كـيـف شـيّـد فـالـتـر أنـدريـه بـوابـة عـشـتـار في مـتـحـف بـرلـيـن

الـدكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري

قـصـصـت عـلـيـكـم في مـقـال سـابـق كـيـف وصـل الألـمـاني  فـالـتـر أنـدريـه Walter ANDRAE  إلى الـعـراق في عـام 1899 لـيـشـارك في الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة الألـمـانـيـة في مـوقـع بـابـل الّـتي أشـرف عـلـيـهـا  روبـرت كـولـدفـيـه Robert KOLDEWE، وكـيـف بـقي في بـابـل إلى عـام 1903 ثـمّ عُـهـد إلـيـه بـالإشـراف عـلى الـتّـنـقـيـبـات في قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة) والّـتي قـادهـا حـتّى عـام 1914.

كـمـا أريـتـكـم عـدداً مـن تـخـطـيـطـاتـه ورسـومـه بـأقـلام الألـوان وبـالألـوان الـمـائـيـة الّـتي نـفّـذهـا طـيـلـة كـلّ تـلـك الـسّـنـوات عـن مـواقـع الآثـار والـمـنـاطـق الّـتي زارهـا والـنّـاس الّـذيـن الـتـقى بـهـم. (1)

وأكـمـل في هـذا الـمـقـال الـحـديـث عـن اسـتـمـراره، بـعـد أن أنـهى الـتّـنـقـيـبـات وعـاد إلى ألـمـانـيـا، في جـهـوده لـدراسـة الـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا وفي نـشـر نـتـائـج الـتّـنـقـيـبـات الّـتي مـا زالـت تـعـتـبـر مـن الـمـصـادر الأسـاسـيـة لـدراسـة تـاريـخ بـابـل ومـديـنـة آشـور. وإلى جـانـب ذلـك اسـتـمـرّ في تـجـمـيـع كـسـر الـطّـابـوق الـمـزجـج الألـوان وإعـادة تـشـكـيـل صـور الـثّـيـران والـحـيـوانـات الـخـرافـيـة (الـتّـنـيـنـات) الّـتي كـانـت تـغـطي جـدران بـوابـة عـشـتـار والأسـود الـمـتـتـابـعـة عـلى جـانـبي درب الـمـسـيـرات.

وقـد صـمـم مـشـروعـه لإعـادة تـشـيـيـد “بـوابـة عـشـتـار” و “درب الـمـواكـب” في قـاعـات مـتـحـف بـرلـيـن عـلى الـورق بـعـشـرات الـتّـخـطـيـطـات والـرّسـوم الـمـائـيـة الّـتي مـا زال الـمـتـحـف يـحـتـفـظ مـنـهـا بـأعـداد كـبـيـرة (مـثـل رسـمـه لـلـبـوابـة الّـذي وضـعـتـه في بـدايـة الـمـقـال) حـتّى تـوصّـل إلى تـنـفـيـذه.

ومـا زال زوّار الـمـتـحـف يـتـأمـلـون بـذهـول الـبـوابـة الـمـتـلامـعـة الـزّرقـة بـثـيـرانـهـا وتـنـيـنـاتـهـا. ويـعـتـقـد أغـلـب هـؤلاء الـزّوار أنّ الـمـنـقـبـيـن خـلـعـوا الـبـوابـة مـن بـابـل ونـصـبـوهـا في بـرلـيـن ! وقـد قـلـدنـاهـا نـحـن أنـفـسـنـا ونـصـبـنـا مـنـهـا نـسـخـاً مـعـتـقـديـن أنّـهـا بـوابـتـنـا الأصـلـيـة !

بوابة عشتار 3برلين

وسـأعـيـد بـعـض مـا كـنـت قـد ذكـرتـه في الـمـقـال الـسّـابـق لـنـسـتـطـيـع مـتـابـعـة جـهـود فـالـتـر أنـدريـه مـن الـبـدايـة :

بـدايـات فـالـتـر أنـدريـه :

رأيـنـا في الـمـقـال الـسّـابـق كـيـف اخـتـار روبـرت كـولـدفـيـه Robert KOLDEWE الـمـسـؤول عـن بـعـثـة الـتّـنـقـيـبـات الألـمـانـيـة في بـابـل فـالـتـر أنـدريـه لـيـسـاعـده كـرسّـام يـعـمـل مـعـه في الـمـوقـع.

ونـتـذكّـر كـيـف بـدأت الـتّـنـقـيـبـات في بـابـل في 26 آذار 1899، وفـيـهـا تـعـلّـم فـالـتـر أنـدريـه مـن كـولـدفـيـه مـنـاهـج الـتّـنـقـيـبـات الـحـديـثـة. وكـانـت تـلـك بـدايـة حـيـاة جـديـدة لـه كـرّسـهـا حـتّى وفـاتـه لـدراسـة آثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن. كـمـا تـعـلّـم مـن كـولـدفـيـه طـريـقـة رسـم الآثـار والـقـطـع الأثـريـة.

ونـتـذكّـر أيـضـاً كـيـف بـدأ روبـرت كـولـدفـيـه تـنـقـيـبـاتـه الـبـابـلـيـة في تـلّ الـقـصـر الّـذي وجـدت فـيـه كِـسـر طـابـوق جـعـلـتـه يـخـمّـن أن الـمـوقـع كـان عـلـيـه بـنـاء مـهـمّ غـطّـت جـدرانـه قـطـع فـنّـيـة شـديـدة الـدّقّـة والـمـهـارة عـلـيـهـا تـصـاويـر حـيـوانـات خـرافـيـة “تـنّـيـنـات” وثـيـران قـلـيـلـة الـبـروز. وكـان بـعـض هـذا الـطّـابـوق مـزجـج الألـوان مـسـطـحـاً أو عـلـيـه تـصـاويـر قـلـيـلـة الـبـروز. وقـد عـهـد كـولـدفـيـه إلى فـالـتـر أنـدريـه بـإعـادة تـركـيـب الـطّـابـوق الـمـزجـج الّـذي وجـده مـهـشـمـاً في الـمـوقـع.

وأدرك كـولـدفـيـه أن شـظـايـا الـطّـابـوق تـسـاقـطـت مـمـا كـان في الـمـاضي بـوابـة عـشـتـار ودرب الـمـواكـب الّـذي كـان يـفـضي إلـيـهـا، والّـذي كـان مـرصـوفـاً بـالـحـجـارة وعـلى جـانـبـيـه جـداران مـن الـطّـابـوق. وكـان درب الـمـواكـب يـمـتـدّ مـسـتـقـيـمـاً عـلى حـوالي 900 مـتـراً، تـزيـنـه أسـود مـتـتـابـعـة مـن الـجـانـبـيـن. ويـقـدر عـدد هـذه الأسـود في زمـن إعـادة نـبـوخـذ نـصـر الـثّـاني (حـكـم مـن 605 إلى 562 قـبـل الـمـيـلاد) لـتـشـيـيـد الـدّرب بـحـوالي 120 أسـداً.

وكـانـت بـوابـة عـشـتـار في الـحـقـيـقـة بـوابـتـيـن تـنـفـتـحـان الـواحـدة عـلى الأخـرى مـن جـانـبي الـسّـور الـمـزدوج. وبـعـد أن أزيـحـت أطـنـان مـن الـتّـراب ظـهـرت الـبـوابـة الـدّاخـلـيـة الّـتي يـفـضي إلـيـهـا درب الـمـواكـب، وكـانـت لا تـزال تـرتـفـع 12 مـتـراً، تـزيـنـهـا صـفـوف يـعـلـو الـواحـد مـنـهـا الآخـر مـن الـثّـيـران والـتّـنـيـنـات.

Iraq. Babylon. The Ishtar Gate

(بـقـايـا بـوابـة عـشـتـار في بـابـل عـام 1932، صـورة مـن مـجـمـوعـة إريـك مـاتـسـون)

بوابة عشتار كولدفيه  (تـخـطـيـط رسـمـه روبـرت كـولـدفـيـه في الـمـوقـع)

وقـد اسـتـنـتـج الـمـنـقّـبـون أنّـه كـان عـلـيـهـا في الأصـل 575 ثـوراً وتـنـيـنـاً عـلى 13 صـفّ. ولأنّ الـدّرب رفـع مـسـتـواه عـدّة مـرّات فـقـد غـارت الـصّـفـوف الـسّـفـلى مـن الـحـيـوانـات الـبـارزة الـنّـحـت في بـاطـن الأرض.

وكـان الأزرق الـلـون الأكـثـر اسـتـعـمـالاً وخـاصـة في الـخـلـفـيـات، أمّـا الـحـيـوانـات فـقـد كـانـت تـتـتـابـع أمّـا بـيـضـاء أو بـنّـيـة مـصـفـرّة. وكـان الأسـد رمـزاً لـلإلـهـة عـشـتـار والـتّـنـيـن الـثّـعـبـاني الـرأس رمـز الإلـه مـردوخ، أمّـا الـثّـور فـقـد كـان رمـز الإلـه حـدّاد (أداد).

وكـان الـطّـابـوق الّـذي جـمّـعـه فـالـتـر يـصـوّر أسـوداً حـولـهـا زهـور مـنـقـوشـة كـانـت تـغـطي جـوانـب درب الـمـسـيـرات،

Andrae 2

ويـصـوّر أسـوداً حـولـهـا سـعـف وأغـصـان لـولـبـيـة كـانـت عـلى واجـهـة قـاعـة الـعـرش.

وبـعـد أن اشـتـغـل فـالـتـر أنـدريـه عـلى شـظـايـا الـطّـابـوق عـامـاً كـامـلاً يـضـع الـقـطـع الـصـغـيـرة الـواحـدة بـجـنـب الأخـرى ويـؤلـف بـيـنـهـا اسـتـطـاع إعـادة تـركـيـب بـعـضـهـا، ولـو جـزئـيـاً.

وكـان، إلى جـانـب اشـتـغـالـه لـيـلاً ونـهـاراً بـإعـادة تـركـيـب شـظـايـا الـطّـابـوق لإيـجـاد ألـوان الأسـود الـبـابـلـيـة، يـرسـم مـخـطـطـات الـمـواقـع والـقـطـع الأثـريـة ويـسـاعـد كـولـدفـيـه في أعـمـال الـتّـنـقـيـبـات الأخـرى.

وقـد اسـتـمـرّ فـالـتـر أنـدريـه في الـعـمـل في بـابـل إلى عـام 1903، ثـمّ عُـهـد إلـيـه بـالأشـراف عـلى تـنـقـيـبـات قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور الـقـديـمـة، أولى عـواصـم الـدّولـة الآشـوريـة) والّـتي قـادهـا حـتّى عـام 1914.

سـنـوات الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى :

وبـعـد أن انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى، إسـتـدعي فـالـتـر أنـدريـه لـيـشـارك فـيـهـا. وأرسـل إلى جـبـهـة الـقـتـال في فـرنـسـا عـام 1915، ثـمّ أرسـل لـيـخـدم تـحـت أوامـر الـفـيـلـد مـارشـال فـون ديـر غـولـتـس الـمـعـروف بـغـولـتـس بـاشـا (أو غـولـتـز بـاشـا لـلّـذيـن لا يـحـسـنـون الـلـفـظ الألـمـاني) الّـذي عـهـد إلـيـه بـقـيـادة جـيـش عـثـمـاني كـان يـحـاول إيـقـاف تـقـدّم الـقـوات الـبـريـطـانـيـة أمـام الـكـوت. وقـد بـعـث لـه الـجـيـش الألـمـاني بـعـض عـلـمـاء الآثـار الّـذيـن نـقّـبـوا في الـعـراق كـمـسـتـشـاريـن لـيـنـتـفـع مـن تـجـاربـهـم ومـعـرفـتـهـم بـالـبـلـد وأهـلـه. وهـكـذا نـزل فـالـتـر أنـدريـه مـن حـلـب في مـركـب عـلى الـفـرات نـحـو بـغـداد.

وقـد نـجـح غـولـتـس بـاشـا في حـصـار الـبـريـطـانـيـيـن في الـكـوت وهـزمـهـم هـزيـمـة كـامـلـة. وقـضى فـالـتـر أنـدريـه سـنـوات الـحـرب بـيـن الـعـراق وسـوريـا وفـلـسـطـيـن، مـا عـدا إجـازة قـصـيـرة عـاد فـيـهـا إلى أوربـا لـرؤيـة زوجـتـه وابـنـه الـصّـغـيـر. وقـضـوا جـزءاً مـنـهـا عـلى سـواحـل بـحـيـرة كـونـسـتـانـس الّـتي تـقـع بـيـن ألـمـانـيـا والـنّـمـسـا وسـويـسـرة. وهـنـاك اشـتـرى مـنـزلاً ريـفـيـاً صـغـيـراً قـبـل أن يـعـود إلى جـبـهـة الـشّـرق.

وبـعـد أن خـسـر الألـمـان وحـلـفـاؤهـم الـعـثـمـانـيـون الـحـرب، أعـيـد مـن لـم يـقـتـل مـن الـجـنـود والـضّـبـاط إلى ألـمـانـيـا عـام 1919.

عـلى سـواحـل بـحـيـرة كـونـسـتـانـس :

وقـضى فـالـتـر أنـدريـه سـنـتـيـن، مـن 1919 إلى 1921 في مـنـزلـه قـرب بـحـيـرة كـونـسـتـانـس يـنـظّـم مـلاحـظـاتـه الّـتي كـان قـد سـجّـلـهـا عـن تـنـقـيـبـات قـلـعـة الـشّـرقـاط، ويـكـمـل مـا مـنـعـتـه سـنـوات الـحـرب مـن إكـمـالـه لـنـشـر نـتـائـجـهـا ودراسـة الـقـطـع الأثـريـة الّـتي كـان قـد وجـدهـا وإعـادة تـركـيـب مـا تـكـسـر مـنـهـا وتـطـايـر شـظـايـا. وقـد فـكّـر خـلال سـنـتَي الـبـطـالـة تـلـك أن يـفـتـح مـرسـمـاً ويـمـتـهـن الـفـنّ.

في مـتـحـف بـرلـيـن :

وعـنـدمـا قـرر روبـرت كـولـدفـيـه عـام 1921 أن يـتـوقّـف عـن الإشـراف عـلى قـسـم آثـار الـشّـرق الأدنى في مـتـحـف بـرلـيـن، بـعـد سـنـوات طـويـلـة مـن جـهـود مـتـواصـلـة في عـلـم الآثـار، اقـتـرح أن يـحـلّ فـالـتـر أنـدريـه مـحـلّـه. وعـيّـن فـالـتـر الّـذي وصـل إلى بـرلـيـن لـلإقـامـة فـيـهـا مـع عـائـلـتـه. وبـدأ، إلى جـانـب الـمـحـاضـرات الّـتي طـلـب مـنـه أن يـلـقـيـهـا عـلى طـلاب مـعـهـد الـتّـقـنـيـة، بـالـعـمـل مـع مـسـاعـديـه عـلى صـنـاديـق قـطـع الآثـار الّـتي جـلـبـت مـن تـنـقـيـبـات الـعـراق وخـزنـت في الـمـتـحـف.

طابوق بابل

وفي عـام 1925، إسـتـطـاع أن يـقـنـع الـمـسـؤولـيـن الـبـرتـغـالـيـيـن بـإعـادة الـصّـنـاديـق الّـتي تـحـتـوي عـلى الـقـطـع الأثـريـة الّـتي كـان قـد وجـدهـا في تـنـقـيـبـات قـلـعـة الـشّـرقـاط والّـتي حـمّـلـت في الـبـصـرة، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، عـلى بـاخـرة أوصـلـتـهـا إلى لـشـبـونـة.

وبـعـد أن تـوفي روبـرت كـولـدفـيـه عـام 1925، أصـبـح فـالـتـر أنـدريـه مـشـرفـاً عـلى نـشـر مـا لـم يـكـتـمـل نـشـره بـعـد مـن نـتـائـج تـنـقـيـبـات بـابـل إلى جـانـب عـمـلـه في إكـمـال جـرد الآثـار الّـتي وجـدهـا في قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور) وتـصـنـيـفـهـا.

وفي حـوالي مـنـتـصـف عـام 1926، وصـلـت إلى بـرلـيـن رسـالـة مـن جـيـرتـرود بـيـل Gertrude Bell تـذكـر فـيـهـا أنّ الـحـكـومـة الـعـراقـيـة قـررت إعـادة الـصّـنـاديـق الـضّـخـمـة الّـتي تـحـتـوي عـلى الـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا الألـمـان في تـنـقـيـبـات بـابـل وبـقـيـت فـيـهـا مـنـذ 1917 ! وكـانـت الـصّـنـاديـق تـحـتـوي عـلى حـوالي 300  ألـف كـسـرة مـن الـطّـابـوق، وبـعـضـه مـزجـج الألـوان، الّـتي عـثـر عـلـيـهـا في تـلّ الـقـصـر.

وكـانـت جـيـرتـرود بـيـل قـد زارت الـتّـنـقـيـبـات الألـمـانـيـة في بـابـل عـام 1909،

جرترود بيل في بابل

كـمـا زارت مـرتـيـن في تـلـك الـفـتـرة تـقـريـبـاً مـوقـع تـنـقـيـبـات قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور) وربـطـتـهـا عـلاقـات صـداقـة بـفـالـتـر أنـدريـه.

وصـادف أن أفـرغ الـجـنـاح الـجـنـوبي مـن قـسـم آثـار الـشّـرق الأدنى في تـلـك الـفـتـرة، ونـقـلـت الآثـار الـمـصـريـة الّـتي كـانـت فـيـه إلى جـانـب آخـر مـن مـتـحـف بـرلـيـن، فـسـنـحـت الـفـرصـة لـتـخـصـيـص هـذا الـجـنـاح لآثـار بـابـل وقـلـعـة الـشّـرقـاط (مـديـنـة آشـور) وطـرحـت فـكـرة إعـادة تـشـيـيـد بـعـض الـمـبـاني الـقـديـمـة فـيـه.

وقـد قـررت الـحـكـومـة الألـمـانـيـة إرسـال فـالـتـر أنـدريـه إلى بـغـداد لـتـنـظـيـم عـمـلـيـات نـقـل الـصّـنـاديـق إلى بـرلـيـن، واخـتـارت لـمـسـاعـدتـه عـالـم الآثـار يـولـيـوس يـوردان Julius Jordan.

وفي الـطّـريـق، سـمـع فـالـتـر أنـدريـه بـوفـاة جـيـرتـرود بـيـل، ولـكـنّـه، عـنـدمـا وصـل إلى بـغـداد، وجـد أنّ الـمـسـؤولـيـن في الـعـراق لـم يـغـيـروا رأيـهـم في إرسـال الـصّـنـاديـق إلى بـرلـيـن.

وذهـب إلى بـابـل ووجـد الـصّـنـاديـق بـكـامـلـهـا في بـيـت الـمـنـقّـبـيـن، ولـكـنّ أغـلـب أخـشـابـهـا كـانـت قـد اهـتـرأت وتـكـسّـرت. وعـنـدمـا سـمـع عـمّـالـهـم الّـذيـن كـانـوا مـعـهـم في الـتّـنـقـيـبـات بـرجـوع فـالـتـر أنـدريـه جـاءوا مـن الـحـلّـة والـقـرى الـقـريـبـة مـنـهـا لـيـحـيـوه ولـيـسـاعـدوه في إصـلاح الـصّـنـاديـق،

أندريه 1926

وفي نـقـل الـقـطـع الأثـريـة عـلى مـتـن مـركـب نـقـلـهـا إلى الـبـصـرة.

وفي 20 كـانـون الـثّـاني 1927، وصـل إلى بـرلـيـن 536 صـنـدوقـاً مـن بـابـل كـان بـيـنـهـا 400 مـلـيـئـة بـكـسـر طـابـوق مـزجـج الألـوان.

ونـتـج أيـضـاً عـن زيـارة فـالـتـر أنـدريـه لـبـغـداد تـوصـلـه إلى إقـنـاع الـمـسـؤولـيـن بـقـبـول بـعـثـة ألـمـانـيـة لإكـمـال الـتّـنـقـيـبـات الّـتي كـان قـد بـدأهـا مـع زمـلائـه في الـوركـاء عـام 1913. وبـدأت الـحـفـريـات في الـعـام الـتّـالي، 1928، وأشـرف عـلـيـهـا فـالـتـر أنـدريـه مـن مـكـتـبـه في بـرلـيـن.

وقـد بـدأت جـهـود فـالـتـر أنـدريـه في إخـراج حـطـام الـطّـابـوق مـن صـنـاديـقـهـا وتـجـمـيـعـهـا لـتـشـكّـل مـنـحـوتـات قـلـيـلـة الـبـروز في نـهـايـة عـام 1927. وقـد جـرت هـذه الأعـمـال في إحـدى قـاعـات الـمـتـحـف.

ونـظّـفـت الـقـطـع ورتّـبـت لـتـكـوّن صـور حـيـوانـات ونـبـاتـات وأشـكـال زخـرفـيـة ثـمّ جـمـعـت في ألـواح واسـعـة. ولـمـلأ الـفـراغـات والـثّـغـرات الـواسـعـة طـلـب فـالـتـر أنـدريـه مـن ثـلاثـة مـعـامـل لـصـنـع الـخـزف في بـرلـيـن أن تـحـاول الـتّـوصـل إلى إنـتـاج طـابـوق مـزجـج الألـوان يـقـتـرب مـمـا كـان يـصـنـعـه الـبـابـلـيـون.

واشـتـغـل فـالـتـر أنـدريـه في نـفـس الـوقـت في تـخـطـيـط مـشـروعـه لإعـادة تـشـيـيـد بـوابـة عـشـتـار

أندريه بوابة برلين

ودرب الـمـواكـب ورسـمـه بـالألـوان الـمـائـيـة،

ولـكـنّ أوّل عـائـق صـادفـه هـو أنّـه لا يـسـتـطـيـع تـوسـيـع مـقـايـيـس قـاعـات الـمـتـحـف الّـتي وضـعـت تـحـت تـصـرفـه، فـكـان عـلـيـه أن يـعـدّل مـقـايـيـس مـشـروعـه لـيُـركّـب بـوابـة ودربـاً أصـغـر في قـاعـات الـمـتـحـف !

واسـتـمـرّ الـعـمـل عـلى تـركـيـب الـطّـابـوق مـن الـكـسـر الـمـهـشـمـة وتـشـكـيـلـهـا في صـور مـقـبـولـة الأشـكـال وفي ألـواح واسـعـة لـتـشـيـيـد الـبـوابـة والـدّرب حـتّى بـدايـة ثـلاثـيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي. وقـلّـت الـمـبـالـغ الـمـخـصـصـة لـهـا، مـمـا أجـبـر فـالـتـر أنـدريـه عـلى إضـاعـة جـزء مـن وقـتـه في مـفـاوضـات مـسـتـمـرة مـع مـسـؤولي وزارة الـمـالـيـة.

ولـكـثـرة الـقـطـع الـمـحـطّـمـة الّـتي جـلـبـت مـن بـابـل الّـتي ركّـبـت مـنـهـا تـصـاويـر حـيـوانـات ونـبـاتـات والّـتي فـاضـت عـن احـتـيـاج فـالـتـر أنـدريـه لإعـادة تـشـيـيـد بـوابـة عـشـتـار ودرب الـمـواكـب بـالـمـقـايـيـس الّـتي أُجـبـر عـلى تـصـغـيـرهـا، فـقـد اقـتـرح إهـداء بـعـضـهـا لـلـمـتـحـف الـعـراقي في بـغـداد وبـيـع مـا تـبـقى مـنـهـا لـمـتـاحـف أوربـيـة وأمـريـكـيـة. وهـكـذا اسـتـطـاع بـالـمـبـالـغ الـمـكـتـسـبـة الاسـتـمـرار في مـشـروعـه.

وقـد اسـتـمـرّ فـالـتـر أنـدريـه مع مـسـاعـديـه بـالـقـيـام بـعـدد مـن الـمـهـمّـات في نـفـس الـوقـت : جـرد الـقـطـع الأثـريـة الّـتي عـثـر عـلـيـهـا في مـوقـع الـوركـاء مـنـذ عـام 1928 وتـصـنـيـفـهـا والإشـراف عـلى نـشـر نـتـائـجـهـا، إلى جـانـب نـشـره لـدراسـاتـه عـن آثـار قـلـعـة الـشّـرقـاط (مـوقـع مـديـنـة آشـور الـقـديـمـة)، والإشـراف عـلى أعـمـال الـبـنـاء في قـاعـات آثـار بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن، وتـدريـسـه في مـعـهـد الـتّـكـنـولـوجـيـا في بـرلـيـن.

وقـد اكـتـمـل في عـام 1930 تـشـيـيـد الأجـزاء الـرّئـيـسـيـة مـن الـمـشـروع : بـوابـة عـشـتـار بـارتـفـاعـهـا الـبـالـغ  14 مـتـراً و 73 سـم. وبـعـرض 15 مـتـراً و 70 سـم. :

بوابة عشتار 3برلين

ودرب الـمـواكـب الّـذي امـتـدّ داخـل الـمـتـحـف 30 مـتـراً وبـعـرض ثـمـانـيـة أمـتـار. ويـرتـفـع الـجـداران الـمـحـيـطـان بـه 12 مـتـراً و 50 سـم. :

 

بـيـنـمـا اسـتـمـرّ الـعـمـل عـلى الأجـزاء الـبـاقـيـة.

وفي عـام 1932، قـام فـالـتـر أنـدريـه بـسـفـرة إلى سـوريـا والـعـراق زار خـلالـهـا الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة وخـاصـة تـنـقـيـبـات الألـمـان في الـوركـاء.

وفـتـحـت الـقـاعـات الـبـابـلـيـة لـزوّار مـتـحـف بـرلـيـن بـعـد اكـتـمـالـهـا الـنّـهـائي عـام 1936.

خـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة :

وعـنـدمـا انـدلـعـت الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثّـانـيـة عـام 1939، وضـعـت كـل قـطـع الـمـتـحـف الأثـريـة في صـنـاديـق لـتـحـفـظ في قـاعـات مـحـصّـنـة بـيـنـمـا شـيّـدت جـدران مـن الـطّـابـوق لـحـمـايـة بـوابـة عـشـتـار ودرب الـمـواكـب والأجـزاء الـمـشـيّـدة الأخـرى. ولـكـنّ قـصـف بـرلـيـن في نـهـايـة الـحـرب، والّـذي أدّى إلى انـهـيـار أجـزاء مـن الـمـتـحـف، عـرّض الأجـزاء الـمـشـيّـدة في الأقـسـام الـبـابـلـيـة لـلـتـخـريـب والـقـطـع الأثـريـة لـلـنـهـب. ولـم يـسـلـم مـا تـبـقى مـنـهـا إلّا بـعـد أن دخـلـت الـقـوّات الـسّـوفـيـتـيـة بـرلـيـن ووضـعـت جـنـوداً لـحـراسـة الـمـتـحـف والـكـنـوز الّـتي يـحـتـوي عـلـيـهـا.

وقـد أعـيـد بـعـد انـتـهـاء الـحـرب تـشـيـيـد مـا تـهـدّم مـن الـمـتـحـف، وتـرمـيـم مـا تـخـرّب مـنـه، وأعـيـدت مـجـمـوعـات الـقـطـع الأثـريـة إلى قـاعـاتـهـا ورمـمـت بـوابـة عـشـتـار ودرب الـمـواكـب ومـا تـبـقى مـن واجـهـة قـاعـة الـعـرش، وهـو مـا يـمـكـن لـكـلّ زوار الـمـتـحـف أن يـتـأمـلـوه في أيّـامـنـا هـذه.

وفي عـام 1946، وكـان في الـحـاديـة والـسّـبـعـيـن مـن عـمـره، عـيّـن فـالـتـر أنـدريـه أسـتـاذاً لـلـهـنـدسـة الـمـعـمـاريـة وتـاريـخ الـمـعـمـار في مـعـهـد بـرلـيـن الـتّـكـنـولـوجي الّـذي أصـبـح “الـجـامـعـة الـتّـكـنـولـوجـيـة”، واسـتـمـرّ في الـتّـدريـس إلى عـام 1951، ثـمّ أصـبـح رئـيـسـاً فـخـريـاً لـلـجـامـعـة عـام 1952، أربـع سـنـوات قـبـل وفـاتـه عـام 1956.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  فـالـتـر أنـدريـه، عـالـم آثـار ورسّـام

 

©  حـقـوق الـنّـشـر مـحـفـوظـة لـلـدّكـتـور صـبـاح كـامـل الـنّـاصـري.

يـرجى طـلـب الإذن مـن الـكـاتـب قـبـل إعـادة نـشـر هـذا الـمـقـال.

Advertisements

نُشرت بواسطة

alnasserys

صـبـاح الـنّـاصـري، دكـتـور في الآداب، مـقـيـم في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي في فـرنـسـا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s