـابـسـة. وقـد رأيـت واحـداً مـنـهـم غـطّـت جـسـده أربـعـون حـبّـة تـعـذّب مـنـهـا عـذابـاً شـديـداً. والـقـنـصـل الـفـرنـسي الّـذي يـنـبـغي أن يـبـقى هـنـا عـدّة سـنـوات لـم يـصـطـحـب زوجـتـه مـعـه خـشـيـة مـن أن يـعـرضـهـا لـخـطـر تـشـويـهـهـا. وبـعـد وصـولي إلى هـنـا بـعـدّة أسـابـيـع فـقـط اكـتـشـفـت عـلى ظـاهـر كـفي حـبّـة اتـسـعـت ولـكـنـهـا لـم تـدخـل في جـلـدي بـعـمـق ولـم تـتـرك نـدبـة دائـمـة. وابـتـهـجـت بـتـخـلـصي مـنـهـا بـهـذه الـسّـهـولـة، ولـكـن ابـتـهـاجي لـم يـدم طـويـلاً، فـقـد عـاد الـدّاء بـعـنـف بـعـد سـتّـة أشـهـر عـنـدمـا وصـلـت إلى أوربـا، وغـطـت جـسـدي ثـلاث عـشـرة حـبّـة تـصـارعـت مـعـهـا أكـثـر مـن ثـمـانـيـة أشـهـر”.

لـيـحـفـظ الـرّب الـمـلـكـة فـيـكـتـوريـا ! :

“ودعـيـت يـوم الـرّابـع والـعـشـريـن مـن أيّـار إلى حـفـل أقـامـه الـمـاجـور راولـنـسـن بـمـنـاسـبـة عـيـد مـيـلاد الـمـلـكـة. ولـم يـحـضـر الـعـشـاء إلّا الأوربـيـيـن. وبـعـد الـعـشـاء فـتـحـت الأبـواب لاسـتـقـبـال كـلّ أنـواع الـمـسـيـحـيـيـن مـن أرمـن ويـونـان … إلـخ. وأقـيـم الـحـفـل عـلى سـطـح دار الـقـنـصـلـيـة الّـذي غـطـيـت أرضـيـتـه بـالـسّـجّـاد. وجـلـس الـمـتـعـبـون عـلى أرائـك عـلـيـهـا وسـائـد، وأضـيـئـت الـمـصـابـيـح عـلى الـسّـطـح وفي الأحـواش والـحـدائـق فـأنـيـرت كـمـا لـو كـنّـا في  وضـح الـنّـهـار. وقـدّمـت مـشـروبـات مـنـعـشـة شـديـدة الـعـذوبـة جـعـلـت الأوربـيـيـن يـنـسـون تـقـريـبـاً أنّـهـم كـانـوا بـعـيـديـن عـن أوطـانـهـم. ولـكـنّـهـم لـم يـشـعـروا بـهـذا الـقـرب مـن أوطـانـهـم عـنـدمـا عـزفـت فـرقـتـان قـطـعـاً مـوسـيـقـيـة ! عـزفـت الأولى مـوسـيـقى أوربـيـة، والـثّـانـيـة مـوسـيـقى مـحـلّـيـة لـتـسـلي الـحـاضـريـن. وبـعـد أن أطـلـقـت ألـعـاب نـاريـة وشـعـلات مـلـوّنـة، دعي الـجـمـيـع لـتـنـاول وجـبـة خـفـيـفـة انـتـهـت بـهـا الأمـسـيـة”.

زيـنـة نـسـاء بـغـداد :

“وكـان بـيـن الـنّـسـاء والـفـتـيـات الـحـاضـرات بـعـض مـن رائـعـات الـجـمـال. وكـنّ جـمـيـعـاً خـلّابـات الأنـظـار لا يـمـكـن لـشـاب أن يـخـتـلـس إلـيـهـن الـنّـظـرات مـن غـيـر أن يـسـقـط في دائـرة سـحـرهـنّ. وهـذا يـعـود إلى مـهـارتـهـنّ في صـبـغ أهـدابـهـنّ وحـواجـبـهـنّ. وقـد أزلـن مـن حـواجـبـهـنّ كـل شـعـرة صـغـيـرة تـخـرج عـن تـخـطـيـطـهـا الـمـاهـر، أمّـا مـن لـيـس لـهـنّ مـا يـكـفي مـن شـعـر يـمـلأ هـذا الـتّـخـطـيـط فـقـد أكـمـلـن مـا يـنـقـص بـرسـمـه بـالـقـلـم. وكـلّ هـذا يـزيـد مـن بـريـق أعـيـنـهـنّ. ونـجـد رغـبـة الـتّـوصـل إلى هـذا الـجـمـال الـمـصـطـنـع حـتّى عـنـد نـسـاء الـعـامـة مـن الـخـادمـات”، “وارتـدت الـنّـسـاء مـلابـس عـلى الـطّـراز الـيـونـاني ــ الـتّـركي، فـلـبـسـن سـراويـل حـريـر ربـطـت أسـافـلـهـا حـول الـكـاحـلـيـن، وفـوق الـسّـراويـل ثـيـابـاً طـويـلـة طـرّزت بـخـيـوط الـذّهـب، ضـيّـقـة حـول الـكـتـفـيـن ثـمّ تـنـفـتـح وتـتـدلى بـسـعـة. أمّـا الـذّراعـان فـيـغـطـيـهـمـا الـحـريـر، ويـربـطـن خـاصـراتـهـنّ بـأحـزمـة بـعـرض الـكـف تـزيـنـهـا مـن الأمـام أزرار واسـعـة مـن ذهـب مـطـعـمـة بـالـمـيـنـا، وعـلى الـجـانـبـيـن أزرار أصـغـر مـنـهـا. وتـزيـن مـعـاصـمـهـنّ ونـحـورهـنّ وصـدورهـنّ أسـورة وقـلائـد مـن الـلـؤلـؤ والـجـواهـر وبـيـنـهـا قـطـع نـقـود مـن الـذّهـب. وتـنـحـدر جـدائـل رقـيـقـة مـن أعـلى رؤوسـهـن وتـسـقـط في أحـضـانـهـنّ. ومـن الـمـؤسـف أنّ ذوق بـعـضـهـنّ الـسّـيئ دفـعـهـن إلى صـبـغ شـعـورهـنّ فـتـحـول الـسّـواد الـلامـع إلى نـوع مـن الـبـنّي الأحـمـر الـشّـديـد الـقـبـح”.

“ورغـم أنّ مـظـهـر مـجـمـوعـة الـنّـسـاء جـذّاب فـصـحـبـتهـنّ لا مـتـعـة فـيـهـا ولا تـشـويـق، وقـد الـتـزمـن الـصّـمـت بـاسـتـمـرار، ولـم يـظـهـر عـلى وجـه أيّـة واحـدة مـنـهـنّ لا انـفـعـال ولا تـعـبـيـر عـن عـاطـفـة. وهـنّ يـحـتـجـن إلى بـهـارات الـحـيـاة : الـفـكـر والـتـعـلّـم، فـبـنـات الـبـلـد لـم يـعـلـمـونـهـنّ شـيـئـاً. وسـيـكـتـمـل تـعـلـيـمـهـنّ عـنـدمـا سـيـصـبـحـن قـادرات عـلى الـقـراءة بـلـغـاتـهـنّ (الأرمـنـيـة أو الـعـربـيـة)، ولـكـن حـتّى لـو تـوصـلـن إلى ذلـك، فـهـل سـيـجـدن مـا يـقـرأن مـا عـدا الـكـتـب الـدّيـنـيـة ؟”.

زيـارة لـحـريـم الـبـاشـا :

 “وقـد تـمـتـعـت بـزيـارة قـمـت بـهـا عـدّة أيّـام بـعـد ذلـك إلى حـريـم الـبـاشـا. وكـانـت الـنّـسـاء ثـرثـارات ضـاحـكـات مـلـيـئـات بـالـمـرح والـمـزاح، إلى حـدّ أنّـهـنّ تـجـاوزن تـقـريـبـاً مـا أتـحـمّـلـه. ووجـدت خـمـس عـشـرة مـنـهـنّ كـنّ قـد تـحـضّـرن لـزيـارتي، وتـزيّـنّ ولـبـسـن أبـهى ثـيـابـهـنّ مـثـل تـلـك الّـتي سـبـق أن وصـفـتـهـا. والإخـتـلاف الـوحـيـد هـو أنّ الـقـفـطـان Kaftan الّـذي ارتـديـنـه فـوق الـثّـيـاب كـان أقـصـر ومـن قـمـاش يـشـفّ عـمّـا تـحـتـه، وأنّ عـمـائـمـهـنّ كـان يـزيـنـهـا ريـش نـعـام. ولـم أرَ بـيـنـهـنّ واحـدة شـديـدة الـجـمـال. ومـا عـدا حـلاوة في أعـيـنـهـنّ، فـلـيـس فـيـهـنّ نـبـل ولا تـقـاطـيـع وجـوه مـعـبّـرة”.

“والـحـريـم الـصّـيـفي الّـذي اسـتـقـبـلـتـني الـنّـسـاء فـيـه حـسـن الـبـنـاء، حـسـب الأسـالـيـب الـحـديـثـة لـلـمـعــمـار الأوربي، وفـيـه نـوافـذ عـالـيـة جـيّـدة الإنـفـتـاح. ووقـفـت وسـط حـديـقـة زهـور صـغـيـرة تـحـيـطـهـا بـسـاتـيـن أشـجـار فـواكـه. وبـعـد أن بـقـيـت مـعـهـنّ أكـثـر مـن سـاعـة، مـدّت مـائـدة ووضـعـت حـولـهـا الـكـراسي. وقـد دعـتـني الـزّوجـة الـرّئـيـسـيـة لـلـجـلـوس، وكـانـت قـد جـلـسـت، ولـم تـنـتـظـر أن نـجـلـس قـبـل أن تـبـدأ بـاخـتـيـار مـا تـحـبّـه مـن الـصـحـون وتـأكـلـه بـأصـابـعـهـا. وقـد أجـبـرت أنـا أيـضـاً عـلى أخـذ الـطّـعـام بـأصـابـعي فـلـم يـكـن في الـدّار لا سـكـاكـيـن ولا شـوكـات. وفي نـهـايـة الـوجـبـة فـقـط جـلـبـت لي مـلـعـقـة شـاي صـغـيـرة مـن الـذّهـب لآكـل بـهـا. وكـانـت تـغـطي الـمـائـدة صـحـون مـن أكـلات مـمـتـازة، وأنـواع مـن الـرّز وكـمـيـات كـبـيـرة مـن الـحـلـويـات والـفـواكـه. وقـد وجـدتـهـا كـلّـهـا شـديـدة الـلـذة”.

“وبـعـد أن انـتـهـيـنـا جـلـسـنـا مـعـاً، ومـن لـم تـجـد مـقـعـداً جـلـسـت مـع أخـرى عـلى نـفـس الـمـقـعـد، ثـمّ جـاءت الإمـاء الـلاتي كـانـت بـيـنـهـنّ زنـجـيـات شـديـدات الـقـبـح وجـلـسـن حـول الـمـائـدة لـيـأكـلـن مـا تـركـنـاه.

ثـمّ جـلـبـت الـقـهـوة ودارت بـيـنـنـا في فـنـاجـيـن صـغـيـرة، وجـلـبـت الـنّـرجـيـلات. وكـانـت فـنـاجـيـن الـقـهـوة عـلى صـحـون صـغـيـرة مـن الـذّهـب طـعـمـت بـالـلـؤلـؤ والـفـيـروز”. “ويـمـكـنـنـا أن نـفـرّق بـيـن نـسـاء الـبـاشـا وبـيـن الـخـادمـات والإمـاء فـقـط مـن مـلابـسـهـنّ وجـواهـرهـنّ، أمّـا في طـريـقـة تـصـرفـاتـهـنّ فـلـم أجـد فـرقـاً كـبـيـراً. وجـلـسـت الـخـادمـات مـن غـيـر تـردد عـلى الأرائـك، وشـاركـن في الـحـديـث مـن غـيـر أن يـسـمـح لـهـنّ أحـد بـذلـك، ودخّـنّ وشـربـن الـقـهـوة مـثـلـنـا تـمـامـاً. ويـعـامـل أهـل الـبـلـد الـخـدم والـعـبـيـد أحـسـن بـكـثـيـر مـمـا نـفـعـلـه مـعـهـم في أوربـا. والـفـرق الـوحـيـد هـو أنّ الأتـراك مـا زالـوا يـمـتـلـكـون عـبـيـداً هـنـا”.

آثـار وبـاء الـطّـاعـون :

ذهـبـت إيـدا فـايـفـر لـرؤيـة قـبـر الـسّـيـدة زبـيـدة : “وبـعـد أن زرت الـضّـريـح ابـتـعـدت عـن طـريـقي لأرى جـانـب الـمـديـنـة الّـذي هـجـره أهـلـه وخـرب بـعـد تـفـشي وبـاء الـطّـاعـون الأخـيـر. وقـد وصـف لي الـسّـيـد زفـوبـودا Swoboda،(7) وأصـلـه مـن الـمـجـر، وصـفـاً مـرعـبـاً حـال الـمـديـنـة في زمـن ذلـك الـطّـاعـون. وقـد تـحـصّـن في داره مـع عـائـلـتـه وخـادمـة لـهـم، بـعـد أن مـلأوا الـحـجـر بـالـمـؤونـة، ولـم يـكـونـوا يـحـتـاجـون إلّا إلى الـمـاء. وقـد أغـلـق الأبـواب والـنّـوافـذ وجـصـصـهـا، ولـم يـسـمـح لأحـد بـالـصـعـود عـلى الـسّـطـح أو بـتـنـفـس الـهـواء الـخـارجي. وقـد اسـتـطـاع بـهـذا أن يـحـفـظ لأهـلـه صـحـتـهـم بـيـنـمـا تـسـاقـط كـثـيـر مـن جـيـرانـه مـوتى. وكـان مـسـتـحـيـلاً دفـن جـثـثـهـم فـتّـركـت تـتـفـسـخ في أمـاكـنـهـا. وبـعـد أن انـتـهي الـوبـاء دخـل أعـراب الـبـاديـة الـمـديـنـة لـيـسـلـبـوا  ويـنـهـبـوا. وكـان ذلـك سـهـلاً عـلـيـهـم ولـم يـقـاومـهـم مـن بـقي مـن الأحـيـاء وأضـعـفـهـم الـوبـاء. وأجـبـروا الـسّـيـد زفـوبـودا مـثـلـمـا أجـبـروا الآخـريـن عـلى إعـطـائـهـم بـعـض مـا يـمـتـلـكـون”.

“وتـركـت هـذه الـمـنـطـقـة الـمـؤلـمـة واتـجـهـت نـحـو واحـدة مـن الـجُـنـيـنـات الّـتي تـبـهـج الـقـلـب، والّـتي نـجـد مـنـهـا الـكـثـيـر في بـغـداد ومـا حـولـهـا. وكـلّـهـا طـبـيـعـيـة لـم يـنـظّـمـهـا أحـد، فـهي بـسـاتـيـن مـلـيـئـة بـأشـجـار فـواكـه مـن كـلّ صـنـف ونـوع : تـمـر وتـفّـاح ومـشـمـش وخـوخ وتـيـن وتـوت وأنـواع أخـرى، حـولـهـا حـيـطـان مـن الـطّـابـوق. ومـن الـمـؤسـف أنّـه لـيـس لـهـا تـنـظـيـم ولا نـظـافـة، وأنّـه لـيـس فـيـهـا أجـزاء يـزرع فـيـهـا الـعـشـب أو الـزّهـور ولـيـس في وسـطـهـا مـمـرات مـبـلـطـة يـمـكـن الـتّـمـشي عـلـيـهـا، ولـكـنّ فـيـهـا أعـداداً كـبـيـرة مـن الـسّـواقي مـن الـضّـروري حـفـرهـا لـريّ الأشـجـار في مـنـطـقـة لـيـس فـيـهـا مـا يـكـفي مـن الـطّـلّ والأمـطـار”.

وذهـبـت إيـد فـايـفـر مـن جـديـد لـزيـارة طـيـسـفـون / الـمـدائـن. غـادرت بـغـداد في الـصّـبـاح وعـادت إلـيـهـا قـبـل حـلـول الـلـيـل “فـبـغـداد مـثـل كـلّ الـمـدن الـتّـركـيـة تـغـلـق أبـوابـهـا حـال غـروب الـشّـمـس، ثـمّ تُـعـطى الـمـفـاتـيـح لـلـبـاشـا. ولا تـفـتـح أبـواب الـمـديـنـة إلّا بـعـد شـروق الـشّـمـس في الـغـد”.

وكـتـبـت : “وعـبـرنـا في حـوالي نـصـف الـطّـريـق نـهـر ديـالى عـلى عـبّـارة واسـعـة. وعـلى الـضّـفـة الـمـقـابـلـة وجـدنـا عـدّة عـوائـل في صـرائـف تـكـسـب عـيـشـهـا مـن مـمـا يـدفـعـه الـنّـاس لاسـتـعـمـال الـعـبّـارة. وابـتـسـم لـنـا الـحـظ عـنـدمـا وجـدنـا عـنـدهـم خـبـزاً وزبـدة وحـلـيـبـاً أعـاد لـنـا حـيـويـتـنـا”.

ولـم تـجـد في طـاق كـسـرى أكـثـر مـمـا وجـدتـه في زيـارتـهـا الأولى، ولـكـن “عـلى مـسـافـة قـريـبـة مـن الآثـار يـنـتـصـب جـامـع بـسـيـط الـبـنـاء يـحـتـوي عـلى قـبـر سـلـمـان بـاك  Selamam Pak. وكـان هـذا الـرّجـل مـن أصـحـاب مـحـمّـد ولـهـذا يـكـرّم كـقـديـس. ولـم يـسـمـح لي بـدخـول الـمـسـجـد فـارتـضـيـت أن أكـتـفي بـتـفـحـصـه مـن خـلال بـابـه الـمـفـتـوح، وأبـصـرت بـقـبـر شـيّـد بـالـطّـابـوق تـحـيـطـه ألـواح مـن خـشـب صـبـغـت بـالأخـضـر”.

وفي طـريـق عـودتـهـا دعـيـت عـنـد أمـيـر فـارسي “يـقـيـم في بـغـداد، وتـركـهـا لـشـدّة الـحـرّ فـيـهـا وجـاء لـيـخـيـم عـلى ضـفـة دجـلـة”. وبـعـد أن شـربـت مـعـه ومـع رفـاقـه الـشّـاي والـقـهـوة ودخـنـت الـنّـارجـيـلـة وتـنـاولـت وجـبـة طـعـام دسـمـة زارت “إحـدى زوجـاتـه الّـتي كـانـت قـد جـاءت مـعـه” ووجـدتـهـا نـادرة الـجـمـال، ولـكـنّ الأمـيـر أكّـد لـهـا أنّ “زوجـاتـه الأخـريـات : أربـعـة في بـغـداد وأربـعـة في طـهـران تـركـهـنّ مـع أمّـه، يـفـقـن هـذه جـمـالاً” ! وقـد خـصـصـت إيـدا فـايـفـر مـقـاطـع طـويـلـة لـهـذه الـحـكـايـة الّـتي تـبـدو وكـأنّـهـا ذكـريـات مـن قـراءتـهـا لألـف لـيـلـة ولـيـلـة، والّـتي تـفـنـنـت في خـلـق تـفـاصـيـلـهـا لـتـشـويـق قـرائـهـا الأوربـيـيـن.

وتـركـت بـغـداد مـن جـديـد لـزيـارة مـوقـع مـديـنـة بـابـل الـقـديـمـة.  وتـأمّـلـت في طـريـقـهـا إلى الـحـلّـة يـوم 31 أيّـار “عـشـيـرة أعـراب تـنـتـقـل نـحـو مـكـان أكـثـر عـشـبـاً” : “لـم أرَ أبـداً بـعـرانـاً بـهـذه الأعـداد الـكـبـيـرة كـمـا رأيـتـهـا هـذ الـيـوم. ربّـمـا كـانـت سـبـعـة آلاف أو ثـمـانـيـة آلاف”. وتـوقـفـت مـع دلـيـلـهـا في خـان نـصـري فـقـد ” ارتـفـعـت الـحـرارة إلى حـوالي 57 درجـة”. وقـد تـركـت لـنـا إيـدا فـايـفـر وصـفـاً دقـيـقـاً لـخـانـات زمـانـهـا :

“وخـانـات هـذه الـطـريـق مـن أفـضـل مـا رأيـت ومـن أكـثـرهـا أمـنـاً. وهي تـشـبـه مـن الـخـارج حـصـونـاً صـغـيـرة، تـفـضي بـوابـة عـالـيـة إلى حـوش واسـع في وسـطـهـا وتـحـيـطـهـا مـن كـلّ الـجـهـات إيـوانـات حـسـنـة بـنـيـت جـدرانـهـا الـسّـمـيـكـة بـالـطّـابـوق. وقـد فـصـل كـلّ إيـوان إلى حُـجـر مـتـجـاورة تـسـع كـلّ واحـدة مـنـهـا عـدّة أشـخـاص يـمـكـنـهـم أن يـرتـاحـوا فـيـهـا. ويـضـعـون أمـام الـحـجـر قـطـعـان حـيـوانـاتـهـم. وشـيّـدت في وسـط الـحـوش دكّـة واسـعـة عـلـوّهـا خـمـسـة أقـدام يـنـامـون عـلـيـهـا في لـيـالي الـصّـيـف. وفـيـهـا أيـضـاَ حـضـائـر يـمـكـن وضـع الـقـطـعـان فـيـهـا في الـلـيـل”، “وهـذه الـخـانـات أعـدّت لـلـقـوافـل، ويـمـكـنـهـا أن تـسـع أكـثـر مـن 500 مـسـافـر مـع حـيـوانـاتـهـم وأمـتـعـتـهـم. وتـشـيّـد الـحـكـومـة بـعـض هـذه الـخـانـات، ولـكـنّ أغـلـبـهـا شـيّـدت بـهـبـات أثـريـاء يـطـمـحـون إلى دخـول الـجـنـة بـمـسـاعـدتـهـم لـلـمـحـتـاجـيـن. ويـحـرس الـخـان عـشـرة أو اثـنـا عـشـر جـنـديـاً، وتـغـلـق بـوابـتـه في الـلـيـل. ولا يـدفـع الـمـسـافـرون أجـراً عـلى إقـامـتـهـم في الـخـان”، “وغـالـبـاً مـا يـعـيـش بـعـض الـعـرب وعـوائـلـهـم قـرب الـخـان أو حـتّى في داخـلـه، وهـم يـقـتـرحـون عـلى الـمـسـافـريـن حـلـيـب نـاقـة وخـبـزاً وقـهـوة، وفي بـعـض الأحـيـان لـحـوم جـمـال أو مـاعـز. ولـم يـعـجـبـني مـذاق حـلـيـب الـنّـاقـة، ولـكـنّ لـحـمـهـا يـشـبـه لـحـم الـبـقـر، وقـد دهـشـت عـنـدمـا أخـبـرني دلـيـلي أنـني كـنـت آكـل لـحـم إبـل”.

ووصـلـت “وسـط تـلال مـن جـدران خـربـت وتـهـاوت وتـكـومـت عـلـيـهـا كـسـر الـطّـابـوق. ويـسـمي الـعـرب هـذه الـتّـلال بـالـمـجـلِّـب“. وبـعـد أن تـكـلّـمـت عـن بـابـل مـعـتـمـدة عـلى مـا سـجّـلـه كـتـاب الـيـونـان والـرّومـان عـنـهـا مـن أسـاطـيـر رأت :

“تـلّاً آخـر مـن أكـوام الـخـرائـب يـقـع عـلى بـعـد حـوالي كـيـلـومـتـر ونـصـف يـسـمى الـقـصـر El Kasir، ويـذكـر الـبـعـض أنّ مـعـبـد بـعـل كـان عـلـيـه. ومـا زلـنـا نـرى فـيـه بـقـايـا جـدران ضـخـمـة وأعـمـدة، وفي حـفـرة رأيـنـا أسـداً مـن صـخـر الـغـرانـيـت الـرّمـادي الـغـامـق، كـبـيـر الـحـجـم إلى درجـة أنـني مـن بـعـيـد تـصـورتـه يـمـثّـل فـيـلاً. وتـكـسّـر هـذا الـتّـمـثـال في عـدّة مـواضـع، ولا يـبـدو لـنـا مـن رؤيـة مـا تـبـقى مـنـه أنّـه مـن صـنـعـة نـحـات مـاهـر”، “والـجـصّ شـديـد الـصّـلابـة حـتّى أنّـه مـن الأسـهـل أن نـكـسـر الـطّـابـوق مـن أن نـفـصـل طـابـوقـتـيـن جـصـصـتـا بـيـنـهـمـا. وكـلّ الـطّـابـوق في هـذه الـخـرائـب نـصـفـه أصـفـر ونـصـفـه أحـمـر، طـول كـلّ طـابـوقـة قـدم وعـرضـهـا يـقـارب طـولـهـا، أمّـا سـمـكـهـا فـهـو حـوالي سـنـتـم و30 مـلـم. وفي وسـط خـرائـب الـقـصـر تـنـتـصـب شـجـرة وحـيـدة مـن نـوع الـتّـنـوب الّـذي لا يـمـكـن رؤيـتـه في هـذه الـمـنـاطـق. ويـسـمـيـهـا الـعـرب أثـلـة Athalé   ويـقـدّسـونـهـا. وذكـر بـعـض الـكـتّـاب أنّ في هـذه الـشّـجـرة شـيـئـاً شـديـد الـغـرابـة، فـهـم يـعـتـبـرونـهـا مـن بـقـايـا الـجـنـائـن الـمـعـلّـقـة، ويـؤكّـدون عـلى أنّ أنـغـامـاً حـزيـنـة تـنـبـعـث مـنـهـا عـنـدمـا تـتـلاعـب الـرّيـاح بـأغـصـانـهـا. ولـكـن يـبـدو لـنـا أنّ هـذه الـشّـجـيـرة الـمـنـحـنـيـة الـمـقـصـومـة الـظّـهـر والّـتي لا يـتـجـاوز قـطـر جـذعـهـا عـدّة سـنـتـمـتـرات لا يـمـكـن أنّ تـكـون قـد زرعـت قـبـل ثـلاثـة آلاف سـنـة !”.

وبـعـد أن اكـتـفـت مـن زيـارة بـابـل بـمـا رأتـه وصـلـت إلى الـحـلّـة، وقـد اسـتـضـافـهـا “رجـل غـنّي مـن الـعـرب”. وبـعـد أن تـنـاولـت عـشـاءهـا أصـعـدوهـا إلى الـسّـطـح لـتـنـام :

“ولـم يـكـن حـول الـسّـطـح حـيـطـان وهـو مـا أعـجـبـني. وهـكـذا اسـتـطـعـت تـفـحـص تـصـرفـات الـجـيـران في دورهـم. ورأيـت الـنّـسـاء يـخـبـزن في تـنـانـيـر في الأحـواش. وفـرش الـرّجـال والأطـفـال الـحـصـران عـلى الـسّـطـوح ووضـعـوا عـلـيـهـا الـرّز والـخـضـرة وغـيـرهـا مـمـا يـأكـل. وبـدأ الـكـلّ بـالأكـل بـعـد أن انـتـهـت الـنّـسـاء مـن الـخـبـز. ورأيـت الـنّـسـاء يـجـلـسـن مـع الآخـريـن، وتـصـورت أنّ عـرب زمـاني هـذا عـلى جـانـب كـبـيـر مـن الـتّـحـضّـر لـيـسـاووا بـيـن الـرّجـل والـمـرأة، ولـكـنّي رأيـت، وا أسـفـاه، أنّ الـنّـسـاء الـمـسـكـيـنـات جـلـسـن لا لـيـأكـلـن ولـكـن لـيـطـردن الـذّبـاب عـن أزواجـهـنّ بـالـمـهـفّـات. ويـحـتـمـل أنّـهـنّ يـأكـلـن داخـل الـدّار بـعـد ذلـك، فـأنـا لـم أرهـنّ يـأكـلـن لا عـلى الـسّـطـح ولا حـتّى في الـحـوش. وقـد نـامـوا بـعـد ذلـك جـمـيـعـاً عـلى الـسّـطـح، وغـطى الـرّجـال والـنّـسـاء أجـسـادهـم بـالـسّـجـاد الّـذي افـتـرشـوه، ولـم أرَ أحـداً مـنـهـم يـخـلـع شـيـئـاً مـن ثـيـابـه قـبـل أن يـنـام”.

وتـركـت الـحـلّـة في 1 حـزيـران لـزيـارة بـيـرس نـمـرود الّـتي تـقـع “عـلى حـوالي عـشـرة كـيـلـومـتـرات مـن الـحـلّـة، في وسـط الـفـيـافي قـرب الـفـرات”. وتـسـلـقـت الـتّـل لـتـرى بـقـايـا الـبـرج الـمـنـتـصـب عـلـيـه : “ولـم يـتّـفـق الـنّـاس عـلى أصـل هـذا الـبـنـاء، فـبـعـضـهـم يـؤكّـد أنّـه بـقـايـا بـرج بـابـل وبـعـضـهـم أنّـه مـن بـقـايـا مـعـبـد بـعـل، ويـمـكـنـنـا أن نـلـقي مـن أعـلى الـتّـلّ بـنـظـرة شـامـلـة فـوق الـفـلاة لـنـرى مـديـنـة الـحـلّـة بـبـسـاتـيـنـهـا الـرّائـقـة لـلأنـظـار، ولـنـرى تـلالاً لا تـعـدّ ولا تـحـصى تـغـطـيـهـا الـخـرائـب وأكـوام الـطّـابـوق. وعـلى مـقـربـة مـن هـذه الآثـار يـنـتـصـب مـسـجـد مـحـمّـدي صـغـيـر”.

ورجـعـت بـعـد الـظّـهـر إلى الـحـلّـة، وتـجـوّلـت مـن جـديـد في الـمـديـنـة “الّـتي يـقـال إنّ سـكـانـهـا يـبـلـغـون 26،000”. ثـمّ عـادت إلى بـغـداد.

وأنـهـت أيـدا فـايـفـر حـديـثـهـا عـن بـغـداد الّـتي أقـامـت فـيـهـا أربـعـة أسـابـيـع بـذكـر رعـبـهـا مـن الـعـقـارب : “فـقـد سـمـعـت أنّـهـا لا تـعـدّ ولا تـحـصي في هـذا الـبـلـد ولـكـنـني لـم أرَ عـقـربـاً واحـدة لا في الـسّـراديـب ولا عـلى الـسّـطـوح. وخـلال الأسـابـيـع الأربـعـة الّـتي أقـمـت فـيـهـا في بـغـداد لـم أرَ إلّا عـقـربـاً واحـدة فـقـط في الـحـوش”.

الـصّـعـود إلى الـشّـمـال بـصـحـبـة قـافـلـة :

وغـادرت إيـفـا فـايـفـر بـغـداد في 17 حـزيـران بـصـحـبـة قـافـلـة تـصـعـد نـحـو الـمـوصـل. وكـتـبـت :

“والـمـسـافـة بـيـن بـغـداد والـمـوصـل 483 كـلـم. وتـسـتـغـرق الـرّحـلـة مـن 12 يـومـاً إلى 14 يـومـاً، يـمـتـطي الـمـسـافـرون فـيـهـا خـيـولاً أو بـغـالاً، ويـسـيـرون خـلال أشـهـر الـقـيـظ لـيـلاً”. “وقـد اكـتـريـت بـغـلاً أركـب عـلـيـه ويـحـمـل أمـتـعـتي الـقـلـيـلـة ودفـعـت لـذلـك ثـمـنـاً زهـيـداً : 15 قـرانـاً“.

“وسـافـرت مـثـل أفـقـر الـعـرب، ورضـيـت مـثـلـه أن تـحـرق أشـعـة الـشّـمـس الـمـلـتـهـبـة جـسـدي، وأن لا ابـتـلـع إلّا خـبـزاً ومـاءً، وحـفـنـة تـمـر أو قـطـعـة خـيـار إذا مـا أسـعـدني الـحـظ، واكـتـفـيـت بـالأرض سـريـراً أنـام عـلـيـه”،

“وكـنـت قـد سـجّـلـت في بـغـداد قـائـمـة كـلـمـات عـربـيـة لأسـتـطـيـع طـلـب مـا هـو ضـروري لي، ولـكـنّ الإشـارات أسـهـل عـنـدي مـن الـكـلـمـات، وبـفـضـل الإشـارات والـكـلـمـات اسـتـطـعـت الـتّـفـاهـم مـع الآخـريـن”.

“وكـانـت قـافـلـتـنـا صـغـيـرة : 26 دابّـة حـمّـلـت عـلى ظـهـور أغـلـبـهـا بـضـائـع، يـصـاحـبـهـا 12 رجـلاً مـن الـعـرب يـسـيـر خـمـسـة مـنـهـم عـلى أقـدامـهـم”.

Pfeiffer 3

وقـد صـعـدوا إلى الـمـوصـل عـن طـريـق دلّي عـبّـاس Deli-Abas  وكـفـري Küferi وكـركـوك  Kerku  وألـتـون كـوبـري Attum-Kobri ، ووصـلـوا إلى أربـيـل Erbil في 28 حـزيـران :

“وتـنـتـصـب الـمـديـنـة الـصّـغـيـرة الـمـحـصّـنـة عـلى مـرتـفـع مـنـعـزل في وسـط وادي”.

ووصـلـوا إلى الـمـوصـل في 30 حـزيـران، وأقـامـت إيـدا فـايـفـر عـنـد نـائـب قـنـصـل إنـكـلـتـرة في الـمـوصـل، كـرسـتـيـان رسّـام (8).

وزارت الـمـوصـل الّـتي لـم تـجـد فـيـهـا مـا يـجـذب الأنـظـار: “وهي مـحـاطـة بـأسـوار، ويـبـلـغ عـدد سـكـانـهـا 25،000  لا نـجـد بـيـنـهـم بـالـكـاد إلّا 12 أوربـيـاً”. “وأسـواقـهـا واسـعـة ولـكـن لـيـس فـيـهـا شئ مـن الـحـسـن. ونـرى بـيـنـهـا هـنـا وهـنـاك مـقـاهي وخـانـات”.

ولـكـنّـهـا تـركـت لـنـا وصـفـاً دقـيـقـاً لـبـيـوت الـمـوصـل في زمـانـهـا :

“وقـد لاحـظـتُ أنّ كـلّ مـداخـل الـمـسـاكـن ضـيّـقـة واطـئـة وعـلـيـهـا أبـواب سـمـيـكـة مـتـيـنـة. وهـذا مـن بـقـايـا الأزمـان الـمـاضـيـة الّـتي كـان الـنّـاس يـخـافـون فـيـهـا مـن هـجـوم الأعـداء عـلـيـهـم.

وعـنـدمـا نـدخـلـهـا نـرى في وسـطـهـا حـوشـاً شـديـد الـجـمـال وغـرفـاً عـالـيـة جـيّـدة الـتّـهـويـة، مـداخـلـهـا حـسـنـة ونـوافـذهـا مـقـوّسـة الأعـالي. وغـالـبـاً مـا تُـنـحـت إطـارات الـنـوافـذ والأبـواب مـن الـرّخـام. وتـصـنـع مـن الـرّخـام أيـضـاً درجـات الـسّـلالـم، وتـغـطى بـه جـدران الـطّـابـق الأرضي. ومـع أنّ الـرّخـام الّـذي تـغـطى بـه الـجـدران لـيـس جـيّـد الـنّـوعـيـة فـهـو مـع ذلـك أجـمـل مـن الـطّـابـوق. ويـجـلـب هـذا الـرّخـام مـن مـنـاجـم قـريـبـة مـن الـمـديـنـة”.

“وهـنـا أيـضـاً يـقـضي الـنّـاس أيـام الـقـيـظ في الـسّـراديـب  sardabs. وأسـوء أشـهـر الـقـيـظ هـنـا تـمّـوز الّـذي غـالـبـاً مـا تـهـبّ فـيـه ريـح الـسّـمـوم  simoom الـحـارقـة الـحـرارة. وخـلال إقـامـتي الـقـصـيـرة في الـمـوصـل تـوفي عـدد مـن الـنّـاس بـعـضـهـم بـعـد بـعـض فـجـأة. ويـعـزى سـبـب ذلـك إلى شـدّة الـحـرّ. وحـتّى الـسّـراديـب لا تـقي مـن الـحـرّ، فـدرجـات الـحـرارة تـرتـفـع فـيـهـا إلى مـا فـوق 37 درجـة”.

وصـاحـبـتـهـا أخـت كـرسـتـيـان رسّـام لـزيـارة آثـار نـيـنـوى الـقـديـمـة. وقـد ذهـب مـعـهـمـا أيـضـاً مـسـتـر روس  Ross.

وذكـرت خـلال حـديـثـهـا عـن تـلّ الـنّـبي يـونـس الـمـنـقّـب هـنـري أوسـتـن لّـيـارد الّـذي : ” قـام بـعـدّة حـفـريـات في تـلال قـريـبـة مـن نـبي يـونـس، وكـشـف عـن أجـزاء قـصـور تـغـطي جـدرانـهـا ألـواح مـن الـرّخـام عـلـيـهـا مـنـحـوتـات بـارزة. وهي تـصـوّر مـلـوكـاً عـلى رؤوسـهـم تـيـجـان مـطـعـمـة بـالـجـواهـر، وآلـهـة بـأجـنـحـة واسـعـة الإنـفـتـاح، وجـنـود بـأسـلـحـتـهـم ودروعـهـم، وحـصـون وقـلاع مـحـصّـنـة، ومـسـيـرات انـتـصـار، ومـشـاهـد صـيـد …”. “وعـلى كـثـيـر مـن الـجـدران وجـدت رمـوز تـشـبـه أشـكـالـهـا الـمـسـامـيـر تـكـوّن الـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة              Cuneiform inscriptions”.

“وقـد خـلـعـت مـن الـجـدران أعـداد كـبـيـرة مـن ألـواح الـرّخـام هـذه الـمـنـحـوتـة والـمـنـقـوشـة عـلـيـهـا الـكـتـابـات وأرسـلـت إلى إنـكـلـتـرة. وعـنـدمـا كـنـت في الـبـصـرة رأيـت حـمـولـة سـفـيـنـة كـامـلـة مـن هـذه الآثـار”.

وكـتـبـت :

“وزرنـا مـنـابـع الـكـبـريـت، الـقـريـبـة مـن أسـوار الـمـوصـل. ولا تـبـدو شـديـدة الـحـرارة ولـكـنـهـا تـحـوي كـمـيـات كـبـيـرة مـن الـكـبـريـت كـمـا تـدلّ عـلـيـه الـرّوائـح الـمـنـبـعـثـة مـنـهـا والّـتي نـشـمّـهـا مـن بـعـيـد. وهي تـنـبـع في أحـواض طـبـيـعـيـة أحـيـطـت بـحـيـطـان ارتـفـاعـهـا مـتـريـن ونـصـف (ثـمـانـيـة أقـدام). ويـمـكـن لـلـجـمـيـع الإسـتـحـمـام فـيـهـا مـجـانـاً، فـالـنّـاس هـنـا لـيـسـوا بـبـخـل الأوربـيـيـن ولا بـطـمـعـهـم.  ويـسـتـحـم الـرّجـال في سـاعـات مـن الـنّـهـار والـنّـسـاء في سـاعـات أخـرى”.

ونـزلـت دجـلـة بـعـد ذلـك عـلى كـلـك لـزيـارة تـنـقـيـبـات نـمـرود (مـوقـع مـديـنـة كـلـح الـقـديـمـة) “حـوالي 30 كـيـلـومـتـراً جـنـوب الـمـوصـل عـلى دجـلـة”.  وكـتـبـت :

“ووجـدنـا عـدداً مـن الأمـاكـن الّـتي حـفـرت، ولكـن لـم يـكـشـف إلّا عـن حـجـرات مـتـفـرقـة هـنـا أو هـنـاك، أو عـلى عـدّة حـجـرات مـتـلاصـقـة، لـم تـفـصـل حـيـطـانـهـا مـن الـخـارج عـن أكـوام الـتّـراب ولـم نـر لـهـا لا نـوافـذ ولا أبـواب. وتـشـبـه الـقـطـع الأثـريـة الّـتي وجـدت فـيـهـا تـلـك الّـتي عـثـر عـلـيـهـا قـرب الـمـوصـل ولـكـن بـكـمـيـات أكـبـر. ورأيـت عـدّة أصـنـام idols وعـدّة آبـاء هـول  sphynxes. وأقـصـد بـالأولى مـنـهـا حـيـوانـات لـهـا رؤوس بـشـر، عـظـيـمـة الأحـجـام تـقـارب أحـجـام الـفـيـلـة. وقـد عـثـر عـلى أربـعـة مـنـهـا، ومـن بـيـنـهـا اثـنـان تـحـطـمـت أجـزاء مـنـهـمـا. أمـا آبـاء الـهـول (وهي تـقـصـد ولا شـكّ الأسـود الـمـجـنـحـة) فـهـي أصـغـر أحـجـامـاً”.  “وقـبـل أن أصـل إلى هـنـا بـقـلـيـل، أرسـلـت مـسّـلـة وأسـود مـجـنـحـة وقـطـع أثـريـة أخـرى إلى إنـكـلـتـرة”.

“ومـن بـيـن كـلّ الـغـرف الّـتي أزيـح عـنـهـا الـتّـراب، هـنـاك واحـدة فـقـط طـلـيـت جـدرانـهـا ورسـمـت، ولـكـنّـه لـم يـمـكـن الـحـفـاظ عـلـيـهـا، فـمـا أن لامـسـهـا الـهـواء حـتّى تـكـسّـرت وتـسـاقـطـت شـظـايـا. وتـفـتـت الـرّخـام في بـعـض الأمـاكـن بـيـنـمـا تـكـسّـر في أجـزاء أخـرى، نـتـيـجـة الـحـرائـق الّـتي أشـعـلـت في هـذه الـمـديـنـة عـنـد سـقـوطـهـا، وخـربـتـهـا. وحـتّى الـطّـابـوق يـتـفـتـت تـحـت مـعـاول الـحـافـريـن”.

“وقـد تـوقـفـت الـحـفـريـات في تـلّ نـمـرود قـبـل حـوالي سـنـة، واسـتـدعي لَـيـارد إلى لـنـدن. وقـد أرسـل بـعـد ذلـك يـأمـر بـردم مـا كـان قـد حـفـر، فـقـد بـدأ الـعـرب بـتـخـريـب أجـزاء مـمـا فـيـه. وعـنـدمـا زرت مـوقـع الـتّـنـقـيـبـات كـان بـعـض مـا حُـفـر قـد رُدم، ولـكـنّ أكـثـره كـان مـا زال مـفـتـوحـاً”.

نـحـو بـلاد الـفـرس :

 وقـد نـظّـم كـرسـتـيـان رسّـام لإيـدا فـايـفـر رحـلـتـهـا نـحـو راونـدوز في طـريـقـهـا إلى بـلاد الـفـرس (كـمـا كـانـت إيـران تـسـمى في تـلـك الأزمـان). وهي تـذكـر أنّـهـا كـتـبـت قـوائـم كـلـمـات بـالـعـربـيـة والـفـارسـيـة لـتـعـدّ رحـلـتـهـا.

وفي الـثّـامـن مـن شـهـر تـمّـوز تـركـت الـمـوصـل لـتـلـحـق بـقـافـلـة تـغـادر نـحـو بـلاد فـارس.

ووصـلـوا إلى راونـدوز في صـبـاح الـرّابـع عـشـر مـن تـمّـوز :

“وقـد سـحـرني مـوقـع هـذه الـمـديـنـة كـمـا سـحـرني مـرآهـا […] فـقـد شـيّـدت عـلى سـفـح مـرتـفـع مـنـعـزل تـحـيـط بـه الـجـبـال. وقـد بـنـيـت الـدّور الـواحـدة مـنـهـا أعـلى مـن الأخـرى، وغـطـيـت سـطـوحـهـا الـمـسـطّـحـة بـتـراب ضـغـط عـلـيـه بـشـدة حـتّى صـار مـثـل قـارعـة طـريـق يـمـكـن الـسّـيـر عـلـيـهـا. ويـصـيـر سـطـح دار سـفـلى حـوشـاً لـدار أعـلى مـنـهـا. ومـن الـصـعـب الـتّـفـريـق بـيـن الـسّـطـوح وبـيـن الـدّروب الـحـقـيـقـيـة. وقـد نـصـبـت عـلى بـعـض هـذه الـسّـطـوح جـذوع أشـجـار وأغـصـان لـتـكـون حـيـطـانـاً تـسـتـر أنـاسـاً يـنـامـون خـلـفـهـا. وتـحـيـط بـالـمـديـنـة في أسـفـل الـمـرتـفـع أسـوار مـحـصّـنـة”.

“وعـنـدمـا أبـصـرت بـعـش الـنّـسـور هـذا خـفـت أن لا أجـد فـيـه مـكـانـاً أقـضي فـيـه الـلـيـل، فـراونـدوز أكـثـر الـمـدن الّـتي رأيـتـهـا في حـيـاتي فـقـراً وبـؤسـاً”. ولـكـنّـهـا حـمـلـت رسـالـة كـان قـد كـتـبـهـا كـرسـتـيـان رسّـام لـبـائـع في الـسّـوق وجـدت عـنـده سـكـنـاً وأطـعـمـهـا خـبـزاً وجـبـنـة وبـطـيـخـاُ.

ومـن راونـدوز أكـمـلـت إيـدا فـايـفـر سـفـرتـهـا إلى بـلاد فـارس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  أتـمـنى أن أسـتـطـيـع نـشـر تـرجـمـة الـمـقـاطـع الّـتي تـتـكـلّـم فـيـهـا إيـدا فـايـفـر عـن الـعـراق بـكـامـلـهـا في كـتـاب مـع نـصـوص أخـرى إذا مـا وجـدت نـاشـراً يـقـبـل بـنـشـرهـا. ويـمـكـن لـقـرائي أن يـقـرأوا الـنّـصّ في تـرجـمـة إنـكـلـيـزيـة صـدرت عـام 1852 :

A Woman’s Journey Round the World from Vienna to Brazil, Chili, Tahiti, China, Hindoustan, Persia, and Asia Minor, London 1852.

Pfeiffer

(2) وتـقـصـد بـه خـان مـرجـان الـمـعـروف بـخـان الأورتـمـة.

(3) لا يـنـبـغي عـلـيـنـا أن نـنـسى أنّ كـلـمـة  زُقـاق الـعـربـيـة جـاءت مـن الـكـلـمـة الأكّـديـة  سـوقـاقُ الّـتي كـانـت تـدلّ، في بـابـل مـثـلاً، عـلى درب لا مـنـفـذ لـه في الـسّـوق (سـوقُ بـالأكّـديـة) كـانـت فـيـه مـحـتـرفـات الـصّـنـاع والـحـرفـيـيـن والّـتي كـانـوا يـبـيـعـون إنـتـاجـاتـهـم فـيـهـا، فـكـلـمـة  سُـقـاقُ كـانـت إذن في الأصـل صـيـغـة تـصـغـيـر لـكـلـمـة  سـوقُ، فـقـد كـان الـزّقـاق جـزءاً مـن الـسّـوق.

(4) جـاءت هـذه الـفـكـرة الـغـريـبـة مـن أنّ الرحـالـة الـغـربـيـيـن اعـتـقـدوا لـمـدة قـرون أنّ عـقـرقـوف كـانـت بـابـل وأنّ زقّـورتـهـا كـانـت بـرج بـابـل، وكـانـوا يـعـتـقـدون أنّ بـغـداد “بـابـل الـجـديـدة” الّـتي بـنـيـت بـطـابـوق “بـابـل الـقـديـمـة”.

(5) قـرأت في عـدّة مـقـالات مـن يـدّعي أنّ الـشّـاي أدخـلـه الإنـكـلـيـز إلى بـغـداد بـعـد عـام 1917، وإلـيـهـم يـرجـع إدمـان الـعـراقـيـيـن عـلى الـشّـاي، ونـرى هـنـا أنّ إيـدا فـايـفـر لاحـظـت هـذا الإدمـان عـام 1848 !

(6) والـمـقـصـود بـه : “حـبّـة بـغـداد”.

(7) الـمـقـصـود بـه هـنـا هـو الـتّـاجـر الـمـجـري أنـطـون زفـوبـودا (1796ــ 1878) الّـذي وصـل إلى بـغـداد في بـدايـة الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر وإقـام فـيـهـا لـمـمـارسـة الـتّـجـارة وفـيـهـا تـزوّج وإنـجـب أطـفـالـه. ومـن أشـهـر أبـنـائـه إسـكـنـدر سـانـدور الـرّسّـام وجـوزيـف مـاتـيـا الّـذي عـمـل عـلى بـواخـر شـركـة الإخـوة لِـنـتـش (لـنـج). وقـد تـوفي الـمـعـمـاري هـنـري إسـكـنـدر لـويـس زفـوبـودا، آخـر أفـراد هـذه الـعـائـلـة في بـغـداد عـام 2005.

أنـظـر مـقـالي : صـور عـن الـعـراق (3) :

ومقالي : http://almilwana.blogspot.fr/2015/04/3-1.html

(8) شـقـيـق عـالـم الآثـار هـرمـزد رسـام الّـذي شـارك في تـنـقـيـبـات الإنـكـلـيـزي هـنـري أوسـتـن لَـيـارد.

 

©حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري.

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

One thought on “مـرور الـنّـمـسـاويـة إيـدا فـايـفِـر بـالـعـراق عـام 1848”

  1. FYI
    Sabah al Nassiri, brother of my teacher, the artist Rafaa alNassiri lives
    in France or Switzerland and is someone to look into with regards to the
    broad scope of our heritage interest.

    R

    On 21 Feb 2018 4:56 pm, “sabahalnassery بـيـن دجـلـة والـفـرات مـدونـة

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s