مـنـحـوتـات بـاب الـطّـلـسـم في بـغـداد

الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

وصـلـتـنـا رسـوم وصـور فـوتـوغـرافـيـة لـبـاب الـحـلـبـة (أو بـاب الـطّـلـسـم) في بـغـداد ولـلـمـنـحـوتـات الّـتي كـانـت تـحـيـط بـه والّـتي تـأمّـلـهـا الـبـغـداديـون قـرونـاً طـويـلـة قـبـل تـدمـيـره في 11 آذار 1917.

وكـان الـبـاب يـفـضى إلى مـيـدان سـبـاق الـخـيـل في زمـن الـعـبـاسـيـيـن، ومـنـه جـاء اسـمـه “بـاب الـحـلـبـة”، ولـكـنّ الـعـامـة كـانـت تـسـمـيـه “بـاب الـطّـلـسـم” لـغـمـوض مـعـاني مـنـحـوتـاتـه الّـتي كـان يـصـعـب عـلـيـهـم إدراك مـغـزاهـا بـعـد أن أنـسـاهـم إيـاهـا مـرور الـقـرون.

وعـنـدمـا نـتـأمّـل نـحـن، في زمـانـنـا هـذا، الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة الّـتي الـتـقـطـت لـهـذه الـمـنـحـوتـات والـرّسـوم الّـتي خـطـطـت لـهـا، نـحـسّ بـهـذا الـغـمـوض الّـذي كـان يـحـيـط بـهـا. وتـدفـعـنـا الـرّغـبـة في إدراك مـغـزاهـا ومـعـانـيـهـا إلى مـحـاولـة تـحـلـيـلـهـا ومـقـارنـتـهـا بـمـا وصـلـنـا مـن مـنـحـوتـات أخـرى عـلّـنـا نـتـوصـل إلى تـحـسـيـن مـعـرفـتـنـا بـهـا، وبـجـزء مـن تـراثـنـا الّـذي ضـاع مـنّـا بـضـيـاعـهـا.

بـاب الـطّـلـسـم :

ثـالـث أبـواب الـجـانـب الـشّـرقي مـن سـور بـغـداد (جـانـب الـرّصـافـة). وكـان في الـحـقـيـقـة بـرجـاً شـبـه دائـري كـمـا نـراه في رسـم طـبـاعي (1)

أسوار بغداد 2

أو في صـورة فـوتـوغـرافـيـة مـن عـام 1908 (2)

أسوار بغداد

ويـنـفـتـح عـلى داخـل الـمـديـنـة بـواجـهـة عـالـيـة في أسـفـلـهـا بـاب عـقـد أعـلاه بـالـحـجـر وكُـسـر تـقـويـسـه قـلـيـلاً في وسـطـه.

باب الطلسم 13باب الطلسم 2

ونـلاحـظ في الـرّسـوم والـصّـور أنّ عـتـبـة الـبـاب كـانـت مـرتـفـعـة عـن مـسـتـوى الأرض، وهـذا طـبـيـعي فـقـد كـان يـحـاذي الأسـوار مـن الـدّاخـل خـنـدق عـمـيـق يـمـلأ مـن مـاء دجـلـة، كـان حـمـايـة إضـافـيـة تـمـنـع حـتّى مـن اسـتـطـاع اقـتـحـام الـبـاب مـن الأعـداء مـن الـدّخـول في الـمـديـنـة بـعـد أن يـسـحـب مـنـه الـجـسـر الـخـشـبي الّـذي يـربـطـه بـداخـل الـمـديـنـة.

ونـرى في رسـم نـفّـذ عـن صـورة فـوتـوغـرافـيـة الـتـقـطـتـهـا الـفـرنـسـيـة ديـولافـوا  DIEULAFOY عـام 1882 (3) أنّ تـحـصـيـنـاً أخـر كـان يـقـابـل الـبـاب مـن جـهـة داخـل الـمـديـنـة.

ج, ديولافوا 12

ونـلاحـظ في هـذا الـرّسـم الّـذي كـان تـنـفـيـذاً دقـيـقـاً لـلـصـورة الـفـوتـوغـرافـيـة أنّ ارتـفـاع الـبـنـاء يـسـاوي حـوالي 10 مـرّات ارتـفـاع الـرّجـل الـواقـف بـجـانـبـه.

ولـكـنـنـا نـجـد في تـخـطـيـط رسـمـه عـالـم الآثـار الألـمـاني فـالـتـر أنـدريـه في بـغـداد عـام 1899 :

فالتر أندريه بات الطلسم

أنّ ارتـفـاع الـبـرج لا يـسـاوي إلّا حـوالي 9 مـرّات ارتـفـاع الـرّجـل الـواقـف أمـام الـبـاب. ومـن هـذا يـمـكـن أن نـسـتـنـتـج أنّ ارتـفـاع مـا تـبـقى مـن الـبـنـاء في ذلـك الـزّمـن كـان بـيـن 15 و 18 مـتـراً.

كـمـا نـلاحـظ صـفـيـن مـن الـطـاقـات الـضّـيـقـة الـمـسـتـطـيـلـة الّـتي كـان الـقـوّاسـون يـرمـون مـن خـلالـهـا نـبـالـهـم مـن غـيـر أن يـراهـم الأعـداء ولا يـمـكـنـهـم أن يـصـيـبـوهـم.

ولـديـنـا عـدّة صـور فـوتـوغـرافـيـة الـتـقـطـتـهـا جـرتـرود بـيـل في عـام 1910 ونـشـرتـهـا في الـعـام الـتّـالي (4)

باب الطلسم بيل 3

باب الطلسم بيل

منحوتات باب الطلسم بيل

 

الـشّـريـط الـمـخـطـوط في أعـلى الـبـنـاء :

ونـرى فـوق الـصّـف الـثّـاني مـن الـطّـاقـات شـريـطـاً مـنـحـوتـاً في الـطّـابـوق عـلـيـه نـصّ مـخـطـوط، كـان كـارسـتـن نـيـبـور  Karsten Niebuhr قـد نـسـخـه في بـغـداد سـنـة 1764 ونـشـره عـام 1772(3) :

نيبور باب الطلسم

ثـمّ نـسـخـه لـويـس مـاسـيـنـيـون Louis MASSIGNON  عـام 1907 ونـشـره كـمـا يـلي :

“بـسـم الله الـرّحـمـن الـرّحـيـم. وإذ يـرفـع إبـراهـيـم الـقـواعـد مـن الـبـيـت وإسـمـاعـيـل، ربّـنـا تـقـبّـل مـنّـا إنّـك أنـت الـسّـمـيـع الـعـلـيـم. هـذا مـا أمـر بـعـمـلـه سـيّـدنـا ومـولانـا الإمـام الـمـفـتـرض الـطـاعـة عـلى كـافـة الأنـام أبـو الـعـبّـاس أحـمـد الـنّـاصـر لـديـن الله أمـيـر الـمـؤمـنـيـن وخـلـيـفـة رب الـعـالـمـيـن وحـجّـة الله عـز وجـلّ عـلى الـخـلـق أجـمـعـيـن صـلـوات الله عـلـيـه وعـلى آبـائـه الـطّـاهـريـن ولا زالـت دعـوتـه الـهـدايـة عـلى يـفـاع الـحـق مـنـارا والـخـلائـق لـهـا أتـبـاعـاً وأنـصـارا وطـاعـتـه الـمـفـتـرضـة لـلـمـؤمـنـيـن أسـمـاعـاً وأبـصـارا وافـق الـفـراغ في سـنـة ثـمـان عـشـر وسـتـمـائـة وصـلـواتـه عـلى سـيـدنـا مـحـمّـد الـنّـبي وآلـه الـطّـيـبـيـن الـطّـاهـريـن”. (5)

وكـان نـيـبـور قـد قـرأ : “وهـذا مـا أمـر بـعـمـارتـه” بـدلاً مـن “بـعـمـلـه”، وقـرأ : “عـلى آلـه” بـدلاً مـن “عـلى آبـائـه”، وقـرأ نـيـبـور “ولا زالـت دعـوة الـمـدعي عـلى تـبـاع الـحـق مـنـازلـه” بـيـنـمـا قـرأ مـاسـيـنـيـون : “ولا زالـت دعـوتـه الـهـدايـة عـلى يـفـاع الـحـقّ مـنـارا”.

ونـفـهـم مـن هـذا الـنّـصّ أن الـفـراغ مـن عـمـارة الـبـرج، أي تـجـديـده، كـان في زمـن الـخـلـيـفـة الـنّـاصـر لـديـن الله عـام 1221 م. / 1222 م. أي قـبـل حـوالي 36 سـنـة مـن سـقـوط بـغـداد بـأيـدي الـتّـتـار عـام 1258 م.

وقـد اسـمي هـذا الـبـاب أيـضـاً بـ “بـاب الـفـتـح” لأنّ الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني مـراد الـرّابـع، بـعـد أن أخـذ بـغـداد مـن أيـدي الـصّـفـويـيـن، دخـلـهـا مـن بـاب الـطّـلـسـم. وقـد أمّـر بـرقـمـه بـالـطّـابـوق.

وتـذكـر الـفـرنـسـيـة ديـولافـوا DIEULAFOY  أنّـهـا رأت  الـنّـصّ الـتّـالي الّـذي أمـر مـراد  الـرّابـع بـنـقـشـه عـلـيـه : “فـتـح الـسّـلـطـان مـراد بـغـداد في 24 كـانـون الأوّل عـام 1638 ودخـلـهـا مـن بـاب الـطّـلـسـم بـعـد أن ضـرب الـحـصـار أربـعـيـن يـومـاً أمـامـهـا”(6). ولا يـمـكـنـنـا الـتّـأكـد مـمـا ذكـرتـه ديـولافـوا فـهـو لا يـظـهـر في الـرّسـوم والـصّـور الّـتي وضـعـتـهـا في كـتـابـهـا.

ديولافوا منحوتات باب الطلسم

الـمـنـحـوتـات الـمـحـيـطـة بـالـبـاب :

وتـحـيـط بـأعـلى الـبـاب مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز مـعـقّـدة الـتّـركـيـب ربّـمـا يـعـود تـاريـخ تـنـفـيـذهـا إلى فـتـرة تـجـديـد بـنـاء الـبـرج في زمـن الـخـلـيـفـة الـنّـاصـر لـديـن الله كـمـا سـبـق أن رأيـنـا.

ونـرى في وسـط أعـلى الـبـاب رجـلاً تـربّـع جـالـسـاً يـعـلـو رأسـه تـاج يـمـسـك بـلـسـاني ثـعـبـانـيـن مـجـنـحـيـن خـرافـيـيـن : “تـنـيـنـيـن” شـديـدي الـطـول يـتـلـوّى جـسـد كـلّ مـنـهـمـا مــلـتـفّـاً عـلى نـفـسـه عـدّة مـرّات في عـقـد مـتـلابـسـة حـتّى يـنـزل ذنـبـه إلى أسـفـل الـقـوس، تـمـامـاً فـوق رأس كـلّ مـن الأسـديـن الـجـالـسـيـن فـوق الـعـمـوديـن الـلـذيـن يـسـتـنـد عـلـيـهـمـا الـقـوس.

Bab Talism 2

باب الطلسم 2

وفي مـحـاولـتـنـا لـفـهـم مـغـزى هـذه الـمـنـحـوتـات عـلـيـنـا أن نـتـكـلّـم أوّلاً عـن الـثّـعـبـانـيـن الـمـجـنـحـيـن، ثـمّ عـن تـصـويـر الـخـلـيـفـة مـتـربـع الـجـلـوس، ثـمّ عـن الأسـديـن الـلـذيـن تـرتـكـز عـلـيـهـمـا الـمـنـحـوتـات.

“الـتّـنـيـنـان” الـمـجـنـحـان :

يـذكـر مـؤرخـو الـفـنّ أنّـه كـانـت عـلى أسـوار قـونـيـا في تـركـيـا، وعـلى أسـوار ديـار بـكـر، حـسـب الـصّـور الّـتي الـتـقـطـت لـهـا قـبـل هـدمـهـا، مـنـحـوتـات ثـعـابـيـن تـنـيـنـيّـة تـشـبـه ثـعـابـيـن بـاب الـطـلـسـم.

كـمـا يـمـكـنـنـا رؤيـة ثـعـابـيـن مـتـلـوّيـة عـلى “بـاب الـحـيـايـا” في قـلـعـة حـلـب :

قلعة حلب باب الحيايا

ولـديـنـا صـور لـواجـهـة بـنـاء في بـغـداد كـانـت تـعـلـو بـابـه مـنـحـوتـة عـلـيـهـا ثـعـبـانـان وأسـدان :

أسدان وثعبانان

ويـصـعـب عـلـيـنـا الـتّـوصـل إلى تـحـديـد بـدايـات ظـهـور مـثـل هـذه الـمـنـحـوتـات الّـتي لا يـمـكـن ربـطـهـا بـفـنـون الـشّـرق الأدنى الـقـديـمـة وخـاصـة فـنـون بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن.

ويـعـتـقـد بـعـض الـباحـثـيـن أنّـهـا تـمـثّـل الـخـلـيـفـة قـابـضـاً عـلى عـدويـه مـلـك خـوارزم وسـلـطـان الـمـنـغـول، أو ربّـمـا الـخـلـيـفـة الّـذي يـمـسـك بـيـن يـديـه بـزمـام الـعـالـم الـنّـاطـق بـلـسـانـيـن، الـعـربي والأعـجـمي.

وأذكّـر الـقـارئ الـعـزيـز هـنـا إلى أنّ سـلـطـة الـخـلـيـفـة كـانـت مـحـدودة في تـلـك الـفـتـرة، وإن حـاول الـنّـاصـر لـديـن الله أن يـعـيـد لـلـخـلافـة بـعـض هـيـبـتـهـا، فـقـد كـان الـحـكـم الـحـقـيـقي بـيـد الـسّـلـطـان الـسّـلـجـوقي مـنـذ أن دخـل الـسّـلاجـقـة بـغـداد عـام 1105 م. وسـيـطـروا عـلى الـخـلافـة.

ولـم يـحـفـظ لـنـا الـتّـاريـخ، حـسـب مـا أعـرفـه، تـصـاويـر الـنّـاصـر لـديـن الله ولا تـصـاويـر أبـيـه الـمـسـتـضئ، ولـكـن وصـلـتـنـا قـطـعـة ذهـبـيـة تـصـوّر الـخـلـيـفـة الـمـقـتـدر بـالله (حـكـم مـن 908 م. إلى 923 م.) يـجـلـس مـتـربـعـاً عـلى سـريـر الـمـلـك. (7)

المقتدر في برلين

 

صـورة الـخـلـيـفـة في بـلاد الأرمـن :

كـمـا نـجـد عـلى أحـد جـدران كـنـيـسـة أخـتَـمـار الأرمـنـيـة في جـزيـرة وسـط بـحـيـرة “وان” في جـنـوب شـرق تـركـيـا مـنـحـوتـة يـذكـر مـؤرخـو الـفـنّ (8) أنّـهـا تـصـوّر الـخـلـيـفـة الـعـبـاسي الـمـقـتـدر بـالله. وقـد أمـر بـتـشـيـيـد الـكـنـيـسـة مـلـك أرمـيـنـيـا غـاجـيـك Gagik عـام 915 م. وأكـمـل تـشـيـيـدهـا عـام 921 م.

وقـد أقـام الـمـلـك غـاجـيـك عـلاقـات وديـة مـع الـخـلـيـفـة الـمـقـتـدر الّـذي سـانـده مـرتـيـن لـلـوصـول إلى ارتـقـاء عـرش بـلاد الأرمـن. ويـبـدو أنّ الـخـلـيـفـة الـمـقـتـدر سـاعـد الـمـلـك غـاجـيـك مـادّيـا في تـشـيـيـد كـنـيـسـة أخـتـمـار.

ونـرى في وسـط الـمـنـحـوتـة الـخـلـيـفـة يـجـلـس مـتـربـعـاً تـحـيـط بـرأسـه هـالـة مـسـتـديـرة. وقـد صـوّر مـواجـهـة يـنـظـر إلى الـمـشـاهـد بـعـيـنـيـن كـانـتـا مـطـعـمـتـيـن ولا شـكّ بـنـوع مـن الـصّـدف كـمـا في مـنـحـوتـات بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن الـقـديـمـة، ضـاعـتـا ولـم يـبـق إلّا الـثّـقـبـيـن الّـذيـن كـانـتـا مـثّـبـتـتـيـن بـهـمـا. ونـرى عـلى جـبـهـتـه، فـوق شـعـره الـمـنـسـدل عـلى كـتـفـيـه تـاجـاً كـان هـو الآخـر مـطـعـمـاً لـم يـبـق مـنـه إلّا الـثّـقـوب الـخـمـسـة الّـتي كـان مـثـبّـتـاً عـلـيـهـا :

خليفة أختمار

وقـد صـوّر جـالـسـاً يـحـمـل بـيـده الـيـمـنى كـأس الـسّـلـطـنـة عـلى الـعـالـم ويـرفـع يـده الـيـسـرى آمـراً، في داخـل غـصـن الـكـروم الـمـلـتـوي الـمـلـتـف حـولـه وفـوق مـرافـقـه الـمـنـتـصـب عـلى يـمـيـنـه. ونـلاحـظ أن هـذا الـمـرافـق، مـثـل الـمـرافـق الآخـر الـمـنـتـصـب عـلى يـسـار الـخـلـيـفـة، يـرتـدي ثـوبـاً طـويـلاً مـنـسـدلاً عـلى سـروالـه وحـزامـاً مـرصـعـاً بـالـمـسـامـيـر الـمـعـدنـيـة عـلى طـريـقـة الأتـراك. ويـمـدّ إلـيـه كـلاهـمـا بـرمـانـة. والـرّمّـان وعـنـاقـيـد الـكـروم الـمـحـيـطـة بـالـخـلـيـفـة مـن فـواكـه الـجـنّـة.

ونـلاحـظ الـتّـشـابـه بـيـن صـورة الـخـلـيـفـة الـمـقـتـدر عـلى الـقـطـعـة الـذّهـبـيـة وبـيـن صـورتـه عـلى جـدار أخـتـمـار.

صـورة الـخـلـيـفـة في صـقـلـيـة :

كـمـا أنّ لـديـنـا صـورة لـمـلـك يـجـلـس مـتـربـعـاً مـثـل مـا رأيـنـاه في صـورتَي الـخـلـيـفـة الـمـقـتـدر، ولـكـنّـهـا في هـذه الـمـرّة رسـمـت عـلى سـقـف كـنـيـسـة قـصـر الـمـلـك روجـر الـثّـاني في مـديـنـة بَـلَـرم Palermo (في صـقـلـيـة، جـنـوب إيـطـالـيـا)، والّـتي كـانـت عـاصـمـتـه.

وأذكّـر الـقـارئ هـنـا بـأنّ صـقـلـيـة حـكـمـهـا الـفـاطـمـيـون مـنـذ بـدايـة الـقـرن الـتّـاسـع الـمـيـلادي إلى أن حـدثـت صـراعـات عـلى الـحـكـم في حـوالي عـام 1030 مـمـا سـهـلّ عـلى الـقـائـد الـنّـورمـانـدي روجـر جـسـكـار (الـمـعـروف بـروجـر الأوّل) الإسـتـيـلاء عـلـيـهـا بـيـن 1060 و 1090.

وقـد ظـهـرت تـأثـيـرات فـنّ الـفـاطـمـيـيـن عـلى إنـجـازات فـتـرة حـكـم خـلـفـه روجـر الـثّـاني الـفـنّـيـة والـمـعـمـاريـة، فـقـد كـان مـلـك صـقـلـيـة هـذا مـعـجـبـاً بـالـثّـقـافـة الـعـربـيـة وبـالـفـنـون الإسـلامـيـة. و كـمـا ذكـر الـصّـفـدي في “الـوافي بـالـوفـيـات”، فـ “هـو الـذّي اسـتـقـدم الـشّـريـف الإدريـسي صـاحـب كـتـاب “نـزهـة الـمـشـتـاق في اخـتـراق الآفـاق” لـيـصـنـع لـه شـيـئـاً في شـكـل صـورة الـعـالـم”، أي كـرة أرضـيـة مـن الـمـعـدن.

ونـحـن نـعـرف مـدى تـأثّـر الـفـاطـمـيـيـن بـالـفـنّ الـعـبـاسي وخـاصـة فـنّ سـامـراء (9). وهـكـذا وصـلـت صـورة الـخـلـيـفـة إلى كـنـيـسـة قـصـر بـلـرم لـيـجـلـس مـتـربـعـاً بـيـن أتـبـاعـه عـلى سـقـفـهـا :

خليفة صقلية

وقـد اكـتـمـل تـشـيـيـد كـنـيـسـة قـصـر بـلـرم في حـوالي عـام 1140 م. ويـمـكـنـنـا أن نـتـأمّـل عـلى سـقـف هـذه الـكـنـيـسـة مـقـرنـصـات

بلرم كنيسة القصر

ونـقـوشـاً بـالـخـط الـكـوفي حـول أشـكـال هـنـدسـيـة مـن بـيـنـهـا نـجـوم مـثـمّـنـة

بلرم 3

 

صـورتـا الأسـديـن :

 نـلاحـظ أنّ كـلّ واحـد مـن الأسـديـن جـالـس عـلى قـائـمـتـيـه الـخـلـفـيـتـيـن بـيـنـمـا اتّـكـأ رأسـه عـلى قـائـمـتـيـه الأمـامـيـتـيـن والّـتـفّ ذيـلـه حـول جـسـده.

أسد بيل

وهـمـا لا يـشـبـهـان أسـود أسـوار ديـار بـكـر الـمـجـنـحـة والّـتي جـاءت ولا شـكّ مـن أسـوار أكـثـر قـدمـاً وأدخـلـت بـعـد ذلـك في الأسـوار الإسـلامـيـة (مـن الـقـرن الـعـاشـر إلى الـقـرن الـثّـالـث عـشـر) :

أسد ديار بكر

ويـمـكـنـنـا أن نـسـتـنـتـج مـمـا عـرضـنـاه أنّ أسـلـوب مـنـحـوتـات بـاب الـطّـلـسـم مـخـتـلـف عـن أسـالـيـب الـفـنـون الـعـبّـاسـيـة وخـاصـة أسـالـيـب سـامـراء، ويـظـهـر فـيـه بـوضـوح تـأثـيـر فـنـون الـسّـلاجـقـة الأتـراك. ويـشـبـه أسـلـوب صـورة الـخـلـيـفـة (إن صـحّ أنّـهـا تـصـوّر الـخـلـيـفـة) أسـلـوب صـورة بـدر الـدّيـن لـؤلـؤ، صـاحـب الـمـوصـل، في ذلـك الـزّمـن تـقـريـبـاً. (10)

بدر الدين لؤلؤ

وأخـتـم عـرضي الـسّـريـع بـالـتّـأكـيـد عـلى أنّ هـدفي مـن كـتـابـة هـذه الـمـلاحـظـات لـم يـكـن  إعـطـاء تـفـسـيـرات لـمـعـاني هـذه الـمـنـحـوتـات، وإنّـمـا كـان هـدفي الـتّـنـبـيـه إلـيـهـا وإثـارة تـسـاؤلات عـن أسـالـيـبـهـا ومـغـزى وضـعـهـا عـلى هـذا الـبـاب لأنّي لـم أتـوصـل بـعـد إلى إيـجـاد دراسـات ولا حـتّى مـقـالات عـنـهـا في الـمـنـشـورات الـعـربـيـة.

وأذكّـر الـقـارئ الـعـزيـز مـن جـديـد بـأنّ الـسّـلـطـان الـعـثـمـاني مـراد الـرّابـع، بـعـد أن هـزم الـصّـفـويـيـن ودخـل بـغـداد، كـمـا سـبـق أن رأيـنـا، في 24 كـانـون الأوّل عـام 1638 م.، أمـر بـرقـم فـتـحـة الـبـاب بـالـطّـابـوق لـيـمـنع أعـداءه الـفـرس مـن دخـول الـمـديـنـة مـن جـهـة الـشّـرق، وهـو مـا نـراه عـلى الـصّـور الـتّي الـتـقـطـت لـلـبـرج.

وفي عـام 1657، أمـر والي بـغـداد مـحـمّـد بـاشـا الـخـاصـكي بـتـرمـيـم بـاب الـطّـلـسـم بـعـد أن خـرّب فـيـضـان دجـلـة في الـعـام الـسّـابـق بـعـض أجـزائـه.

ثـمّ اسـتـعـمـل الـبـرج في بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن، لـخـزن بـارود الـمـدافـع الّـتي كـانـت تـحـمي أسـوار بـغـداد. وعـنـدمـا تـقـدمـت الـقـوات الـبـريـطـانـيـة نـحـو بـغـداد، فـجّـرتـه الـقـوات الـعـثـمـانـيـة  قـبـل انـسـحـابـهـا مـن الـمـديـنـة في 11 آذار 1917، وتـنـاثـر شـظـايـا وتـسـاقـط أكـوام حـجـارة، ولـم يـبـق لـنـا مـنـه أثـر.

ولا شـكّ في الـمـنـحـوتـات الّـتي ضـاعـت مـنّـا بـضـيـاع الـبـاب تـسـتـحـق أن يـخـصـص لـهـا فـصـل في تـاريـخ الـفـنّ الـعـراقي الّـذي يـنـبـغي أن يـسـجّـل جـدّيـاً في يـوم مـن الأيّـام …

 

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) نـشـر الـرّسـم في عـام 1875 في كـتـاب William Perry FOGG :

»Arabistan or The land of The Arbian Nights »

أنـظـر مـقـالي : رسـوم وأعـمـال طـبـاعـيـة عـن الـعـراق في سـرد رحـلـة ولـيـام بـيـري فـوغ

(2) في كـتـاب La Province de Bagdad لـحـبـيـب أفـنـدي شـيـحـة. أنـظـر مـقـالي : صـور قـديـمـة لـبـغـداد في كـتـاب حـبـيـب أفـنـدي شـيـحـة

(3) حُـفـر الـرّسـم عـلى الـخـشـب وطـبـع، ووضـعـتـه جـان ديـولافـوا Jane DIEULAFOY  في كـتـاب نـشـرتـه عـن رحـلـتـهـا إلى الـعـراق في 1881/1882. أنـظـر مـقـالي : رحـلـة ديـولافـوا إلى الـعـراق

(3)    Karsten Niebuhr, Reisebeschreibung, II, 294.

(4)  Gertrude Bell, Amurath to Amurath, London 1911

من مراد إلى مراد

(5) 47-48. Louis MASSIGNON, Mission en Mésopotami.

(6) p. 569

(7)  مـحـفـوظـة في مـكـتـب الـمـدالـيـات Münzkabinett  في مـتـحـف الـدّولـة Staatliche Museen  في بـرلـيـن عـاصـمـة ألـمـانـيـا.

(8) أنـظـر خـاصـة كـاتـريـنـا أوتـو ــ دورن  Katharina OTTO-DORN : “الـفـنّ الإسـلامي  Kunst des Islam”، بـادن بـادن 1964، والـقـسـم الّـذي كـتـبـتـه بـيـانـكـا مـاريـا الـفـيـيـري Bianca Maria Alfieri مـن كـتـاب Le Califat de Bagdad، الّـذي نـشـرتـه مـؤسـسـة FDD عـام 1988.

(9) بـعـد أن أشـتـدّ ضـعـف حـكـم الـعـبـاسـيـيـن وانـحـطـت سـلـطـتـهـم عـنـدمـا سـاد عـلـيـهـم الأمـراء الـبـويـهـيـون ثـمّ سـلاطـيـن الـسّـلاجـقـة الّـذيـن اسـتـولـوا عـلى الـحـكـم الـفـعـلي وتـركـوا لـلـخـلـفـاء سـلـطـة صـوريـة، تـرك كـثـيـر مـن الـصّـنـاع، وخـاصـة الـخـزفـيـون، الـعـراق نـحـو مـنـاطـق أكـثـر ثـراءً، ووصـلـت أعـداد مـنـهـم إلى مـصـر لـيـعـمـلـوا فـيـهـا، كـمـا أظـهـرتـه تـنـقـيـبـات مـديـنـة الـفـسـطـاط الأثـريـة.

(10)  أنـظـر مـقـالي : مـقـتـل آخـر خـلـفـاء بـغـداد كـمـا رواه أوربـيـان

 

الإعلانات

كـيـف شـيّـد فـالـتـر أنـدريـه بـوابـة عـشـتـار في مـتـحـف بـرلـيـن

الـدكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

قـصـصـت عـلـيـكـم في مـقـال سـابـق كـيـف وصـل الألـمـاني  فـالـتـر أنـدريـه Walter ANDRAE  إلى الـعـراق في عـام 1899 لـيـشـارك في الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة الألـمـانـيـة في مـوقـع بـابـل الّـتي أشـرف عـلـيـهـا  روبـرت كـولـدفـيـه Robert KOLDEWE، وكـيـف بـقي في بـابـل إلى عـام 1903 ثـمّ عُـهـد إلـيـه بـالإشـراف عـلى الـتّـنـقـيـبـات في قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة) والّـتي قـادهـا حـتّى عـام 1914.

كـمـا أريـتـكـم عـدداً مـن تـخـطـيـطـاتـه ورسـومـه بـأقـلام الألـوان وبـالألـوان الـمـائـيـة الّـتي نـفّـذهـا طـيـلـة كـلّ تـلـك الـسّـنـوات عـن مـواقـع الآثـار والـمـنـاطـق الّـتي زارهـا والـنّـاس الّـذيـن الـتـقى بـهـم. (1)

وأكـمـل في هـذا الـمـقـال الـحـديـث عـن اسـتـمـراره، بـعـد أن أنـهى الـتّـنـقـيـبـات وعـاد إلى ألـمـانـيـا، في جـهـوده لـدراسـة الـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا وفي نـشـر نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات الّـتي مـا زالـت تـعـتـبـر مـن الـمـصـادر الأسـاسـيـة لـدراسـة تـاريـخ بـابـل ومـديـنـة آشـور. وإلى جـانـب ذلـك اسـتـمـرّ في تـجـمـيـع كـسـر الـطّـابـوق الـمـزجـج الألـوان وإعـادة تـشـكـيـل صـور الـثّـيـران والـحـيـوانـات الـخـرافـيـة (الـتّـنـيـنـات) الّـتي كـانـت تـغـطي جـدران بـوابـة عـشـتـار والأسـود الـمـتـتـابـعـة عـلى جـانـبي درب الـمـسـيـرات.

وقـد صـمـم مـشـروعـه لإعـادة تـشـيـيـد “بـوابـة عـشـتـار” و “درب الـمـواكـب” في قـاعـات مـتـحـف بـرلـيـن عـلى الـورق بـعـشـرات الـتّـخـطـيـطـات والـرّسـوم الـمـائـيـة الّـتي مـا زال الـمـتـحـف يـحـتـفـظ مـنـهـا بـأعـداد كـبـيـرة (مـثـل رسـمـه لـلـبـوابـة الّـذي وضـعـتـه في بـدايـة الـمـقـال) حـتّى تـوصّـل إلى تـنـفـيـذه.

ومـا زال زوّار الـمـتـحـف يـتـأمـلـون بـذهـول الـبـوابـة الـمـتـلامـعـة الـزّرقـة بـثـيـرانـهـا وتـنـيـنـاتـهـا. ويـعـتـقـد أغـلـب هـؤلاء الـزّوار أنّ الـمـنـقـبـيـن خـلـعـوا الـبـوابـة مـن بـابـل ونـصـبـوهـا في بـرلـيـن ! وقـد قـلـدنـاهـا نـحـن أنـفـسـنـا ونـصـبـنـا مـنـهـا نـسـخـاً مـعـتـقـديـن أنّـهـا بـوابـتـنـا الأصـلـيـة !

بوابة عشتار 3برلين

وسـأعـيـد بـعـض مـا كـنـت قـد ذكـرتـه في الـمـقـال الـسّـابـق لـنـسـتـطـيـع مـتـابـعـة جـهـود فـالـتـر أنـدريـه مـن الـبـدايـة :

بـدايـات فـالـتـر أنـدريـه :

رأيـنـا في الـمـقـال الـسّـابـق كـيـف اخـتـار روبـرت كـولـدفـيـه Robert KOLDEWE الـمـسـؤول عـن بـعـثـة الـتّـنـقـيـبـات الألـمـانـيـة في بـابـل فـالـتـر أنـدريـه لـيـسـاعـده كـرسّـام يـعـمـل مـعـه في الـمـوقـع.

ونـتـذكّـر كـيـف بـدأت الـتّـنـقـيـبـات في بـابـل في 26 آذار 1899، وفـيـهـا تـعـلّـم فـالـتـر أنـدريـه مـن كـولـدفـيـه مـنـاهـج الـتّـنـقـيـبـات الـحـديـثـة. وكـانـت تـلـك بـدايـة حـيـاة جـديـدة لـه كـرّسـهـا حـتّى وفـاتـه لـدراسـة آثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن. كـمـا تـعـلّـم مـن كـولـدفـيـه طـريـقـة رسـم الآثـار والـقـطـع الأثـريـة.

ونـتـذكّـر أيـضـاً كـيـف بـدأ روبـرت كـولـدفـيـه تـنـقـيـبـاتـه الـبـابـلـيـة في تـلّ الـقـصـر الّـذي وجـدت فـيـه كِـسـر طـابـوق جـعـلـتـه يـخـمّـن أن الـمـوقـع كـان عـلـيـه بـنـاء مـهـمّ غـطّـت جـدرانـه قـطـع فـنّـيـة شـديـدة الـدّقّـة والـمـهـارة عـلـيـهـا تـصـاويـر حـيـوانـات خـرافـيـة “تـنّـيـنـات” وثـيـران قـلـيـلـة الـبـروز. وكـان بـعـض هـذا الـطّـابـوق مـزجـج الألـوان مـسـطـحـاً أو عـلـيـه تـصـاويـر قـلـيـلـة الـبـروز. وقـد عـهـد كـولـدفـيـه إلى فـالـتـر أنـدريـه بـإعـادة تـركـيـب الـطّـابـوق الـمـزجـج الّـذي وجـده مـهـشـمـاً في الـمـوقـع.

وأدرك كـولـدفـيـه أن شـظـايـا الـطّـابـوق تـسـاقـطـت مـمـا كـان في الـمـاضي بـوابـة عـشـتـار ودرب الـمـواكـب الّـذي كـان يـفـضي إلـيـهـا، والّـذي كـان مـرصـوفـاً بـالـحـجـارة وعـلى جـانـبـيـه جـداران مـن الـطّـابـوق. وكـان درب الـمـواكـب يـمـتـدّ مـسـتـقـيـمـاً عـلى حـوالي 900 مـتـراً، تـزيـنـه أسـود مـتـتـابـعـة مـن الـجـانـبـيـن. ويـقـدر عـدد هـذه الأسـود في زمـن إعـادة نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني (حـكـم مـن 605 إلى 562 قـبـل الـمـيـلاد) لـتـشـيـيـد الـدّرب بـحـوالي 120 أسـداً.

وكـانـت بـوابـة عـشـتـار في الـحـقـيـقـة بـوابـتـيـن تـنـفـتـحـان الـواحـدة عـلى الأخـرى مـن جـانـبي الـسّـور الـمـزدوج. وبـعـد أن أزيـحـت أطـنـان مـن الـتّـراب ظـهـرت الـبـوابـة الـدّاخـلـيـة الّـتي يـفـضي إلـيـهـا درب الـمـواكـب، وكـانـت لا تـزال تـرتـفـع 12 مـتـراً، تـزيـنـهـا صـفـوف يـعـلـو الـواحـد مـنـهـا الآخـر مـن الـثّـيـران والـتّـنـيـنـات.

Iraq. Babylon. The Ishtar Gate

(بـقـايـا بـوابـة عـشـتـار في بـابـل عـام 1932، صـورة مـن مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون)

بوابة عشتار كولدفيه  (تـخـطـيـط رسـمـه روبـرت كـولـدفـيـه في الـمـوقـع)

وقـد اسـتـنـتـج الـمـنـقّـبـون أنّـه كـان عـلـيـهـا في الأصـل 575 ثـوراً وتـنـيـنـاً عـلى 13 صـفّ. ولأنّ الـدّرب رفـع مـسـتـواه عـدّة مـرّات فـقـد غـارت الـصّـفـوف الـسّـفـلى مـن الـحـيـوانـات الـبـارزة الـنّـحـت في بـاطـن الأرض.

وكـان الأزرق الـلـون الأكـثـر اسـتـعـمـالاً وخـاصـة في الـخـلـفـيـات، أمّـا الـحـيـوانـات فـقـد كـانـت تـتـتـابـع أمّـا بـيـضـاء أو بـنّـيـة مـصـفـرّة. وكـان الأسـد رمـزاً لـلإلـهـة عـشـتـار والـتّـنـيـن الـثّـعـبـاني الـرأس رمـز الإلـه مـردوخ، أمّـا الـثّـور فـقـد كـان رمـز الإلـه حـدّاد (أداد).

وكـان الـطّـابـوق الّـذي جـمّـعـه فـالـتـر يـصـوّر أسـوداً حـولـهـا زهـور مـنـقـوشـة كـانـت تـغـطي جـوانـب درب الـمـسـيـرات،

Andrae 2

ويـصـوّر أسـوداً حـولـهـا سـعـف وأغـصـان لـولـبـيـة كـانـت عـلى واجـهـة قـاعـة الـعـرش.

وبـعـد أن اشـتـغـل فـالـتـر أنـدريـه عـلى شـظـايـا الـطّـابـوق عـامـاً كـامـلاً يـضـع الـقـطـع الـصـغـيـرة الـواحـدة بـجـنـب الأخـرى ويـؤلـف بـيـنـهـا اسـتـطـاع إعـادة تـركـيـب بـعـضـهـا، ولـو جـزئـيـاً.

وكـان، إلى جـانـب اشـتـغـالـه لـيـلاً ونـهـاراً بـإعـادة تـركـيـب شـظـايـا الـطّـابـوق لإيـجـاد ألـوان الأسـود الـبـابـلـيـة، يـرسـم مـخـطـطـات الـمـواقـع والـقـطـع الأثـريـة ويـسـاعـد كـولـدفـيـه في أعـمـال الـتّـنـقـيـبـات الأخـرى.

وقـد اسـتـمـرّ فـالـتـر أنـدريـه في الـعـمـل في بـابـل إلى عـام 1903، ثـمّ عُـهـد إلـيـه بـالأشـراف عـلى تـنـقـيـبـات قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور الـقـديـمـة، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة) والّـتي قـادهـا حـتّى عـام 1914.

سـنـوات الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى :

وبـعـد أن انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى، إسـتـدعي فـالـتـر أنـدريـه لـيـشـارك فـيـهـا. وأرسـل إلى جـبـهـة الـقـتـال في فـرنـسـا عـام 1915، ثـمّ أرسـل لـيـخـدم تـحـت أوامـر الـفـيـلـد مـارشـال فـون ديـر غـولـتـس الـمـعـروف بـغـولـتـس بـاشـا (أو غـولـتـز بـاشـا لـلّـذيـن لا يـحـسـنـون الـلـفـظ الألـمـاني) الّـذي عـهـد إلـيـه بـقـيـادة جـيـش عـثـمـاني كـان يـحـاول إيـقـاف تـقـدّم الـقـوات الـبـريـطـانـيـة أمـام الـكـوت. وقـد بـعـث لـه الـجـيـش الألـمـاني بـعـض عـلـمـاء الآثـار الّـذيـن نـقّـبـوا في الـعـراق كـمـسـتـشـاريـن لـيـنـتـفـع مـن تـجـاربـهـم ومـعـرفـتـهـم بـالـبـلـد وأهـلـه. وهـكـذا نـزل فـالـتـر أنـدريـه مـن حـلـب في مـركـب عـلى الـفـرات نـحـو بـغـداد.

وقـد نـجـح غـولـتـس بـاشـا في حـصـار الـبـريـطـانـيـيـن في الـكـوت وهـزمـهـم هـزيـمـة كـامـلـة. وقـضى فـالـتـر أنـدريـه سـنـوات الـحـرب بـيـن الـعـراق وسـوريـا وفـلـسـطـيـن، مـا عـدا إجـازة قـصـيـرة عـاد فـيـهـا إلى أوربـا لـرؤيـة زوجـتـه وابـنـه الـصّـغـيـر. وقـضـوا جـزءاً مـنـهـا عـلى سـواحـل بـحـيـرة كـونـسـتـانـس الّـتي تـقـع بـيـن ألـمـانـيـا والـنّـمـسـا وسـويـسـرة. وهـنـاك اشـتـرى مـنـزلاً ريـفـيـاً صـغـيـراً قـبـل أن يـعـود إلى جـبـهـة الـشّـرق.

وبـعـد أن خـسـر الألـمـان وحـلـفـاؤهـم الـعـثـمـانـيـون الـحـرب، أعـيـد مـن لـم يـقـتـل مـن الـجـنـود والـضّـبـاط إلى ألـمـانـيـا عـام 1919.

عـلى سـواحـل بـحـيـرة كـونـسـتـانـس :

وقـضى فـالـتـر أنـدريـه سـنـتـيـن، مـن 1919 إلى 1921 في مـنـزلـه قـرب بـحـيـرة كـونـسـتـانـس يـنـظّـم مـلاحـظـاتـه الّـتي كـان قـد سـجّـلـهـا عـن تـنـقـيـبـات قـلـعـة الـشّـرقـاط، ويـكـمـل مـا مـنـعـتـه سـنـوات الـحـرب مـن إكـمـالـه لـنـشـر نـتـائـجـهـا ودراسـة الـقـطـع الأثـريـة الّـتي كـان قـد وجـدهـا وإعـادة تـركـيـب مـا تـكـسـر مـنـهـا وتـطـايـر شـظـايـا. وقـد فـكّـر خـلال سـنـتَي الـبـطـالـة تـلـك أن يـفـتـح مـرسـمـاً ويـمـتـهـن الـفـنّ.

في مـتـحـف بـرلـيـن :

وعـنـدمـا قـرر روبـرت كـولـدفـيـه عـام 1921 أن يـتـوقّـف عـن الإشـراف عـلى قـسـم آثـار الـشّـرق الأدنى في مـتـحـف بـرلـيـن، بـعـد سـنـوات طـويـلـة مـن جـهـود مـتـواصـلـة في عـلـم الآثـار، اقـتـرح أن يـحـلّ فـالـتـر أنـدريـه مـحـلّـه. وعـيّـن فـالـتـر الّـذي وصـل إلى بـرلـيـن لـلإقـامـة فـيـهـا مـع عـائـلـتـه. وبـدأ، إلى جـانـب الـمـحـاضـرات الّـتي طـلـب مـنـه أن يـلـقـيـهـا عـلى طـلاب مـعـهـد الـتّـقـنـيـة، بـالـعـمـل مـع مـسـاعـديـه عـلى صـنـاديـق قـطـع الآثـار الّـتي جـلـبـت مـن تـنـقـيـبـات الـعـراق وخـزنـت في الـمـتـحـف.

طابوق بابل

وفي عـام 1925، إسـتـطـاع أن يـقـنـع الـمـسـؤولـيـن الـبـرتـغـالـيـيـن بـإعـادة الـصّـنـاديـق الّـتي تـحـتـوي عـلى الـقـطـع الأثـريـة الّـتي كـان قـد وجـدهـا في تـنـقـيـبـات قـلـعـة الـشّـرقـاط والّـتي حـمّـلـت في الـبـصـرة، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، عـلى بـاخـرة أوصـلـتـهـا إلى لـشـبـونـة.

وبـعـد أن تـوفي روبـرت كـولـدفـيـه عـام 1925، أصـبـح فـالـتـر أنـدريـه مـشـرفـاً عـلى نـشـر مـا لـم يـكـتـمـل نـشـره بـعـد مـن نـتـائـج تـنـقـيـبـات بـابـل إلى جـانـب عـمـلـه في إكـمـال جـرد الآثـار الّـتي وجـدهـا في قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور) وتـصـنـيـفـهـا.

وفي حـوالي مـنـتـصـف عـام 1926، وصـلـت إلى بـرلـيـن رسـالـة مـن جـيـرتـرود بـيـل Gertrude Bell تـذكـر فـيـهـا أنّ الـحـكـومـة الـعـراقـيـة قـررت إعـادة الـصّـنـاديـق الـضّـخـمـة الّـتي تـحـتـوي عـلى الـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا الألـمـان في تـنـقـيـبـات بـابـل وبـقـيـت فـيـهـا مـنـذ 1917 ! وكـانـت الـصّـنـاديـق تـحـتـوي عـلى حـوالي 300  ألـف كـسـرة مـن الـطّـابـوق، وبـعـضـه مـزجـج الألـوان، الّـتي عـثـر عـلـيـهـا في تـلّ الـقـصـر.

وكـانـت جـيـرتـرود بـيـل قـد زارت الـتّـنـقـيـبـات الألـمـانـيـة في بـابـل عـام 1909،

جرترود بيل في بابل

كـمـا زارت مـرتـيـن في تـلـك الـفـتـرة تـقـريـبـاً مـوقـع تـنـقـيـبـات قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور) وربـطـتـهـا عـلاقـات صـداقـة بـفـالـتـر أنـدريـه.

وصـادف أن أفـرغ الـجـنـاح الـجـنـوبي مـن قـسـم آثـار الـشّـرق الأدنى في تـلـك الـفـتـرة، ونـقـلـت الآثـار الـمـصـريـة الّـتي كـانـت فـيـه إلى جـانـب آخـر مـن مـتـحـف بـرلـيـن، فـسـنـحـت الـفـرصـة لـتـخـصـيـص هـذا الـجـنـاح لآثـار بـابـل وقـلـعـة الـشّـرقـاط (مـديـنـة آشـور) وطـرحـت فـكـرة إعـادة تـشـيـيـد بـعـض الـمـبـاني الـقـديـمـة فـيـه.

وقـد قـررت الـحـكـومـة الألـمـانـيـة إرسـال فـالـتـر أنـدريـه إلى بـغـداد لـتـنـظـيـم عـمـلـيـات نـقـل الـصّـنـاديـق إلى بـرلـيـن، واخـتـارت لـمـسـاعـدتـه عـالـم الآثـار يـولـيـوس يـوردان Julius Jordan.

وفي الـطّـريـق، سـمـع فـالـتـر أنـدريـه بـوفـاة جـيـرتـرود بـيـل، ولـكـنّـه، عـنـدمـا وصـل إلى بـغـداد، وجـد أنّ الـمـسـؤولـيـن في الـعـراق لـم يـغـيـروا رأيـهـم في إرسـال الـصّـنـاديـق إلى بـرلـيـن.

وذهـب إلى بـابـل ووجـد الـصّـنـاديـق بـكـامـلـهـا في بـيـت الـمـنـقّـبـيـن، ولـكـنّ أغـلـب أخـشـابـهـا كـانـت قـد اهـتـرأت وتـكـسّـرت. وعـنـدمـا سـمـع عـمّـالـهـم الّـذيـن كـانـوا مـعـهـم في الـتّـنـقـيـبـات بـرجـوع فـالـتـر أنـدريـه جـاءوا مـن الـحـلّـة والـقـرى الـقـريـبـة مـنـهـا لـيـحـيـوه ولـيـسـاعـدوه في إصـلاح الـصّـنـاديـق،

أندريه 1926

وفي نـقـل الـقـطـع الأثـريـة عـلى مـتـن مـركـب نـقـلـهـا إلى الـبـصـرة.

وفي 20 كـانـون الـثّـاني 1927، وصـل إلى بـرلـيـن 536 صـنـدوقـاً مـن بـابـل كـان بـيـنـهـا 400 مـلـيـئـة بـكـسـر طـابـوق مـزجـج الألـوان.

ونـتـج أيـضـاً عـن زيـارة فـالـتـر أنـدريـه لـبـغـداد تـوصـلـه إلى إقـنـاع الـمـسـؤولـيـن بـقـبـول بـعـثـة ألـمـانـيـة لإكـمـال الـتّـنـقـيـبـات الّـتي كـان قـد بـدأهـا مـع زمـلائـه في الـوركـاء عـام 1913. وبـدأت الـحـفـريـات في الـعـام الـتّـالي، 1928، وأشـرف عـلـيـهـا فـالـتـر أنـدريـه مـن مـكـتـبـه في بـرلـيـن.

وقـد بـدأت جـهـود فـالـتـر أنـدريـه في إخـراج حـطـام الـطّـابـوق مـن صـنـاديـقـهـا وتـجـمـيـعـهـا لـتـشـكّـل مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز في نـهـايـة عـام 1927. وقـد جـرت هـذه الأعـمـال في إحـدى قـاعـات الـمـتـحـف.

ونـظّـفـت الـقـطـع ورتّـبـت لـتـكـوّن صـور حـيـوانـات ونـبـاتـات وأشـكـال زخـرفـيـة ثـمّ جـمـعـت في ألـواح واسـعـة. ولـمـلأ الـفـراغـات والـثّـغـرات الـواسـعـة طـلـب فـالـتـر أنـدريـه مـن ثـلاثـة مـعـامـل لـصـنـع الـخـزف في بـرلـيـن أن تـحـاول الـتّـوصـل إلى إنـتـاج طـابـوق مـزجـج الألـوان يـقـتـرب مـمـا كـان يـصـنـعـه الـبـابـلـيـون.

واشـتـغـل فـالـتـر أنـدريـه في نـفـس الـوقـت في تـخـطـيـط مـشـروعـه لإعـادة تـشـيـيـد بـوابـة عـشـتـار

أندريه بوابة برلين

ودرب الـمـواكـب ورسـمـه بـالألـوان الـمـائـيـة،

ولـكـنّ أوّل عـائـق صـادفـه هـو أنّـه لا يـسـتـطـيـع تـوسـيـع مـقـايـيـس قـاعـات الـمـتـحـف الّـتي وضـعـت تـحـت تـصـرفـه، فـكـان عـلـيـه أن يـعـدّل مـقـايـيـس مـشـروعـه لـيُـركّـب بـوابـة ودربـاً أصـغـر في قـاعـات الـمـتـحـف !

واسـتـمـرّ الـعـمـل عـلى تـركـيـب الـطّـابـوق مـن الـكـسـر الـمـهـشـمـة وتـشـكـيـلـهـا في صـور مـقـبـولـة الأشـكـال وفي ألـواح واسـعـة لـتـشـيـيـد الـبـوابـة والـدّرب حـتّى بـدايـة ثـلاثـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي. وقـلّـت الـمـبـالـغ الـمـخـصـصـة لـهـا، مـمـا أجـبـر فـالـتـر أنـدريـه عـلى إضـاعـة جـزء مـن وقـتـه في مـفـاوضـات مـسـتـمـرة مـع مـسـؤولي وزارة الـمـالـيـة.

ولـكـثـرة الـقـطـع الـمـحـطّـمـة الّـتي جـلـبـت مـن بـابـل الّـتي ركّـبـت مـنـهـا تـصـاويـر حـيـوانـات ونـبـاتـات والّـتي فـاضـت عـن احـتـيـاج فـالـتـر أنـدريـه لإعـادة تـشـيـيـد بـوابـة عـشـتـار ودرب الـمـواكـب بـالـمـقـايـيـس الّـتي أُجـبـر عـلى تـصـغـيـرهـا، فـقـد اقـتـرح إهـداء بـعـضـهـا لـلـمـتـحـف الـعـراقي في بـغـداد وبـيـع مـا تـبـقى مـنـهـا لـمـتـاحـف أوربـيـة وأمـريـكـيـة. وهـكـذا اسـتـطـاع بـالـمـبـالـغ الـمـكـتـسـبـة الاسـتـمـرار في مـشـروعـه.

وقـد اسـتـمـرّ فـالـتـر أنـدريـه مع مـسـاعـديـه بـالـقـيـام بـعـدد مـن الـمـهـمّـات في نـفـس الـوقـت : جـرد الـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا في مـوقـع الـوركـاء مـنـذ عـام 1928 وتـصـنـيـفـهـا والإشـراف عـلى نـشـر نـتـائـجـهـا، إلى جـانـب نـشـره لـدراسـاتـه عـن آثـار قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور الـقـديـمـة)، والإشـراف عـلى أعـمـال الـبـنـاء في قـاعـات آثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، وتـدريـسـه في مـعـهـد الـتّـكـنـولـوجـيـا في بـرلـيـن.

وقـد اكـتـمـل في عـام 1930 تـشـيـيـد الأجـزاء الـرّئـيـسـيـة مـن الـمـشـروع : بـوابـة عـشـتـار بـارتـفـاعـهـا الـبـالـغ  14 مـتـراً و 73 سـم. وبـعـرض 15 مـتـراً و 70 سـم. :

بوابة عشتار 3برلين

ودرب الـمـواكـب الّـذي امـتـدّ داخـل الـمـتـحـف 30 مـتـراً وبـعـرض ثـمـانـيـة أمـتـار. ويـرتـفـع الـجـداران الـمـحـيـطـان بـه 12 مـتـراً و 50 سـم. :

 

بـيـنـمـا اسـتـمـرّ الـعـمـل عـلى الأجـزاء الـبـاقـيـة.

وفي عـام 1932، قـام فـالـتـر أنـدريـه بـسـفـرة إلى سـوريـا والـعـراق زار خـلالـهـا الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة وخـاصـة تـنـقـيـبـات الألـمـان في الـوركـاء.

وفـتـحـت الـقـاعـات الـبـابـلـيـة لـزوّار مـتـحـف بـرلـيـن بـعـد اكـتـمـالـهـا الـنّـهـائي عـام 1936.

خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة :

وعـنـدمـا انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة عـام 1939، وضـعـت كـل قـطـع الـمـتـحـف الأثـريـة في صـنـاديـق لـتـحـفـظ في قـاعـات مـحـصّـنـة بـيـنـمـا شـيّـدت جـدران مـن الـطّـابـوق لـحـمـايـة بـوابـة عـشـتـار ودرب الـمـواكـب والأجـزاء الـمـشـيّـدة الأخـرى. ولـكـنّ قـصـف بـرلـيـن في نـهـايـة الـحـرب، والّـذي أدّى إلى انـهـيـار أجـزاء مـن الـمـتـحـف، عـرّض الأجـزاء الـمـشـيّـدة في الأقـسـام الـبـابـلـيـة لـلـتـخـريـب والـقـطـع الأثـريـة لـلـنـهـب. ولـم يـسـلـم مـا تـبـقى مـنـهـا إلّا بـعـد أن دخـلـت الـقـوّات الـسّـوفـيـتـيـة بـرلـيـن ووضـعـت جـنـوداً لـحـراسـة الـمـتـحـف والـكـنـوز الّـتي يـحـتـوي عـلـيـهـا.

وقـد أعـيـد بـعـد انـتـهـاء الـحـرب تـشـيـيـد مـا تـهـدّم مـن الـمـتـحـف، وتـرمـيـم مـا تـخـرّب مـنـه، وأعـيـدت مـجـمـوعـات الـقـطـع الأثـريـة إلى قـاعـاتـهـا ورمـمـت بـوابـة عـشـتـار ودرب الـمـواكـب ومـا تـبـقى مـن واجـهـة قـاعـة الـعـرش، وهـو مـا يـمـكـن لـكـلّ زوار الـمـتـحـف أن يـتـأمـلـوه في أيّـامـنـا هـذه.

وفي عـام 1946، وكـان في الـحـاديـة والـسّـبـعـيـن مـن عـمـره، عـيّـن فـالـتـر أنـدريـه أسـتـاذاً لـلـهـنـدسـة الـمـعـمـاريـة وتـاريـخ الـمـعـمـار في مـعـهـد بـرلـيـن الـتّـكـنـولـوجي الّـذي أصـبـح “الـجـامـعـة الـتّـكـنـولـوجـيـة”، واسـتـمـرّ في الـتّـدريـس إلى عـام 1951، ثـمّ أصـبـح رئـيـسـاً فـخـريـاً لـلـجـامـعـة عـام 1952، أربـع سـنـوات قـبـل وفـاتـه عـام 1956.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  فـالـتـر أنـدريـه، عـالـم آثـار ورسّـام

 

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري.

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.